سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعشهادات

هل يمكن لسوريا أن تكون وطنًا حين لا يبقى لي فيها سوى بيتٍ مُدمَّر؟/ أسامة شاهين

العودة إلى اليرموك، وسؤال الهوية الفلسطينية-السورية

31 تموز 2025

في فلسطين التي زرتها قبل عامين، من زيارتي لدمشق ومخيم اليرموك بعد سقوط الأسد، مشيتُ كما لو أن شيئًا يرفعني مترًا عن الأرض. ربما وهمٌ، وربما هي الذاكرة التي لم أعشها.
كنت أتنقّل كمن يحمل على ظهره عيون كلّ أولئك الفلسطينيين-السوريين الذين لا يزالون ممنوعين من العبور. أما دمشق، فكانت مسألةً أخرى.. لم أشعر بأنني أعود، بل كأنني أُستدعى إلى مكانٍ كنتُ أحاول نسيانه، لا لغيابه، بل لأنّ حضوره كان دائمًا أكثر ممّا أحتمل. بدت كلّ خطوةٍ وكأنها انغراسٌ في عمق الأرض”.

في الرحلة من الدوحة إلى دمشق، تشعر بالتوتّر في الشهيق المفاجئ، الأنوف المرتبكة، والزفير المقطوع بسعالٍ خفيفٍ أقرب إلى الذريعة. بدا الركّاب كأجسادٍ متيبّسة لا تعرف ما إن كانت تعود، أم تُقتاد إلى ما تبقّى منها. ومع ملامسة العجلات أرضَ المطار، انفجرت الدموع كما لو كانت جزءًا من ذاكرةٍ عضلية.

في صفّ الجوازات، بدأ المسافرون يردّدون سؤالاً واحداً: كم سنة غبت؟ قلت: اثنتا عشرة سنة. رجلٌ يقف خلفي أجاب: من سنة التسعين. امرأةٌ قالت: من حماة. آخر مرة كانت في الثمانينات.

في تلك اللحظة تدرك سريعًا أنّ المنفى ليس رقمًا، بل اختبارٌ للمقارنة بين صورتين: ما تتركه، وما تجده حين تعود.

كان أصدقائي بانتظاري في المطار، وهو أحد الأماكن القليلة في دمشق التي لم أعرفها حقًّا. كنت قد زرته مرتين فقط: مرةً لأودّع صديقًا، وأخرى لأودّع أختي. أما عن نفسي، كمعظم السوريين، غادرتُ البلاد من خلال ثقوب الخريطة.

بعد الخروج من المطار، استعادتني دمشق بسرعة، أو ربما أنا من عُدت إليها. في غضون ساعات، بدت الاثنتا عشرة سنة وكأنها انزلاقٌ قصير في الزمن.

قبل عامين من تلك اللحظة، كنت قد زرتُ فلسطين (وطني الأوّل) للمرة الأولى في حياتي. كنت أوّل من يراها من عائلتي، لا كصورةٍ في الذهن، بل كجغرافيا يمشي فيها.

ظننتُ أن دمشق ستوقظ المشاعر ذاتها، أن تحملني بالارتباك ذاته. لكن لا. ليس تمامًا. لم تُشبه فلسطين، لا في الاستقبال، ولا في الارتداد الداخلي.

في فلسطين، مشيتُ كما لو أن شيئًا يرفعني مترًا عن الأرض. ربما وهمًا، وربما هي الذاكرة التي لم أعشها.

كنت أتنقّل كمن يحمل على ظهره عيون كلّ أولئك الفلسطينيين-السوريين الذين لا يزالون ممنوعين من العبور. أما دمشق، فكانت مسألةً أخرى. لم تكن العاطفة أقلّ حضورًا، لكنها أقلّ دهشة، شيءٌ أقرب إلى استدعاءٍ باردٍ لحزنٍ قديم. لا يصفعك، لا يحتضنك، بل يجلس في الزاوية، على طرف الذاكرة.

لم أشعر بأنني أعود، بل كأنني أُستدعى إلى مكان كنتُ أحاول نسيانه، لا لغيابه، بل لأنّ حضوره كان دائمًا أكثر ممّا أحتمل. بدت كلّ خطوةٍ وكأنها انغراسٌ في عمق الأرض.\

في مخيّم اليرموك

في اليوم التالي في دمشق، ذهبتُ إلى اليرموك. الحيّ الذي شكّل وعيي الأوّل، قبل الانتقال إلى مشروع دُمّر أثناء المرحلة الجامعية.

لم يكن الأمر حينها مجرّد تغيير عنوان، بل انقطاعٌ مفاجئ في السرد. خلعٌ داخليّ عن شيءٍ كان يُشبهنا أكثر ممّا كنّا نعرف.

نعم، كنّا فلسطينيين في مشروع دمر. لكن اليرموك لم يكن تأكيدًا على ذلك، بل تذكيرٌ بأنّ ما نُنسب إليه ليس اختيارًا، بل صدى لفقدٍ مستمر.

في اليرموك كانت فلسطين هُويةً سياسية تعيش على إيقاعها في الحياة اليومية. كانت على الجدران، في الأحاديث العابرة، في الألوان الباهتة لجداريات الفصائل. عرفات لم يكن زعيمًا بعيدًا، بل حاضرًا كجدٍّ كثيف الظلّ، نشتاق إليه ونضيق به. أما أن تكون سوريًّا، فكان أمرًا آخر. ليس خاليًا من السياسة، بل مسكونًا بالصمت. وذاك التوتّر بين هويةٍ تتكلّم وأخرى تُكمَّم، كان الحبل بين مخيم اليرموك ومشروع دمر.

ذلك الصمت تكسّر في مارس 2011، حين بدأت الثورة السورية. تظاهر اليرموك ضدّ الأسد، ثم فتح مدارسه لمن نزحوا إليه من الحجر الأسود والتضامن ويلدا. أصبح مخيّمًا داخل مخيّم. نسخةٌ مركّبة من الفقد.

كنت أعمل في مستشفى الباسل، نقطةٍ هشّة في جسدٍ نصف ميت، تحاول أن تستعيد إيقاع الحياة بإبرة، أو بضمادٍ على جروحٍ أحدثتها قناصات النظام.

لم نكن نملك ما يكفي، لا من المعدّات، ولا من الوقت، ولا من النوم. وكان واضحًا أنّ الاستمرار لم يكن بطولة، بل نوعًا من الإنكار المشترك: أن نُقنع أنفسنا بأن الرعاية مُمكنة في حضرة القصف الأسدي.

كنّا نعرف أنّ البقاء نفسه صار تهديدًا، لكن أحدًا لم يسأل نفسه إن كان ذلك دورنا كفلسطينيين، وإن كان علينا التزام الحياد.

لم نحاول أن نكون أبطالًا، ولم نُلبس الفعل أيّ مجاز. فقط فعلناه.

لكن الثمن الذي دفعه اليرموك لم يكن مجازًا. الدمار لم يكن عرضيًّا، ولا جانبيًّا. ممحاةٌ عملاقة مرّت على الجدران، والممرات، والقبور.

مشيتُ في الشوارع التي عشتُ فيها كل تلك السنوات، ولم أستطع تمييزها. جغرافيا الحيّ لم تتغير فقط، بل أصبحت تُقاوم الذاكرة.

لا أدري إن كنت قد شاهدت مسلسل Black Mirror، ذاك العمل الذي يتقصّى كيف يمكن للتكنولوجيا أن تشوّه الذاكرة والهوية.

في إحدى الحلقات، تُزرع شريحةٌ في دماغ رجل، تتيح له استرجاع ماضيه كما لو أنه يشاهد فيلمًا، كل لحظة تُعاد أمامه على شاشة بصفاء مؤلم: يرى نفسه يرقص مع حبيبته السابقة، يضحك، يغازل، كما لو أن الزمن لم يمضِ.

وأنا واقف في اليرموك، فكّرت بتلك الشريحة، لا كترفٍ تكنولوجي، بل كأملٍ خياليّ. لا لأستعيد الماضي، بل فقط لأتعرّف عليه.

سألتُ عن موقع مستشفى فلسطين (ذاك الذي كنتُ أظنه من الثوابت، من علامات الحيّ التي لا تُنسى) فأشار رجلٌ إلى مبنى خلفيّ كنّا نقف أمامه تمامًا. شعرتُ باهتزازٍ داخلي، وألمٍ ودهشة، مرّت بجسدي. لكن، صمتٌ إسمنتيّ جعل الحزن ترفًا لا يمكن استحضاره.

أين هو بيت جارنا الذي طلا واجهته بالإسمنت الأحمر كي نعرف مدخلنا بين الأبنية المتشابهة؟ وجدتُ بيتنا أخيرًا. لكن بلا واجهة، بلا مدخل. بدا كفمٍ مكسور، مفتوحٍ من كل الجهات.

الأغرب كان ما رأيته من شرفة البيت الخلفية. كانت تطلّ على مبنى مُلاصق لا يبعد سوى أمتارٍ قليلة. الآن، ومع انهيار معظم البلوك، انفتحت أمامي صورةٌ لم أرها يومًا، مشهدٌ بانورامي جديد، تجميلٌ شرس، هديةٌ من خراب الأسد.

تحت أنقاض المقاومة

لا يمكن رواية حكاية الفلسطينيين-السوريين دون الحديث عن كيفية استخدام نظام الأسد لفلسطين كورقة سياسية.

في زمن حافظ الأسد، تحوّلت شعاراتٌ مثل “تحرير فلسطين” إلى أناشيد رسمية، أشبه بتعاويذ تُردَّد أكثر مما تُصدَّق. لكن، خلف الستار، كان النظام يطعن القضية ذاتها باسمها. في 1976، دعم الأسد الميليشيات اليمينية اللبنانية لاجتياح مخيم تل الزعتر، ممهّدًا الطريق لمجزرةٍ سقط فيها أكثر من 1500 فلسطيني.

صحفي في جريدة «Bergens Tidende» النرويجية، ومشرف على مجلة “دار”التي تصدر بالعربية والنرويجية.

حكاية ما انحكت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى