تحطيم غرفة الصدى/ عبير داغر اسبر

19 اغسطس 2025
في ذلك الفضاء، لا تنساب الأفكار الجديدة، بل تتردّد المقولات نفسها كأصداء في وادٍ ضيق، تتضاعف قوتها مع كل ارتطام بجدران الإدراك المهيأ مسبقاً للتصديق. ذلك المكان هو غرفة الصدى، ويعرّف بوصفه فضاءً مغلقاً للتداول المعرفي، حيث لا يسمع الأفراد فيه سوى الأصوات التي تشبه أصواتهم، ولا تُرى فيه إلا الانعكاسات التي توافق قناعاتهم. ما يميز غرفة الصدى أنها لا تكتفي بإقصاء الآراء المخالفة، بل تعمل على جعل وجودها يبدو شاذّاً أو عديم الشرعية، حتى يُخيّل لساكنها أن ما يراه ويسمعه هو الواقع الكلّي. برز استخدام مصطلح “غرفة الصدى” (Echo Chamber) في تسعينيات القرن العشرين، ويُنسب شيوع توظيفه إلى الصحافي الأميركي في واشنطن بوست ويليام سافاير (William Safire)، قبل أن يترسخ وينتشر على نطاق واسع مع بروز الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي خلال العقدين الأخيرين.
في السياق السوري، حيث الحقيقة نفسها باتت ساحة صراع، تتحول غرفة الصدى إلى أداة سياسية وإعلامية متقنة. النزاع لم يعد محصوراً في الأرض أو السلطة أو المستقبل السياسي، بل امتد إلى الماضي والحاضر والمرويات. كل طرف يشيّد صرحه السردي الخاص، جاعلاً منه حصناً يصدّ أي رواية أخرى. حتى لو لم يُقس صدق الأحداث بصلتها بالوقائع المادية، بل فقط بمدى انسجامها مع منظومة أفكارنا المتصادية.
منحت وسائل التواصل الاجتماعي هذه الغرف تأثيراتٍ غير مسبوقة. فهي، بخوارزمياتها الذكية، قادرة على تغذية المستخدم بالمحتوى الذي يوافق ميوله، ويؤكد شكوكه، ويعزز غضبه أو حنينه. ومع كثافة التكرار، تتحول الشائعة إلى “خبر”، والافتراض إلى “حقيقة”، والمصادفة إلى “دليل قاطع”. يحدث هذا في بيئة غوغائية، حيث الانفعال يتقدم على التثبت، والصوت الأعلى يطغى على البرهان الأوثق.
من أخطر ما تنتجه غرف الصدى في المشهد السوري الحالة الاستعاداتية: العودة المستمرّة إلى أحداث أو وقائع مؤطَّرة مسبقاً في خطاب سياسي أو طائفي، لتكون مادة استدعاء وإعادة تمثيل في كل مواجهة أو نقاش. هذا الاستدعاء الانتقائي يجمّد الحاضر في شبكة من الرموز والمجازر والذكريات المصنّعة، بحيث تصبح كل لحظة راهنة امتداداً متخيَّلاً للحظة ماضية، تُستحضر ليس لفهم التاريخ بل لتسويغ الحاضر أو لتعبئة النفوس ضد المستقبل.
أما الحالة التكرارية، فهي ما يمنح الأكذوبة عمراً أطول من عمر الحقيقة. الكذب حين يُقال مرّة قد يثير الشك، لكنه حين يُعاد ويُصاغ ويُدَعَّم بصور وشهادات متشابهة، يصبح مألوفاً، والمألوف، في المخيال الجمعي، غالباً ما يُستقبل باعتباره “طبيعياً” أو “صحيحاً”. في ظل الانقسام العميق، قد يجد الأفراد أنفسهم عاجزين عن مغادرة غرفهم الصدويّة، ليس لغياب البديل، بل لأن الخروج يعني مواجهة الشك في الذات والجماعة معاً.
غرفة الصدى في النزاع السوري ليست مجرد استعارة تقنية، بل وصف دقيق للبنية المعرفية التي تتشكل فيها المواقف والولاءات. إنها آلية دفاعية وسياسية في آن، تتيح للمرء أن يحيا في واقع مُفصَّل على مقاس أفكاره، وتتيح للسلطة، أيّ سلطة، أن تتحكم بما يدخل ويخرج من فضاء الإدراك العام. ربما يكون أخطر ما في هذه الغرف أنها تمنح الإحساس باليقين، بينما هي في جوهرها مساحات لليقين الزائف.
تتنازع الروايات في زمننا أكثر مما تتنازع الجيوش، تغدو الحقيقة غير متسقة مع الرواة، لهذا يصبح كسر جدران غرفة الصدى ضرورة أخلاقية قبل أن يكون مهمة معرفية. فالحقيقة لا تُستعاد إلا إذا فتحنا نوافذنا لرياح تعصف بما ظنناه ثابتاً، وأعدنا إلى الوقائع قدرتها على أن تكسر بصوتها الحقيقي أوهام الصدى.
العربي الجديد



