محمد سيد رصاص لـ”963+”: سوريا الثالثة تبدأ من مؤتمر تأسيسي لا من تسوية فوقية

محمد سيد رصاص: سوريا على أعتاب التأسيس الثالث… ولا خلاص إلا بمؤتمر وطني جامع
عمار زيدان
2025-08-03
ثمانية أشهر مضت منذ سقوط نظام بشار الأسد، وسوريا ما تزال تتلمس طريقها وسط ركام عقود من الاستبداد، وانفجارات داخلية لم تنتهِ فصولها بعد. وتواجه المرحلة الانتقالية الحالية، بقيادة سلطة انتقالية مؤقتة، تحديات بالغة التعقيد، في ظل تركة ثقيلة من النظام السابق، وتداخلات إقليمية ودولية متشابكة.
اليوم، سوريا في لحظة تاريخية حاسمة: هل هي بصدد تأسيس جمهورية ثالثة تتجاوز اختلالات المراحل السابقة؟ كيف يمكن بناء توافق وطني شامل؟ ماذا عن دور القوى الإقليمية، وحدود العلاقة مع الجوار التركي والإسرائيلي؟ وهل هناك إمكانية حقيقية لبناء دولة مواطنة؟
في هذا الحوار، يقدّم الكاتب والباحث السوري محمد سيد رصاص قراءته الدقيقة لما بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، ويضع تصوّراته لصيغة إنقاذ وطني شاملة.
الحوار كاملاً:
بداية، بعد ثمانية أشهر من عمر السلطة الانتقالية… كيف تقيّم هذه المرحلة؟
هذه ليست مجرد مرحلة سياسية انتقالية، بل نحن أمام لحظة اختبار تاريخي لسوريا بأكملها. حين سقط نظام جعفر النميري في السودان عام 1985، قال الفريق عبد الرحمن سوار الذهب: “ليس محظوظاً من يحكم بعد النميري”. وأعتقد أن المقولة تنطبق أكثر على من يحكم سوريا بعد الأسد، لأن الخراب الذي خلّفه النظام السوري، من عهد حافظ الأسد وحتى سقوط بشار، يفوق ما خلّفه النميري بمراحل.
فترة ما بعد الأسد ليست مجرد مرحلة “ما بعد ديكتاتورية”، بل هي تفجير لمشكلات كامنة ومركّبة داخلياً وخارجياً. علينا أن نُخضع هذه الأشهر الثمانية لمعاينة دقيقة: “ما الذي انفجر من أزمات موروثة؟ ما المشكلات التي ولّدتها المرحلة الانتقالية نفسها؟ وما الذي بقي كامناً ولم يظهر بعد؟”
سوريا كانت ساحة صراع دولي – إقليمي – محلي معقد منذ 2011، وقد لا نكون دخلنا فعلياً في مرحلة التعافي. لذلك، لا يمكن لجهة واحدة أو فصيل سياسي أو حتى مؤسسة حاكمة بمفردها أن تبحر بسفينة بهذا الحجم وسط بحر متلاطم. نحتاج إلى توافق وطني حقيقي، مدعوم بإرادة دولية وإقليمية واضحة.
في ظل هذا التوصيف، كيف ترى آليات إنتاج هذا التوافق الوطني؟
يجب أن ندرك أننا نؤسس لسوريا الثالثة. سوريا الأولى وُلدت في 8 آذار/ مارس 1920، في لحظة ما بعد الحكم العثماني، وانتهت سريعاً في ميسلون على يد الفرنسيين. سوريا الثانية وُلدت يوم جلاء الفرنسيين في 17 نيسان/ أبريل 1946، لكنها انهارت في 8 ديسمبر 2024. بين الولادتين، كان الفارق هو الوعي التأسيسي.
تجربة 1920 قامت على مؤتمر وطني عام، انتُخب أعضاؤه شعبياً، وانتخبوا الأمير فيصل ملكاً، ثم تحوّل المؤتمر إلى هيئة تأسيسية لصياغة دستور، رافقها تشكيل حكومة تنفيذية. كانت تجربة ناضجة رغم قِصرها.أما تجربة 1946، فافتقرت لهذا الوعي التأسيسي، ودُفعت البلاد لاحقاً إلى حكم العسكر، ومن ثم إلى الاستبداد الشمولي.
اليوم، لا يكفي الحديث عن “حوار وطني” أو “مبادرات جزئية”. المطلوب مؤتمر تأسيسي وطني عام، بمشاركة ممثلين منتخبين من القوى السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والعسكرية، لصياغة مشروع وطني جديد من الجذر.
اللامركزية مطروحة، لكن هناك مخاوف وتوجسات. كيف تفهم هذه المسألة؟
أي شكل للدولة السورية المقبلة لا يجب أن يُفرض من أعلى أو يُفصّل مسبقاً من الخارج أو حتى من النخب. هذا شأن يجب أن يُناقش ويُتوافق عليه في إطار لجنة دستورية منبثقة عن المؤتمر الوطني التأسيسي.
لا أحد يملك صلاحية حسم هذا الملف قبل أن يتفق عليه السوريون بأنفسهم.اللامركزية يجب أن تكون إدارية – اقتصادية بالأساس، تنظم العلاقة بين المركز والمحافظات، مع اعتماد حدود إدارية مبنية على المصالح الاقتصادية وليس على أسس طائفية أو عرقية.
في محور الجوار الإقليمي. ما رؤيتك لدور كل من تركيا وإسرائيل في سوريا؟
من يقرأ تاريخ سوريا منذ 1920 يدرك أن المشكلات مع تركيا الكمالية قديمة، تعود إلى اتفاقية 1921 بين أنقرة وباريس التي اقتُطع بموجبها 18 ألف كم مربع من سوريا، ثم قضية لواء إسكندرون 1939. كل هذا كان مع دولة تركية أسسها مصطفى كمال أتاتورك.
أما في مرحلة الأزمة 2011-2024، فقد لعبت تركيا دوراً محورياً في توجيه جزء من المعارضة، السياسي منها والعسكري، لحساب مصالحها. وهي الآن تملك أوراق ضغط واسعة داخل سوريا.
إسرائيل، في المقابل، لم يكن لديها أدوات داخلية. هي استخدمت فقط عامل القوة العسكرية. ومنذ سقوط النظام، تسعى لفرض التطبيع الكامل بالقوة. لكنها فشلت حتى الآن، بدليل إخفاقها في فرض شروطها عبر تفجّر الجنوب السوري مؤخراً. الولايات المتحدة – وبعض القوى الغربية – ترى أن التطبيع الآن سابقة لأوانه، وأن العودة إلى اتفاق فصل القوات (1974) بنسخة محدّثة قد تكون حلاً وسطاً.
ما شروط بناء علاقة طبيعية ومتوازنة مع الجار التركي؟
أعتقد أن تركيا الأتاتوركية انتهت، ومشكلتنا كانت دائماً مع هذه النسخة من تركيا. اليوم، هناك محاولة لتأسيس تركيا جديدة، بتفاهمات بين أردوغان، بهجلي، وأوجلان.
إذا نجحت هذه الولادة الجديدة لتركيا ما بعد لوزان، فقد تفتح صفحة جديدة مع العرب والأكراد. أما مع اليونان والأرمن، فهذا يحتاج إلى وقت أطول. أما بالنسبة لسوريا، فهناك فرصة لبناء علاقة متوازنة على أساس احترام السيادة والمصالح المشتركة.
كيف يمكن حماية سوريا من التدخلات الخارجية؟
الجواب بسيط وصعب في آن: بناء دولة مواطنة حقيقية.
دولة يشعر فيها المواطن بالمساواة والحرية والكرامة، لن يحتاج فيها إلى استدعاء الخارج لحمايته أو لتحقيق طموحه. كل استدعاء خارجي في سوريا كان نتيجة لعطب داخلي. لذلك، الحل يبدأ من الداخل.
الدور العربي في سوريا ما بعد الأسد… كيف تقيمه؟
العرب يعيشون فراغ قوة منذ هزيمة 1967. في هذا الفراغ، تمددت القوى غير العربية: إيران، تركيا، إسرائيل. الآن، ومع غروب القوة الإيرانية، هناك ملامح مشروع عربي – دولي بديل، ترعاه واشنطن والرياض، يهدف إلى تشكيل “شرق أوسط جديد”.
السعودية، تحديداً، تنظر إلى سوريا بوصفها جزءاً من أمنها القومي. ومن المؤشرات على ذلك: توافق سعودي – أميركي أعلى من أي توافق سابق مع ترامب أو نتنياهو بشأن سوريا. استدعاء الرؤية الاقتصادية الخليجية القديمة: بأن الساحل السوري هو بوابة الخليج على المتوسط. هذه الرؤية كانت وراء خطوط النفط الكبرى في الأربعينيات والخمسينيات (التي حُسمت بقوة في انقلابي الزعيم وشيشكلي).
اليوم، من المرجّح أن تعود هذه الرؤية للحياة، مدفوعة بعوامل أمنية واقتصادية استراتيجية.
سوريا اليوم على حافة لحظة تأسيسية كبرى. لكن السؤال المفتوح: هل سيتجاوز السوريون فخ التكرار؟
الخيارات واضحة كما يراها محمد سيد رصاص: لا خلاص فردياً، لا استبدال طغيان بآخر، ولا وصاية من الخارج. بل مؤتمر وطني تأسيسي، يشكل عقدًا اجتماعيًا جديدًا، يُبنى على الاعتراف المتبادل والمصالح الوطنية لا الغلبة.
+963



