أبحاثتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

بعض الأفكار حول «تقليعة» الفاشية السنية: نقاش مع مقال «الحرب الأهلية السورية في طورها الثاني»/ مزيد كريدي

05-09-2025

        يقتضي المنطق الفكري أن نرفض التعاطي مع أي جهد فكري بمنطق الإنكار أو التسخيف أو الرفض المسبق. فكل نقاش يُطرح في الفضاء العام يُعد فرصة لتحفيز التفكير ومحاولة جادة لبناء قراءة تحليلية سليمة تُعيننا على فهم واقع شديد التعقيد، في سبيل البحث عن المصلحة العامة باعتبارها الغاية الأسمى لكل ما يندرج تحت عنوان «الشأن العام».

        ومن هذا المنطلق، لا بد أيضاً من رفض التهليل غير النقدي، الذي يقع فيه البعض بدافع الرغبة في إثبات صواب موقف سياسي، أو نتيجة إحباط، أو حقد، أو حتى من منطلق خصومة شريفة.

        في هذا السياق، جاء مقال «الحرب الأهلية السورية في طورها الثاني» لموريس عايق كمحاولة لالتقاط ملامح التشكّل السياسي والاجتماعي في سورية ما بعد الأسد، من خلال قراءة مثيرة للجدل تنحت مصطلح «الفاشية السنية»، وتطرح من خلاله رؤى تتجاوز هذا المصطلح نحو ما هو أخطر؛ مرحلة ما بعد الوطنية ونعي الكيان السوري.

        لا شك أن للجرأة في الطرح سحر خاص، لاسيما حين تتناول واقعاً ضبابياً لم يُفهم بعد، وكان عصياً على كل التوقعات، وصادماً للبعض الذي لا يزال يرفض الاعتراف به منذ لحظة 8/12. وخاصةً عندما يقدم في قالب نظري متين عبر مهارة لغوية ومنهجية في السرد، لكن هذه العناصر، على أهميتها، لا تكفي لضمان صواب التشخيص، ولا لتبرير المضي بثقة زائدة نحو نعي الوطنية السورية، أو التبشير بعصر «الفاشية السنية»، والدعوة الضمنية لـ«الأغيار» – وهو توصيف منمّق للأقليات وبعض السنّة الناجين من براثن الفاشية المفترضة – إلى البحث عن أوطان بديلة.

        يُقدم النص محل النقد جهداً فكرياً في محاولة لقراءة الواقع عبر تشخيص لظواهر وبناء سيناريوهات على أساسها، إلا أنه وقع في عدد من الإرباكات المفاهيمية والمنهجية، أبرزها استخدام مصطلحات شديدة الحساسية دون ضبط دقيق، فضلاً عن غياب المقارنة بنماذج واقعية تحاكي السياق السوري. ورغم قوة تحليله لتفكك المجال العام، إلا أنه وقع في مغالطات وتعميمات متحمسة، وبدا منحازاً نظرياً نحو إثبات فرضية «الفاشية السنية»، مستخدماً مقياساً شديد الضيق لمفهوم اختُبِر في سياقات مختلفة عن السياق السوري، على حساب الانفتاح على بدائل تفسيرية أكثر توازناً.. وهو ما يجعل النص، رغم جرأته، بحاجة إلى مراجعة نقدية تتيح فهماً أعمق لما انطوى عليه من تصورات وإشكالات، تكشف عن نفسها عند التمعن في بعض محاوره التي تستدعي الوقوف عندها بعين التحليل والتفكيك.

        إشكالية المصطلح

        يعتمد النص توصيفاً إشكالياً لمن يسميهم جماعات جهادية تحت مسمى «الفاشية السنية»، وهو توصيف يحمل حمولة أيديولوجية كثيفة، تُفضي إلى اختزال الظاهرة الفاشية في بعد طائفي وتعميمها في نفس الوقت على مكون كامل. ورغم محاولة الكاتب الفصل بين السنة كطائفة دينية والفاشية السنية كظاهرة سياسية، عبر توصيفها بأنها تيار صغير ضمن جسد الإسلام السياسي. إلا أن هذا التمييز مبهم ويشي أن المقال بحد ذاته يصب في إنتاج خطاب استقطابي يُساهم في صناعة المصطلح وتعميمه أكثر من محاولة فهمه. ومن الناحية الأكاديمية، كان الأدق استخدام مصطلحات أكثر حيادية مثل: «فاشية دينية مسلحة» أو «فاشية جهادية ذات مرجعية سنية»، لتفادي الانزلاق نحو التسييس الطائفي للمفاهيم. على فرض صحتها.

        إشكالية المقارنة مع الفاشية الأوروبية

        يعتمد النص في تحليله على الخصائص النموذجية للفاشية الأوروبية (ألمانيا النازية والفاشية الإيطالية)، إلا أن إسقاط هذا النموذج على الحالة السورية يُغفل الفروق السوسيو اقتصادية والتاريخية والسياسية بين السياقين. فبينما نشأت الفاشية الأوروبية في سياق دول وأمم صناعية مأزومة بعد الحرب العالمية الأولى، تطورت الجماعات الجهادية السورية في بيئة ما بعد استعمارية وبعد تفكك أنظمة استبدادية (أقرب للفاشية)، بيئة هشة، تعاني من انهيار الدولة المركزية، وتآكل مؤسساتها، وغياب التمثيل السياسي، والاستبداد، والقمع، والطائفية، والانهيار الاقتصادي. وعليه، فإن توظيف إطار تفسيري غربي قد ينتج إسقاطاً رغبوياً أكثر من كونه تحليلاً معمقاً للظاهرة.

        خلط مفاهيمي واضح بين الفاشية والشعبوية والطائفية

        يظهر في النص خلط مفاهيمي بين الفاشية كأيديولوجيا شمولية؛ تتسم بالتطرف القومي، والتعبئة الجماهيرية، والعنف المؤسسي، وعبادة القائد، وتمجيد الحزب والدولة، وهيمنة الأخيرة على كل مفاصل الاقتصاد والتعليم والثقافة والإعلام، والتي يغيب معظمها واقعياً في الحالة السورية ولا يمكن اختبار النوايا تجاهها أساساً – إن وجدت لدى بعض التيارات – خلال مدة قصيرة وخاصة في غياب أي أيديولوجيا واضحة للتيارات التي تتصدر المشهد. وهنا يقع المقال في الخلط بين ما سبق واستخدام الخطاب الشعبوي الذي يستفيد من الأزمة الطائفية، وهو بالمناسبة ليس حكراً على أطراف مقربة من السلطة أو مكون دون آخر، ويتغذى على إرث ثقيل من النزاع صنع ذاكرة مشوهة من المظلوميات المتبادلة بين جميع المكونات السورية؛ الأقليات التي تخشى حكم «الأغلبية السنية»، والأغلبية التي تخشى «عودة الأقليات» بوصفها عودة للاستبداد وإرث القتل الجماعي… هذا التوصيف يفتح الباب لفهم أكثر دقة لطبيعة الأزمة السورية، لكن النص لا يميز بوضوح بين الخطاب الشعبوي العاطفي والبرنامج الفاشي المنظم، مما يضعف التماسك النظري في تحليله.

        تفكك الوطنية السورية والمجال العام

        يشرح النص كيف أدت سنوات الاستبداد والعنف السياسي إلى انكفاء الجماعات على هوياتها الضيقة، لاسيما الطائفية. ويربط هذا الانكفاء بانهيار الإطار الوطني الجامع، بما يعكس تحولاً من الدولة إلى الولاءات ما دون الوطنية. ويُظهر النص وعياً بعمق الأزمة الاجتماعية الناتجة عن الحرب، خصوصاً تفكك الطبقة الوسطى والبنى الوسيطة التي مثلت في العقود السابقة حاجزاً ضد التطرف. وكيف ملأت الجماعات الدينية والمتشددة منها هذا الفراغ، مستغلةً التهميش السياسي والاقتصادي. غير أن الكاتب يتجاهل في هذا السياق دور انهيار بنية الدولة وإرث النزاع في تسييس الطوائف عبر صعود الهويات الفرعية وظهورها كلاعب سياسي وعسكري، ويتغافل عن أثر الحالة اللادولتية والفصائلية وانتشار السلاح كأسباب لمشهد التعبئة العسكرية الجماهيرية، الذي يُخفي في جوهره تحركات فصائلية وليس تعبئة جماهيرية حقيقية.

        غياب تعددية الفاعلين الإسلاميين

        يتعامل النص مع التيارات الإسلامية كمكون متجانس، ويركز على «جبهة النصرة» كممثل أوحد لما يُسميه «الفاشية السنية». إلا أن هذا التناول يغفل تعددية التيارات الإسلامية في سورية، مثل السلفية الدعوية، والسلفية الجهادية، والإخوان المسلمين، والتيارات الأخرى المستقلة. ولا يرى تمايزاً حتى داخل تحالف السلطة الحاكم نفسه ولا يُحاول فهم التغيرات التي طرأت عليها. وبعض هذه التيارات تبنى خطاباً سياسياً إصلاحياً أو وطنياً، ولم ينخرط في العنف المسلح. والأخطر افتراض الكاتب أن الجماعة السنية السورية على تنوعها وغناها لها موقف سياسي واحد لا بل مؤدلج، ويتجاهل حقيقة أن الكتلة السنية الكبرى، والنخب السنية خصوصاً والسورية عموماً التي شتتها الاستبداد وسنوات النزاع وتدمير الحواضر الكبرى والبرجوازية الوطنية كما وصفها المقال، لم تقل كلمتها بعد، وأنها لا تزال حاضرة سياسياً واقتصادياً وفكرياً، في الداخل والشتات، وقد تعود إلى لعب دور محوري حال توافر الشروط المناسبة.

         نعي الوطنية السورية كموقف أيديولوجي

        يُبدي الكاتب حماسة واضحة في نعي الوطنية السورية، غير أن هذا الموقف يبدو أيديولوجياً أكثر منه تحليلياً، إذ يتجاهل أن الوطنية – بوصفها هوية سياسية – هي دائماً هوية مصنّعة، متغيرة، وقابلة لإعادة البناء، لا سيما في لحظات التصدع التاريخي. ويتجاهل المقال فحص عناصرها المادية والمعنوية التي ما تزال موجودة، وأن الكيان السوري يبقى من الناحية التاريخية والجيوسياسية والمصلحية أكثر واقعية من خيارات الأغيار التي يطرحها.

        ينطلق التباس النص من تجنبه توصيف اللحظة السورية الراهنة بوصفها لحظة سيولة سياسية بامتياز، حيث تتفكك البنى، وتنهار المرجعيات، وتُعاد هندسة الدولة والمجتمع معاً. ما تشهده سورية منذ تحول الانتفاضة إلى صراع أهلي دموي ليس فقط أزمة نظام سياسي، بل إعادة تشكل للدولة والهوية الوطنية معاً، وهو أمر كان يستحق تحليلاً أكثر عمقاً خارج منطق التصنيفات النهائية كـ«فاشية» أو «ما بعد وطنية».

        التناقض بين التحليل والسيناريوهات

        يفترض الكاتب أربعة سيناريوهات للمستقبل السوري، تبدو واقعية من حيث الشكل، لكنها مشبعة بـ «رغبوية» وميل واضح نحو جعل الوقائع تتطابق مع الفرضية الأساسية للنص، دون الاعتراف بتعقيداتها. المفارقة أنه يستبعد السيناريو الأول المتمثل بانتصار الفاشية السنية على أساس أن ما يجمع السنة هو سردية المظلومية، لا المشروع السياسي المتكامل، وهو استنتاج ينقض فرضية النص الأصلية التي تذهب أننا أمام فاشية سنية ناجزة.

        يفترض النص أن الفيدرالية ستكون طائفية بطبيعتها، ما يُعيد إنتاج الرؤية الطائفية نفسها، بدلاً من تجاوزها. ويُشير إلى إمكانية «انفصال الأغيار»، دون أن ينتبه إلى أن هذه المشاريع قد تنتج هي الأخرى قوميات دينية، تشكل بدورها بيئة حاضنة لفاشيات موازية، قد تسقط عليها صفة «الفاشية» وفقاً للمقياس الذي استخدمه الكاتب بسهولة أكبر من «الفاشية السنية» المفترضة.

        لا يمكن تجاهل ما ينطوي عليه المقال من تعميمات وأحكام متسرّعة تسعى إلى قولبة الواقع السوري في نموذج جاهز. إن الخطر لا يكمن فقط في المصطلح الذي يفتقر إلى الدقة، بل في الإيحاء بأن الطائفية والانكفاء الهوياتي حلٌّ عقلانيٌّ. وإن كانت «الفاشية السنية» تبدو في ظاهر النص هدفاً للنقد، فإنها تُستدعى كأداة تعبوية أكثر من كونها مفهوماً تحليلياً ناضجاً. هنا، تغيب التعقيدات الفعلية للمشهد السوري، وتحضر الرغبة في توصيف يقود إلى استنتاج أيديولوجي مفاده؛ أن الكيان السوري انتهى وأن المشكلة تتجاوز بنية السلطة أو طريقة إدارة المرحلة الانتقالية. وهذا يسوق القارئ بسلاسة إلى تبني خيار الانفصال والطائفية المشروعة للأغيار بوصفها خيارات وجودية، والتي تبدو هي الفكرة المحورية للمقال، بينما أُقحمت «الفاشية السنية» كأداة إقناع وشماعة لا أكثر.

        لكن بالمقابل قد لا يكون من الإنصاف الغوص في النوايا، ولا اختزال الجهد الفكري للنص في عثراته، فهو يدق ناقوس الخطر للتفكك السوري الذي شخصه بعناية، ويُحرض على التفكير والتأمل في بعض التوجهات والتيارات التي قد تحمل بذوراً لأيديولوجية فاشية، بل لتحولات أعمق تقود البلد نحو منزلق الفاشيات المتعددة – ليست حكراً على بعض التيارات المقربة من السلطة وأنصارها – بل تشمل مشاريع قومية دينية قد تُفضي إلى فاشيات مضادة، وربما إلى «صهيونيات داخلية» إذا أضفنا للنقاش بُعد التدخلات الخارجية ومن يتبناها.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى