سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

جيل الحرب وسؤال المستقبل/ فاطمة عبود

 

2025.08.20

وجد جيلُ الحرب، بعد هروب بشار الأسد من سوريا، نفسه اليوم أمام بلدٍ لم يُبقِ النظامُ البائد منه سوى الخراب المنتشر حيثما نظرت العين وحلّت القدم.

لقد كان سقوط النظام الأسدي لحظةَ خلاصٍ حقيقية، لكنه في الوقت نفسه كشف عن فسادٍ متعدِّد المستويات تراكم عبر عقود. فماذا ورث الشباب السوري بعد أكثر من عقد من الزمن؟ في الواقع، لقد ورثوا مؤسسات منهارة، واقتصاداً مسحوقاً، ونسيجاً اجتماعياً ممزقاً، وثقافة شبه غائبة. وفوق هذا وذاك، خرج هذا الجيل من قلب الحرب مثقلاً بذاكرة مشوَّهة، شاهداً على فقد الكثير من الأحباب، سواء كانوا أقارب أو أصدقاء. كما عاش تشريد العائلات وانهيار المعايير التي كانت تحفظ للمجتمع توازنه. إن هذا الجيل لم يعرف الاستقرار يوماً، ولم يختبر معنى الدولة التي ينبغي أن تحمي مواطنيها وتوفّر لهم الكرامة. واليوم يجد نفسه وجهاً لوجه أمام سؤال المستقبل، وضمن امتحان تاريخي لجيلٍ كامل، ألا وهو: كيف يمكن لشباب أنهكه الحرمان واليأس أن يكون القوة الدافعة لولادة وطنٍ مزدهر كما ينبغي أن يكون؟

لا يمكننا اختصار التركة التي خلّفها الاستبداد بالخراب المادي فحسب، إذ شملت أيضاً تهتكاً أخلاقياً عميقاً أصاب بنية المجتمع من الداخل حتى أنهكها. ففي سنوات الحرب الطويلة، لم تعد القيم التي كانت تشكّل قاعدة العيش المشترك فاعلة كما في السابق؛ فقيم التضامن والتكافل التي كانت تُظهر وجه المجتمع السوري في شدائده تراجعت لتحل محلها عقلية النجاة الفردية. فكل فرد بات يبحث عن خلاصه الخاص، ولو كان ذلك على حساب جاره أو قريبه. وأصبحت سمات التحايل في المعاملات، والانتهاز في الأسواق، والالتفاف على القوانين قيماً يومية للعيش في بلد انهارت فيه المؤسسات وضاع فيه الشعور بالمسؤولية الجماعية. وقد مسَّ هذا التهتّك الروابط العائلية والاجتماعية أيضاً، فكثير من العائلات تشرذمت بفعل النزوح والهجرة، أو بفعل الانقسام السياسي والطائفي والمناطقي، وغدت اللغة المشتركة بين الناس مشوشة ومحمَّلة بالريبة والشك المتبادل.

أما الثقافة فقد كانت ميداناً استراتيجياً شكّلته السلطة كما تشاء؛ إذ ظلت النشاطات الثقافية لعقود طويلة رهينة الدعاية السلطوية، حيث سخّر النظام المسارح والسينما والكتب والمهرجانات لبناء صورة زائفة عن وطنٍ متماسك تحت عباءة القائد، بينما جرى في العمق تجفيف أي روح نقدية أو إبداع مستقل. وعندما اندلعت الحرب، انهارت تلك البنية المزيفة سريعاً، وتركت وراءها فراغاً هائلاً لم يكن بمقدور الشباب المثقف ملأه، ولا الدولة كانت قادرة على إنتاج فنٍّ أو فكرٍ ذي معنى، ولا المؤسسات المدنية استطاعت تقديم بدائل تنهض بالبنية الثقافية للمجتمع. وهكذا وجد الجيل الجديد نفسه في مواجهة إرثٍ ثقافي يعكس تماماً الخراب السياسي والاجتماعي.

ويقف الاقتصاد بدوره على أنقاض هائلة تركها الاستبداد الذي حوّل البلاد إلى مزرعة عائلية تقوم على الامتيازات والفساد والنهب المنظَّم. لقد دمّر الاعتماد على الولاء بدل الكفاءة بنية الإنتاج، وحوّل الثروة الوطنية إلى أداة بيد قلّة ضيقة، بينما كانت غالبية الشعب تعيش على حافة الفقر وتحت خطّه. وعندما جاءت الحرب، استكملت ما تبقى من هذا الخراب، إذ تحوّلت البنية الاقتصادية التحتية إلى ركام، وأصبح سوق العمل أشبه بمقبرة لآمال جيل كامل كان ينتظر فرصة لبناء مستقبله، فوجد نفسه داخل مناخ اقتصادي خانق: لا وظائف، ولا استقرار، ولا منظومة اقتصادية يمكن الاعتماد عليها.

أما الطامّة الكبرى فكانت من نصيب التعليم، إذ يُفترض أن يكون التعليم الركيزة الأساسية لأي مشروع نهضوي يسعى إلى إعادة بناء الوطن على أسس راسخة بعد سنوات الحرب والدمار. غير أن الجامعات والمدارس خرجت من الحرب منهكة بفعل سنوات من التسييس والفساد الذي نخر بنيتها. فقد تحوّل التعليم في كثير من الأحيان إلى أداة بيد السلطة لفرض خطابها، وانشغلت المؤسسات التربوية بتلقين الولاء بدلاً من نشر المعرفة، بينما انتشرت مظاهر الرشوة وبيع الشهادات وضعف الكفاءة الأكاديمية. وهكذا فقدت العملية التعليمية جزءاً كبيراً من مصداقيتها ودورها، وتخرّج جيل كامل يحمل أوراقاً رسمية لا تعبّر عن معرفة حقيقية، ولا عن مهارات قادرة على مواجهة تحديات الواقع.

لذلك قد يجد كثير من الشباب أن الخلاص يتجسّد في الهجرة خارج سوريا، رغم سقوط النظام؛ فالملايين يفكّرون في مغادرة البلاد لأنهم لا يجدون سبباً يقنعهم بالبقاء في ظل سلسلة الانهيارات التي تحدثنا عنها. لقد جعلت سنوات الحرب وما خلّفته من دمار وفساد الحياةَ اليومية عبئاً لا يُطاق، ودَفعت الكثيرين إلى التفكير بالبحث عن أفق آخر حيث العمل متاح، والكرامة مصانة، والأمان مضمون. إن أخطر ما في هذا النزيف البشري أنه يضرب لبّ المجتمع في صميمه، فالشباب هم الطاقة المنتجة، والعقل المبتكِر، والقوة القادرة على إعادة البناء، ورحيلهم يعني خسارة عقول ومهارات وخبرات يمكن أن تؤخّر أي مشروع نهضوي ممكن.

إن التركة الثقيلة التي خلّفها النظام المستبد تتجسّد في مشهد الخراب المادي، وتمتد إلى عمق المجتمع في قيمه ومؤسساته وثقافته واقتصاده وتعليمه، حتى باتت معركة إعادة البناء أكثر تعقيداً من مجرد رفع أنقاض المدن وإعادة إعمارها. فالمطلوب اليوم هو ترميم الإنسان ذاته في وعيه وثقافته وقيمه وشعوره بالانتماء إلى وطنٍ عادلٍ يحتضنه. ومسؤولية الجيل الجديد، على قسوتها، تحمل في طياتها وعداً بمستقبل مختلف، شرط أن يُفتح أمامه أفق المشاركة الحقيقية، والعمل المنتج، والحياة الكريمة. فإذا كان الخراب قد صنع جيلاً مثقلاً بالجراح، فإن الأمل يكمن في أن تكون هذه الجراح نفسها الحافز الذي يدفعه إلى صياغة وطنٍ جديد لا يشبه الماضي ولا يعيد إنتاجه.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى