سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

بين التحديات القانونية والأمنية.. حرية الصحافة في سوريا الجديدة بعد سقوط النظام/ ماهر صالح التمران

7 أغسطس 2025

بعد سنوات طويلة من القمع والرقابة، كان فيها العمل الصحفي في سوريا مرادفًا للخطر، تشهد البلاد اليوم تحوّلاً تدريجيًا نحو واقع إعلامي جديد، وُلد من رحم التغيير السياسي الذي أطاح بنظام بشار الأسد. وبينما يتنفس الصحفيون هواء الحرية للمرة الأولى منذ عقود، لا تزال ظلال الماضي حاضرة، في صورة تحديات قانونية وأمنية وثقافية، تُبطئ سير التحوّل، وتختبر جدية المرحلة الانتقالية في ترسيخ حرية التعبير كمبدأ لا كشعار.

لطالما كانت وسائل الإعلام السورية، الرسمية والخاصة، امتدادًا لخطاب السلطة، لا فرق فيها بين تحرير صحيفة وبيان من القيادة القُطرية. لم يكن للصحفي السوري الحق في مساءلة أو نقد أو استقصاء، بل اقتصرت مهمته على الترويج للرواية الرسمية، وتلميع صورة الحاكم، وتجاهل الحقائق أو تزويرها عند الحاجة.

لكن هذا المشهد تغيّر  بعد سقوط النظام. منذ عام 2025، ظهرت عشرات المنصات السورية، أكثرها رقمي، تتناول قضايا المساءلة والشفافية والعدالة الاجتماعية، وتغطي ملفات كانت حتى وقت قريب من المحرمات.

لكن الانفتاح الإعلامي في سوريا الجديدة لم يكن سلسًا، بل حمل في طياته صدمة مزدوجة؛ للصحفي الذي اعتاد الرقابة، وللمجتمع الذي لم يألف بعد تعددية الرأي. ظهر ذلك في حالات عدة، حين وُجهت اتهامات بـ”التحريض” أو “الإساءة للرموز الوطنية” لبعض الصحفيين، فقط لأنهم نشروا تقارير استقصائية، أو تساءلوا عن آليات التعيينات، أو تطرقوا إلى تباينات الهوية في بعض المناطق.

تقول الناشطة “ل. ح”، التي تعمل في موقع محلي مستقل، إن: “حرية الصحافة في سوريا الجديدة لا تُمنح، بل تُنتزع تدريجيًا. صحيح أنني لم أُهدد أو أُعتقل، لكنني تلقيت استدعاء من هيئة أمنية فقط لأني تحدثت عن شبهات في تعيين موظف في وظيفة عالية. لكن المفارقة أنني عندما نشرت القضية وتفاعل الناس معها، تلقيت دعمًا واسعًا، وفتحت السلطات تحقيقًا بالموضوع”.

هذه الحادثة ليست استثناء، بل تعكس التناقض الحاد في المشهد الحالي. من جهة، توجد إرادة عامة لتمكين الإعلام، ومن جهة أخرى، لا تزال هناك مؤسسات – خاصة الأمنية – تتحرك بعقلية أمنية استخباراتية، وتتعامل مع الصحفي كـ”مشتبه به” لا كشريك رقابي.

ومن أبرز العوائق التي تواجه الصحفيين السوريين اليوم غياب قانون حديث للإعلام، يعكس روح المرحلة الانتقالية ويضمن الحماية القانونية لممارسي المهنة. القوانين القديمة، كقانون المطبوعات لعام 2001 وقانون العقوبات، لا تزال سارية في بعض المناطق، رغم أنها صُممت لخدمة سلطة الفرد الواحد.

جهات حقوقية وإعلامية ناشطة،  قدمت مسودات مقترحة لقانون جديد للإعلام، يتضمن مواد لحماية سرية المصادر، وتحديد واضح لحدود النشر، وآلية الاستئناف في حال وجود انتهاك. وتؤكد مصادر أن هذه المسودات نُوقشت فعليًا في وزارة الاعلام ، ومن المتوقع صدورها رسميًا بعد تشكيل مجلس الشعب.

رغم التقدم، فإن حرية الصحافة ما تزال مهددة بثلاثية معقدة:

    النفوذ السياسي: حيث تسعى بعض القوى السياسية أو الفصائل النافذة إلى التأثير على الإعلام، عبر التمويل المشروط أو الضغط على الصحفيين أو احتكار المعلومات.

    العنف غير الرسمي: إذ وثّقت منظمات محلية حالات اعتداء لفظي وجسدي ضد صحفيين، من قبل جماعات مسلحة محلية أو متظاهرين غاضبين، دون تدخل فوري من الجهات المسؤولة.

    الرقابة الذاتية: هي من أخطر الموروثات، إذ لا يزال كثير من الصحفيين يفرضون رقابة على أنفسهم خوفًا من عواقب غير واضحة أو لتفادي الاصطدام مع قوى الأمر الواقع.

لكن المميز في المرحلة الجديدة أن هذه الانتهاكات – وإن وُجدت – غالبًا ما تُعالج بسرعة. فقد جرى الإفراج عن معظم الصحفيين الذين اعتُقلوا خلال ايام وتمت تسوية أوضاعهم، بل إن بعضهم عاد لممارسة عمله بدعم من مؤسسات الدولة.

إن التحول في المشهد الإعلامي السوري لا يتعلق فقط بالقوانين أو السلطة، بل بالمجتمع نفسه. فإذا أراد السوريون بناء صحافة حرة، فعليهم أن يتحمّلوا نتائجها: نقد حاد، وتسريبات، وكشف ملفات، وتعدد للرأي، وصراعات حول الحقيقة.

وقد بدأت ملامح هذا النضج تظهر، خاصة في المدن الكبرى مثل دمشق، وحلب، حيث تشهد المنتديات الإعلامية والمناظرات الصحفية تفاعلاً لافتًا من الشباب، وتتصاعد المطالب بإصلاحات إعلامية جوهرية.

الصحافة في سوريا ما بعد الأسد لا تعيش فردوسًا ديمقراطيًا، لكنها تتنفس. والكلمة التي كانت يومًا تُكلف صاحبها سجنًا أو نفيًا، باتت اليوم قادرة على إثارة جدل، ودفع تحقيق، وربما تغيير قرار.

لكن هذه الحرية لا تزال مشروطة: بالوعي المهني، بالتوازن بين الجرأة والمسؤولية، وبقدرة الصحفي على الدفاع عن استقلاله وسط العواصف السياسية. ومع الوقت، كلما ترسخت قيم الشفافية والمحاسبة، وكلما احترمت السلطة الإعلام كسلطة رابعة حقيقية، اقتربت سوريا من الحلم الذي لطالما بدا مستحيلًا: دولة تحترم الإنسان وكلمته معًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى