سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

فرنسا وتركيا تتصارعان في سوريا!/ هولير حكيم

هل بدأ ملامح صراع فرنسي تركي في سوريا بالظهور للعلن؟

2025-08-18

مع تعقيدات المشهد السياسي والعسكري في سوريا، ومحاولات تركية لإقناع الحكومة السورية بالانسحاب من اجتماع باريس المرتقب مع قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، وذلك بحسب موقع ‘‘المونيتور’’ الأميركي، يرجح مراقبون أن ملامح صراع فرنسي تركي في سوريا بدأت تظهر للعلن، وهو صراع في حال تطوره سينعكس على مستقبل المفاوضات المدعومة دولياً، وسيؤثر على مستقبل سوريا والعلاقات الثنائية بين فرنسا وتركيا.

تميزت العلاقة بين باريس وأنقرة خلال السنوات الأخيرة بالتوتر والفتور خاصة في الملف السوري، حيث تتنافس الدولتان على النفوذ والمصالح، ففرنسا لها مصالح في سوريا ولها حضور دبلوماسي وعسكري محدود ضمن قوات التحالف الدولي لمكافحة تنظيم ‘‘داعش’’ لذا تقدم الدعم العسكري والسياسي لـ”قسد” وتطالب بتمثيلهم في الحكومة السورية، الأمر الذي يثير غضب تركيا التي تسعى لتوسيع نفوذها في سوريا وتعتبر بأن “قسد” امتداداً لحزب العمال الكردستاني وتشكّل تهديداً لأمنها القومي لذا تمنع قيام كيان كردي مستقل على حدودها.

اجتماع باريس

وبالعودة إلى اجتماع باريس، قال مصدر مسؤول في الحكومة السورية، أن الأخيرة أعلنت رفضها القاطع للمشاركة في أي اجتماعات مقررة في باريس، رداً على مؤتمر “وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا”، الذي عقد في مدينة الحسكة مؤخراً، مؤكداً المصدر ذاته على أن المؤتمر يشكل “خرقاً واضحا لاتفاق 10 آذار” و”محاولة لتدويل الشأن السوري”.

فيما قال مصدر ديبلوماسي فرنسي لـ”963+”، الاثنين الماضي، إن المفاوضات بين قوات سوريا الديموقراطية (قسد) والحكومة السورية في العاصمة باريس قائمة والمسألة قيد النقاش، مشيراً إلى أن باريس لم تتلقّ حتى الآن أي طلب رسمي من الحكومة السورية بشأن عدم رغبتها بالمشاركة في المفاوضات مع “قسد”.

وفي سياق متصل، كشف موقع “المونيتور” الأميركي أن تركيا ضغطت على دمشق لإلغاء اجتماع باريس مع قوات سوريا الديمقراطية، ما أدى إلى تعطيل جهود ترعاها الولايات المتحدة وفرنسا للتوصل إلى تسوية سياسية في شمال شرقي سوريا، ونقل الموقع عن ثلاثة مسؤولين إقليميين أن زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق، كانت تهدف جزئياً إلى إقناع الحكومة السورية بالانسحاب من الاجتماع.

أسباب الصراع الفرنسي التركي

في تصريحات لـ”963+”، يوضح الباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي وأستاذ العلوم السياسية، الدكتور محمد الطماوي، أن الخلاف بين تركيا وفرنسا يتمحور حول دعم الأخيرة للقوات الكردية في شمال شرق سوريا، وحول التنافس على النفوذ الإقليمي في مرحلة ما بعد النزاع، ناهيك عن تباين الرؤى حول محاربة الإرهاب وإدارة المقاتلين الأجانب، فضلاً عن انعكاسات التوترات السياسية والثقافية بين البلدين على الملف السوري.

من جانبه، يرى المحلل السياسي السوري، المقيم في باريس، نبيل شوفان، أن التنافس بين فرنسا وتركيا في سوريا ناتج عن تباين المواقف تجاه شكل سوريا بالدرجة الأولى ومستقبل الانتقال السياسي، وموقعها ودورها في الإقليم، والخلاف حول ملف الإدارة الذاتية ومحاربة الإرهاب.

ويضيف شوفان لـ”963+”، أن سوريا جزء من تنافس وخلاف أكبر بين باريس وأنقرة بخصوص اليونان وقبرص في شرق المتوسط وخلافات في شمال أفريقيا وانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وكذلك تركيا نفسها وما يحدث فيها من تدهور للديموقراطية والحريات.

ويتابع قائلاً: “خلال السنوات الماضية نادراً ما كانت العلاقات بين فرنسا وتركيا دافئة بما يكفي لترسيخ أسس متينة، ولقد ساهم موقف باريس تجاه انضمام أنقرة إلى الاتحاد الأوروبي في تفاقم حالة التباعد بينهما، مع العلم أن البلدين لديهما استحقاقات كبيرة تجمعهما بما يخص التزامات الناتو الذي يجبر البلدين على التوفيق بين احتياجات الدفاع والخلافات السياسية، والمصالح الإقليمية التي تحتاج تعاوناً وتقارباً مستقراً”.

ورغم كل الخلافات الدبلوماسية، يوضح شوفان أن فرنسا حتى اليوم لم تدعم مواقف أكثر صرامة تجاه تركيا كفرض عقوبات عليها في ليبيا أو شرق المتوسط أو سوريا، بل هي لا تزال تفضل مسار التعاون.

الرؤية الفرنسية والتركية تجاه سوريا

وذهب شوفان في حديثه إلى أن باريس تريد الدفع إلى جانب شركائها الأوروبيين نحو انتقال سياسي حقيقي وشامل يضمن الاستقرار والقوة لدمشق وتدعمه قرارات الأمم المتحدة، كما تشعر بالقلق من أن فجوات الحوكمة والترتيبات الأمنية غير المنظمة والفوضى السياسية تزيد من خطر عودة ظهور التطرف في سوريا.

ويضيف المحلل السياسي السوري، أن “فرنسا لها عمق تاريخي واستراتيجي في سوريا وهي تعرفها جيداً إن كان على الصعيد السياسي أو الاجتماعي أو الديمغرافي، كما أن فرنسا أكثر دولة يمكن أن تساعد سوريا في عملية إعادة الإعمار والحوكمة والإدارة والقانون والدستور وإعادة بناء مؤسسات الدولة بما فيها الأمنية والعسكرية دون أن تفرض على السوريين وجهة نظرها، فهي تعتقد أن الحوار يجب أن يكون بين السوريين أنفسهم وليس مع الجهات المتنافسة كإسرائيل وتركيا”.

ويشير شوفان إلى أن فرنسا لا تفضل التدخلات العسكرية الأجنبية لصالح الوكلاء المحليين التي قد تعرقل أو تشوه عملية الانتقال السياسي وإجراء انتخابات تحت رعاية الأمم المتحدة تؤدي بالبلاد إلى دولة يسودها القانون والاستقرار تمهيداً لإعادة الإعمار وتقديم الخدمات التي تليق بالسوريين وتمهد لعودة طوعية للنازحين واللاجئين.

بينما تعتمد تركيا في الشمال السوري تدخلاً مباشراً واسع النطاق على صعيد الأمن والتعليم وحتى العملة، وتتبنى عملية إعادة ‘‘انتقائية’’ للاجئين، وهي لا تهتم بالعملية السياسية بقدر ما يهمها أن تتحالف سياسياً مع السلطات الجديدة، في مسعى لمنع قيام أي كيان كردي في شمال شرق سوريا، وفق شوفان.

تأثير الصراع: العلاقات الثنائية ومستقبل سوريا

وبما أن الصراعات تخلّف آثاراً سلبية على مختلف المستويات. يعقّب الدكتور محمد الطماوي قائلاً: “الصراع بين فرنسا وتركيا أضعف الثقة بين البلدين داخل حلف الناتو، وخلق انقسامات بين الحلفاء الإقليميين والدوليين، وأثّر على التعاون الأمني والاستخباراتي، وزاد من نقاط الاحتكاك في شمال سوريا، وعرقل أي جهود لتوحيد الموقف الدولي أو الإقليمي نحو تسوية سياسية شاملة”.

وينوه الباحث في العلاقات الدولية إلى أن الخلاف بين باريس وأنقرة يعمق الانقسام السياسي والجغرافي في سوريا، ويعطل مسارات الحل السياسي وإعادة الإعمار، ويؤثر سلباً على المدنيين من خلال زيادة النزوح وتعقيد جهود الإغاثة، كما يعيق أي ترتيبات لإدارة المخيمات.

ويرى شوفان أيضاً أن الصراع سيكون له تأثير سلبي على العلاقات الثنائية بين البلدين، وعلى مستقبل سوريا، ويردف قائلاً: “قد نكون أمام مشهد انهيار بطيء قد يصبح دراماتيكياً في أي لحظة لسيادة الدولة السورية الضعيفة المعرضة لخطر التفتت والتحول إلى ساحات نفوذ للإمبراطوريات غير رسمية، وقد يرافق ذلك استقرار جزئي في مناطق النفوذ ما يؤدي إلى عدم تساوي الحقوق والخدمات ويؤثر سلباً على أي مصالحة مأمولة على الصعيد الوطني”

ويؤكد المحلل السياسي السوري، على أن تصاعد التوتر بين فرنسا وتركيا اللتان تتخذان مواقف متباينة بشأن بعض التنظيمات المسلحة في سوريا، سيؤثر على جهود مكافحة الإرهاب والتعاون الإقليمي في هذا المجال.

اقرأ أيضاً: باريس تستضيف مؤتمر “تحديات السلام والديموقراطية في سوريا وتركيا” في مجلس النواب

السيناريوهات المقبلة: تصعيد أم تهدئة وحوار

وحول السيناريوهات المتوقعة للصراع بين فرنسا وتركيا، يقول شوفان: “تركيا تنتهج سياسات الغموض الاستراتيجي لذا يصعب التنبؤ بنواياها، فمع براغماتيتها التي باتت تصبغ سياساتها في الإقليم يبقى التساؤل إذا ما كانت مستعدة لتفادي الانتقادات الغربية والعربية لنفوذها في سوريا خصوصاً أنها لا تستطيع قيادة إعادة الإعمار في سوريا”.

 ويشير شوفان إلى أنه في حال لم تحدث تفاهمات ثنائية فرنسية تركية واتصالات أوضح بين البلدين ستجد الولايات المتحدة ودول الناتو الأخرى نفسها في موقف صعب يجب أن توازن فيه بين الحفاظ على وحدة التحالف في الناتو والاستجابة لمخاوف تركيا دون التضحية بمخاوف فرنسا والاتحاد الأوروبي.

بينما يختم الطماوي حديثه بأن السيناريو الأقرب على المدى القريب هو التصعيد المحدود عبر عمليات عسكرية تركية وردود سياسية فرنسية. كما يشير إلى أن سيناريو التهدئة ممكن عبر وساطات دولية ترتبط بضمانات أمنية لأنقرة ودور أوروبي في إعادة الإعمار. أمّا السيناريو البعيد الأقل احتمالاً، وفق أستاذ العلوم السياسية فيقوم على إعادة ترتيب إقليمي شامل يغيّر معادلات النفوذ بين الطرفين.

+963

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى