سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

مقالات تناولت الهوية البصرية السورية الجديدة

هوية البصرية أم هوية الوطنية؟/ موفق نيربية

أولويات وشعارات وعلامات فارقة

11-07-2025

        في مهرجان بهيج صاخب الألوان في الثالث من تموز (يوليو) الجاري، أعلنت السلطة الجديدة في سوريا ما بعد الأسد عن «هويّة بصرية جديدة»، وعُنصرها الأوّل عقابٌ ذهبي يبدو أنه سيكون شعار البلاد. وقال رئيس المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، إنها «تعبر عن سوريا التي لا تقبل التجزئة ولا التقسيم، الواحدة الموحدة، وتعكس التنوع الثقافي والعِرقي»، وأضاف خلال الاحتفالية التي جرت في قصر الشعب وعند نصب الجندي المجهول على جبل قاسيون إنها «تعبر أيضاً عن بناء الإنسان السوري، والقطيعة مع منظومة القهر والاستبداد، وتشكل بداية هوية جديدة لدولة عزيزة وحياة كريمة تنتظر السوريين»، وفقاً لوكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).

        وكان في الأمر شيءٌ من الدراما والمفاجأة، فجاءت ردود الفعل متباينة، على هوى من يعلّق واصطفافه. من النقّاد من انطلق في نقده الإيجابي ممّا تمثّله وترمز إليه تلك المسألة من «تغيير» طبيعي في جوّ «ثوري» ينتزع «الرموز» السابقة ويُخلي مكانها لغيرها؛ ومنهم من أحسَّ بأنّ ذلك لا يتوقّف عند رموز السلطة البعثية، بل يمتدّ إلى رموز استقلال البلاد وكينونتها.

        يتوقّف هذا المقال عند مفهوم الهوية البصرية، مروراً على مفهوم الهوية الوطنية أو الهوية السورية، وعلى سؤال «اجتثاث البعث» وإرث النظام الأسدي في هذا السياق.

        * * * * *

        في جوهر الأمر، فإن الهوية البصرية هي الوجه المرئي لأية علامة تجارية، الذي يلعب دوراً حاسماً في تشكيل استقبال تلك العلامة من قبل الجمهور وجَعلِها «علامة فارقة». تتألّف تلك الهوية من الشعار وجملة الألوان ونوع الحروف وطراز التصوير المستخدم، إضافةً إلى تَوَضُّع وتصميم عناصر تلك الهوية. وتعود تسمية العلامة الفارقة إلى عملية الإحراق التي تخلّف أثراً يشير إلى هوية صاحبه أو حامله، وفي حالة القطيع يُسمّى بالوَسم.

        من المهم لأية مؤسسة أو شركة أو بلاد أن يكون لها هويّتها البصرية، التي يساعد تمييزها والاعترافُ بها على الاعترافِ بما تمثّله، كذلك يمكن لتلك الهوية (أو العلامة التجارية أو الوَسم) أن تتجاوز المنافسة، وتنقلَ قيم وشخصية ورسالة من يقف وراءها. إنّها تحرّض استجابة عاطفية وولاءً لدى المتلقّي، تستند بالطبع إلى الحرفية والمصداقية. تسهم تلك الهوية ببناء السمعة وتطوير «البيع». ومن أمثلة ذلك الهوية البصرية التي تنعكس في كلّ إعلانات الطيران القطري، التي يشكّل لونها الفاخر جزءاً أساسياً منها.

        قالت وكالة أنباء سانا، دفاعاً عن مبادرة السلطة الانتقالية، إن في الأمر خمس رسائل: هي الاستمرارية مع عُقاب الاستقلال 1945، وتمثيل «الدولة الجديدة»، وتحرّر الشعب و«تمكينه»، ووحدة الأراضي السورية، والعقد الجديد بين الدولة والشعب. وتُشكِّلُ هذه الرسائل مهمات لدولة اجتازت المرحلة الانتقالية وأخذت شكلها النهائي، الأمر الذي لن يتحقق قبل خمس سنوات على الأقل، ويجري فرضه عليها مسبقاً. ذلك فضلاً عن مهمة «تمكين الشعب» الغائمة التي تستخدم مفهوماً يذكِّر بمفهوم تمكين السلطة الإسلامية في أدبيات ولغة الجهاديين الإسلاميين. فيما لدينا – نحن الماركسيين سابقاً أو لاحقاً – عادة استبدال كلمة الشعب في أدبياتنا وبياناتنا بكلمة السلطة ذاتها، وكذلك استبدال مفهوم «الدولة» بمفهوم «السلطة»، ذهنياً على الأقل.

        * * * * *

        ربّما حصل ارتباك لدى السلطة الانتقالية في فهم النصائح الدولية- الصديقة، لكن الجهل لم يكن السبب العميق لهذا الارتباك، بل فوضى المبادئ والإيديولوجيات وحماسة المتحمّسين لتقديم الخدمات في لحظة التقاط عناوينها السريع أو المتسرّع. فالسلطة الانتقالية ترغب كما هو واضح في دخول السوق، وتشجيع إعادة الإعمار، والحصول على الاعتراف أكثر فأكثر. من أجل ذلك لا بدّ من التأنّي، حتى مع الناصحين الذين قد يتعثّرون بأهدافهم الخاصة.

        أوّل مظاهر سوء التفاهم ذاك، أو تشويه التلقّي، هو ليس الذهاب إلى الشعار مباشرة وأولاً، بل التركيز عليه وكأنّه المطلوب بذاته: هذا خداعُ بصر، سرابٌ أيضاً. تحتاج سورية بحالتها الجديدة إلى تسويق من نوع جديد، ليس أمام جمهورها وذلك هدف مطلوب وأساسي، بل أمام العالم. أعتقد هنا أن الحاجة الماسّة هي تشكيل الهوية الوطنية في عيون ذلك العالم، وإعطائها أفضل «علامة تجارية» ممكنة.

        تحتاج جملة العلامات الفارقة الخاصة بسوريا؛ إلى إبراز القابلية للتحديث الجوهري وليس الشكلي وحده، وإلى تفعيل سيادة القانون بما في ذلك المرور في «حمّام» العدالة الانتقالية، وإلى تعزيز حرّية التعبير والحريات الفردية عبوراً إلى الحريات الأساسية بما فيها حرية التنظيم السياسي وتشكيل الأحزاب، وإلى القطع مع الاستبداد وإزالة آثاره. ومن ثمّ الاستعداد للديمقراطية (الفعلية بعناصرها على الأقل وفي البداية). وبالطبع تحتاج إلى إبراز وحدة الأرض وتوحيدها، وإلى الحفاظ على حدودها المنصوص عليها في القانون الدولي، بالأهمية ذاتها التي تُعطى لحقوق الإنسان وحق الاختلاف والاعتراف بالتعدّد والتنوّع ومتطلبّاتهما.

        ذلك من أهمّ ما نعنيه حين التحدّث عن «الهوية الوطنية»، التي نحتاج إلى تسويقها بين السوريين بشكل متوازٍ- على الأقل- مع تسويقها لدى العالم الخارجي قريبه وبعيده. وفي الوقت نفسه، تستطيع خطيئة قد يراها بعض الناس صغيرة، مثل مقتل عدد من الضحايا على أساس طائفي أو عرقي، أو منع بعض أنشطة المجتمع المدني والناشطين عموماً، أن تؤذي عملية التسويق بأكثر مما يفيده مهرجان هنا وبرنامج تلفزيوني هناك، وخصوصاً حين استخدام أدوات لطالما اشتقّتها المعارضة من النظام السابق، وكانت وما زالت أقرب إلى مفهوم البروباغندا.

        تسويق الهوية الوطنية وعلاماتها الخاصة هي إدارة منهجية ومتماسكة للتصورات المحيطة ببلد أو أمة أو مدينة، وهي تصورات متأصلة في المجالات السياسية والاجتماعية. بمعنىً آخر قبل أيّ سوء فهم، لا تقتصر هوية الأمة والمدينة على تحقيق أهداف اقتصادية فحسب، بل تُقدِّمُ أداة حوكمة لتنمية الأقاليم من خلال سياسات اجتماعية وثقافية وبيئية.

        سواءً في النقاشات الأكاديمية أو في الممارسات السياسية، هنالك ما يشبه إجماعاً على مفاهيم الهوية الوطنية والمدينية في الحقل الذي نتحدّث عنه هنا، وحتى على تسميتها نفسها، وتتراوح بين تسويق الوجهة أو المدينة والهوية الوطنية والمكانية. ينظر بعض المؤلفين إلى الهوية الوطنية كممارسة مرتبطة بعمليات تشكيل الأمة وإعادة بناء الهوية الوطنية في السياق العابر للحدود الوطنية، بينما يربطها آخرون بشكل رئيسي بتوجه السياسيين نحو القوة الناعمة، بينما تَعزو التأملات النقدية الهوية الوطنية إلى نموذج حوكمة يعتمد مبادئ السوق الحرة لتنمية البلدان والمناطق والمدن، ولكن: مع حوكمة صارمة تلتزم الجانب الاجتماعي- الاقتصادي أولاً، وخصوصاً في بلدٍ خارج من حرب مدمّرة وخراب شامل وبطالة وفقر مدقع…

        * * * * *

        لذلك لا يستطيع تغيير «الشعار» أن يثير إلّا صدى إشكالياً، بحيث يبدو دعاية غير مفهومة، بل مجرّد مهرجان لتسويق السلطة وتكريسها. وحتى هذا الهدف الأخير الذي يمكن أن يكون مشروعاً، قد يذهب مع الريح والوقائع، ولا يكون له عائدات كافية ومستدامة.

        في حين تحتاج سوريا وخلال وقت منظور إلى التعبير عن هويتها الوطنية، وهي قد اكتسبت آثاراً لا تزول من «حروق» العقود الماضية، تكفي مع برامج التحديث لإعطائها هويتها التي تتقدّم بها نحو المستقبل، وإلى العالم المعقّد الراهن.

        ذلك صعب من دون العدالة الانتقالية، التي لا تعني لجان تحقيق ومحاكم وجبراً للضرر فحسب، بل تعني أيضاً إزالة آثار العدوان الاستبدادي الذي شوّه كلّ شيء، وخصوصاً في مجال علم النفس الاجتماعي ومتلازمة ما بعد الصدمة التي تعصف بأجزاء بارزة من المجتمع، وتكاد تأكله ما لم يصل إليه حقه من العدالة.

        لقد مرّت ألمانيا بهذه التجربة، وكان لها عدالتها الانتقالية بعد سقوط النازية الهتلرية، واستمرّت بها حتى الآن، منعاً لنموّ الاستبداد من جديد، في زاوية مظلمة هنا أو هناك. أقامت لذلك بالفعل محاكم دولية ومحلّية للمجرمين البارزين، واشتغلت على تعويض المتضرّرين الكثيرين، لكنّ المسألة الأهم كانت تتعلّق باجتثاث النازية كما يمكن أن تُسمّى، وإزالة آثارها وثقافتها وعناصر توليدها، في الحقل الثقافي والتعليمي والاجتماعي وصولاً إلى السياسي. لقد ورد التعبير «الفاقع» ذاك في العراق بعد سقوط حكومة صدام، واستفزّ الكثيرين بتعبيره القاسي «اجتثاث البعث». ولا يقارب هذا التعبير ذاكَ العلمي- اللاتيني الذي شاعت ترجمته بالعربية على صيغة (اللا- كذا) كما في اللامركزية مثلاً، في حين يمكننا أن نطلق عليه شيئاً يفيد معنى «القطيعة مع الاستبداد» أو مع البعث أو الأسدية. نتجنّب بذلك إهانة أولئك الذين كان الدخول في الحزب شبه إجباري لهم، وإلّا لامتنعَ عليهم التوظيف أو استكمال الدراسة أو الحدّ الأدنى من الأمان. ينطبق ذلك على المستويات الدنيا بالطبع أكثر من تلك التي تحمّلت مسؤولية فاعلة.

        هذا جزء من هويّتنا التي نحتاج إلى تسويقها أمام العالم.

        يشيع الآن أيضاً، ولا أدري مدى دقة الأمر، أن الكثير من هؤلاء الأخيرين من أهل النظام؛ وهم البارعون في التمسّح بالسلطة؛ يقلبون ظهر المجنّ لماضيهم ويرفعون الرايات الدينية أو الطائفية أو الاستعداد لتقديم الخدمات الرخيصة. وكما حدث في غير بلد مرّ بمثل تجاربنا، لا بدّ من «التدقيق» في كلّ من هو في صدد الحصول على مركز، ويستحيل ذلك من دون مؤسّسة مختصة وقضائية تعمل بمعزل عن أية «إيديولوجيا» في سياق عملها، وإلّا سيستطيع أي شخص له جذوره الإجرامية أن «يُبيِّضَ» نفسه بالشعارات الطائفية المباشرة أو المكتومة مثلاً، أو بأيّ شكل يدغدغ أحاسيس القابلين للخداع بسهولة… وهذا يحدث الآن أيضاً.

        * * * * *

        لم تزدهر الوطنية السورية على الإطلاق كما فعلت في العام الأوّل للثورة، حين أصبح السوريون يعرفون بلادهم بقُراها وبلداتها ومناطقها، بنسيجها المتنوّع، وقابليْتها للحداثة والديمقراطية. ولمن أراد أن يعطي «هوية بصرية» لهذه البلاد المنكوبة أن يستفيد من كلّ زاوية من ذاكرة تلك الفترة. هنالك مثلاً من اشتغل على «الذاكرة الإبداعية»، بكلّ أشكال الإبداع، في الثورة والثوّار، بما في ذلك تلك البصرية. حينذاك، تكون ظاهرة تكريس هوية بصرية جديدة ذات جذر في الثورة، وفي طول البلاد وعرضها، وجزءاً من تكريس الهويّة الوطنية السورية. ولا يكون ذلك في الشعار وحده مع أهميته، ولا في رَكبِ الفرسان وقائدهم، بل في كل ما تعنيه الهويّة، حتى في تعريف البلاد: جمهورية يحكمها شعبها، ديمقراطية، حرة بذاتها وبمواطنيها، تستقي من التعدّدية قوة وطاقة لا أسباباً للفرقة والتمزّق.

        تبدأ تلك العملية من تحديد مفهوم تلك الهوية، وأهدافها، وعوامل تسويقها محلياً وخارجياً، واستراتيجيّتها للوصول إلى تلك الأهداف، ومصطلحاتها الفرعية. وذلك يحتاج إلى روائز لا نلمسها كثيراً للأسف، لكنّنا نريدها… لأننا مازلنا على أملٍ بعد حدوث ما كان يبدو معجزة قبل حدوثه.

موقع الجمهورية

——————————————–

الهوية الوطنية السورية تحت عين الهوية البصرية/ جمعة حجازي

15 يوليو 2025

كشفت سورية عن هويتها البصرية الجديدة، إيذاناً بمرحلة جديدة في مسار الدولة والمجتمع. جاء التصميم الجديد ليعكس تحولاً جوهرياً في رمزية الدولة، إذ لم يعد الشعار مجرد رمز سلطوي أو أداة من أدوات الطابع الرسمي للدولة، بل أصبح تعبيراً بصرياً عن علاقة جديدة بين الدولة والمواطن. لقد وقف السوريون في رحلة استثنائية من الألم والصمود، أمام مرآة الذات، يبحثون عن هوية تعبر عنهم جميعاً بلا استثناء، هوية تستقي قوّتها من أعماق ماضيهم المجيد، ومن رموز وطنية تجمع شتات القلوب وتغذّيها بالأمل. كان العُقاب السوري، ذلك الرمز الذي اعتادوا رؤيته يرفرف في العالي، لقد أصبح الشعار هنا أكثر من مجرد صورة لقد تحوّل إلى عزيمة تتردّد في النفوس، تذكر بأن سورية ليست مجرّد مكان على الخريطة، بل روح متجدّدة، وهوية صلبة لا تنكسر.

شاهدت الشعار مراراً. جناحان ممدودان، طير قوي الملامح، ذهبٌ يلمع بحذر، وغياب متعمّد لأي درع أو سيف. لأول مرة منذ عقود، لا يظهر “نسر صلاح الدين” ولا تلك الرموز التي تحمل نَفَساً عسكرياً صارما. بدلاً من ذلك، نُقدِّم العقاب: رمز النباهة والعلو والرقابة، ولكن هذه المرة بصيغة أكثر توازناً بين القوة والوقار. لم يكن الأمر بلا جذور. العودة إلى العُقاب تعني العودة إلى الشعار الأول للجمهورية السورية عام 1928. كان ذلك زمناً آخر، فيه حلم مدنيّ بدولة تُصاغ كلماتها الأولى بهدوء، قبل أن تبتلعها عواصف الانقلابات والتحالفات القسرية.

