محطات

القامشلي… ذاكرة البنّ والحنين/ شفان إبراهيم

19 اغسطس 2025

لا يُعتبر البنّ في القامشلي مشروباً خاصاً، بل إنه طقسٌ فريد من نوعه، فهو لا يُقدم فقط في المناسبات على اختلاف تسمياتها، بل أصبح جزءاً أساسياً من موسم الذكريات.

صار رفيق القصص والجلسات، وله طقوسٌ خاصة، يُسكب ببطء في فناجين صغيرة، أو يُحرّك جيداً بأيدٍ مرتجفة أو واثقة، لا فرق. المهم أنه يصل دافئاً، بمعنيي الدفء الحرفي والمجازي، يصل برائحة تجعل من العقل في حالة من الحركة. وتحمل القهوة ما يكفي من الحنين والاشتياق لتعوّض ما لا يقوله الناس بعضهم لبعض منذ الحرب.

في مدينتنا، تختفي ساعات المُنبه، ولا أدوار للديكة بطبيعة الحال. لا أحد يخشى أن يتأخّر في النوم؛ فالمدينة تصحو على رائحة البنّ. ففي حيّ الوسطى، تقول جورجين السريانية إن ساعتها البيولوجية تُوقظها قبل الشمس، تغلي البنّ على نار هادئة، تكثر من القهوة، وتخفف من النار، وترتب الفناجين على صينية نحاسية قديمة. إلى ذلك الحين يستيقظ أهل المنزل على رائحة القهوة. وفي حي طي يفعل خليل العربي الأمر نفسه، وإنْ كان يفضل البن الخفيف، فهو أقرب صحياً للمعدة الفارغة من الطعام، هكذا قال وهو يصب لنا القهوة. أما في حيّ مساكن حلكو، فثمة دلة تتراقص على غاز صغير في بيت كارين الكردية. وذلك الحي تتشابه فيه المنازل جميعها، أشجار متناثرة في أحواش الطوابق السفلية، وعلب الريحان والنعناع تكثر على شرفات الشقق في الطوابق العليا، كلها مثقلة برائحة القهوة، وتصدر نكهة تملأ المكان برائحة مزدوجة: البنّ والزيزفون مع الريحان والنعناع. أيُّ صباح رائع، كل تلك الروائح توقظ الجيران، وطلبة المدارس، وعمال السوق وأصحاب الحرف والمهن وغيرهم. في حي طي والوسطى ومساكن حلكو، الكل يتشابهون، يتأملون الحياة، ويتوقعون يومهم الجديد من القهوة، ويصرون على العيش والمقاومة في كل رشفة من البن، كأنه رمز للمقاومة ومواجهة بشاعة هذه الحياة في بلادنا. رائحة القهوة تكفي لتقول لك إن الصباح بدأ، وإن المدينة، رغم العطب والخذلان، لا تزال تُجيد الاستيقاظ.

في القامشلي، تتداخل ثقافات البنّ كما تتداخل الأسماء والأزقة واللهجات. القهوة العربية المُرّة في مجالس العشائر الكردية والعربية. القهوة الكردية الثقيلة في المناسبات العربية والكردية، القهوة السريانية الممزوجة بحبّات الهيل والقرنفل، في مناسبات العوائل المدنية، والتي تُقدَّم للضيوف مع قطعة حلوى وختم الصليب للمسيحيين. في كل تلك الأنواع، يُمنع سؤال الآخر عن نوع قهوته. هذا عيبٌ في عرف أهل المدينة. فهي يكفي أن تُقدّم لتتحول إلى دعوة رسمية للجلوس، والاستماع، وربما البكاء بصمتٍ على واقع حالنا. وكأن القهوة في القامشلي تحولت إلى لغة، بخلاف باقي اللغات، لا تحتاج إلى ترجمة ولا ترجمات. هي هويّة مدينة هرمت من وعود الحكومات، وملت من قصص الدم والدمار والخراب.

مع ذلك كله، تأتي القهوة لتربط بين ما كان، وما لم يعد موجوداً؛ بعد الحرب، وبعد النزوح. صارت لفنجان القهوة وظيفة أخرى. تشربه أم فادي التي بقيت وحيدة في شارع شكري القوتلي. تستحضر ضحكات أبنائها وأحفادها الذين غادروا إلى النمسا. وحين يشربه بنكين في قريته خالد وبيته الطيني، يشعر بمذاقٍ خاص، يُعيد شريط الذكريات، صيحات ولعب أطفالهم في فناء الدار، يشعر أن لذتها مع كُل التهميش للقُرى الكردية، أكثر مذاقاً من طعمها وهو المقيم في دهوك، والعائد لزيارة أقاربه. أصبح الفنجان، لدى المهجّرين، أشبه بصورة ممزقة من ألبوم كبير. لا أحد يمتلك الجسارة لرميها، فهي القطعة الوحيدة المتبقّية من حياة سابقة. ربما لهذا يصطحب بعض المُهاجرين فنجاناً فارغاً بعد انتهاء زياراتهم إلى أهلهم في القامشلي.

القامشلي، التي غيرت الحرب وجهها وتفاصيلها، وتشظّى أفراد عوائلها في بلا المهجر، لا شيء يُثير الحنين فيها مثل رائحة القهوة التي تنطق بالحب. هي رائحة مشبعة بملح الدمع، ورماد التبغ، وصوت الراديو القديم في الزاوية وأحاديث الأمهات التي دوماً ما تبدأ بعبارة “الله يرحم أيام زمان”. إنها قهوة الكُل، وليست طقساً منزلياً فحسب. بل أيضاً إعلاناً داخلياً أن القلب لا يزال يُخصص حيّزاً للحبّ رغم الحرب، وأن الذائقة لم تُخرّبها السياسة، وأن النكهة لا تزال تقاوم العطب.

في مدينتنا: من تبقّى منهم يُحضّرون القهوة على طريقتهم، ليس بدافع العادة، بل كفعل رمزي يقول: ها نحن ما زلنا هنا. قهوة كوردية في بيت عربي، وقهوة سريانية في بيت كوردي. كل ذلك يحدث بصمت وعفوية جميلة، لا يفهمها إلا من عاش في هذه المدينة.

لا تقتصر قصّة القهوة على من يعيش في الداخل، لا. بل هي إرثُ مجتمعٍ وشعبٍ يعدّان القهوة كمن يستحضر بيتاً لن يعود إليه. في الصباح يُشعلون الغاز بصعوبة، يغمسون البنَّ في الماء. ثم ينتظرون الغليان كمن ينظر معجزة صغيرة.

في القامشلي: فنجان القهوة ليس شيئاً يُشرب وينتهي. إنه قصيدة تُرتجل كل صباح. فيه ما يشبه الـ”نوستالجيا” لكنه ليس منها. إنه ذاكرة ساخنة لا تبرد، تُسكب بين الأصابع لتقول: نحن رغم كل شيء ما زلنا نعرف كيف نحافظ على المعنى. لا يحتاج الإنسان إلى كثير من الفصاحة كي يقول إنه ينتمي. أحياناً، يكفي أن يعدّ قهوته كما كانت أمّه تفعل، وحسب.

في هذه المدينة التي قال عنها الموسيقار الكردي الراحل سعيد يوسف: إنها مدينة الحب، غالباً لا يعرف السياسيون ماذا يعني فنجان القهوة في القامشلي، ولا يدركون أنه أكبر من طقس منزلي. هو فعل ذاكرة حيّة، ورفضٌ للخراب، وشكل من أشكال البقاء. في مدينةٍ تتقاطع فيها اللغات والديانات، والانتماءات، تبقى القهوة اللغة الوحيدة التي لا تخذل أحداً، أبداً.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى