السيف الدمشقي: عن النصب وسرّ صناعته/ أوس يعقوب

19 سبتمبر 2025
بعد أيام من سقوط نظام الرئيس الهارب بشار الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، تهافت السوريون العائدون إلى وطنهم ممن حرمهم الخوف من بطش قوّات النظام وشبيحته من زيارة سورية خلال سنوات الثورة الـ14 الماضية، للوصول إلى ساحة الأمويين لالتقاط صور تذكارية لهم أمام نصب السيف الدمشقي، الذي تحوّل في عهد التحرير إلى مزارٍ لأبناء الوطن العائدين لسورية الجديدة، والذي شكّل منذ عام 1960 بوصلة للسوريين القادمين من كافة المحافظات السورية، ولكل من يزور عاصمة الأمويين من السياح العرب والأجانب.
في مطلع ستينيات القرن العشرين، وتحديدًا في عام 1960، ارتفع في منتصف ساحة الأمويين بقلب العاصمة السورية دمشق، والتي يتفرع منها سبعة مسارات، نصب ذو وجهين متقابلين، ممتدًّا على مساحة 40 مترًا في الطول و17 مترًا في العرض، وتطلّ واجهته الغربية على الساحة نفسها، أما الواجهة الشرقية فتطلّ على إحدى بوابات معرض دمشق الدولي في مكانه القديم، وكانت تسمّى “بوابة الأمويين”، والتي حلّ مكانها اليوم “دار الأوبرا”، وقد تم تركيب لوحات من البلاستيك “الشاف” على الواجهتين، تمثّل أعلام الدول المشاركة في الدورة السابعة للمعرض نهاية شهر آب/ أغسطس عام 1960، ويجري عُرفًا تغييرها كل سنة بحسب الدول المشاركة، وقد درج الناس مع مرور الوقت على تسميته بـ”السيف الدمشقي”، الذي صار واحدًا من أشهر الرموز المعمارية لدمشق، واتّخذه التلفزيون السوري شعارًا له آنذاك، ومع تبدل وظيفة هذا المجسم الهندسي الأيقوني بانتقال مكان المعرض إلى مدينة أرض المعارض الجديدة على طريق مطار دمشق الدولي عام 2003، فقدَ هذا النصب الفكرة التي أنشئ من أجلها بوضع أعلام الدول المشاركة فيه.
يعود تصميم النصب الأوّلي للسيف الدمشقي للمهندس السوري هشام المعلم، وتنفيذه إنشائيًا للمهندس عاطف السيوفي، ومن وضع اللمسات الأخيرة للنصب قبل افتتاحه في عام 1960 كان المهندس عبد المحسن القضماني، فيما يعود تنفيذ الهيكل الحديدي داخل السيف للحرفي السوري حسن سعدو، وذلك خلال سنوات الوحدة بين سورية ومصر.
وفي عام 1998، كُلِّف الفنّان إحسان عنتابي، عميد كلّية الفنون الجميلة آنذاك، بتجديد واجهتيه اللتين صمّمهما الفنّان عبد القادر أرناؤوط، فاستخدم الزجاج المعشّق، واستعيض عن فكرة وضع الأعلام بالأشكال الهندسية المجرّدة بشكلٍ زخرفي فنّي، ليكون هذا النصب واحدًا من أهمّ وأكبر واجهات الزجاج المعشّق في العالم.
وتُعدّ صناعة الزجاج المعشّق واحدة من أقدم الحرف الدمشقية، ويرجع تاريخ نشأتها إلى أكثر من ألفي سنة. وبحسب المراجع التاريخية فإنّ تسميته بالمعشّق جاءت من ترابط مادّة الجص مع الزجاج، ووُصف هذا الترابط بالعشق نظرًا إلى التماسك والتناغم بين الألوان والجص.
أما اللوحة التجريدية المرسومة داخل السيف، فهي تعكس مفاهيم رمزية تتمازج فيها الوردة الدمشقية مع النار، متّخذة شكلًا هندسيًا غير متماثل يعكس التفاعل بين الجمال والقوّة والهيبة. وقد أضفى هذا التصميم المبتكر على النصب طابعًا حديثًا وفنّيًا يعكس التقاليد والثقافة الدمشقية.
ولكن بعد كل هذه الإبداعات الفنّية التي حظي بها هذا النصب، وبعد قرابة ثلاثة أشهر من التحرير، قامت محافظة دمشق التابعة للإدارة السورية الجديدة، بأعمال ترميم للنصب وتأهيله وتركيب نظام إنارة خاصّ به، إثر تهشم واجهتيه الزجاجيتين خلال احتفالات النصر. إلّا أنّ أعمال الترميم أثارت جدلًا واسعًا في أوساط السوريين بعدما لاحظوا فروقات بين ما كان عليه السيف القديم، الذي لُبّست واجهاته بالزجاج المعشّق، وبين النصب المرمّم حديثًا بشرائح من البلاستيك تُعرف بـ”البليكسي”، تتقاطع مع السيف القديم في الألوان فقط. وتباينت الآراء في الشارع السوري حول طبيعة المواد المستخدمة في ترميم واجهتيه الزجاجيتين، وعبّر جمهور واسع من الدمشقيين في مواقع التواصل الاجتماعي عن امتعاضهم من عملية الترميم التي رأوا أنّها لا تتناسب ومكانة النصب الثقافية والتاريخية التي يمثّلها بالنسبة لهم.
“شام يا ذا السيف لم يغب”…
يُرجع المؤرّخ والباحث الدمشقي، عماد الأرمشي، بدء أشغال بناء نصب السيف الدمشقي لعام 1958، واستمرّت حتى عام 1960، وذلك ضمن توسعة موقع معرض دمشق الدولي القديم.
ويذكر الأرمشي أنّ قرار بناء هذا النصب صدر عن “قصر القبة” في القاهرة وبتوقيع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، يوم كان رئيسًا للجمهورية العربية المتّحدة (الإقليم الشمالي/ سورية، والإقليم الجنوبي/ مصر) لبناء نصب تذكاري في ساحة الأمويين بدمشق على هيئة “سيف دمشقي”. لافتًا إلى أنّه بسبب ذلك أطلق عليه البعض من سكّان دمشق في تلك الفترة اسم “عمود الوحدة” (نسبة للوحدة بين سورية ومصر بين عامي 1958 و1961)، في حين سماه آخرون “عمود المعرض” أو النصب التذكاري لمعرض دمشق الدولي بحسب المخطّطات الرسمية لبنائه.
ويشير المؤرّخ السوري إلى أنّ التسمية الرسمية الحالية للنصب هي “السيف الدمشقي”، لما لهذا السيف من مكانة عند أهل الشام وبراعة صناعته كدليل يرمز إلى قوّة سورية ومنعتها، وهو ينتصب في أكبر ساحات العاصمة حاملًا إرثها الحضاري ومختزلًا تاريخًا من العراقة والأصالة والانتصارات.
ولا ينسى السوريون أنّ السيدة فيروز غنّت في معرض دمشق الدولي أوائل الستينيات من القرن الماضي، أغنيتها الشهيرة “شام يا ذا السيف لم يغب”، التي كتب كلماتها الشاعر اللبناني سعيد عقل، والتي لحّنها الأخوان الرحباني.
ويشير نصب السيف الدمشقي، بحسب شبكة “الباحثون السوريون”، إلى قوّة المدينة ومنعتها وإرثها الحضاري، وهو يحكي عن الانتصارات والإنجازات من خلال المعارك التي خاضها سكان المنطقة في الذود عن حمى الوطن، إذ كان إنشاؤه عرفانًا بالجميل وتذكيرًا بمهارة الحرفي الدمشقي في صناعته للأسلحة الحربية.
ولم يكن السيف الدمشقي مجرّد صرح معماري في دمشق، بل تصدّر عددًا من المنشورات والملصقات والطوابع البريدية الخاصّة بمعرض دمشق الدولي على مدار العقود الماضية، وذلك لاقترانه بالإرث الثقافي والحضاري السوري، ولذاكرة السوريين كافة على اختلاف مكوّناتهم وأطيافهم، ولما للسيف من ثقل في تاريخ السوريين، الذين اشتهروا منذ القدم بصناعة السيوف، والتفنّن في تصاميمها عبر الأزمان، كما مثّل منذ عام 1960، شاهدًا تاريخيًا وهوية بصرية راسخة في ذاكرة السوريين ترمز إلى الارتفاع وإلى الشموخ، ما جعل لهذا الصرح مكانته المعنوية في سورية.
سرّ المعدن الدمشقي الأسطوري
منذ القدم ذاع صيت دمشق في أنحاء العالم في صناعة السيوف الأصيلة المتميّزة، وقد ازدهرت هذه الصناعة في عصور متعدّدة؛ منها عصر الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي، واستمرّت على ما اشتهرت فيه من ازدهار حتى قبيل الحرب العالمية الأولى، ثم بدأت بالتراجع والاضمحلال.
جاء في المراجع التاريخية عن صناعة السيوف الدمشقية، أو ما كان يُطلق عليها قديمًا صناعة النصول وطرق تعدينها، أنّ هذه النصول انفردت عن غيرها ببعض الميّزات ومن أهمّها ظاهرة الجوهر، الذي أُطلق عليه أيضًا اسم الفرند وماء السيف والأثر والسفسفة. والجوهر اصطلاح يُستخدم لبيان ظاهرة الخطوط المتداخلة المتباينة المختلفة الألوان والأشكال والأوضاع على صفحات النصول. وللجوهر ثلاثة أنواع رئيسية هي: الجوهر الفارسي، والجوهر الهندي، والجوهر الدمشقي، الذي يمتاز عن سابقيه ببعض الخواصّ من أهمّها التموّجات الرائعة التي تشبه البقع الهندسية المُحْكمة، وألوانه المائلة إلى البياض، وعدم قبوله الصدأ، ولينه ولدانته وتركيبه الذي يتكوّن من حبوب ناعمة متقاربة المسام رمادية اللون مع ميلها إلى البياض. ومن خواصّه أيضًا أنّه يتكوّن من معدنين يتّحد كل منهما بالآخر بدون أن يفقد أيّ من المعدنين خواصّه.
وللسيف الدمشقي الذي اشتهر بسيف دمشق الذهبي، صفة خاصّة معروفة لدى أرباب المهن في البيع والشراء أنّه ذو قيمة ثمينة، وهو سيف قاطع ويُستعمل للنحر والحرب ومصنوع من الفولاذ الدمشقي، منه ما هو مستقيم ذو حدٍّ واحد، ومنه ما هو بحدّين وهو الأكثر استعمالًا وشيوعًا، وفقًا لتلك المراجع التاريخية.
وقد نُسجت العديد من الأساطير حول السيف الدمشقي ونصله، إذ تقول إحدى تلك الأساطير: إنّ “النصل الدمشقي كان يستطيع أن يشرح المصنوعات الفولاذية الأخرى”، وتحكي أسطورة ثانية قصّة انقسام قطعة من الحرير لدى سقوطها على سيف دمشقي ثابت لا يتحرّك.
ولطالما كانت مُلكية السيف الدمشقي موضع نقاش وتكهنات، إذ تعود أصول هذا النصل الأسطوري إلى العصور الوسطى حيث اكتسب شهرة باعتباره أحد أفضل السيوف التي تم صنعها على الإطلاق، ومع ذلك فإنّ تحديد صاحب السيف الدمشقي عبر التاريخ يمثّل تحدّيًا بسبب رحلة السيف الواسعة وعمليات نقل الملكية المتعدّدة.
ومما يذكره صناع السيوف الدمشقية، الذين ورثوا هذه الحرفة عن أجدادهم وما زالوا يمارسونها حتى يومنا هذا، أنّ الفولاذ الدمشقي، الذي كانت تُصنع منه السيوف في دمشق قديمًا، والذي سُمّي بالأسطوري، بسبب عدم معرفة سرّ المعدن الذي تُصنع منه رغم محاولات الأوروبيين اكتشاف ذلك في العصور القديمة عبر استقدامهم أمهر صناع السيوف من أجل معرفة هذا السرّ، هو معدن مفقودة صناعته منذ أكثر من مائتي سنة، ولذلك فإنّ النصال الفولاذية الموجودة حاليًا في الأسواق المحلّية هي غالبًا نصال أُجريت عليها عمليات ترميم لإحيائها.
ويشير الأكاديمي السوري الدكتور فيصل العبد الله، أستاذ التاريخ في جامعة دمشق، إلى أنّ صناعة السيوف الدمشقية أخذت بالتراجع منذ القرن الخامس الميلادي، عندما اجتاح القائد المغولي تيمورلنك دمشق، وأخذ معه إلى سمرقند نحو 15 ألفًا من أشهر حرفيي صناعة السيوف، ثم قيام السلطان العثماني سليم الأوّل بنقل عدد آخر من أشهر المهرة في صناعة السيوف إلى تركيا.
وحول تاريخ البدء بصناعة السيف الدمشقي وسمعته الأسطورية يؤكّد د. العبد الله أنّها تعود إلى القرن الثامن الميلادي. مضيفًا أنّ سمعة السيف الأسطورية تكوّنت أثناء الحملات الصليبية عندما وجد الأوروبيون أنفسهم أمام مدافعين عن أراضيهم مسلّحين بسيوف أكثر تقدّمًا وأقوى وأحدّ من سيوفهم البدائية العريضة.
وللسيف الدمشقي بشكلٍ عامّ مواصفات خاصّة بالشكل غير موجودة في أنواع أخرى، فهو يمتاز بالعرض المفرط وبالرأس ذي الحدّين لأجل الطعن، والظهر السميك من أجل القطع بالحدِّ والفصل في الظهر، بينما يُصنع الغمد من هيكل خشبي ويُلبس بصفيح من الحديد المنزّل عليه الذهب أو الفضة، فيما يُصنع المقبض من العاج أو من قرن الجاموس.
وفي حالات كثيرة كان يُهيأ السيف للزخرفة بحيث تُرسم عليه زخارف ذات أشكال هندسية وآيات قرآنية أو أشعار وحكم ورسوم أخرى، وتُنفّذ هذه الرسوم بطرق متعدّدة منها التزميك أو التكفيت أو التنزيل، ومن بين هذه الطرق ما يتمثّل في حفر الرسوم المطلوبة على سطح المعدن ثم ملء الشقوق الناتجة بأسلاك ذهبية أو فضية على أن تكون أغلى من معدن النصل ومختلفة عنه في اللون، وذلك بسحبها بعناية ودقّة بالغتين إضافة إلى ما قد يُستعمل من حجارة ثمينة كالياقوت وما شابهه.
ومن أسماء السيوف التي يصنعها الدمشقيون: السيف الفارسي، والسيف الهندي، والسيف اليماني، والسيف التّتري، والمغولي، والقفقاسي، واليطقان القفقاسي، والقامات ذات الحدّين وذات الحدّ الواحد، والنوع المحدّب ويُسمّى الخشب.
ويقتصر وجود السيف الدمشقي الأصيل حاليًا، كمقتنيات فردية أو ضمن المتاحف العربية والعالمية للعرض فقط. وأما عن قيمته اليوم، فهي تتجاوز كونه سلاحًا ليصبح رمزًا للإبداع والإرث الثقافي السوري العريق.
ضفة ثالثة