تقاطع السياسة والقانون في تشكيل الهوية البصرية

ربما يحمل العقاب الجديد رسالة خفية: أن ما كان في البدايات، لا بدّ أن يُستعاد بتجدّد؛ إذ يقف العُقاب الذهبي في قلب الهوية الجديدة، فوقه ثلاث نجمات ذهبية تلمع بوضوح. وهي لم تُوضع عبثاً، بل لتعبّر عن موقع المواطن في قلب الدولة، وعن كرامته التي أصبحت فوق كل اعتبار. هذه النجمات تُجسّد تحرّر الشعب ومكانته، بدلاً من اختزاله في رموز تقليدية أو عسكرية. وهذه النجمات الثلاث خماسية الرؤوس والموضوعة في قوس فوق رأسه ترمز إلى العلم السوري وإلى الشعب، ويدلّ مكانها المرتفع على أن السلطة في خدمة الشعب، وليس العكس. بالرغم من أن لا أحد من الباحثين والمحققين السورين يوافق على ذلك. ووفقاً للباحث جمال باروت، لا يوجد لأصل تلك النجمات أيّ تفسير رسمي معتمد من الجمعية التأسيسية السورية الأولى في العام 1928 التي أقرّت العلم بالنجمات الثلاث، كما أن الجمعية التأسيسية الثانية لم تقدّم أي تفسير رسمي للنجمات الثلاث. والمنسي أيضاً، بعد محادثات ميثاق الوحدة الثلاثية بين مصر وسورية في العام 1963 التي تمخض عنها ميثاق 17 نيسان للوحدة بين الدول الثلاث، أنّه أضيف إلى علم الوحدة المؤلف من نجمتَين نجمة ثالثة، وهذه النجمات في 1963 كانت واضحة ومحدّدة رسمياً، لكن النجمات الثلاث في العلم السوري المعتمد حالياً، وفي البصمة البصرية التي أُخذت من هذا العلم، الذي هو العلم نفسه الذي أقرّ في 1950، وقبلها في عام 1922، وفي الدستور السوري في عام 1930، بدون أي تفسير رسمي على الإطلاق لهذه النجمات الثلاث.

أما جناحا النسر، فقد رُسمت عليهما 14 ريشة، تمثل كل محافظة سورية، في تأكيد على التمثيل المتكافئ والوحدة الوطنية. وفي ذيل النسر خمس ريشات تمثل المناطق الجغرافية الكبرى لسورية، في رسالة بصرية ترمز إلى تماسك الأرض والهوية. واختفى من التصميم الجديد الدرع العسكري وسنابل القمح، ليُعاد توجيه الرسائل البصرية نحو المستقبل، لا نحو السلطة أو الحرب. أراد المصمّمون بذلك إزالة إرث طويل من رمزية الهيمنة التي كان اعتمدها النظام البائد لصالح رمزية الخدمة والمسؤولية الوطنية.

ولكن الحديث عن الهوية البصرية لسورية الجديدة التي جرى إطلاقها أخيراً، وتجدد شكل العقاب السوري الذي أثار جدلاً واسعاً على منصات التواصل، شمل انتقادات كثيرة تناولت التصميم الجديد، إذ اتهمه بعضهم بمحاكاة نسر ألماني شهير أو بأنه مثل شعار لماركة نبيذ في أكثر من تفصيل. هذا التشابه، رغم أنه قد يبدو سطحياً أو طبيعياً بسبب التشابه في طبيعة الطيور، إلّا أنه سلط الضوء على أزمة أعمق في ثقافتنا البصرية التي كانت فيما مضى مليئة بالمعنى والوجود، مليئة بالقيم التي تعبّر عن الواقع المضيء للحضارة السورية والعربية الذي لا يحتاج إلى الاقتباس، فالعُقاب منقوشٌ على جدران تدمر وفي رايات صلاح الدين وخالد بن الوليد، ولا حاجة للرسام السوري أن يستلهم أي تصميم من أي ثقافة أخرى. … ولكن ثمّة إشكالات عدّة هنا يمكن أن تشكل دائرة للنقاش بشأن الهوية البصرية، التي أراها ضرورية للغاية، لعلّ أبرزها يتصل بالآتي؛

تشكّل الهوية الوطنية إحدى أهم دعائم استقرار أيّ مجتمع، والتحدّي الكبير يكمن في المضمون الذي تحمله هذه الرموز، إذ لا يمكن فصلها عن السياسة والقانون. في هذا السياق، يُلاحظ أن تداخل الأجندات السياسية أحياناً قد يضعف من قدرة الهوية الوطنية على أداء دورها الحقيقي، إذ كما تفيد أدبيات علم الاجتماع السياسي، تفقد الهوية الوطنية مصداقيّتها حين تُستخدم لخدمة مصالح ضيقة أو مصالح حزبية. ومن هنا تأتي ضرورة أن تُبنى هذه الرموز ضمن إطار قانوني واضح، يعكس قيم العدالة والمساواة والتسامح، ويكون بعيداً عن فرض هوية أحادية أو التسيس المُفرط. أيضاً، لا يجب أن ننسى أن الهوية الوطنية الحقيقية تتجاوز الرموز والشعارات، لتكون نتاجاً لمؤسّسات دولةٍ قويةٍ تضمن الحقوق وتحفظ الواجبات، وتتيح فضاء للحوار المجتمعي المفتوح، كما أكّد الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، فإنّ الهوية تُبنى في “فضاء عمومي حر يتشارك فيه المواطنون سرديتهم ومخاوفهم وآمالهم”، ما يوضح أن الهوية الجامعة لا يمكن أن تُفرض من فوق، بل تتشكّل عبر مشاركة فعلية.

ومن جهة أخرى، تظلّ المعطيات الاقتصادية والاجتماعية ركيزةً لا تقل أهمية، إذ لا يمكن لأي هوية بصرية أو رمزية أن تحقق انتماءً حقيقياً من دون أن تنعكس على مستوى المعيشة والتماسك المجتمعي، فالتقدّم الاقتصادي وتحسين الخدمات يعزّزان الثقة بين المواطن والدولة، ويمهّدان الطريق لهوية وطنية أصيلة ومؤثرة. وتبقى هذه الخطوة التي قامت بها الحكومة السورية مؤشّراً إيجابياً على إدراك متنامٍ لدور الرموز في صياغة الهوية الوطنية، لكنّها تحتاج إلى دعم مستمر عبر سياسات عادلة وحوار مفتوح وتحسينات اقتصادية واجتماعية لتصبح الهوية الجديدة أكثر تماسكاً وعمقاً في وعي المجتمع.

سرد تاريخي وفلسفي لبناء سورية الجديدة

في سورية، كما في غيرها من الدول، لم يكن الشعار الوطني مجرّد رسم على ورقة رسمية، بل كان مرآة لحالات وطنية متغيّرة، ومحاولة دائمة للإجابة على سؤال الهوية: من نحن؟ بدأت الحكاية في ربيع 1945، كانت البلاد تتنفس أنفاسها الأولى خارج عباءة الانتداب الفرنسي، وتبحث عن لغة تعبّر بها عن ذاتها. صدر المرسوم رقم 158 ليعلن ولادة أول شعار للجمهورية السورية: ترس عربي تتوسّطه ثلاث نجمات، يحتضنه عُقاب عربي مهيب، بجناحين مفتوحين نحو السماء، وتحته سنبلتا قمح ترويان قصة الأرض والناس. لم يكن العُقاب طائراً عادياً، بل كان يستحضر رمزية قديمة متجذّرة. في تصميمه، كما في حضوره، شيء من الصلابة وشيء من الحلم. كانت البلاد تُعيد بناء ذاتها، وتبحث عن صورةٍ تعكس روحها العربية والإسلامية.

ثم جاء عام 1958، وجاءت معه الوحدة مع مصر. أُزيح العُقاب جانباً، ليحل محله نسر صلاح الدين، ذاك الطائر المذهّب الذي لطالما اعتلى قلاع القاهرة. بدا واضحاً أن الشعار لم يعد يعكس سورية فحسب، بل هو محاولة لذوبانها في كيانٍ أكبر. كان النسر يضمّ جناحيه فوق درعٍ يحمل علم الجمهورية العربية المتحدّة، كأنما يُغلق الباب على هوية محلية كانت في طور التكوين. لكنّ الحلم القومي لم يصمد، وكما انفرطت الوحدة، عادت سورية إلى هويتها الخاصة. في خريف 1961، ومع إعلان الانفصال، عاد العُقاب. عاد كما كان، يحمل على صدره درعاً بثلاث نجمات، ويُمسك بشريط كتب عليه “الجمهورية العربية السورية”. لم يكن ذلك عودة إلى الماضي فحسب، بل محاولة لاسترداد الذات، كأن الشعار كان يقول: نحن هنا، من جديد.

في 1969، طاولت يد التعديل تفاصيل الشعار، من دون المساس بروحه. تغيّر لون النجوم إلى الأخضر، وتبدّلت بعض الخطوط، لكن العُقاب ظلّ في مكانه، رمزاً لعنفوان دولةٍ ما زالت تبحث عن توازنٍ بين الحداثة والجذور. ثم جاءت سنوات الاتحاد الرمزي في مطلع السبعينيات، عندما انضمّت سورية إلى مشروع اتحاد الجمهوريات العربية مع مصر وليبيا، لكن المشروع لم يدم، وظل الشعار السوري يتأرجح بين المحلي والقومي، بين التاريخ والسياسة.

وفي 1980، تغيّر كل شيء. لم يعد العُقاب رمزاً لسورية. عاد النسر، نسر الوحدة، لكن هذه المرّة لم يكن مؤقتاً. أُقرّ شعار جديد يحمل نسر صلاح الدين، يضم جناحيه، ويحتضن درعاً يحمل العلم ذا النجمتَين. كانت تلك لحظة تثبيت رمزي لنظام حافظ الأسد ومن بعده ابنه، الذي أراد أن يصوغ لسورية هوية موحّدة تحت رايته، حتّى وإن تخلّت عن جزءٍ من رموزها التاريخية. مرّت عقود، ظلّ فيها هذا النسر حاضراً على الأوراق الرسمية، لكنّه في الذاكرة الشعبية لم يكن كما أرادوه، تحوّل من رمز للوحدة إلى رمز للسلطة والهيمنة، ومن طائرٍ شامخٍ إلى صورة تذكّر بالخوف، والرقابة، والدولة الأمنية. وبين الناس، ظل هناك من يتذكر الفرق بين النسر والعُقاب. العقاب لا يأكل من الجيف، لا ينزل من عليائه، لا يخضع. أما النسر الرسمي، فكان يحمل في نظر كثيرين دلالات سلطوية فُرضت عليهم، لا تعبّر عنهم.

عاد العُقاب اليوم، لكن بهيئة جديدة: ذهبياً، متوازناً، بجناحَين ممدودَين، وتحته ثلاث نجمات لا داخل درع، بل فوق رأسه، كأنما تضيء طريقاً. لم تعد هناك سنبلتا قمح، ولا درع، بل أصبح تصميماً مفتوحاً يبعث على الانتماء لا السيطرة، على الحماية لا القمع. إنه عُقاب آخر، أكثر صلابة وأقلّ هيمنة، كما لو أن الدولة تريد أن تقول إنّها تحمي، لا تحكم؛ تخدم، لا تفرض.

مجتمع وسياسة وسلطة رمزية

تمثل الرموز البصرية للهوية الوطنية، كالشعارات، والأعلام، والأيقونات، أكثر من مجرّد تصاميم جمالية، فهي أدوات ذات قوة سياسية واجتماعية كبيرة. تحمل هذه الرموز دلالات عميقة تعكس سردية مشتركة تُعبّر عن الهوية الوطنية وتُعزز الشعور بالانتماء والوحدة بين أفراد المجتمع. إن هذه الرموز ليست محايدة أو عشوائية، بل تنبع من تاريخ مشترك وثقافة متداخلة، وتُصاغ لتصبح جزءاً من “الخيال الجمعي” الذي يربط بين أبناء الأمة مهما اختلفت خلفياتهم العرقية أو الدينية أو الجغرافية.

يرى المفكر الفرنسي بينيديكت أندرسون في كتابه “المجتمعات المتخيّلة” (ترجمه ثائر ديب، وقدمه عزمي بشارة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت والدوحة، 2014) أن الأمة ليست كياناً مادياً فحسب، بل هي تصور ذهني مشترك يُبنى عبر الرموز والطقوس التي تُغذّي شعور الانتماء. ويُعتبر هذا التصور الذهني وسيلة لخلق وحدة بين أفراد المجتمع بالرغم من التنوع والتعدد. وفي هذا الإطار، يرى عزمي بشارة أن “الهوية الوطنية ليست ثابتة أو جامدة، بل هي عملية مستمرة من التفاوض والتفاعل بين مكونات المجتمع المختلفة، وهي تحتاج إلى آليات تشاركية وحوارية لتعزيز الوحدة في التنوّع”. وتلخّص هذه العبارة جوهر التحدّي في بناء هوية وطنية جامعة في المجتمعات المعقّدة مثل سورية، حيث تتداخل المكوّنات العرقية والطائفية والثقافية في نسيج اجتماعي متعدّد الأبعاد. ولا تعني هذه العملية التفاوضية المستمرة التي يشير إليها بشارة فقط تبادل الأفكار، بل تتطلب بناء جسور من الثقة والاحترام المتبادل، تسمح لكل مكوّن من مكوّنات المجتمع بالمشاركة الفعالة في صياغة الهوية الوطنية. هوية تكون شاملة لكل هذه المكونات، تعكس واقعها، وتحتضن اختلافاتها، بدلاً من فرض سردية واحدة قد تهمش أو تستبعد بعض الفئات.

تتجلى أهمية هذا الحوار التشاركي أيضاً في تصميم الرموز البصرية الوطنية، التي يجب أن تعكس هذه الشمولية والتنوّع، فلا تتحوّل إلى رموز تمثل فقط جانباً واحداً من المجتمع، أو تعبّر عن رؤى سياسية ضيقة، فكما تؤكّد التجارب الدولية، فإن الرموز الوطنية القوية هي التي تنبع من توافق وطني عام، وتُبنى عبر عمليات تشاور ومشاركة حقيقية، لتعبّر عن القيم المشتركة والرؤى الجامعة. يرى عالم الاجتماع والمؤرّخ البريطاني، إريك هوبسباوم، أن الرموز الوطنية تُستخدم لصياغة وإعادة تشكيل الذاكرة الجمعية بما يخدم أهداف السلطة القائمة، إلا أن نجاح هذه الرموز يعتمد على مدى قبولها اجتماعياً، وارتباطها بالذاكرة والتجربة الجماعية للمجتمع. إذا فُرضت رموز تخالف هذا الواقع، فقد تتحوّل إلى أدوات تزيد الانقسام بدلاً من أن توحد. إذ يرى إدوارد سعيد أن التمثيلات البصرية تحمل رؤى للعالم، وهي ليست محايدة، فهي قد تُستخدم لتعزيز سلطة أو سردية أحادية، ما يستوجب أن تتميز الهوية البصرية الوطنية بالمرونة والتفاعل مع تنوع المجتمع، وأن تُعبر عن تطلعاته المتعددة بإنصاف وعدالة. وفي السياق السوري، حيث تعقّد التركيبة الاجتماعية يشكل تحديًا هائلاً، يستدعي بناء هوية بصرية وطنية جامعة الوعيَ الحساس والتفاعل المستمر مع هذه التنوعات. يجب أن تُعبر الرموز عن السلام والوحدة والتنوع، وليس عن القوة الصارمة أو الانغلاق الذي قد يشعر به بعضهم بالإقصاء أو الخوف.

الهوية الوطنية: البناء القانوني والاجتماعي

يؤكّد الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس إن “دولة القانون شرط أساسي لتحقيق العدالة والاعتراف المتبادل، والهوية الوطنية التي لا تستند إلى إطار قانوني قوي هي دولة هشّة ومعرّضة للتفكك”، فالمواطنة، التي يجب أن تكون الأساس في بناء الهوية الوطنية، لا تتحقّق إلا عبر نظام قانوني عادل يضمن المساواة، ويكفل الحقوق والحريات لجميع المواطنين، بغضّ النظر عن اختلافاتهم. فقط من خلال هذا الأساس يمكن للهوية البصرية أن تعكس حقيقة وطن جامع ومتماسك.

ويشير عبد الله العروي إلى أن “الهوية الوطنية ليست مجرّد انتماء جغرافي أو تاريخي، بل هي بناء سياسي وثقافي يستوجب مواجهة التحديات الاجتماعية والسياسية المتنوّعة”. ويؤكّد أن “تجاوز الانقسامات والتوترات يتطلّب مؤسّسات قوية تحترم القانون والمواطنة، وتعترف بالتعدّدية كجزء من جوهر الهوية الوطنية”. لكنه لا يغفل أن استغلال الرموز الوطنية لأغراض سياسية ضيقة يمكن أن يحوّل الهوية من عامل توحيد إلى مصدر انقسام، ما يستوجب إعادة النظر في كيفية بناء الهوية بشكل شامل وشفاف. ولذلك على الهوية البصرية السورية الجديدة أن تعي أن الإطار القانوني يجب أن يكون حاضراً في بداية المشهد ووسطه ونهايته، وهو الذي يعطي الدلالات والرموز بعدها التاريخي والمعنوي.

سورية تبحث عن رمز جامع

شاهدتُ النقاشات على وسائل التواصل. اعتبر بعضهم الشعار قريباً من الرموز الغربية، ورأى آخرون فيه انقطاعاً عن تاريخنا العربي. لكن ما فهمته من كل تلك الآراء المتباينة أن السوريين يتوقون إلى رمز يشعرون أنه يُمثّلهم جميعاً، لا يُذكّرهم بمرحلة دون غيرها. فكرة الهوية بوصفه جسراً تعني أن نسمح لأنفسنا أن نُعيد تعريف علاقة بعضنا ببعض. أن نُخرِج الرموز من خنادق الأيديولوجيا ونضعها في فضاء اللقاء الإنساني. لا هوية تُبنى بالقوة، ولا شعار يكتسب قدسيته بالقانون. ما يمنح الهوية قيمتها هو ما تُجسّده: العدالة، الحرية، الكرامة.  وفي هذا السياق، يقول ماكس فيبر، أحد مؤسسي علم الاجتماع الحديث: “الدولة هي الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للعنف”، وهذا يعني أن الرمز البصري يجب أن يعكس توازناً دقيقاً بين القوة والسيادة من جهة، والشرعية الاجتماعية من جهة أخرى، وهو ما يبدو غائباً عن التصميم الجديد. وفي إطار علم الاجتماع السياسي، تشكّل الهوية البصرية للدولة، من شعارات وأعلام ورموز، مكوّنات أساسية في صياغة “الخيال الجمعي” للمجتمع. وفي الحالة السورية، ورغم ما يشوب عملية إنتاج الهوية البصرية من تحدّيات، يمكن اعتبار ما يجري خطوة أولى، وإن كانت مثار جدل، نحو بلورة سردية وطنية جديدة، فالإشكالية، كما يبدو، لا تتعلق بالرموز وحدها، بل بتراكماتٍ من غياب الثقة المجتمعية والانقسام السياسي والتاريخي، وهو ما يجعل أي محاولةٍ لصياغة رمزية جامعة محفوفة بالحساسيات.

ومع ذلك، انخراط الدولة في تحديث هويتها البصرية، حتى لو في سياق مركزي، قد يشير إلى إدراك متأخّر لأهمية الرموز في بناء الانتماء، ما يفتح الباب أمام حوار مجتمعي أكثر نضجاً حول طبيعة الهوية الوطنية المنشودة. وكما يفيد عالم الاجتماع يورغن هابرماس، “الهوية الجامعة لا تُبنى من فوق فحسب، بل تنشأ في فضاء عمومي حرّ يتشارك فيه المواطنون سردياتهم ومخاوفهم وآمالهم”. من ثم، قراءة العُقاب الجديد بوصفه محاولةً، قد تنجح أو تخطئ، للبحث عن قواسم رمزية مشتركة، تمثل تحوّلاً تدريجيّاً في تفكير النخب نحو أهمية الصورة في تشكيل الخيال الجمعي. وهنا يكمن الأمل في أن تكون هذه الخطوة بداية لسلسلة من المشاركات المجتمعية الأوسع التي تعيد صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع، من خلال رموز لا تُفرض، بل تُبنى بالحوار والاعتراف المتبادل.

الهوية الوطنية: أبعد من الرمز.. جوهر يتجاوز الشكل

نجحت الإدارة الجديدة في سورية في إنشاء هوية بصرية متينة وواضحة، تمثل خطوة مهمة نحو توحيد المظاهر الرمزية للوطن. ومع ذلك، يبقى التحدّي الأكبر في تحويل هذه الهوية البصرية إلى هوية وطنية شاملة وعميقة تعكس واقع الحياة اليومية للسوريين، وتلبي تطلعاتهم، فالهوية الوطنية الحقيقية تتجاوز الصور والشعارات لتشمل تعزيز الانتماء والتماسك الاجتماعي، وتحسين الظروف الاقتصادية والخدمية، ورفع مستوى المعيشة. ويتطلب بناء هذا النسيج المتكامل جهداً مستمرّاً في تطوير الخدمات العامة وفرص العمل والعدالة الاجتماعية، لتصبح الهوية مصدر فخرٍ حقيقيٍّ لا يقتصر على الشكل، بل ينبع من واقع ملموس يعيشه الجميع. بهذا الشكل، يمكن للهوية الوطنية أن تتحوّل إلى ركيزة قوية تضمن استقرار الوطن وازدهاره، وتمنح المواطنين شعوراً عميقاً بالانتماء والمسؤولية.

العربي الجديد

————————–

الهوية البصرية الجديدة: أين البصمة السورية؟/ بطرس المعري

15 يوليو 2025

لدى رواد شبكات التواصل الاجتماعي قدرة هائلة على جعل أي حدث عادي مادة للسّجال، فكيف إذا كان هذا الحدث هو إشهار الهوية البصرية السورية الجديدة، التي خُصصت له احتفالية رسمية تابعها الملايين على الهواء مباشرة؟

قُبيل “معركة” الهوية البصرية، كان هناك هجوم “تواصل – اجتماعي” على نقابة الفنانين بعد إشهارها لشعارها الجديد، الذي حلّ مكان ذلك الذي صمّمه الراحل محمود حمّاد، أحد أعلام الفن التشكيلي السوري، في بداية سبعينيات القرن الماضي.

ولا يرقى “اللوغو” الجديد في الحقيقة إلى مستوى القديم، ولا يليق بنقابة تُعد وجهًا أساسيًا من وجوه الثقافة في البلاد، فهو تصميم “كيتش” أو توليفة غير موفقة لعدد من رموز الفنون التي تنضوي تحت جناح هذه النقابة، عدا عن أن جزءًا أساسيًا منه مأخوذ من رسم غرافيكي موجود على شبكة الإنترنت.

ليس لدينا معلومات عن صاحب التصميم، ولم نسعَ إلى معرفة هويته، لكننا في المقابل نتساءل باستغراب عن “حال” الثقافة البصرية عند من اعتمده. أما السؤال الساذج، أو الأهم!، فهو: ألا يوجد كفاءات قادرة على تلبية رغبة النقابة في تجديد شعارها حتى يتم فبركته بهذا الشكل؟

وحسنًا فعلت النقابة حينما أعادت الشعار السابق، وربما كان ذلك بشكل مؤقت ريثما تنظر في أمر تصميم جديد، علمًا أن تصميم حمّاد لا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد مع أي رمز من رموز البعث أو النظام البائد.

في العودة إلى موضوع الهوية البصرية الجديدة، وقد هدأ الآن ذلك السجال، نود أن نعطي العامة من رواد شبكات التواصل الاجتماعي لمحة بسيطة عمّا يعني المصطلح كي يُعيدوا النظر في الأمور: “الهوية البصرية” هي الجزء المرئي لهوية أي جهة رسمية أو مؤسسة أو شركة، وتعبّر عن شخصيتها عبر مجموعة من العناصر الغرافيكية، يأتي في مقدمتها الشعار “اللوغو”، مجموعة الألوان المعتمدة، أنواع الخطوط والأسلوب الغرافيكي العام في التصاميم المختلفة التي تلزم اليوم ومستقبلاً علامة لكل ما يخص هذه الجهة من أشياء رسمية تحديدًا، وكلّ هذا كي ينقل “صورة” وقِيَم هذه الجهة أو تلك المؤسسة.

في الحقيقة، لقد وجدنا أن أغلب المنشورات قد خلطت، في عملية مقارنة، ما بين “الهوية البصرية” بمعناها الدقيق، وما بين “الصورة” التي زرعها النظام البائد في كل الأماكن الرسمية والعامة. نجد هذا الخلط في استحضار البعض، على سبيل المثال، صور بعض الدفاتر المدرسية والتي تتصدر أغلفتها صور الأسد الأب أو المخلوع، أو صورهما التي تملأ جدران الدوائر والمؤسسات الرسمية أو التماثيل التي تمجد الرموز البعثية أو العسكرية.. وذلك للتذكير بابتذال الصورة التي خلفتها الأسدية، وبالتشوه البصري العام، الذي تعانيه مدننا في الأصل.

وبالطبع، لم يخطئ منتقدو هذه “الصورة”، فالفكر الدكتاتوري عادةً لا يألو جهدًا في فرض وجوده أو هيمنته على الفضاء العام كما في تفاصيل الحياة اليومية للشعوب التي يحكمها ويتحكم بمصائرها.

وإذا ما كنا نرغب في المقارنة، فمجال “الهوية البصرية” ليس المجال المناسب، بل لم يحن وقتها.. إنما تصحّ المقارنة مع ما يمكن أن يحلّ لاحقًا ربما بدلاً عن هذا، في الساحات العامة وجدران الشوارع، كما في الدوائر الرسمية والمطبوعات بمختلف أنواعها.

أما فيما يخص الهوية البصرية الجديدة التي أطلقتها الحكومة الانتقالية، فقد حافظ القائمون عليها على اعتماد طير العُقاب كشعار رسمي للجمهورية، وقد كان أول من صمم “العقاب” هو الفنان والدبلوماسي خالد العسلي، بمرسوم تشريعي سنة 1945، وقد بقي شكله كما هو ولم يتغير حتى الفترة الأخيرة، اللهم إلا في اللون أو في شكل وألوان العلم على الدرع. علمًا أنه خلال فترة الوحدة مع مصر قد عرفنا النسر، المأخوذ عن راية صلاح الدين الأيوبي، كشعار للجمهورية المتحدة.

أما العقاب الجديد، فقد فتح جناحيه بعدما كانا مضمومين، ولم يعد هناك درع، ولا حتى الشريط الذي كان يُكتب عليه اسم الجمهورية، كما حُذفت سنبلتا القمح منه لصالح شكل مصمت، خالٍ من أي تفصيل داخل “الطلسة” الذهبية اللون، على الخلفية الخضراء. وجاء تجاور هذين اللونين ناجحاً، لا يخلو في الحقيقة من أناقة.

 أما العَلَم، فقد أُشير إليه بثلاث نجمات فوق رأس الطائر. هذه النجمات الثلاثة التي وضعت بشكل قوس في الأعلى، سرّعت، إن جاز لنا القول، بالتذكير بالنسر الألماني، لا سيما بذلك الذي يُطبع على قمصان لاعبي المنتخبات الرياضية، كرة القدم بالتحديد، مع قوس النجوم الذي يدل على عدد كؤوس العالم التي حاز عليها المنتخب الألماني. إن مكان النجمات بهذه الوضعية المعلقة في الفراغ يخلق مشكلة تقنية، حتى وإن لم تكن معقدة، في حال أردنا تنفيذ الشعار مجسّمًا، وهي مسألة كان يمكن أخذها بعين الاعتبار أثناء الإخراج.

ويدير العقاب الجديد رأسه إلى جهة اليمين، عكس الجهة التي ينظر إليها عقاب العسلي وما تلاه.. وتُثبت ذلك صورٌ لجوازات سفر وأختام رسمية تعود إلى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.

في الحقيقة أتى الشعار الجديد مخيبًا للآمال، من ناحية الشكل أو التصميم. أما بالنسبة إلى الدلالات التي يتحدث عنها المصممون، فطير العقاب لم يتغير بيولوجيًا أو من ناحية السلوك، من صيد وصفات، منذ أن اعتمده العسلي حتى الآن.

وربما دعت الحاجة الدولة إلى الإسراع في ابتكار هوية بصرية، كي تستعملها في مطبوعاتها، وأزيائها الرسمية، وتصاميم للأشياء أو الأغراض أو الآليات المستعملة من قبل الدولة، لكن هذا لا يعني طرح العملية كعملية تطوعية وانتقاء أفضل المتقدمين، بل يمكن استشارة “معلمي” هذا الفن، ولا أعتقد أنهم لن يجدوا من يلبي النداء.

ما ناله الشعار من جماهيرية، لا يعني بالضرورة أنه شعار ناجح، فحماسة المواطنين كانت أولاً للقطيعة مع كل ما يذكر بالنظام البائد، وفرحًا بعهد جديد سيستعيد له حريته المنشودة. هو شعار لا روح فيه، كان يكفيه ربما فتحة للعين تتيح تواصلًا بصريًا مع المتلقي.

وعلى صعيد الشكل أو التصميم، فمن لديه العين المدرَّبة والخبيرة، لا يمكن إلا أن يقول إن الشعار الجديد، باعتباره أهم عناصر الهوية البصرية، غير أصيل ولا يحمل هوية أو مرجعية فنية محلية، ونقصد هنا أنه يمكن أن يكون لأي مؤسسة عربية أو غربية، يصلح لدول أو لعلامات تجارية، وكما يقال عادة فيما يخص الأعمال الفنية غير المبتكرة، هذا الشعار “Déjà vu”، كما في الدوائر الرسمية والمطبوعات بمختلف أنواعها.

الترا سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى