المرأة السورية: اختلافٌ لا تأخّر/ ميسون محمد

05 اغسطس 2025
لا تزال نظرة الناس إلى المرأة في المجتمعات العربية محكومة بعوامل لا تتعلق بقدراتها أو وعيها أو طموحها، بل بما يسمّونه “السن المناسب” و”الدور المناسب”، فإذا بلغت المرأة الثلاثين من دون زواج، بدأ القلق يلتفّ حولها كوشاح ثقيل. وإذا لم تنجب، بدا وكأن شيئاً ناقصاً يلاحقها في نظرات الناس. وإذا قرّرت أن تكون مستقلة، اتُهِمت بالتخلّي عن “أنوثتها”. وهنا لا نتحدّث عن مواقف فردية، بل عن نمط فكري مترسّخ يتحكّم بسير حياة ملايين النساء.
في سورية، تتضاعف أبعاد هذه المسألة، فالحرب لم تُحدث فقط دماراً مادّياً، بل كشفت هشاشة القيم التي كنا نظنها راسخة. آلاف النساء فقدن أزواجهن، أو خسرن أسرهن، أو اضطررن لتحمّل أدوار جديدة لم تكن مألوفة لهن في السابق. ولم يعد بإمكان المجتمع أن يتجاهل هذا التحوّل، إذ بات من الواضح أن المرأة السورية اليوم تتحمّل عبئاً مزدوجاً: إعالة الأسرة، وضمان استمرارية الحياة في ظل غياب أبسط مقوّمات الاستقرار. لقد أُجبرت النساء على ملء الفراغ الذي خلّفته الحرب، لا ترفاً ولا تمرّداً، بل لأن الواقع نفسه فرض عليهن دوراً جديداً لا يمكن التراجع عنه. ومع ذلك، لا يزال جزء كبير من المجتمع السوري، حتى في الشتات، يحمّل المرأة عبء الحفاظ على دورها النمطي الذي رُسم لها.
وسط هذا التحدي، بدأت تظهر نماذج نسائية استثنائية. نساء قرّرن أن يخترن أدوارهن بأنفسهن، وأن يواصلن حياتهن على طريقتهم، لا كما يُراد لهن. امرأة تُكمل دراستها في الأربعين، أو تبدأ مشروعاً في الخمسين، أو ترفض الزواج لأنها لا تراه مناسباً.. هؤلاء النساء لا يردن فقط إثبات أنفسهن، بل يوسّعن أيضاً مساحة الممكن لغيرهن، ويُضفن على المعنى التقليدي للنجاح أبعاداً جديدة من الشجاعة والمرونة والإرادة.
وهنا تبرز نقطة استراتيجية مهمّة، إن تغيير نظرة المجتمع إلى المرأة لا يأتي فقط من حملات التوعية أو المناهج، بل من تكريس نماذج حقيقية تُعيد تعريف النجاح. المرأة التي تخرج من القالب لا تُهدّد المجتمع، بل تعيد توازنه. لأنها تطرح سؤالاً جوهرياً، من يملك الحق في تحديد شكل الحياة؟ ولماذا يكون الرجل حُراً في قراراته، بينما تُحاسب المرأة على كل تفصيل صغير؟
المرأة السورية اليوم، سواء داخل البلاد أو في المنافي، تعيش صراعاً مزدوجاً، صراع مع مجتمع لم يتحرّر بعد من ثوابته، وصراع مع واقع سياسي واقتصادي لا يرحم. وهذا يجعل تجاوز الأدوار التقليدية ليس فقط خياراً، بل ضرورة استراتيجية. لأن المرأة التي لا تُكبلها القيود، تصبح جزءاً من عملية إعادة بناء المجتمع، لا فقط ضحية فيه. واللافت أن النساء اللواتي خضن هذه التجربة لا يعدن إلى القوالب القديمة، بل يصبحن منارات لغيرهن، ونقاط ارتكاز لتحولات اجتماعية أكبر.
ولكي ننتقل من واقع “تحديد الأدوار” إلى واقع “اختيار الأدوار”، لا بد من الاعتراف أولاً بأننا نعيش خللاً في فهمنا لقيمة المرأة. فالزمن لا يُلغي القدرة، والعمر لا يمحو الطموح، والدور لا يختصر الهوية. المرأة ليست كائناً يتم تقييمه بناءً على وظائف جسدية أو أدوار زمنية محددة، بل كيان إنساني له طاقته ومساحته ومسؤوليته في البناء والتغيير.
المجتمعات التي تحترم خيارات نسائها، وتُفسح لهن مساحة حقيقية للتحقق، ليست فقط أكثر عدلاً، بل أكثر استقراراً. أما المجتمعات التي تخاف من امرأة حرّة، فهي مجتمعات تخاف من التقدّم ذاته. ولذا، فإن كل امرأة تختار حريتها، تسهم ليس فقط في كسر القيود، بل في بناء زمن عربي جديد، لا يُقاس فيه الناس بأعمارهم أو أدوارهم، بل بقدرتهم على أن يكونوا أحراراً وفاعلين.
العربي الجديد



