تحقيقاتتطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

الفخ التجاري… هكذا أدار فرع أمني اقتصاد سورية الأسد/ جلنار العلي

18 اغسطس 2025

يكشف التحقيق كيف تحولت منصة تمويل المستوردات في سورية من أداة للسيطرة على تدفق العملة الصعبة، إلى وسيلة بيد النظام المخلوع لابتزاز التجار ونهب أموالهم عبر تسويات غير شرعية وقضايا جرت هندستها عبر الأفرع الأمنية.

– في ديسمبر/ كانون الأول 2023، هزّ خبر اعتقال رجل الأعمال السوري حسان عزقول الأوساط التجارية في دمشق. لم يكن سجنه مجرد إجراء روتيني أو توقيف عابر سيجري تداركه بعد قليل، بل رسالة واضحة من النظام لكل من يتجرأ على مخالفة القواعد الجديدة لتمويل الاستيراد، فقد اتُّهم عزقول، العضو السابق في مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق وخازن مجلس إدارة نقابة المقاولين في ريف دمشق، بإجراء تحويلات مالية خارج منصة تمويل المستوردات، وهي الآلية التي أطلقها البنك المركزي السوري عام 2021 لتنظيم تدفق العملة الأجنبية.

قدّم عزقول كل الوثائق التي تثبت شرعية تعاملاته، لكن ذلك لم ينفعه، فنُقل إلى فرع الخطيب الأمني (كان يتبع لمديرية المخابرات العامة)، حيث يُستخدم الرعب أداة ضغط، كما يقول لـ”العربي الجديد” إن الاعتقال كان محاولة صريحة لإخضاع التجار، ويضيف: “من يدخل فرع الخطيب يخرج خاضعا، الهدف كان إجبار الجميع على الالتزام الكامل بالمنصة ودفع الإتاوات”.

تعقيدات الاستيراد

في 31 أغسطس/آب 2021 أُقرت المنصة بصفة إطار تمويلي بموجب القرار رقم 1070 الصادر عن لجنة إدارة مصرف سورية المركزي، لتنظيم آليات تمويل مستوردات القطاعين الخاص والمشترك عبر حساب بالقطع الأجنبي لدى المصارف المرخصة في البلاد، أو بواسطة بيع القطع للمستورد من قبل تلك المصارف، أو من خلال شركات صرافة محددة.

لكن القرار 1130 اللاحق قصر التمويل على شركات الصرافة المحلية المسجلة على المنصة. بهذه الخطوة، حوّلها النظام إلى أداة لإحكام السيطرة على أصحاب رؤوس الأموال، عبر المراقبة المشددة والاستجوابات المتكررة والاعتقالات بتهم جاهزة، كما يكشف تحقيق “العربي الجديد” من خلال شهادات 11 مستورداً وتاجراً.

تسببت الآلية التي فرضها القرار 1130 في عرقلة واضحة لإجراءات الاستيراد، عند مقارنة الوضع اللاحق لتفعيلها بالسابق على ظهورها، كما يقول محمد الحلاق، نائب رئيس غرفة تجارة دمشق سابقا، موضحا أن آلية الاستيراد قبل اعتماد المنصة كانت أكثر سلاسة، عبر تقديم طلب إجازة الاستيراد في مديريات الاقتصاد والتجارة الخارجية بالمحافظات، ليحصل عليه رجل الأعمال مباشرة، فقد كان الأمر متاحا طيلة أيام الأسبوع.

غير أن حكومة النظام السابق ضيقت الخناق على المتعاملين من خلال تقسيم الإجازات إلى فئات لتمنحها عبر اشتراط موافقات مسبقة، وقلصت أيام التقديم إلى يومين فقط في الأسبوع، بهدف تقليل عدد الحاويات المستوردة وخنق حركة السوق في خطوة سبقت الخروج بفكرة المنصة. ويستعيد الحلاق ظروف ما قبل نشأتها قائلا إنه: “نتيجة لانهيار الليرة السورية الكبير والمتسارع، بعدما وصل سعر صرف الدولار خلال الأشهر الأولى من عام 2021 إلى 4800 ليرة جراء سياسات حكومية خاطئة للتقليل من الاستيراد فكان أن شجعت على التهريب والاحتكار، طلب رئيس مجلس الوزراء السابق حسين عرنوس (شغل المنصب من يونيو/حزيران 2020 إلى سبتمبر/أيلول 2024) لقاء غرف الصناعة والتجارة لدراسة أسباب ارتفاع الأسعار، بعدها في 18 مارس/ آذار 2021، تلقيت اتصالا من الضابط أحمد نوح، مدير المكتب الاقتصادي بفرع الخطيب وقتها، لحضور اجتماع في المصرف المركزي والمشاركة في أعمال لجنة مشكلة تضم مستوردين إضافة إلى شركتي صرافة، وهما المتحدة والفاضل، وأشخاص من خارج غرفة تجارة دمشق”.

من بين الحضور في اجتماعات اللجنة، رجل الأعمال محمد السواح، صاحب فكرة “تدخل فرع الخطيب بالسوق”، كما يقول الحلاق، مستعيدا المناقشات التي دارت وقتها، وكلها كانت تدور حول خلق آلية للتحكم في سعر الصرف تثبيتا أو تعويما حسب حاجة النظام من خلال إعطاء توجيهات للتجار عبر الضباط.  ويقول الحلاق إنه رفضها، في موقف أيده فيه أعضاء اللجنة التابعين لقطاع الأعمال مؤكدين أن تدخل الأمن بهذه الطريقة غير عملي، ليتم استبعادهم، وأصبحت الاجتماعات مغلقة يحضرها حاكم مصرف سورية المركزي والسواح، وفي فترة لاحقة خلال عام 2021، يقول الحلاق إنه عزف عن الاستيراد نتيجة تلك التدخلات.

لكن لماذا اختيرت شركتا المتحدة والفاضل؟ سؤال يجيب عليه الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، مجدي الجاموس، موضحا أن مصرف سورية المركزي اعتمد في المنصة على شركات صرافة محددة لديها انتشار جغرافي واسع وتتبع لنافذين، وكانت هذه الشركات أداة لزيادة حلقات وإجراءات عملية الاستيراد، ما يطيل فترتها ويسمح بفرض عمولات، والسبب الثاني يتعلق بالرغبة في السيطرة على التمويل، فهذه الشركات قريبة إلى البنك المركزي، ما سهّل استخدامها لتحقيق أهداف النظام السابق في التلاعب بالاقتصاد، موضحا :”هذه الآلية مأسست الفساد عبر العمولات في كل خطوة ومرحلة، وحققت هدف تمويل الحكومة، لتغطية قيمة المستوردات السنوية وتقدّر بـ 1.5 مليار (حوالى 25 تريليون ليرة سنوياً)”.

قضايا مسبقة الحكم

تطورت التدخلات الأمنية بحق المستوردين والصناعيين، عبر شبكة هرمية بُنيت بعد إجبار الموقوفين من بينهم على الإفصاح عن خمسة أسماء تعاملوا معهم بيعا أو شراءً للقطع الأجنبي، سواء كانوا تجارا أو شركات صرافة، بحسب ما أكدته مصادر التحقيق. وهذا الأسلوب أتاح للأجهزة الأمنية رسم خريطة دقيقة لمسارات بيع القطع الأجنبي والمتعاملين فيه، ومراقبة العديد منهم دون اعتقالهم إلى حين.

لاحقا، اتسعت الاعتقالات، ومن بينهم ضحاياها أبو سعيد، كما طلب تعريفه (حفاظا على خصوصيته)، إذ وجد نفسه في 26 مايو/أيار 2021، داخل زنزانة انفرادية في فرع الخطيب، متهما بشراء 300 ألف دولار من السوق السوداء لتمويل مستورداته، كما قال لـ”العربي الجديد”.

في البداية لم يصدق ما يجري وكان يتصور أن خطأ ما وقع فقد “كان عمله مع الدولة”، يقول إنه باع بواخر أرز وسكر للمؤسسة السورية للتجارة والمؤسسة العامة للأعلاف وكانت تلك العمليات تمول مباشرة من المصارف، ولم يكن هناك حاجة للسوق السوداء. رغم ذلك، ألصقت التهمة به وبدأ التفاوض على حريته مقابل عشرة ملايين دولار، خفضوها إلى ثلاثة ملايين، وأخيرا مليون دولار دفعته عائلته للمصرف المركزي ليُفرج عنه في 15 أغسطس 2021، بعد تجربة بدأت بـ”العزلة، الضرب”، ثم “التعذيب حتى الإذعان والدفع”.

