قاسيون… الجبل الذي لا يُروّض/ آلاء عامر

15 يوليو 2025
يُقال إن لكل جبلٍ يعانق مدينة حكاية، لكني أعرف جبلاً لم يكتفِ بحكايةٍ واحدة، بل نُسجت حوله الأساطير، وتوارثت الأديان قصصه، حتى صار في الوجدان أكثر من صخر. صار جبلاً مقدّساً، شاهداً على الزمن، وحاملاً لأسرار التاريخ. سأخبركم عن جبل قاسيون وعن سرِّ هالةِ القداسة التي تُظلّله.
ولماذا لا يمكن التعاملَ معه كمجردِ مكانٍ للاستجمام والسياحة. فخطيئة العبث بالجبل، ستجرُ على الشام غضب قاسيون، الجبل الذي سُمّي قاسيون لقسوته، قسوةٌ جرّدته من الحياة، فصار صخراً أجرد، صامتاً وغاضباً وصار قاسيون.
من يراه مساحةً “للاستثمار”، أو فرصةً لصناعة مشهدٍ سياحي، لا شك أنه لا يعرف لا تاريخ الجبل ولا قدسيته. ومن يُجرّب ترويض قسوة قاسيون، لا يعرف أنه لن يأمن غضبه. وقد فعلها من قبل.
حين غضب على “الفرقة الرابعة” التابعة لنظام الأسد التي استباحته فطردها من حضنه. لعلّ هذه الكلمات تكون إنذاراً خفيفاً، قبل أن يعلو صوت قاسيون من جديد، ويُذكّر المدينة بمن يكون.
حين بكى قاسيون على هابيل
لم يكتسب جبل قاسيون قسوته عن عبث، فبالقرب من قمته يقف مقامٌ قديم تحفّه قبةٌ خضراء، يعرفه أهل دمشق بـ”مغارة الدم”. هذه المغارة التي تحمل بين جدرانها صدى أول جريمة ارتُكبت في التاريخ، حين قتل “قابيل” أخيه “هابيل”.
أهل الشام، الذين رافقهم الجبل منذ أن عُرفت المدينة، يعرفون أن المغارة ليست مكانا مقدّساً فحسب، بل رمزا لوجعٍ لا ينتهي. وجعٌ يشبه وجع المدينة نفسها ويلقي بلعنته القديمة عليها. ويعود سبب تسميتها بـ”مغارة الدم” إلى وجود صخرة حمراء اللون بداخلها، يُعتقد أنها تمثل الأداة التي قتل بها قابيل أخيه هابيل أو أنها آثار دم هابيل الذي لن يجف أبداً، كما يوجد في المغارة شقٌّ يقطر منه الماء يُقال إنها دموع الجبل الذي كان شاهداً على الجريمة، ويُقال إن الجبل شهق لهول الجريمة فظهرت مغارة صغيرة على شكل فم مفتوح، كشاهد حي على تلك اللحظة المروعة.
وبالقرب من مغارة الدم يقع كهف جبريل، وهو مكان مركزي في أسطورة جبل قاسيون، إذ يُعتقد أن الملائكة، بقيادة جبريل عليه السلام، جاءت إلى هذا الكهف لتعزية آدم عليه السلام على فقدان ابنه هابيل.
وتُعرف مغارة الدم أيضا باسم “مغارة الأربعين”، وفوقها بُني مسجد الأربعين، وفيه أربعون محراباً، نسبةً إلى الأبدال الأربعين، أولئك الصالحين الذين كما تقول الروايات، يحمون الشام.
وقد رُوي في مسند الإمام أحمد بن حنبل، بإسناد حسن عن سيدنا علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، عن النبي – عليه الصلاة والسلام – أنه قال: “الأبدال في الشام، وهم أربعون رجلاً، كلما مات رجلٌ أبدل الله مكانه رجلاً؛ يُسقى بهم الغيث، ويُنتصر بهم على الأعداء، ويُصرف بهم عن أهل الشام العذاب”. من هنا، لم تكن مغارة الدم مجرد مكان مقدّس، بل موضعاً تتقاطع فيه الجريمة الأولى مع الحماية الإلهية، وتلتقي فيه لعنة الدم الأولى مع رجاء الغيث والنصرة والنجاة.
الجبل الذي صلّى فيه المسيح
ليس قاسيون ملكا لدينٍ واحد، بل هو جبلٌ مقدّس عند الدمشقيين، بمسيحييهم ومسلميهم، كلٌّ منهم يرى فيه مرآة لروحه، ومأوى لحاجاته، وموضعاً للدعاء. ففي سفحه صلى المسيح، ومعه الحواريون، ورفعوا أيديهم نحو السماء، بين صخورٍ لا تزال تحتفظ بصدى صلواتهم وهمساتهم.
يقول الإمام ابن عباس: “موضع الدم في جبل قاسيون موضع شريف. صلى فيه عيسى بن مريم والحواريون، فمن أتى ذلك الموضع فلا يقصُر عن الصلاة والدعاء، فإنه موضع الحوائج”. ومنذ ذلك الزمن، صار المكان مقصداً للراغبين في الرحمة، للذين لا يجدون في الأرض إجابة، فيلجأون إلى قاسيون، في صمت الجبل، يهمس الدمشقيّ بدعائه، يترك همّه عند صخرة، ويرجو أن يجيبه جبلٌ لا يتكلّم، لكنه يُصغي.
كيف لا يصغي، وهو الذي آوى أربعين نبيّاً في لحظة ضعفٍ وعزلة؟ ففي أعلى قاسيون تقع مغارة الجوعة، التي احتمى فيها أربعون نبيّاً هرباً من الكفار، وكان معهم رغيف خبزٍ واحد فقط. كلٌّ منهم آثر صاحبه، حتى ماتوا جميعاً من الجوع. أرأيتم كيف أن قاسيون قاسٍ؟ لكن هذه القسوة ليست عبثاً، بل هي قسوة تمنح الجبل عمقاً وروحاً تتجاوز الصخر والعلو. إن محاولة تقليم أظافره بالسياحة والاستجمام، ما هي إلا إهانة لقسوته وعظمته، وعبثٌ يُهين أساطيره ويقلل من قدسيته.
وفي سفح الجبل، يقع حي الصالحية، وهي منطقة عمرانية نشأت على يد العلماء والمهاجرين من القدس عقب الاحتلال الصليبي لفلسطين، وكان من أبرز ما شيّد فيها جامع الحنابلة المعروف بـ”الجامع المظفري”، الذي تحوّل إلى مدرسة علمية وروحية يقصدها طلاب الشريعة والمتصوفة.
كتاب “جامع الحنابلة المظفري بصالحية جبل قاسيون” يوثّق هذا الدور العلمي والروحي للجبل، وكيف أصبح مقصداً لأهل العلم والعبادة، حيث تأسس هذا الجامع عام 1211، على يد الأمير مظفر الدين، واحتضن حلقات علم وتصوف، وقد ساهم في ترسيخ قدسية المكان، حتى أضحى جزءا من هوية قاسيون.
مقامات الصبر والثبات على سفوح قاسيون
في “تاريخ دمشق” لابن عساكر، نقرأ أن أنبياءً كثيرين، منهم إبراهيم وذو الكفل وأيوب عليهم السلام، صلى كل منهم على صخور قاسيون المقدسة. وها هو ياقوت الحموي يؤكّد في معجم البلدان قدسية الجبل قائلاً: “وفي سفحه مقبرة أهل الصلاح، وهو جبل معظّم مقدّس، تحكي صخورُه قصص الصابرين والصالحين”، فبين صخور جبل قاسيون، تتلاقى قدسية الصبر مع قسوة الطبيعة، فعلى سفحٍ من سفوح قاسيون يقف مقام النبي يونس بهدوء يشبه صبر صاحبه في بطن الحوت.
إذ يؤمن الدمشقيون بأن يونس عليه السلام مرّ من هنا، من قاسيون، وصلّى في هذا الموضع الذي صار محجّاً لأهل الدعاء وموضعاً لاستجابة الرجاء. ويحتضن الجبل أيضا مقام النبي ذو الكفل عليه السلام، أحد الأنبياء الذين ذُكروا في القرآن الكريم، والذين اشتهروا بالصبر والثبات.
وفي إحدى منحدرات قاسيون، يرقد الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، أحد أعظم المتصوّفة في تاريخ الإسلام، والذي اختار دمشق مقاماً أخيراً له، واحتضنه قاسيون بقسوته وسكينته معاً، فبُني على ضريحه مسجد وتكيّة عمرانية، وباتت زواياه مقصداً للصوفيين والمحبّين والباحثين عن نور المعرفة والصفاء. هناك، بين الذكر والتأمل، يُصغي الجبل لصوت الأرواح المعلقة في السماء، كأنّه يحنّ لمن فهموا سرّه ولم يحاولوا ترويضه.
وعلى سفحٍ آخر، يقف مقام النبي إيليا (إلياس)، رمز الثبات في وجه الظلم، والمبشّر بكلمة الحق. تتّحد قصة إيليا مع روح قاسيون، فكلاهما عَرِف الألم وواجه المحن بثبات لا يتزحزح.
يحجّ إليه المؤمنون من المسلمين والمسيحيين، يروْنه مقاماً للرجاء، ومكاناً استجاب فيه الدعاء. هكذا يظلّ قاسيون شاهداً على من صبروا، وثبتوا، وسكنوا ذاكرة الشام، في صمتٍ يليق بالمحبين والأنبياء. هل سألتم أهل الجبل قبل العبث به؟
روى المؤرّخ والجغرافي محمد بن طولون الصالحي في كتابه “القلائد الجوهرية” أن أهل الشام سكنوا جبل قاسيون قبل أن ينزلوا إلى السهل، فكان موطنهم الأول، وارتبطوا به وجدانياً وتاريخياً وعاطفياً. لذلك ليس قاسيون مجرّد جبلٍ في وجدان الدمشقيين، بل هو، بحسب الوصف الدمشقي، “قطعة من الروح”، وهو لا يُفصل عن هويتهم وحكاياتهم، هم الذين ردّووا قصة صخرة “اذكريني”، تلك الصخرة التي رمى عاشق دمشقي بنفسه من عليها، بعدما فقد أمل الزواج من حبيبته، وكتب لها على الصخرة “اذكريني”.
أساطير قاسيون وتفسيراته الشعبية التي تناقلها الدمشقيون عبر الأجيال جعلته مكانا لا يُمكن العبث به أو تجاوزه، فالاعتداء عليه أو التقليل من قدسيته هو اعتداء على ذاكرة المدينة وروحها وهويتها. ولا تقتصر قسوة قاسيون على الطبيعة فقط، بل في دروسه العميقة التي تحذّر من العبث والازدراء، فتاريخ الجبل مليء بالإنذارات لمن حاول ترويضه أو الاستهانة بمكانته.
العبث بقاسيون بعد هذا كله مسعى قد لا يجلب سوى النكبات، إذ لن تنفع محاولات الترويض أمام جبلٍ تكتنفه القداسة وتتحكّم به قسوة صامدة لا تهادن. فقد علّمنا قاسيون من قبل أنه إذا غضب طرد، وإذا أنذر يفعل، وإذا مُسَّ لا يتساهل.
العربي الجديد



