توصيف “الحاكمين” في دمشق.. سلطة أم دولة؟/ إياد الجعفري

2025.09.18
خلافاً للكثيرين، كان أكثر ما استوقفني في حديث الرئيس أحمد الشرع، مع “الإخبارية السورية”، قبل أيام، هو استخدامه المتكرر لتوصيف “السلطة” عند حديثه عن الشأن الداخلي، وتحديداً عند حديثه عن العلاقة بين ما يمثّله كـ”سلطة” وبين “الشعب”.
وكان لافتاً أنه استخدم توصيف “الدولة” حينما تحدّث عن قضايا اقتصادية وسياسية كبرى، كمشاريع الطاقة والكهرباء في البلاد، أو العلاقة مع روسيا، في حين استخدم توصيف “السلطة” حينما تطرّق لحرية التعبير والرأي، وللنقد الموجَّه له أو لحكومته، بوصفه رأس هرم “السلطة”.
ورغم أن التفريق بين مفهوم “السلطة” ومفهوم “الدولة” لم يكن حدّياً تماماً في حديث الشرع، فإنه كان متقدّماً للغاية مقارنة بالنهج السائد في خطاب مسؤولي الحكومة الانتقالية في دمشق ومنظّريها، وجانب كبير من جمهورها، الذين يستخدمون توصيف “الدولة”، لا “السلطة”، بصورة شبه مطلقة في كل مداخلاتهم.
ويشكّل الخلط المقصود، أو غير الواعي، بين مفهومي “الدولة” و”السلطة”، إحدى أبرز مشكلات الوعي السياسي لدى الجمهور السوري ولدى المسؤولين في حكوماتهم المتعاقبة، منذ عهد النظام البائد، الذي كان يستخدم توصيف “الدولة” حصراً. وذاك من سمات الخطاب والتنشئة في الأنظمة الاستبدادية، التي تلغي أي استخدام لتوصيف “السلطة” من المجال العام، لتحلَّ مكانه توصيف “الدولة”، كوسيلة لفرض الرضوخ على الجمهور، وبغية توصيف المناوئين لـ”السلطة” بالخيانة، بوصفهم يستهدفون “الدولة” ككيان اعتباري يمثّل جميع المواطنين.
وفي أبسط تعريفات “الدولة” في العلوم السياسية، يمكن التقاط ثلاثة مكوّنات رئيسية لها، هي: الأرض (الإقليم)، والشعب، والسلطة. وهناك من يضيف الاعتراف الدولي بها كعنصر رابع. لكن هناك اتفاقاً على أن “السلطة” هي جزء من “الدولة”، لا كُلّ “الدولة”. واستلاب كامل “الدولة” من جانب “السلطة”، يعني أننا أمام حكم شمولي استبدادي، ويعني أن “الدولة” لا تؤدّي دورها بوصفها كياناً اعتبارياً مؤسساتياً يمثّل جميع مواطنيها.
“السلطة” تمثّل مجموعة من الأفراد يحوزون “القوة” عبر حامل سياسي واجتماعي – عادةً – ويحوّلون هذه “القوة” إلى “سلطة” عبر حصولهم على “الشرعية”، التي يتم تحصيلها في الأنظمة الديمقراطية عبر صناديق الاقتراع، أو بـ”الغَلَبة” في تجربتنا السورية والتجارب المماثلة. هذه “السلطة” تدير مؤسسات الدولة، وهي متغيّرة، في حين أن “الدولة” ثابتة. بمعنى أنه لا يجب أن يؤدّي رحيل “سلطة” ما إلى انهيار مؤسسات الدولة. وفي الحالة السورية، التي كانت حتى 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 محكومة بسلطة حكم شمولية، كانت المهمة الأولى لمن أسقط النظام ملء الفراغ في مؤسسات الدولة منعاً لانهيار شامل لها. وبذلك، حلّت “سلطة” جديدة بدل تلك السابقة. وبطبيعة الحال، ولأن سوريا حُكمت لأكثر من خمسين عاماً من جانب “سلطة” شمولية استبدادية استلبت “الدولة”، كانت الأخيرة مهترئة وهشّة للغاية يوم سقوط نظام الأسد، لكنها رغم ذلك لم تنهَرْ كليةً.
محاولة فهم هذا الفرق بين “الدولة” و”السلطة” ضرورية لتحقيق واحد من أهم أهداف الثائرين الأوائل عام 2011، وهو التأسيس لنظام حكم رشيد في سوريا. وأولى لبنات بناء هكذا نظام حكم أن يتم التفريق بين الممسكين بزمام “السلطة”، وبين “الدولة” باعتبارها كياناً له ثقله التاريخي والاجتماعي والسياسي، الذي يرجع إلى حقبة مطلع العشرينيات من القرن الماضي. ومنذ الاستقلال عن الفرنسي، كانت أبرز أمراض ومشكلات “الدولة” في سوريا هي محاولة من استولى على إدارتها بالقوة أن يطابق بينها وبينه. لذلك كان منظّرو نظام الأسد يخوّنون المعارضين دوماً، بوصفهم يهدّدون “الدولة”، ويقلّلون من هيبة “الدولة”، واستقرار “الدولة”، وأمن “الدولة”… إلخ من التوصيفات التي تطابق تماماً بين من يحكم وبين المؤسسات التي من المفترض أنها تمثّل الجميع.
للـ”سلطة”، عادةً، حوامل اجتماعية أو حتى طائفية أو عِرقية. لكنها حينما تلتهم “الدولة”، تفقد حينها بقية أطياف “الشعب” حسَّ الانتماء لتلك “الدولة”. وهي نقطة المقتل للمصلحة العامة المشتركة، حينما يتم اختزال “الدولة” في “سلطة” متغيّرة، إذ يصبح دوام “السلطة” من دوام الاجتماع السياسي بين أطياف الشعب المكوّن لـ”الدولة”، وزوال “السلطة” من أسباب زوال هذا الاجتماع السياسي بينهم.
نلحظ ذلك اليوم في كثير من مجادلات المنظّرين الموالين للحكومة الانتقالية في دمشق، إذ يعتبرون أن انتقادها ومعارضتها قد يشكّل خطراً على استقرارها، ومن ثم على مصير “الدولة” برمتها. فماذا لو انهارت هذه الحكومة؟ تشكّل علامة الاستفهام هذه الحجةَ الرئيسية لدى رافضي انتقاد الحكومة أو الداعين لانتقادها بـ”إيجابية”. وإن كنا نتفهّم مخاوف هؤلاء من جراء هشاشة ما بقي من مؤسسات “دولة” في سوريا، بصورة تجعل انهيار “السلطة” الراهنة القائمة في دمشق أمراً خطراً بالفعل، إلا أننا نرى أن القائلين بذلك يذهبون بمخاوفهم إلى أقصاها، عن قصد أو غير قصد، بصورة تجعل حتى وجود رأي معارض لا يملك أي مشروع تغييري لـ”السلطة”، خطراً على هذه الأخيرة وعلى “الدولة” برمتها.
دون أن يعي هؤلاء عمق المقولة المتأصّلة في الفكر السياسي: “السلطة المطلقة، مفسدة مطلقة”. ودور المنتقدين أو المعارضين لجمُ الصلاحيات المطلقة التي تتمتع بها “السلطة” الراهنة، في غياب سلطات لجمٍ حقيقية، “تشريعية” أو “قضائية”. وبغير ذلك، يصبح مشروع عدم انتقاد أو معارضة “السلطة” تأسيساً لاستلابٍ جديد لـ”الدولة” السورية، يعيدنا إلى الحقبة التي ثار عليها السوريون عام 2011، ودفعوا أثماناً باهظة لإنهائها.
تلفزيون سوريا