النموذج السابق، انتهجه فرع الخطيب نمطاً متكرراً، بحسب وصف المحامي عامر عزقول، وكيل حسان عزقول، لافتا إلى أن التهمة الموجهة لموكله بالفرع كانت تتعلق بالاستيراد خارج المنصة الرسمية أيضا، وحولت القضية إلى محكمة الجنايات المالية بدمشق رقم 3، وتضمّن الاتهام تحويل أموال إلى خارج سورية عبر قنوات غير شرعية، علما أنه لم يكن هناك أي أساس مثبَت لذلك، كما ورد في دفوع المحامي، وحتى “بالرغم من تقديم مستندات تثبت شرعية المستوردات وملف يضم حوالي 100 صفحة بما في ذلك إفادات من البنك المركزي كلها تؤكد الحصول على تصاريح لاستيراد البضائع عبر قنوات قانونية، وفيها إيصالات عن طريق شركة الفاضل للصرافة، إلا أن المحكمة تجاهلت كل ذلك، والقضية – كما يبدو- مُسَبقَة الاتهام كونها محوّلة من فرع الخطيب، ليصدر الحكم بعد أخذ الشفقة والرحمة بعين الاعتبار، الحبس عامين مع غرامة قدرها 100 ألف دولار، وتعويض البنك المركزي بقيمة 400 ألف دولار بصفته جهة مدّعية”.

طعن المحامي بالحكم لكنه نال درجة القطعية، لافتا إلى أنه خلال فترة وجود موكله بالحبس تواصل معه أحد عناصر الفرع، وعرض إجراء تسوية داخلية قيمتها 150 ألف دولار مقابل الإفراج عنه، وتم الدفع بالفعل، ومع ذلك أُحيلت القضية إلى المحكمة. ويؤكد التاجر عزقول أن زملاء له دفعوا ملايين الدولارات تسويات لتجنب السجن بتهمة الاستيراد خارج المنصة، وهي مبالغ “ضائعة”، بعدما أصدر البنك المركزي القرار رقم 224 بتاريخ 18 مارس 2025 لإلغاء استرداد أي مبالغ دُفعت بصفة تسويات، حتى لو بُرهن على بطلان التهم.

حتى لو لم تكن مستورداً!

لم يشعر التاجر أحمد الشرفاوي بالقلق حين داهمت دورية تابعة للجمارك مستودعه في بلدة ببيلا بريف دمشق الجنوبي، في 21 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وهذه الطمأنينة كانت نابعة من كونه ليس مستوردا ويشتري بضائعه من السوق الداخلية، كما أن المستودع كان خاليا من أي بضاعة حينها، لكنه وجد نفسه أمام تهمة “الاستيراد تهريبا عن طريق تقديم وثائق مزورة لبضاعة ناجية من الحجز، عبر بيان جمركي في 23 مارس 2023 تضمن إدخال حاوية أجهزة إلكترونية (Inverter – إنفرتر وهو جهاز تحويل التيار الكهربائي من مستمر أنتجته الألواح الشمسية إلى متردد) مهربة”، كما ورد في محضر ضبط القضية رقم 625/2023 الذي حصل عليه “العربي الجديد”.

منصة تمويل المستوردات… أداة لابتزاز صغار التجار أيضاً

ظاهريا تبدو القضية محكمة، ومما جاء في ملفها: “لدى مراقبة بيانات الاستيراد في الأمانات الجمركية تولّد لدى الجهات المعنية الشك في صحة كتب تمويل المستوردات العائدة لبعض البيانات، ومن بينها البيان IM42 العائد لشركة الجابر اتش ام أي، والمصرّح به عن بضاعة ألواح طاقة شمسية بقيمة 180 ألف دولار، ولدى البحث والتحري تبيّن أن كتاب التمويل مزوّر”.

إلا أن الحقيقة على العكس من كل ما سبق، ويسهل إثباتها كما كان الشرفاوي يتوقع بعد أن تقدم سريعا بالنسخة الأصلية من البيان الجمركي ونسخة من التمويل البنكي، ودافع عن نفسه بأنه تاجر ولا علاقة له بما قام به المستورد الأصلي، لكن معاون مدير مديرية مكافحة التهريب خالد عبيد أبلغه بأن عليه إجراء تسوية بمبلغ 180 مليون ليرة سورية (13 ألف دولار)، ويضاف إليه مبلغ ضميمة (رسوم) وضريبة مصرف سورية المركزي، وبالفعل تم دفع المبلغ كاملا لمصرف سورية المركزي.

إما الدفع أو الحبس، اختار الشرفاوي الأولى، إلا أنه بعد ثلاثة أيام فوجئ بطلب قاضي التحقيق فؤاد سكر الانتظار لمدة شهر للانتهاء من إجراءات التحقيق، وحوله إلى سجن عدرا المركزي، بجناح المال السادس الذي كان يضم 1300 شخص حينها.

منتظرا أن يفرج عنه كما وٌعد، صدر قرار بإخلاء سبيل 25 شخصاً، قبل أن يحين رأس السنة الميلادية، لكن الشرفاوي لم يكن بينهم، ما دفع شقيقه للذهاب إلى قاضي التحقيق فؤاد سكر لمعرفة السبب، فكانت الإجابة الصادمة أنه يتوجب عليه دفع مليارين ونصف المليار ليرة، لوجود غرامة أخرى مترتبة عليه، لكونه متورط أيضاً باستيراد بضاعة مهرّبة بموجب بيان جمركي يضم 35 شخصاً رقمه 2535، وهي أربع حاويات “إنفيرترات” نوع لونغي بقيمة 400 ألف دولار، علماً أنه لم يكن يتعامل بهذا النوع، ولا يملك هذا المبلغ من المال، فسقف رأسماله لا يتجاوز 50 ألف دولار، والتسديد على المبيع، كذلك فإن البيان الجمركي ليس باسمه أو باسم أحد من عائلته، بل كان لصاحب شركة المسالمة للتخليص الجمركي، رغم ذلك.

مرة ثانية لا يوجد خيار إلا الدفع أو الحبس، فتم تأمين المبلغ المطلوب بشق الأنفس وفق حديث الشرفاوي، وذهب شقيقه ليدفع التسوية ليبلغوه أن الغرامة هي 3.4 مليارات ليرة، لوجود شخص أردني الجنسية في ذات البيان وقد تنصّل من الدفع، وبعد أن دفعت المبالغ حُوِّلَت القضية من قاضي التحقيق إلى قاضي الإحالة، وخرج من السجن في 16 حزيران 2024.

وتكتمل أركان المهزلة القانونية، لدى التدقيق في كون الجهات القضائية طالبت أحمد الشرفاوي بدفع غرامة ضخمة تتعلق بالبيان الجمركي رقم 2535، الذي لم يُذكر البيان إطلاقاً في محضر ضبط القضية الجمركية الرسمي أو في أي من الوثائق القضائية المرتبطة بالقضية رقم 625، ما يُشير إلى إدارجه لاحقاً في سياق المطالبات الشفوية أو الإدارية دون تعديل مضمون المحضر أو فتح ضبط مستقل.

ما حدث مع الشرفاوي تكرر مع آخرين، إذ تحولت منصة تمويل المستوردات إلى فخ تجاري، طاول الكبار والصغار وحتى الصاغة أيضا، ومن بينهم محمد الخياط، الذي داهمت دورية من مديرية مكافحة التهريب في الثامن من مايو/ أيار 2023، محله في دمشق، وعاينت البضاعة بحجة أنها مستوردة، علما أنه اشتراها من خلال مزاد جمركي وقدم الوثائق الدالة.

وكغيره من الضحايا لكن لم يتم الأخذ بالأوراق الحكومية التي قدمها، وصودرت البضاعة بكاملها ففقد أربعة كيلوغرامات من الذهب، و67 ألف دولار وأوقف بتهمة الاستيراد تهريبا، وغرموه تسعة مليارات ليرة (ما يعادل مليون دولار حينها)، بالإضافة إلى التنازل عن الذهب والأموال مقابل الخروج من السجن، لكنه رفض وبقي في السجن 19 شهرا وكان من حسن حظه أن سقط نظام الأسد، وخرج دون مزيد من الخسائر.

الهجرة أو العزوف عن الاستيراد

لم يكن محمد الحلاق وحده من عزف عن العمل بعد ما لمسه من فخاخ منصة تمويل المستوردات، إذ يؤكد عصام غريواتي، رئيس غرفة تجارة دمشق أن 40% من التجار توقفوا تماماً عن الاستيراد، بينما لجأ آخرون إلى الهجرة إلى دول مثل مصر والأردن ودول الخليج، بسبب الأعباء الكبيرة التي فرضتها المنصة، فتجميد الأموال لفترات طويلة يضعف القوة الشرائية للتاجر ويضطره إلى رفع الأسعار، فيما كانت أهداف المنصة المعلنة زيادة السيولة في مصرف سورية المركزي، لكنها تحولت إلى أداة لاستغلال التجار وابتزازهم والسيطرة على أموالهم، وفق المصدريْن. ويوافق عزقول ما ذكره الحلاق وغريواتي، قائلا إن إلزام المستورد بشراء القطع الأجنبي من شركتين محددتين واستبعاد البنوك زادا تعقيد الأمور، مشيرًا إلى أن المشاكل طرحت عدة مرات على رئيس اللجنة الاقتصادية محمد سامر الخليل عام 2023، ما أدى إلى إلغاء مؤقت للمنصة، إلا أن ارتفاع سعر الدولار مرة ثانية دفع إلى إعادة العمل بها بحجة استقرار سعر الصرف.

إلا أنه لم يستقر واتسع الخرق على الراتق، يبدو هذا من المثال الذي ضربه المستورد أبو سعيد على الخسائر التي تكبدها، إذ جلب مواد غذائية بقيمة مليون دولار عام 2021، ووضع على منصة التمويل 2.8 مليار ليرة بسعر صرف 2800، لكنه تسلم المبلغ بعد أربعة أشهر بسعر 4500، ما تسبب بخسارته ثلث رأس ماله. وأضاف: “أصبحت سورية أغلى من كل الدول، وصار التاجر يرفع هوامش السعر لحماية أمواله”.

على مستوى أكبر، يقول الصناعي والمصدّر لؤي نحلاوي في تصريحه لـ”العربي الجديد”: “عند بداية العمل بالقرار 1070 بعام 2021، دفعت مبالغ لتمويل مستورداتي بسعر صرف 3100 ليرة مقابل الدولار، وبعد وصول بضاعتي وتخليصها جمركياً وتصنيعها وبيعها، ومرور 7 أشهر، جاء دوري بإعادة أموالي بالدولار، وطُلِبَ مني دفع فارق سعر الصرف الذي بلغ حينها 7400 ليرة للدولار الواحد”، ويوضح أن هذا النموذج أدى إلى إحجام واسع عن الإنتاج والتجارة، حيث أُضيف ما يُعرف بـ”فرق المنصة”، الذي بدأ عند 30% من رأس المال التجاري، لكنه زاد لاحقا مع التضخم في أسعار الدولار. هذا الفرق، إضافةً إلى العمولات المفروضة على كل عملية، انعكس سلباً على المستوردين والصناعيين، ما أدى إلى تراجع الاستيراد وتأثر حركة السوق.

تكشف هذه المعطيات جانبا من أسباب تحول منصة تمويل المستوردات إلى عقبة تجارية ووسيلة استنزاف لرأس المال السوري، فكان أن أدت في النهاية إلى “انهيار حكومة النظام اقتصاديا” بحسب الحلاق، وفي هذه الأجواء أصبح حجم الأعمال والملاءات المالية لكل مستورد أو تاجر معروفاً لدى الجهات الأمنية، ما أدى إلى ممارسة الابتزاز بحقهم.

الإضرار بالقطاع الصناعي

يشير أيمن المولوي، رئيس غرفة صناعة دمشق ومستورد للمواد الكيميائية، في حديثه، إلى محاولته تقليل الاستيراد خلال 2024 لتفادي المضايقات، موضحاً أن المنصة بصيغتها الحالية رفعت تكاليف المواد الصناعية بنسبة لا تقل عن 20%، ما أدى إلى تراجع الإنتاج في قطاعات عدة. ويضرب مثالاً على ذلك الفرق الكبير في أسعار طن الحبيبات البلاستيكية، التي كانت تُباع في الأردن بـ 1100 دولار مقابل 2200 دولار في سورية. ويرى المولوي أن منصة التمويل فشلت في تحقيق أهدافها، بل أضرت بالصناعة والصادرات، حيث انخفضت صادرات القطاع الكيميائي بين 80 و90%.

ما ذكره المولوي، يؤكده عصام تيزيني، أمين سر غرفة صناعة حمص سابقاً، مشيرا إلى أن أكثر من 60% من مصانع حمص توقفت عن الإنتاج، بينما تقلص إنتاج الباقي إلى 25% من طاقتها، نتيجة الضغوط الأمنية والرقابة المشددة على التجار والصناعيين.

بماذا يردّ السواح؟

بعد سقوط نظام الأسد بأيام قليلة ألغت لجنة إدارة مصرف سورية المركزي منصة تمويل المستوردات في 15 ديسمبر 2024، وسمحت للتجار بتمويل مستورداتهم من أي مصدر للقطع الأجنبي، في خطوة وُصفت بأنها تفكيك لقيود مشددة طُبقت على مدى أكثر من عام، إلا أن المشكلة الأعمق بقيت قائمة، وتتعلّق بالأموال المودعة مسبقاً لدى شركات الصرافة والبنوك على المنصة، و”الحكومة الجديدة ورثت أعباء المنصة عن الحكومة السابقة”، كما يقول غريواتي، موضحاً أن المبالغ المجمدة التي وصفها أنها “كانت مسروقة وفي حكم الضائعة”، لكن الإدارة الجديدة التزمت إعادة الأموال لأصحابها، وأضاف أن العديد من التجار تسلموا أموالهم كاملة، وآخرين تسلموا جزءاً منها، بحسب كل حالة، ووفق السعر الرسمي للدولار.

ويقدر حجم هذه الأموال بنحو 600 مليون دولار، كما كشف باسل عبد الحنان، وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية السابق في حكومة تسيير الأعمال، خلال تصريحات صحافية في يناير/كانون الثاني 2025.

لم يتوقف الأمر هنا، إذ شكّل عدد من التجار ورجال الأعمال والصناعيين مجموعة على تطبيق “واتساب” حملت اسم “ضحايا السواح”، تعبيرًا عن الظلم الذي تعرضوا له خلال فترة عمل منصة تمويل المستوردات. المجموعة التي تضم حوالى 300 شخص من مختلف المحافظات السورية، تمثل جزءًا من الذين التقوا في السجن، حسب ما يوضح حسان عزقول، أحد أعضائها.

حول سبب التسمية، يشير عزقول إلى أن الاسم مرتبط برجل الأعمال محمد السواح، عضو غرفة صناعة دمشق وريفها سابقًا، لكنه يمتنع عن الخوض في تفاصيل شخصية، مؤكدًا أن النظام كان يسيطر عليه أمنيا بشكل كامل، وأن الفساد كان منتشراً، ومع ذلك “فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته”.

حكوميا، أعفت وزارة الصناعة السواح من عضوية غرفة صناعة دمشق وريفها وعضوية اتحاد غرف الصناعة كذلك، في 27 فبراير/شباط 2025، وللرد على ما سبق تواصلت “العربي الجديد”، مع السواح الذي تحفّظ عن الإدلاء بتصريحات مفصلة واكتفى بالتأكيد أن آلية تمويل المستوردات في القرار 1070 مستوحاة من نموذج مصري، وقد جرى مناقشتها وتعديلها من قبل اللجنة المختصة، معتبراً أن القرار كان من مسؤولية مصرف سورية المركزي، وليس من صلاحياته التفاوض أو عقد اجتماعات مغلقة مع الحاكم.

قرار تمويل المستوردات 1070.pdf

قرار تمويل المستوردات 1130.pdf

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى