مقالات مختارة تناولت ” محاضرة مناف طلاس الباريسية”

مناف طلاس في باريس: الجنرال في متاهة سوريا الجديدة/ عمّار المأمون
15.09.2025
مناف طلاس الذي يعمل في الخفاء حسب قوله، بدا كمن يبحث عن جمهور في اللقاء. نعم هو ساعد الكثيرين على الانشقاق، وساهم في حقن الدماء بداية الثورة بشهادة الكثيرين، لكن حالياً، حسب ما هو متداول، لا ثقل له على الأرض، لا فصيل، ولا ولاء.
ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي وبعض القنوات، بالإعلان عن محاضرة للضابط السوري السابق المنشقّ عن نظام الأسد مناف طلاس، سيلقيها في “كليّة العلوم السياسية” في باريس، بتنظيم من تجمّع “الدائرة الفرنسية- اللبنانية”.
مكان المحاضرة مرموق، وذو تاريخ وهالة و”برستيج”، وعلينا دفع 5 يورو لحضور المحاضرة، المبلغ الذي لا يعود إلى جيب طلاس، بل إلى المُنظّمين، كون الدخول مجّانياً للطلّاب، لهذا جاء الإعلان مفاجئاً، السبب الأوّل هو المكان، والثاني كون طلاس مُختفياً عن الساحة العامّة منذ انشقاقه ووصوله إلى فرنسا، ويعمل بعيداً عن الضوء.
يذكر أن “الدائرة” ذاتها سبق أن استقبلت في المكان ذاته، الاقتصادي السوري سمير عيطة، والجنرال سيديريك دو جاردان القائد السابق في قوّات “اليونيفيل”، وجوزيف الصدي وزير الطاقة والمياه في حكومة نوّاف سلام حالياً.
مع سقوط النظام، بصورة أدقّ، أثناء سقوطه، بدأت التخمينات حول الدور الذي يمكن أن يلعبه مناف في “سوريا الجديدة”، لذا انتشرت التحليلات والتخمينات ونظريات المؤامرة، حول “ظهوره” الذي ترافق مع إعادة نشر صور مسرّبة من ألبوم الأسد الشخصي، يظهر فيها يصطاف مع بشّار وباسل الأسد!
مناف طلاس لا يُقيم في باريس سرّاً، كثيرون يتبادلون الزيارات معه، ويعرفون المقاهي التي يتردّد إليها، وهو صديق للكثيرين، سرّاً وعلانية، وفي كلّ مرّة هناك تساؤلات ونوع من الحذر حين الحديث عنه أو معه.
مناف طلاس، ابن مصطفى طلاس وزير دفاع حافظ الأسد، وشقيق فراس طلاس أحد مؤسّسي تيّار “الوعد الحرّ”، ورجل الأعمال المتّهم بتسهيل تمويل “داعش”، والمطلوب دولياً، ويشارك عبد الرزاق طلاس الضابط المنشقّ في الرستن، الكنية ذاتها. الأهمّ من هذه العلاقات العائلية أن مناف، قائد الحرس الجمهوري، كان صديقاً مقرّباً لكلّ من باسل وبشّار الأسد، كما أن شقيقته هي زوجة أكرم عجّة، تاجر السلاح المعروف.
مناف طلاس سليل أسرة من صلب النظام السوري السابق. يصف الكاتب الصحافي سام داغر حضوره في دمشق بين الفنّانين والمثقّفين في كتابه “الأسد أو نحرق البلد- 2019″، بـ”كان ساحراً وجميلاً، بشكله الصبياني، وأزيائه العادية، وكتفيه العريضتين، وشعره الذي يتخلّله الشيب… بدا مناف أقرب إلى نجم أفلام منه إلى جنرال في الجيش”.
اليوم مناف طلاس أشيب، تفاصيل حياته في سوريا ومحاولة اغتياله ومساعدته الكثير من الضبّاط على الانشقاق، وهربه نحو تركيا ثم فرنسا، كلّها موثّقة في كتاب داغر. السؤال الذي سبق الندوة كان ما الذي يريده مناف الآن بعد سقوط النظام وهو في منفاه الباريسي؟ ورجال أسرته تحيط بهم الشبهات السياسية، وتهم الفساد والاستفادة من نظام الأسد، والفضائح الجنسية بعد تسريب فيديوهات فاضحة لأفراد من عائلته.
لكنّ مناف الآن يستعدّ لاستقبال “الجموع” في أوّل ظهور إعلامي له منذ العام 2012، وصل المسجّلين لحضور المؤتمر بريد إلكتروني، يؤكّد “منع استخدام الهواتف النقّالة، والكاميرات، أو أجهزة التسجيل في الصالة”، و”ممنوع أي نشاط صحافي: مقابلات، التقاط صور، تسجيلات أو نشر. أثارت هذه الرسالة حين نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي سخرية وجدلاً حول طبيعة ما سيُقال في “المحاضرة”، فـ”الجنرال” يُثير الجدل حتى قبل ظهوره علناً، حدّ تدخّل “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، ومنصّة “تأكّد” لنفي الإشاعات.
في الطريق للقاء الجنرال!
استيقظت صباح السبت يوم المحاضرة، أخرجت قميصاً أبيض من علامة “بيير كاردان” وقمت بكيّه جيّداً، حذاء أسود لامع، وجاكيت جلدية سوداء، الجوّ قد يمطر، ولا أمان لباريس أو غيومها، واتّجهت نحو “مدرسة العلوم السياسية”، ملامح باريس على حالها، لكنّ الجوّ مشحون، لا بسبب مناف طبعاً، إذ شهدت العاصمة الفرنسية اشتباكات تحت شعار “أغلقوا باريس!”، احتجاجاً على سياسات إيمانويل ماكرون، الذي لم يعد من السهل إحصاء الثورات التي خرجت ضدّه!
أمام باب “مدرسة العلوم السياسية”، وقبل ساعة من بدء “المحاضرة”، لا حركة غريبة، اثنان واضح أنهما سوريان يخوضان حديثاً، أو بصورة أدقّ، رجل أشيب يلقي محاضرة على شابّ سوري، كانا أوّل الواصلين، وطلّاب فرنسيون يدخلون ويخرجون من باب المكان، ليتوافد بعدها السوريون، وينتظموا في دور الدخول.
الحذر طاغٍ، بعض الوجوه مألوفة، وأخرى جديدة، طيف واسع من السوريين والسوريات ينتظر الدخول: صحافيون، ناشطون، فضوليون، طلّاب، شبيحة قدامى وشبيحة جدد، ثوّار ومتربصون، صنّاع محتوى وهزليون، أحدهم يضع “عقاب” السلطة الجديدة دبّوساً، وآخرون يتبادلون النكات حول العقاب نفسه، الاصطفافات والتجمّعات واضحة، الكلّ يلقي السلام على الآخر، والأهمّ “الجميع” قادم لسبب واحد: “ما الذي سيقوله الجنرال؟”.
دخل الحشد فرداً فرداً، إذ تأكّد “المنظّمون” من أسماء المسجّلين، فلا دخول لمن لم يسجّل اسمه، وفي الطابق السادس حيث المحاضرة، تمّ التأكّد من الأسماء مرّة أخرى، وفي المدرّج متوسّط الحجم، ظهر “رجال” طلاس، التعبير المتداول لوصف المقرّبين ممن “يعملون” مع آل طلاس، سواء فراس سابقاً أو مناف حالياً.
توزّع الحشد بين صفوف المدرّج إلى حدّ أن نرى خصوماً يجلسون في ريبة متجاورين، ريبة تحوّلت لاحقاً إلى ضحك وهمسات وملاحظات سريعة، إلى أن أُعلن عن دخول “الجنرال” الذي اعتلى المنصّة، بشوشاً، يلوّح لبعض من “ميّزهم” من الحضور ويبتسم لآخرين، بينما يتمّ التعريف عنه.
تحدّث طلاس بالعربية، وأشار إلى أن الترجمة إلى الفرنسية لن تكون حرفية، بل أقرب إلى الاختزال، الشأن الذي أثار استغراباً في بعض الأحيان، خصوصاً حين تحدّث عن “الإسلام الأشعري” والصوفي، في سؤاله عن الإسلام السياسي، هذا التيّار الذي لا نعلم لِمَ تمّ اختياره من كلّ “علوم الكلام”، لِمَ لا نروّج للمعتزلة مثلاً، أو الجهميين، أو المشبّهة، أو الماتريديّة، هذا الحذر في التعامل مع الكتلة السنّية السورية وتصنيفها، ربما محاولة لعدم مواجهة مشكلة الإسلام والإسلام الثقافي في سوريا، ودور الكثير من رجال الدين والمنظّمات الدينية في دعم الأسد، لذا الأشاعرة خيار آمن!
ما الذي يريده الجنرال؟
الأسئلة التي طُرحت على مناف، مكتوبة سلفاً، والواضح أنه جهّز مسبقاً رؤوس أقلام، يستطرد بعدها، يمتلك مناف تصوّراً عن شكل “الدولة” لا السلطة، إذ يركّز على ضرورة الانتقال إلى “الدولة”، ومشاركة الجميع فيها، هذا ما سعى إليه منذ 2011 إلى الآن حسب قوله، مؤكّداً ضرورة تجريد رئيس الجمهورية من سلطات واسعه، ومنحها لـ”مجلس عسكري” يضبط المرحلة الانتقالية، المجلس الذي تحدّث عنه مراراً، دون أن نعلم عنه شيئاً، لكنّه مجلس عسكري يضمّ “بنادق” الجميع من ضمنهم: “قسد”، والسويداء، ومن يوجد في الساحل. مؤكّداً أنه على تواصل مع 10 آلاف ضابط! الرقم الذي أثار الاستغراب، مشدّداً على العلاقة الوثيقة مع الكرد كونهم “النبض”، لكن، هل نحتاج مرّة أخرى إلى حكم فصائل وعسكر؟ وما الضامن لقدرة طلاس على ضبط سلاح “الجميع”؟
يستطرد مناف متحدّثاً عن ضرورة بناء “جيش علماني” لا كما هو حالياً، مضيفاً أن الأمان والعدل هما ما سيجذبان الاستثمار، فسوريا أرض خصبة للعمل، وهنا قهقه البعض، نعم، عائلة طلاس وخصوصاً فراس، تعلم بدقّة كم هي خصبة سوريا للاستثمار!
اعترض البعض، بصورة أدقّ، علا صوت أحدهم، على تسمية مناف طلاس أحمد الشرع برئيس سوريا، لكنّ مناف لم يقدّم موقفاً “معارضاً” لحكومة الشرع، وأشار إلى أنه منفتح على التعاون مع السلطة الجديدة في دمشق كـ”قائد عسكري” لأجل بناء الجيش، و”توحيد البندقية” بشكل وطني، العبارة التي كرّرها عدّة مرّات، في إشارة إلى ارتهان الجيش سواء في عهد الأسد أو الآن، لأجندات خارجية، مشيراً إلى أنه حاول “الحفاظ على الجيش السوري” وتحييده عن الصراع، لكنّه فشل!
لا يخلو كلام مناف طلاس من رطانة بعثية عروبية، عن عمق سوريا في التاريخ، وأن سوريا “منطق حياة”، ولا أحد فيها يفكّر بالطائفية! مشيراً إلى أنه “رفض حمل البندقية” على الشعب السوري، سابقاً والآن، كما أشاد بتجربة لؤي حسين، مؤسّس تيّار “بناء الدولة”، لكن، لا أقران له، وما كان يملكه من سلطة، وهناك نوع من الاعتداد لا يمكن له أن يُخفيه أو يتواضع أمام السوريين، فهو الجنرال الذي لم يخض حرباً!
الواضح أن مناف طلاس يبحث عن دور ما في “سوريا الجديدة”، كونه “شعر” بأن هناك “فتحة” تاريخية، لا بدّ لكلّ السوريين الاستفادة منها لاستعادة سوريا، وتجاوز التناقضات الدولية، فسوريا تحتاج “عدالة لا لجاناً”، مؤكّداً أهمّية القرار الأممي 2245، وضرورة وجود مجلس عسكري، وحين طُرح سؤال عن الدستور، أجاب: “نابليون قال الدستور شقفة ورقة وبتتغيّر”.
أما بشأن السلام مع إسرائيل أو التطبيع، فكان طلاس دبلوماسياً، مؤكّداً أن قراراً كهذا سيادي، وأشار إلى القصف الإسرائيلي المتكرّر.
ما أثار بعض الهرج في القاعة، هو السؤال عن العلاقات اللبنانية- السورية، التي لُخّصت فقط بـ”احتلال سوريا للبنان”، وخروج معتقلين لبنانيين من السجون السورية، فصحتُ: وماذا عن “حزب الله؟”.
أجاب مناف: “السؤال ناقص”، ولم يتمّ الحديث عنه، لكنّ المفارقة أن مناف قال: “سوريا قابلة للتوسّع!”، فضحك كثيرون، وبدأت النكات عن لبنان بوصفه المحافظة السورية رقم 15 بالتطاير، ناهيك بأن العبارة أعادت الدعوات الهزلية إلى ضمّ طرابلس إلى سوريا، وإطلاق سراح الشيخ أحمد الأسير من سجن رومية وتسليمه لسوريا بوصفه من “معتقلي الثورة السورية”.
أحد أكثر التكهّنات والأسئلة، كان يدور حول مكان مناف طلاس ودوره أثناء سقوط النظام، وأجاب أنه كان في تركيا حينها، مؤكّداً أن قرار سقوط النظام كان تركياً، خوفاً من “قسد” واحتمال انفصالها، وعن ودوره قال إن “الحقيقة لا تُقال كلّها”، مؤكّداً أنه “ليس طالب سلطة”، وهنا سألته، هناك شخصيّات سورية نعلم أنها لعبت دوراً في إسقاط النظام أو التنسيق بين “الهيئة” وبعض رجالات النظام، أبرزهم خالد الأحمد، فأكّد طلاس “هذا كلّه كلام فايسبوك”.
حقيقةً، لا نعلم ما الذي يريده مناف طلاس من هذا اللقاء، ربما صيغة “البودكاست” ستكون أكثر انتشاراً من محاضرة مغلقة لم تحضرها شخصيّات ذات ثقل سياسي سوري أو فرنسي، فلا نعلم من يخاطب “الجنرال” بدقّة، كون الحضور من السوريين كان شديد التباين في مواقفه، بين المؤمن بقدرة “الجنرال” وسطوته، وبين الساخرين والهازئين والفضوليين، ربما كان الأمر أقرب إلى “تجربة أداء”، أمام طيف شديد التباين من السوريين حدّ العداوة في بعض الأحيان، والصراخ في القاعة والاستفزاز، وانتقاد المنظّمين على توزيع المايكروفونات لطرح الأسئلة، الأمر الذي تجاهله البعض وبدأ يطرح الاسئلة مباشرة دون إذن!
مناف طلاس الذي يعمل في الخفاء حسب قوله، بدا كمن يبحث عن جمهور في اللقاء. نعم هو ساعد الكثيرين على الانشقاق، وساهم في حقن الدماء بداية الثورة بشهادة الكثيرين، لكن حالياً، حسب ما هو متداول، لا ثقل له على الأرض، لا فصيل، ولا ولاء.
“سنّيته” لم تشفع له، و”تاريخ” أسرته والمنفعة التي حصل عليها أيضاً، لا يمكن تجاهلها من قِبل طيف واسع من السوريين، لكنّ هذا يعكس أيضاً فقراً شديداً في “المعارضة” القائمة حالياً في دمشق للنظام، استنزفت الثورة والولاءات والتمويل الأجنبي والتواريخ المشبوهة الكثيرين، ناهيك بتعدّد الحكايات حول “الثورة السورية” وتحوّلاتها، لا ننفي حقّ أي سوري بالفعل السياسي، لكن لا خصوم أشداء للشرع الآن، ظهور مناف حُمّل أكثر مما يستحقّ، خصوصاً أنه ليس مُختفياً كلّياً، وإن كان الأمر جسّ نبض، بحث صغير عن اسمه عبر فايسبوك، يكشف كرنفال الضحك السوري.
لكن، لابدّ من مشاجرة!
تفاديت شرب القهوة قبل المؤتمر وأثناءه خوفاً على القميص الأبيض، لن يكون لائقاً وجود بقعة في حضرة “الجنرال” ذي ال10 آلاف ضابط، وصاحب نظرية “الفتحات التاريخية” الذي ينتظر فرصة زيارة سوريا، التي لم يتركها كي لا يعود إليها.
خرجنا من القاعة نحو الرصيف حيث بدأت الأحاديث، والنكات، والتكهّنات، لكنّ البعض لم يتمكّن من الدخول كونه تأخّر، من بين هؤلاء، شخصيّة شهيرة، على الأقلّ في أوساط السوريين في باريس، كونه كان أحد من يُعرفون بـ”الشبيحة” الذين اعتدوا بالضرب على المتظاهرين السوريين قبل سقوط النظام، ونظّم مظاهرات داعمة للأسد، وبعد سقوط النظام، نظّم مظاهرات ضدّ أحمد الشرع.
فجأة، بينما الجموع تتحاور ويتفادى الخصوم بعضهم بعضاً، بدأ الصراخ، وتبادل الشتائم مع هذا الشخص (شاركت ببعضها) وكرّر عليه سؤال “لماذا أنت هنا يا شبيح؟”، ليبدأ بعدها الاشتباك بالأيدي، خصوصاً أن بعض الموجودين تعرّضوا للضرب من قِبله في مظاهرات قبل سقوط النظام، اشتباك سريع وشتائم، انتهى بأن أدمى “الشبيح” أحدهم، وسارع البعض إلى فضّ الاشتباك، والبعض الآخر يشاهد عن قرب، ليختفي المتشاجران بعدها، ونعود إلى تبادل النكات والقفشات، ونقل وقائع “الاشتباك” إلى من لم يشاهده، لينتهي الأمر ببقعة دم على القميص، لم أستطع تحديد مصدرها.
– كاتب سوري
درج
——————————–
جدل محاضرة مناف طلاس الباريسية: رسوخ ذهنية الإقصاء السياسي/ سلام الكواكبي
الاثنين 2025/09/15
منذ أيام قليلة، أثارت محاضرة العميد مناف طلاس في معهد العلوم السياسية في باريس، بدعوة من جمعية طلابية، عاصفةً غير عابرة من النقاشات والاتهامات والجدالات، على وسائل التواصل الاجتماعي وفي بعض وسائل الإعلام العربية والسورية على وجه الخصوص. لم يكن الحدث في حد ذاته هو المثير، بل ما أحاط به من موجة غضب ورفض وتشكيك، قادها عدد كبير من مؤيدي الدولة السورية الجديدة أو مناصري قوى الأمر الواقع في الداخل السوري. واللافت أنّ الهجوم على طلاس سبق محاضرته. كثيرون لم ينتظروا ليسمعوا ماذا سيقول الرجل، بل انشغلوا بإصدار “أحكام سياسية” قطعية عليه. تهمة العميد كانت جاهزة: هو ابن مصطفى طلاس، وزير الدفاع في عهد حافظ الأسد، وبالتالي شريك بالضرورة في النظام السابق، ومسؤول -ولو بالوراثة- عن كل ما ارتكبه النظام من جرائم وانتهاكات. هذه الرؤية تنطوي على منطق بسيط حدّ الابتذال: ما دام الرجل ابن احد رموز النظام البائد، فهو النظام، وما دام له نسب عائلي مرتبط بالسلطة السابقة، فلا يحق له أن يتكلم في السياسة، ولا أن يقدّم أي تصور وطني، ولا حتى أن يشارك في حوار أكاديمي. باختصار، صدر بحقه حكم بالإعدام السياسي، قبل أن يفتح فمه.
المعضلة التي تكشفها هذه الحملة ليست في شخص طلاس وحده، بل في منطق الإقصاء المستشري في الشارع السوري. المسألة هنا أوسع من محاضرة أو اسم عائلة؛ هي صراع حول سؤال محوري: من يحق له أن يقترب من العمل السياسي في سوريا المستقبل، ومن لا يحق له؟ ما نراه اليوم هو عقلية متجذرة تقوم على مبدأ: “من ليس منا، فهو ضدنا”. هذه العقلية لم تتوقف عند حدود الحكم الجديد، بل امتدت أيضاً إلى المعارضة بأطيافها المختلفة. فالخطاب الإقصائي واحد: إذا لم تكن من جماعتنا السياسية، فأنت مرفوض. إذا لم توافق الزعيم “الملهم” على سياساته، فأنت مُبعد. إذا انتقدت فصيلاً أو تياراً، فأنت عميل أو منبوذ. وبينما يتم تبرير عودة شخصيات ورجال أعمال غارقين حتى آذانهم في الفساد وفي الدماء إلى المشهد السياسي والاقتصادي، نرى رفضاً قاطعاً لسماع ضابط ذو خبرة عسكرية، قرر منذ بداية الثورة أن ينأى بنفسه عن المشاركة في قمع السوريين، وأن يعلن على الملأ إدانته لجرائم النظام. المفارقة الصارخة تكمن هنا: النظام نفسه يعيد تدوير شخصيات متورطة بالدم والفساد، ويستعيدهم بصفة “رجال دولة” أو مساهمين محتملين في عملية إعادة البناء. وفي المقابل، تُمنع شخصيات لم تتلوث أيديها بالدماء من مجرد الكلام.
هنا تظهر مشكلة أعمق: الذاكرة السورية الانتقائية، التي تقرر فجأة أن المسؤولية تُورث وراثة، وأن خطيئة الأب لا تسقط عن الابن، حتى لو اتخذ مساراً مختلفاً. هذه الرؤية لا تعكس فقط غياب العدالة الانتقالية بالمعنى المؤسسي، بل تكشف أيضاً ذهنية ثأرية لا تستطيع أن تتخيل السياسة إلا بوصفها انتقاماً أو تصفية حسابات.
السؤال الجوهري الذي يطرحه هذا الجدل هو: هل السياسة حكر على طرف واحد؟ هل حرية التعبير مقصورة على من يرضى عنهم المزاج الشعبي أو الإعلامي في لحظة معينة؟ الجواب البديهي أن السياسة بطبيعتها عمل مفتوح، ومجال متاح لكل من يريد أن يشارك فيه، ما لم تتلطخ يداه بالدماء مباشرة. إقصاء مناف طلاس لمجرد كونه ابن احد رموز النظام السابق، مع تجاهل وعيه السياسي وموقفه الشخصي الرافض للمجزرة، هو تكريس لذهنية تسلطية لا تختلف كثيراً عن ذهنية النظام السابق نفسه. الحرية الحقيقية لا تختزل في إسقاط نظام واستبداله بآخر؛ الحرية الحقيقية تعني أيضاً قبول المختلف، والإنصات لصوته، والاحتكام إلى النقاش والحوار، لا إلى أحكام الإعدام السياسي.
ليس المقصود هنا الدفاع عن الشخص، الذي يُهاجَم بغير وجه حق ولا ذرة منطق، أو تسويقه سياسياً، بل الدفاع عن مبدأ أساسي: لكل سوري الحق في أن يعبّر عن رأيه، وأن يشارك في صياغة مستقبل بلاده. ما يقرره السوريون بشأن قيادتهم أو ممثليهم يجب أن يتم عبر حوار سياسي شفاف، أو عبر صناديق الاقتراع يوماً ما، لا عبر حملات تخوين وتشهير على “فايسبوك”. إذا كان السوريون يطمحون إلى بناء دولة قانون، فلا بد أن يكون المعيار واضحاً: من ارتكب جرائم يجب أن يُحاسب قضائياً، ومن لم يفعل يجب أن يُتاح له حق المشاركة في العمل العام، بصرف النظر عن نسبه أو خلفيته العائلية.
إن الجدل الذي أثارته محاضرة مناف طلاس يكشف هشاشة الثقافة السياسية السورية الراهنة. نحن لا نزال أسرى عقلية إقصاء، لا تختلف في جوهرها عن عقلية النظام الذي ثار عليه السوريون. وقد لا يكون مناف طلاس هو الرجل الذي سيقود التغيير، وربما يعارضه كثيرون لأسباب موضوعية. لكن من غير المقبول أن يُقصى لمجرد نسبه العائلي. فالثورة التي قامت على شعار الحرية والكرامة، لا يمكن أن تتحول إلى نسخة جديدة من الاستبداد الفكري والسياسي. إذا أراد السوريون حقاً أن يتجاوزوا الماضي، عليهم أن يتعلموا أولاً كيف يقبلون بالاختلاف، وكيف يمنحون الكلمة حتى لمن يختلفون معهم. عندها فقط يمكن أن يبدأ الحديث عن مستقبل جديد، لا عن إعادة إنتاج الكراهية
المدن
————————————-
محاضرة باريس.. مناف طلاس بين طموح العودة وسجالات الذاكرة السورية/ سعيد اليوسف
2025.09.15
شكّلت محاضرة العميد مناف طلاس في معهد العلوم السياسية الفرنسي، السبت الفائت، حدثاً سياسياً تخطّى جدران القاعة في العاصمة الفرنسية باريس، ليشعل سجالاً واسعاً حول إرث الماضي وإمكانات المستقبل في سوريا، بعد سقوط نظام بشار الأسد، في 8 كانون الأوّل 2024.
“من ترويج مسبق إلى خطاب حاسم”
قبل أيام من موعدها، رُوّج للمحاضرة بوصفها عودة لاسمٍ غاب طويلاً عن المشهد، إنّه نجل وزير الدفاع السوري السابق مصطفى طلاس، وأحد أبرز قادة “الحرس الجمهوري” سابقاً، الذي انشقّ عام 2012.
الإعلان الممهّد للمحاضرة، نقل عن “طلاس” قوله: إنّه “يتشرف بقيادة الشعب السوري في المرحلة المقبلة”، ما أطلق سيلاً من التكهنات حول نياته السياسية ودوره المنتظر، في ظل ما تشهد سوريا من بعض الاضطرابات، منذ سقوط النظام.
لكن “طلاس” أشار في معرض أجوبته قائلاً: “نحن لا ننافس على السلطة ولا تعنينا السلطة نهائيًا ولسنا طلاباً لها”، قبل أن يختم محاضرته لاحقاً، بجوابٍ أراده فاصلاً حول سؤال بشأن زيارته سوريا، قائلاً: “نعم، قريباً، ولكن لن أذهب للزيارة فقط، ولن أزورها إلا من أجل العمل”، زاعماً أنّ عودته إلى سوريا ليست لاستعادة موقع شخصي، بل للمساهمة في بناء دولة مؤسسات، بعيداً -كما قال- عن منطق “تغيير شخص بشخص”.
“قراءة للانهيار ورؤية للانتقال”
على مدى ساعتين من المحاضرة، قدّم “طلاس” روايته لانهيار نظام المخلوع، معتبراً أنّ ما جرى لم يكن نتيجة الداخل وحده، بل نتاج خلل في التفاهمات الدولية ودور تركي عجّل السقوط، خشية تنامي مشاريع انفصالية في شمال شرقي سوريا، مشيراً -دون تفصيل- إلى أنّه كان “شاهداً مباشراً على هذه التطورات”.
ورأى أنّ صعود أحمد الشرع إلى رئاسة السلطة الانتقالية يستدعي التركيز على “دخول الدولة لا السلطة”، أي بناء عقد وطني جامع يتجاوز الانقسامات الطائفية والعرقية، مذكّراً بأنّ “الثورة السورية قدّمت مليون شهيد من أجل دولة حديثة، لا مجرد إسقاط حاكم”.
“مجلس عسكري وطني”
محور الطرح الأساسي تمحور حول التطرّق مجدّداً إلى مشروع “مجلس عسكري وطني” يضم ضباطاً منشقين من مختلف المكونات، بما في ذلك “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) وفصائل مسلّحة من الساحل والسويداء.
والهدف -كما يراه طلاس- هو “تحويل البندقية المأجورة إلى قوة وطنية علمانية” تؤمّن الأمن والعدل خلال المرحلة الانتقالية، مشدّداً على أنّ الجيش المنشود “يجب أن يكون علمانياً، لا يخضع لسلطة دينية أو طائفية، وأن يحمي وحدة البلاد ويمنع تشظيها”، وفقاً لتعبيره.
ويراهن “طلاس” على شبكة تضم نحو “عشرة آلاف ضابط منشق”، قال إنّ لديه تواصلاً معهم، بينهم علويون وأكراد، مدّعياً أنّ الهدف هو “حماية المرحلة الانتقالية وحماية السيادة السورية، وتشكيل مجلس عسكري وتوسيع سلطته”.
وأشار إلى ضرورة التوسيع والأخذ من سلطة الرئاسة لصالح المجلس العسكري والسلطة الانتقالية، موضحاً: “يجب أن تُبنى مؤسسة عسكرية ومؤسسات مدنية تحمي كل الأقاليم بمفاهيمها الحقيقية”.
ويبدو أنّ “طلاس” يسعى -مستفيداً من خلفيته العسكرية وعلاقاته المتشعّبة ورمزية اسم عائلته في النظام السابق- إلى لعب دور مستقبلي في سوريا، غير أنّ نجاحه -وفق مراقبين- يبقى مرهوناً بمدى قدرته على بناء تحالفات داخلية وخارجية واستجابة القوى الدولية لـ”خارطة الطريق” التي يطرحها.
“التعافي الاقتصادي ودور القضاء”
وعلى صعيد الاقتصاد والعدالة، شدّد “طلاس” على أنّ الانطلاق اقتصادياً يبدأ من ترسيخ الأمان والعدل بوصفهما “عمودي الدولة”، فبغير سلطة انتقالية وجيش وشرطة وقضاء ودستور وقوانين واضحة، لن يثق المستثمرون مهما كانت الوعود جذّابة.
واعتبر أنّ “العدالة تمرّ أولاً عبر قانون محاسبة حقيقي لا عبر لجان شكلية، مع ضرورة قيام حكمٍ انتقالي مدني وقضاء مستقل”، مشيراً إلى صعوبة المهمة بين إرث نظام استبدادي ونظام إسلامي جديد يحدّ من قيام مؤسسة قضائية سليمة”، داعياً للاستفادة من خبرات السوريين في الشتات لبناء جسم قضائي يجمع الداخل والخارج.
“القرار الأممي 2254 والتطبيع مع إسرائيل”
في السياق ذاته، دعا إلى تعديل “القرار الأممي 2254” مع الحفاظ على روحه، بما يتيح تشكيل سلطة انتقالية، وصياغة دستور جديد، وإجراء انتخابات تحت حماية “المجلس العسكري”، محذّراً من تطبيع دولي متسرّع مع السلطة الجديدة من دون ضمانات لبناء مؤسسات دولة راسخة.
وأشار “طلاس” إلى رفضه أي مشروع لـ”تقسيم سوريا”، مفضلاً دولة واحدة بصلاحيات موسعة للإدارات المحلية، وجيشاً وخارجية موحدَين، مردفاً أنّ “الفيدرالية تحتاج أولاً إلى ترسيخ الثقة بين المكونات”.
كذلك، تطرّق إلى مسألة التطبيع مع إسرائيل، قائلاً: إنّ الحديث عن تفاوض أو تطبيع “مبكر جداً”، لأنّ سوريا الخارجة من حرب مدمّرة “هشة وضعيفة”، ولا يمكن إبرام سلام حقيقي بلا توازن قوى وجيش وطني ودستور يضمن قراراً سيادياً، لافتاً إلى أنّه مع مبدأ السلام من حيث المبدأ، لكن تحقيقه يحتاج إلى وقت وخارطة طريق واضحة “فلا سلام بينما القصف مستمرّ والدولة بلا مؤسسات راسخة”.
“ردود فعل حادة ومتباينة”
ما إن انتهت المحاضرة حتى اشتعلت منصّات التواصل الاجتماعي بجدل واسع، سبق بعضه حتى موعد اللقاء، كثيرون أصدروا “حكماً سياسياً” عليه قبل أن يتحدث، معتبرين أن مجرد كونه “ابن مصطفى طلاس”، أحد رموز عهد حافظ الأسد، وابنه الذي أقاله وأحاله إلى التقاعد لاحقاً، يجعله “شريكاً وراثياً” في إرث النظام السابق، الذي ارتكب آلاف المجازر بحق السوريين، واعتقلهم وهجّرهم.
انتقادات لاذعة اتهمته بمحاولة “استفزاز الدولة السورية” أو “تبييض صورة عائلته”، في حين ذكّره آخرون بماضي والده ومئات قرارات الإعدامات في سجن تدمر، كما سخر آخرون من حديثه عن الديمقراطية، واعتبروا ظهوره “مجرد استعراض إعلامي بلا قاعدة شعبية أو نفوذ ميداني”.
في المقابل، رحّب بعض المعارضين باعتباره “عسكرياً علمانياً وسطياً”، قد يشكّل جسراً بين المكوّنات، ورأوا في مبادرته “خطوة تستحق النقاش”، في ظل تعقيدات العلاقة بين السلطة الانتقالية و”قسد”، المتزامنة مع استمرار احتجاجات السويداء، وتشكّل “الكتلة الوطنية” الساعية إلى “دولة ديمقراطية مدنية تقوم على اللامركزية الحديثة”.
“ذاكرة مثقلة وحاضر مفتوح”
العاصفة التي أعقبت محاضرة باريس، كشفت أنّ مناف طلاس يواجه -قبل أي اختبار سياسي حقيقي- امتحاناً شائكاً مع الذاكرة السورية المثقلة بالانقسامات منذ عقود، فبين مَن يراه خياراً انتقالياً محتملاً، ومَن يحاكمه بجريرة إرث والده وزير الدفاع السابق مصطفى طلاس، ودوره هو نفسه في قيادة “اللواء 105/ حرس جمهوري” وعلاقته الوثيقة بصديقه المخلوع بشار الأسد، تتداخل الروايات والاتهامات.
وأمام هذا الإرث الشخصي والسياسي المتشابك، يبقى السؤال مفتوحاً: (هل سيتمكّن مناف طلاس من ترجمة خطابه إلى مشروع وطني جامع، أم سيظلّ حضوره محصوراً في قاعات المحاضرات ومنصّات الإعلام والتواصل الاجتماعي؟).
تلفزيون سوريا
———————————-
زوبعة “الرئيس البديل” وأثر مناف طلاس/ مصطفى رستم
يرى مراقبون أن الجنرال السابق وابن وزير دفاع حافظ الأسد أراد من وراء ظهوره في باريس تثبيت وجوده لكنه ركز على الأقليات ولم يخاطب الغالبية
الثلاثاء 16 سبتمبر 2025
يرى مراقبون للشأن السوري أن بروز مناف طلاس بعد كل هذا الصمت يحمل رسائل متعددة، أبرزها القول “أنا هنا” وتأكيد حضوره في حال حدوث أية عملية تفاوض أو تشكيل جسم سياسي جديد في البلاد، بخاصة مع ما يدور من كلام حول اجتماع معارضين لحكومة الشرع في جسم سياسي معارض، مبررين ذلك باستئثاره بالسلطة.
بعد غياب سنوات طويلة عن الظهور الإعلامي، أطل مناف طلاس أخيراً في محاضرة نظمها معهد العلوم السياسية “سيانس بو” في العاصمة الفرنسية باريس، كشف بها الجنرال السوري المنشق عن نظام الأسد منذ عام 2012 عقب اندلاع الثورة السورية عن مواقفه تجاه السلطات الجديدة، وهيمنة اللون الواحد على إدارة البلاد، وعن أي طموح سياسي مستقبلي له.
مد يد العون
وعلى عكس توقعات الفريق الموالي للعهد الجديد في سوريا “المتوجسة من إطلالته”، فإن مناف (ابن وزير الدفاع السوري السابق مصطفى طلاس) مد يده إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، بل بث تطمينات عن أمله بنجاح السلطات باستيعاب جميع السوريين، وتحقيق المشاركة الحقيقية في السلطة، ولم يخف استعداده للتعاون مع الشرع في وقت لا يوجد حتى الآن أي تواصل بينه وبين الحكومة.
وتبددت مخاوف دمشق في أعقاب محاضرة طلاس، وما خرج عنها من حديث مريح وسط حضور دبلوماسي غربي مهتم بالشأن السوري، في وقت يراهن بعضهم على حصول طلاس على دعم دولي في ظل المخاوف من التيار الديني المتشدد، وما يشكله من اختيار توافقي حول شخصية منشودة، لا سيما بعد الأحداث الدامية التي جرت خلال الأشهر الماضية في أعقاب سقوط الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) الماضي بين قوات الحكومة وأبناء الطائفة العلوية في الساحل، وبينهم وبين الطائفة الدرزية في السويداء، إضافة إلى فشل الاتفاق مع المكون الكردي في شمال شرقي سوريا. وهذا ما دفع السلطات الفرنسية إلى رفض طلب رسمي قدمته الخارجية السورية لإلغاء المحاضرة في كلية العلوم السياسية في باريس.
رسائل قوة وتذكير
في غضون ذلك، يرى مراقبون أن بروز طلاس بعد كل هذا الصمت يحمل رسائل متعددة، أبرزها القول “أنا هنا” وتأكيد حضوره في حال حدوث أية عملية تفاوض أو تشكيل جسم سياسي جديد في البلاد، بخاصة مع ما يدور من كلام حول اجتماع معارضين لحكومة الشرع في جسم سياسي معارض، مبررين ذلك باستئثاره بالسلطة.
ويرى الباحث في القانون الدولي فراس حاج يحيى أن “بعض الشخصيات التي حضرت محاضرة طلاس يمكن أن تلعب دوراً مهماً بديلاً، كما أنه هو يشكل جزءاً من حل وسط بعد وصول التيار الإسلامي المتشدد إلى السلطة، وتأتي المحاضرة ايضاً كاختبار لأفكاره أمام جمهور أكاديمي متنوع”.
ويلخص الباحث حاج يحيى “ثلاث رسائل أساسية، الأولى مفادها بأن الدولة مكانها في الأول قبل السلطة، والثانية أن الجيش يجب أن يكون وطنياً علمانياً يضبط السلاح ويحمي المرحلة الانتقالية، والثالثة هي اعتماد المادة 2254 كإطار معدل لوضع دستور وانتخابات وسلطة انتقالية”، وأضاف “يبدو أن لغة خطاب طلاس ركزت على أن الثورة جاءت لبناء الدولة لا لتغيير أشخاص”.
وتابع “قراءتي الشخصية بعد ملاحظة شكل التنظيم عبر حلقة خريجي ’سيانس بو‘، ومنع أي نشاط صحافي، يعكس رغبة في تجريب خطاب بعيداً من الضوضاء. وبرز مضمون نقاش يعيد تعريف القوة بالانتقال من سلاح طائفي – فصائلي إلى سلاح وطني”، مؤكداً أن “أية تسوية سياسية لا تنجح بلا مؤسسة عسكرية ضامنة”، وأن “سقوط النظام جاء نتيجة خلل دولي ودور تركي مباشر”، وأن “التطبيع والسلام مع إسرائيل سابق لأوانه، لأنه لا سلام بلا دولة قادرة”.
في عرين الأسد
في الأثناء يتنازع الشارع السوري حول قبول مناف طلاس كشخصية حاضرة في بلادهم بعد التحرير، فهو ابن وزير الدفاع السابق وأقرب المقربين من الرئيس السابق حافظ الأسد، وأسهم في تثبيت حكمه. وبفضل تلك العلاقة القوية، كسب مناف صداقة باسل، ابن حافظ الأسد الذي فارق الحياة في حادثة سير مشبوهة في فترة التسعينيات من القرن الماضي، وزادت صداقته مع بقية أفراد العائلة ومنهم بشار، مما مكنه من التدرج إلى رتبة عميد وتسلم اللواء 104 بالحرس الجمهوري، أكثر تشكيل عسكري مقرب من القصر الرئاسي.
في المقابل لا يرى قسم من السوريين مانعاً من وصول الضابط الستيني (ولد في الرستن، ريف حمص عام 1964) إلى السلطة في دمشق، خصوصاً أنه رفض الطريقة التي قمع بها بشار الأسد الحراك الثوري الذي اندلع في عام 2011 وانشق في العام الذي تلاه، إذ أحبط جراء القمع الذي مورس في مناطق دوما وحرستا على أطراف العاصمة، ودخل في مفاوضات مع المعارضين لإجراء مصالحات وطنية مع وجهاء في درعا، وحمص وبلدته الرستن في ريف حمص وسط سوريا، مما أغضب الأسد، وحتم انشقاق طلاس الابن.
إحدى الروايات أشارت إلى أنه كان مراقباً من المخابرات السورية، التي علمت بتواصله مع قادة في المعارضة. وجاء أمر الأسد بوضعه في الإقامة الجبرية، بعد رفضه قيادة وحدة عسكرية لاقتحام حي “باب عمرو” في مدينة حمص، وشوهد قبل أشهر من انشقاقه بملابسه المدنية ومطلقاً لحيته.
الطريق إلى باريس
لم يكن صعباً في مرحلة الثورة وصول عسكريين برتب صغيرة أو متوسطة مع المدنيين إلى الحدود التركية منشقين عن جيش الأسد، لكن الأمر كان شبه مستحيل بالنسبة إلى طلاس، الجنرال الوسيم ذو الشعر الذي أكله الشيب، لأنها ستكون أقسى عملية انشقاق عن نظام الأسد. وهناك روايات تحكي عن وضعه تحت الإقامة الجبرية، بعد تحول بلدته الرستن معقلاً للضباط المنشقين، وبعدما ثبت تعاطف عائلة الطلاس المفرط مع الثوار الذين كانوا يقودون حراكاً سلمياً في ذلك الوقت، وبات اعتقاله وشيكاً.
ولعبت شقيقة مناف طلاس ناهد المقيمة في باريس، وهي سيدة فاحشة الثراء، وصديقة مقربة من أسماء الأخرس، زوجة بشار الأسد، دوراً مهماً في تأمين طريقة الانشقاق وانتقال مناف بطريقة سرية، مستفيدة من علاقاتها الواسعة في المجتمع السياسي الفرنسي. وبعد وصوله إلى باريس عن طريق تركيا وإعلان انشقاقه، لم يرحب “الجيش السوري الحر” بذلك، على عكس مجلس السياسيين المعارضين، إذ وصف رئيس “المجلس الوطني السوري” آنذاك عبدالباسط سيدا الانشقاق بـ”الضربة الهائلة لنظام الأسد”.
أتى ذلك وسط ترحيب وزيرة الخارجية الأميركية في حينه هيلاري كلينتون، بينما أعلن نظيرها الفرنسي لوران فابيوس أن انشقاق طلاس “يدل على أن حكم الأسد غير قابل للاستمرار”.
حضور رمزي ومحدود
من جهته قدم طلاس سردية “الدولة أولاً”، ورسالة طمأنة الداخل، وتسويق مشروع “مجلس عسكري وطني” كضمان لأية عملية انتقال، تحت عباءة الرئيس الشرع.
وجواباً عن احتمال كون طلاس مشروع رئيس بديل لمرحلة انتقالية، رد الباحث حاج يحيى “برأيي، ما جرى في المحاضرة أقرب إلى رسالة سياسية مزدوجة، هو يقول ’أنا موجود‘ ويقدم أوراق اعتماده كرجل دولة في مرحلة انتقالية، وفي الوقت نفسه يمسك عصا الأقليات ليلوح بها بوجه السلطة، قائلاً: إن لم أكن معكم، فقد أكون بديلكم أو زعيماً سنياً معارضاً تدعمه الأقليات والعلمانيون”. وأردف “يبقى حضوره محدوداً ورمزياً، بالأخص أمام الشعبية الجارفة للرئيس أحمد الشرع الذي تدعمه الغالبية الساحقة من السوريين. طلاس ركز في محاضرته على الأقليات وعلى رسائل موجهة للخارج، لكنه لم يقدم مشروعاً واضحاً يطمئن السنة في سوريا أو يخاطبهم مباشرة، وهذا خلل جوهري في خطابه، لأنه لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح من دون الغالبية، ولا أن يقتصر على الأقليات أو على التوازنات الدولية. مستقبل طلاس سيظل رهناً بمدى قدرته على تصحيح هذا النقص، وإلا فسيبقى في دائرة الحضور الرمزي لا أكثر”.
——————————
مناف طلاس…أين كان طوال سنوات الجحيم؟/ مصطفى الدباس
الثلاثاء 2025/09/16
لا تعدو الصورة “البراقة” التي حاول الضابط السوري المنشق مناف طلاس، تثبيتها عن نفسه في إطلالته الأخيرة في “مدرسة العلوم السياسية” في باريس، كونها محاولة تسويقية تقوم على جملة عناصر متداخلة، وتتقاطع مع السقف السياسي للحكومة الانتقالية، من دون تجاوزها أو منافستها، مما يجعلها مبادرة يسعى إلى تسويقها غربياً بصفتها طرحاً مؤسساتياً، وليس إعادة إنتاج لمعادلات ما قبل 2011.
والحال أن اختيار هذا الشكل المغلق للمحاضرة، وامتناع المنظّمين عن السماح بالتصوير أو التسجيل أو إجراء مقابلات على هامش اللقاء، لا يمكن قراءته إلا كجزء من استراتيجية اتصالية.. لكنّ هذه الصورة الملساء والمصنوعة بعناية، لا تصمد أمام أول سؤال أخلاقي أو واقعي: بأي شرعية يتحدث الرجل اليوم عن سوريا، وعن دور له في مستقبلها؟
اقتناص المرحلة
طلاس، الذي ظلّ صامتاً طيلة السنوات الأكثر دموية في تاريخ البلاد، لم يُعرف له أي موقف حقيقي تجاه الجرائم التي ارتكبها النظام المخلوع، ولا تجاه الانهيار الكامل الذي عاشه السوريون في الداخل والخارج، ولم يسمع له تصريح في محكمة ولا كلمة في مؤتمر إنساني ولا ظهور في تجمع للاجئين. انشق عن الأسد في اللحظة التي بدأت السفينة تميل، وركب يختاً نحو باريس، من دون أن يحمل معه سوى لقب قديم، واسم ارتبط لعقود بالفساد والولاء للسلطة.
رسائل للنخبة
في محاضرته المغلقة يوم السبت، في مقر كلية العلوم السياسية في باريس، بدعوة من شبكة خريجي الجامعة، وبالشراكة مع “حلقة فرنسا – لبنان”، قدّم طلاس، مجموعة مواقف وسط غياب تام للصحافة ومن دون أي تغطية إعلامية مفتوحة، إذ اقتصر الحضور على جمهور محدود بمقاعد محجوزة مسبقاً، مع توافر الترجمة الفورية من العربية إلى الفرنسية، في خطوة بدت محسوبة لضبط الرسائل وتوجيهها إلى جمهور نخبوي محدد، من دون المرور بأي اختبار جماهيري أو سجال إعلامي مفتوح.
ويبدو واضحاً أن ما قدمه طلاس في محاضرته “النخبوية”، كان موجهاً للخارج أكثر من كونه محاولة فعلية للتأثير في الداخل السوري. فالجمهور المدعو، واللغة المستخدمة، والقاعة الفاخرة والترجمة الفورية وغياب أي شراكة إعلامية أو حوار مفتوح، كلها تؤشر إلى أن الرسالة موجهة لصنّاع القرار في باريس، أو لصياغة صورة “قابلة للتسويق” أمام الدوائر الغربية، لا أمام السوريين الذين لم يجدوا حتى اليوم إجابة عن سؤال بسيط: أين كان طلاس طوال سنوات الجحيم؟
ضابط بلا تأثير
وتحاول دوائر معارِضة للحكومة الانتقالية، أو من يحاول هندسة المرحلة الانتقالية من خارج أدواتها الواقعية، تسويق طلاس لمرحلة مقبلة كفرصة لإعادة إدخال الضباط السابقين إلى المشهد عبر أبواب ناعمة. لكن هذه المقاربة تتجاهل أن ما يقدمه طلاس ليس إلا أداءً اتصالياً محكوماً بسقف منخفض جداً من التأثير بسبب عدم امتلاكه لأي قاعدة شعبية أو شرعية أو تفويض.
وإذا كان خطابه الحالي يعرض نفسه كقائد عسكري محايد، يسعى لتوحيد القوى المسلحة ضمن مؤسسة وطنية، فإن هذا الطرح يصطدم مباشرة بواقع الأرض حيث لا تفويض من الحكومة الانتقالية، ولا رغبة من القوى الموجودة في شمال شرقي البلاد أو جنوبها الغربي، بالانخراط في أي هيكلية تقودها شخصية من خارج نسيجها المحلي. كما أن كافة التشكيلات المسلحة الرئيسية باتت منضوية تحت تسلسل قيادي معلن، لا يسمح بقيادة موازية أو “مجلس عسكري” غير محدد المعالم.
“ما زلت موجوداً”
ورغم التماسك الظاهري، فإن الخطاب الذي قدمه طلاس، يفتقر إلى الحوامل الواقعية التي تسمح له بالتطوّر من مستوى التصور إلى مستوى التنفيذ، فلا خريطة طريق معلنة لتشكيل مجلس عسكري، ولا أسماء ولا آليات ولا ترتيبات دمج أو تسلسل هرمي قابل للفحص، كما أن نجاح هذه الصورة مرهون بعوامل خارج السيطرة، أبرزها موافقة الحكومة الانتقالية على فتح مسار تشاوري حول ملف الجيش وقبول القوى المسلحة بسلطة تنسيقية عليا، ووجود إرادة دولية موحدة للتعامل مع هذا التصوّر، وهي شروط غير قابلة للتحقق، مما يجعل الخطاب الذي يقدّمه طلاس قابلاً للتداول الإعلامي، لكنه محدود الأثر في سياق التنفيذ، ويبقى أقرب إلى تمرين اتصالي محسوب يقول فيه “انا ما زلت موجوداً”، في لحظة لا تزال فيها البلاد تتفاوض مع نفسها بموازاة تفاوضها مع الخارج.
المدن
———————————–
مَن هو المعارض المقبول في سوريا السعيدة؟/ عمر قدور
الثلاثاء 2025/09/16
ما أن أُعلن عن محاضرة لمناف طلاس في باريس، حتى بدأ الهجوم عليه في السوشيال ميديا، وبالوتيرة نفسها استمر الهجوم عقب المحاضرة. كان مفهوماً فور الإعلان أن طلاس سينتقد السلطة الجديدة، من دون دعوة للانقلاب عليها، فشروط الانقلاب غير متحققة، لا بموجب وزنه في الساحة السورية، ولا بموجب توجّه دولي لإسقاطها. ومَن يعرف فرنسا يعلم أن محاضرة من هذا القبيل لا تقف وراءها قوىً مخابراتية، ولا مخططات دولية؛ بل هناك الكثير من النشاطات المشابهة يومياً، وليس مستغرباً أن تُستضاف أية شخصية سورية للتحدث بعد المتغيرات في سوريا.
يسهل النيل من مناف طلاس، فقد كان مقرَّباً على نحوٍ شخصي من بشار الأسد، ولأبيه من قبل سيرة مماثلة من الأسد الأب. وعندما اختلف مع بشار الأسد، على خلفية استخدام العنف ضد الثورة، لم يعلن انشقاقه كما فعل ضباط آخرون، وبقي منزوياً عن أوساط المعارضة. لكنْ كان اسمه متداولاً في بعض السيناريوهات، بين الحين والآخر، بصفته وجهاً مقبولاً من المعارضة، وقد يكون مقبولاً من مؤيدي الأسد، حيث يساعد ماضيه العسكري على ضبط هذا الجانب.
إذن، طُرح اسم طلاس مراتٍ عديدة مُرشَّحاً لتوافق دولي، لا لوزن شعبي يتمتع به، وهذا ليس انتقاصاً منه، فالواقع السوري يفيد بأن الشعبية تأتي مع السلطة، لا من معارضتها. على ذلك، يُفترض ألا يستثير ظهور طلاس أنصار السلطة؛ إذ لا شعبية له، إلا إذا كان ثمة تخوّف من أن يكون مرشَّحاً من الخارج، وقد أشرنا إلى غياب المعطيات التي تجعله مرشّحاً دولياً، والتجربة السورية تفيد بأن التوافق الدولي وتنفيذه لا يتطلبان تمهيداً.
حيّز الاهتمام المفرط الذي ناله طلاس، بالتهجّم عليه في السوشيال ميديا، لا يبرره سوى ذلك الميل الجارف لدى أنصار السلطة إلى تحطيم فكرة المعارضة من أساسها. وقد حدث شيء مشابه في مناسبات مشابهة، وإن لم يكن بزخم الهجوم على طلاس. فرجل الأعمال المعروف أيمن الأصفري تعرّض للهجوم اللاذع أيضاً، لمجرد خروجه في مقابلة تلفزيونية انتقد فيها نهج إدارة الشرع، ولم يتوقف الهجوم إلا عندما استقبله الثاني، فاعتُبر استقباله مكرمة بعد انتقاداته. أيضاً، لم يسلم برهان غليون من التهجم عليه، على خلفية انتقاده أداء الشرع، وغليون هو أول رئيس للمجلس السوري الذي كان أول ممثّل معترف به للثورة السورية، ثم توقف الانتقاد عندما استقبله الشرع.
اُقيم مؤخراً لغليون العديد من الندوات في العديد من المدن السورية، وظهر في لقاء تلفزيوني على الإخبارية السورية، وتداول ناشطون مقطعاً له يقول فيه إنه الآن معارض. يسأله المحاوِر: معارض؟ معارض لمن؟ يجيب غليون: معارِض بمعنى المعارضة الإيجابية، مش اللي بيسبّ…
ومن المؤسف حقاً لشخص بتجربة غليون أن يُضطر إلى وضع تصنيفات للمعارضة، بين إيجابية وسلبية! فهو يعلم أكثر منا أن مثل هذه التصنيفات غير واردة إطلاقاً في الأنظمة الديموقراطية، فالمعارضة هي المعارضة والسلطة هي السلطة، وتوجيه النقد للأولى منهما يكون على أساس ما تطرحه من أفكار أو برامج، لا على أساس تصنيف لا بد أن ينال من أحقّية المعارضة ككل، لأن معيار ما هو إيجابي وما هو سلبي ذاتيٌّ إلى حد كبير، ومن المرجَّح استخدامه على أسوأ تأويل.
على العموم، حملات الهجوم الواسعة على أشخاص بعينهم رافقها مثقفون بكتابات عن المعارضة المرفوضة، مع كلام عمومي عن معارضة وطنية مقبولة. أصحاب هذه الأطروحات تداولوا أوصاف من قبيل: المعارضة الوطنية، المعارضة الإيجابية، النقد الإيجابي لا الهدّام… في المقابل جرى تداول نعوت تُلصق بالذين ينتقدون السلطة خارج جدول المسموح به، فيُقال عنهم إنهم حاقدون على السلطة لأسباب أيديولوجية، ويُقال إنهم يساريون، كأن اليسار (بصرف النظر عن أحقية نقده) تهمة معيبة، ويُقال إنهم ناقمون لعدم نيلهم حصة من كعكة السلطة، بل وصل الأمر إلى اتهامهم بأصحاب العقول المريضة… إلخ.
وفق هذا المنظور، يكاد لا يتبقى من كلام معارض مشروع، والتصنيفات أعلاه تلعب دوراً ترهيبياً؛ إذ من المعلوم أنها تُستخدم لخدمة هوىً سياسي محدد. والذين يضعون التصنيفات لا يقدّم أحد منهم نموذجاً عن المعارض الوطني الإيجابي؛ أي إن أحداً منهم لا يقوم بدور المعارض الوطني الإيجابي، ذي العقل غير المريض، كي يكون أمثولة إيجابية لغيره. انشغال هؤلاء، ودأبهم الذي لا يكلّ، يظهر في مهاجمة المعارضين فقط لا غير!
ومما يرفضه هؤلاء بشدة، ويأنفون منه، أيّة مقارنة مع العهد البائد. إلا أن المقارنة تحضر بشدة، خصوصاً مع الفترة الأولى لاستلام بشار الأسد السلطة، وما سُمّي آنذاك “ربيع دمشق”. فبشار أعلن عن قبول الرأي الآخر، في حين تولّى أنصاره التهجم على كل الآراء الأخرى، والتي كانت إصلاحية بمجملها، لا انقلابية على حكمه. اتُّهم آنذاك معارضون بأنهم حاقدون، وهذا ما استفزّ الكاتب المعارض بكر صدقي ليكتب مقالاً بعنوان: نعم.. أنا حاقد. وظهر روائي معروف جداً على شاشة التلفزيون الرسمي ليصف المعارضين بأنهم مرضى، وراح غيره يهاجم المعارضة مفرِّقاً بين وطنية وأخرى غير وطنية، حيث أيضاً لم يقدّم هؤلاء نموذجاً عن تلك المعارضة الوطنية المحبوبة.
وخارج المناسبات الكبرى، مثل ربيع دمشق ثم اندلاع الثورة، كان إعلام الأسد يواظب على التفريق بين نقد إيجابي بنّاء وآخر سلبي هدّام. هكذا كان أيضاً دأب ماكينته للهندسة الاجتماعية، والتي تبدأ مع الطفولة بتنظيم طلائع البعث. في المحصلة، كان يُنظر إلى كل نقد عميق أو جذري على أنه سلبي، ليكون من المستحسن تحاشي النقد بكل أنواعه؛ إذ لا يُعرف متى يُصنَّف إيجاباً أو سلباً. الحديث عن نقد إيجابي وآخر سلبي عاد إلى التداول في مواجهة أي انتقاد للسلطة، وقد يكون الأقرب إلى الواقع القول إنه لم يخرج من التداول أصلاً ليعود إليه.
من المؤكد أن نقد المعارضة ضروري، بل ضروري جداً أيضاً. أما الاكتفاء بنقدها مع التطبيل للسلطة مباشرةً أو مواربةً فشأن آخر، هو سلوك أقرب إلى الاستقواء عليها إذا صدر عن ضعفاء غير واعين، وأقرب إلى البلطجة إذا صدر عن أشخاص يريدون تصحير الحياة السياسية السورية من أجل الاستئثار بالسلطة. والمستغرب أكثر أن يتذرّع بعض المتهجّمين على المعارضة بأن السلطة جديدة، وورثت حملاً ثقيلاً، ويجب الترفّق بها ومساعدتها. في حين أنهم هم أنفسهم لا يرون أن المعارضة أضعف من السلطة بمراحل، ولا تمتلك مفاتيح القوة التي تمتلكها السلطة برغم ثقل تركة الأسد، وعليه تحتاج المعارضة للترفق بها وفق المنطق نفسه، إذا كان يُراد للحياة السياسية المضي قدُماً.
إذن، مَن هو المعارض المقبول في سوريا السعيدة؟ فسوريا التي يصوّرها هؤلاء بإيجابية مطلقة، بغنىً عن النقد والمعارضة. هذا ليس سؤالاً استنكارياً، لنقل إنها أمنية صغيرة، بعد الهجوم على المعارضة غير المقبولة؛ أن يقدّم لنا أصحاب الهجوم دفتر مواصفات بالنقد البنّاء، والمعارض الوطني المقبول.
المدن
=======================



