أبحاثسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

الخط الثالث – بين مطبلي السلطة وكاوبوي المعارضة/ أحمد الشمام

 

2025.08.31

لا شك أن هناك تأييدا كبيرا للسلطة، وأرضية واسعة من عامة الشعب تؤيدها سواء ممن أيدها قبل أن تغير نهجها أو بعده، فهيئة تحرير الشام هي التي حاربت وقدمت وخاضت عملية التحرير، ومنعت وقوع حروب انتقامية، كما مثّل انتصارها انتصارا لثورة الشعب السوري. ثمة طيف آخر انضم للمؤيدين هو جمهور المكوعين من رماديي حقبة الأسد من الأكثرية؛ والذين باتوا يتسابقون للحصول على مكاسب الدولة الوليدة، مع انتشار موقف مألوف في بلداننا عموما وفي شتى البيئات الاجتماعية والشرائح لأفراد بنسب كبيرة، ممن يؤيدون أي سلطة تحكم ومستعدون للتصفيق لأي حكم ومركز قوة. يذهب حديثنا إلى شريحة محددة ارتبطت بموقف المثقفين الذين تم تنميطهم على أنهم مطبلين أو شبيحة، ليس الأمر حول شبيحة السلطة ومؤيديها المنفعلين والمحتفلين بالنصر، هنا نتحدث عن المثقف السوري المسلم الذي فرح بتحرير دمشق من جهة؛ وكان ضد جبهة النصرة، ثم أيدها بعد ما قدمته عند تحرير حلب، فبدأ بتأييدها واستوعب تصريحاتها وخططها حول المشروعية الثورية والحكومة الانتقالية. غير أن موقفا تعميميا وتنميطيا متحاملا، بدأ ينشط ضد هؤلاء غير قابل لمساءلة نفسه لحل مشكلة وجود أشخاص مؤيدين للسلطة ويرفضون تجاوزات فصائلها، ومؤيدين للدولة وضد أي فكرة تطرح في المجال العام عن تمييز الناس تبعا لانتمائهم الديني أو العرقي.

لدى هذه الشريحة الواسعة انتقادات كثيرة للقيادة، مع عدم ارتباطها بها، وتصطدم بمعارضي سلطة دمشق الذين ما فتِئُوا على تسميتهم بمطبلين وشبيحة جدد. وعند تقصي خط عملهم السياسي نجد نزعة أقلوية وعقدا لضحايا أيديولوجيات يسارية بائدة، تؤطر كل من يخالفها. حتى تشكل ما يمكن تسميته خط ثالث لا هو في السلطة ولا شبيح لها، بل معارض لأخطائها مع وقوفه معها في الخط العام كحكومة مؤقتة تعتمد الشرعية الثورية، ويؤيدها حتى فيما أطلقته من رؤية لخوض غمار المرحلة الانتقالية وحيدة وبرؤيتها الخاصة. المعضلة أنه رغم معارضته لكثير من أخطاء الحكومة مازال مؤمنا بضرورة الخروج من عنق الزجاجة والاستعصاء الحاصل الناجز بدوافع دون وطنية؛ فلا قسد تحمل أو تطرح رؤية وطنية رغم تصريحاتها البادية كاستجابة لذلك، ولا تخرج عن خطتها في تلميع نفسها وتشكيل بؤرة استقطاب خاصة بها تلم بها شتات المعارضين مهما اختلفت أسبابهم شبيحة أو فلولا تحت شعارات ديمقراطية حماية الأقليات وتختطف الكرد تحت ادعاء تمثيلهم، ولا الهجرية السياسية التي اختطفت الدروز والسويداء وحيدت كل صوت يعارضها. 

يجد الناظر هنا حلفا أقلويا وليس حلف أقليات؛ وهو ما يضعنا في ضرورة مواجهته أو محاججته في أقل احتمال؛ لكن هذه المواجهة تستجلب تحشيدا مقابلا هو التنميط والقولبة الجاهزة تحت مسمى التطبيل، ما يكشف أزمة الخط الثالث من المثقفين الذين ليسوا مع السلطة بالمستوى العضوي أو الوظيفي؛ ولا هم  مع المعارضة للحكم الحالي؛ تلك التي لم تخرج من نمطيتها وتخندقها الأيديولوجي أو مراهقتها السياسية.

قال الراحل ميشيل كيلو أنه بعد سقوط النظام “يجب الاشتغال على مرحلة الإجماع الوطني”؛ ما يعني العمل على المشتركات الكبرى لتجاوز التنابذ القيمي والأخلاقي والاصطفاف السياسي في مجتمع جير الفعل الجماعاتي للهوية ما دون الدولة وارتبط فيه الفرد بمصلحة الجماعة التي تحميه، وارتهن فيه العمل السياسي بعد تحجر عقود إلى الأيديولوجيا؛ مايعني ضرورة الانتقال بالمجتمع من مستنقع الأطر السابقة على الدولة إلى مستوى الشراكة الوطنية في عمل مدني يجيز السياسة ويفتح مجالات تثويرها بعد مرحلة البناء الكفيلة بتشابك السوريين وتقاطعهم خلف أهداف تعلو على حاجات الفرد اليومية وأمنه التي يُسعى الآن لتأمينها، هناك بعد رغبوي واستحوذاي يتملك ضحايا اليسار الذي كان يتهيأ لقيادة المرحلة بشرعية ثورية أنكرها على القيادة الجديدة، مع كامل عُقَدِهم من الإسلام بشقيه السياسي والجهادي فصدموا بعد تحرير حلب ودمشق بقدرته على طرح تنازلات ورؤى مرنة لقيادة الدولة، ثالثها الأقلويون من أبناء الأقليات القوية عسكريا وليس سياسيا والتي تطرح تحت عنوان عقدة الخوف مطالب ديمقراطية وعلمانية وتعددية؛ تحت جبة سماحة شيخ طائفي أو بسطار جنرال عسكري يفرض نسق حكم تعسفي يقتل كل مخالفيه، هو حلف أقلوي تمتاز به الأقليات القوية عسكريا، ولم تدخله أقليات مرنة كالمسيحيين والإسماعيليين والتركمان وأبناء الطائفة المرشدية.

وقف مثقف الخط الثالث ضد جرائم ارتكبت في الساحل، وضد جرائم ارتكبت في السويداء، لكنه بالمقابل ضد تحويلها لأيقونة تضحية وفداء وسرديات مظلومية متغافلين عن أسباب الصدام نفسها وهي بسط سلطة الدولة وتمكين القانون. هذا المثقف عندما واجه الخطاب الأقلوي والخطاب التبريري الذي برر للهجري قتال الأمن العام، وبرر بحجة عدم وجود وظائف أن يخرج عاطلون عن العمل برحلة صيد لقتل اثنين من الأمن العام على حاجز في جبلة؛ لم تشهده كولورادو ولا فرجينيا في عهد رعاة البقر. حادثة القتل وتبريرها قالها أحد ناشطي الأقلوية الموتورة على التلفزيون السوري، وعندما تتم تعرية هذا النهج الرغبوي التبريري تواجَه من قبل المعارضة السالف ذكرها بتنميطها بالسنية والداعشية والأموية، وأبناء سمية ومعاوية، وهند آكلة الأكباد، ما يعني استحضار ثقافات خاصة وسرديات سرية لدى الجماعة لم تكن معروفة سابقا وافتُضِح تداولها في الثقافة الخاصة للجماعة ترسيخا لصورة نمطية ومظلومية مختلقة ضمن ديانات سرية، وعندما ينقض أولئك في تمرد على الدولة، نجد التغني بالبطولة ثم ينقلب التغني إلى الندب والنواح عندما ينكسرون للعب دور الضحية كجماعة لا كأفراد وقع عليهم الجرم من الأبرياء، ولا خيط رفيع لتمييز الندب والعويل عند الهزيمة والفخار الملمع عند الشعور بالقوة في حالة غدر هنا وفخ هناك؛ ومحاولات استيلاد هوية متخيلة وبثها في المجال العام الخاص بالجماعة.

كيف يطرح كونتنون أو محافظة فكرة التعددية لسوريا ويطعن في هويتها الأكثرية التي بنيت على التعدد تاريخيا، ويُعَرِّف منطقته نسبة لأكثريته في منطقته، تم العمل في السويداء دون لبس  بأنها معروفية درزية رغم وجود مسيحيين وبدو سنة فيها، ما يعني إلغاءها التعدد داخلها بل ومطالبتها الحكومة القارة به أصلا. لقد وقع أغلب مثقفي السويداء في التعبير عن السويداء في نَسبِ المدينة لأكثريتها رغم تغول الهجري على الجميع، تلاها إقصاء كل رافض للهجرية السياسية حتى لو كان درزيا. من هنا يمكن أن نسمي أنفسنا الخط الثالث الذي هو مع السلطة في ضبطها للأمن وإدارتها للمرحلة، وضدها في أخطائها وننتقدها نقد الناصح لا نقد المتربص المتصيد، هناك الخط الثالث في الأقليات وقد يكون عريضا جدا يؤيد السلطة في بسط الأمن والأمان وترسيخ الدولة؛ تبدو سعة هذا الخط نسبة تمثيلة واسعة ومتنوعة باعتبار المسيحيين والإسماعيليين بأغلبهم نواة رافدة له، هناك المعارض العلوي الذي لم يحمل عقدة الأقلوية ولم يندرج تحت حمى التحشيد الطائفي؛ ينتقد السلطة عندما تخطئ، ويؤيدها في إطارها العام من دون أن يكون له نصيب من السلطة؛ ولأنه يعرف حوامل العمل المناوئ لها من أنساق طائفية أو فصائلية من مجرمي الأسد حدد موقفه، وهناك خط ثالث كردي عارض قسد وأحزاب المجلس الوطني عبر سنين الثورة؛ ومثل خطا وطنيا ينتمي إلى الثورة السورية دون الدخول بلعبة توازنات القوى، وهناك خط ثالث درزي كان مع الثورة وتحمَّل التعميمات الشعبوية ضد الدروز عموما، ولكنه ووجه بحالة تهديد من هجريي الميليشيات الدرزية من جهة، ووقع تحت ضغط الحالة التحشيدية القطيعية، فلم يعد يتقبل أي نقد بعد أحداث السويداء، ووقع في حمى التحشيد في البحث عن أخطاء أعداء جماعته ونسي تجاوزاتها، ما فرض على الآخرين أن يشتغلوا بنفس آلية التحشيد ليجد نفسه معزولا بلا ظهر يسنده، ووحيدا عاريا إلا من جماعته وهي تعيش حالة التحشيد والاستنفار، ولعله ينعتق من ربقة الهجرية السياسية بعد انخفاض موجة الأدرينالين ويعود لوطنيته، سيتسع خطنا الثالث ليصبح مسرحا للشعب السوري النازع للحرية والدولة الحديثة.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى