سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

في غياب الجلاد.. لماذا تهاجم البيادق بعضها؟/ حنان الأحمد

20 سبتمبر 2025

“الويل لأمة كثرت فيها الطوائف”. لماذا نستذكر قول جبران خليل جبران هذا كلما اشتعل خلاف في سوريا؟ هل كثرة الطوائف والتنوّع خطرٌ بحد ذاته؟ هل وجود الطائفة يعني بالضرورة وجود طائفية؟ وهل يكون الحل في “الوحدة العمياء” التي تذيب الفروق، أم في الاعتراف بالاختلاف وإدارته؟

لا أكتب هنا لأدين أحدًا، ولا لأبرّر أحدًا. لا أبحث عن خونة أو قدّيسين، بل عن مساحات الفهم التي غابت وسط الخوف، الدفاع، أو النفي. فهم الأسباب والنوايا بالطبع لا يبرر أي ظلم أو إجرام أو هجوم. لكن لعله يمنع المزيد.

لذا بدل الخوض في رقعة الشطرنج السورية، حيث يتحرّك الجميع وفق منطق النجاة أو الانتصار أو الشك، أحاول أن أواجه الرقعة نفسها، أضعها على الطاولة، لأتأمّلها بصمت: ما هي هذه الرقعة؟ ما قواعدها؟ كيف فُرضت علينا أصلاً؟

رقعتنا ليست بريئة، بل معقدة ومليئة بتجار حروب وقادة وقتلة.. أترك صراعاتها لأهل الاختصاص. ما يعنيني هو موقع البيادق العاديين، السوريين غير المنتفعين من أي سلطة، لماذا تهاجم البيادق بعضها اليوم؟ بافتراض عدم وجود مصالح وبافتراض حسن النية، لماذا أعلنّا نحن كسوريين مدنيين “عاديين” الحرب على بعضنا وفي كل الاتجاهات وعلى كل المستويات؟ لماذا نهلل للعنف خسرنا ما خسرنا لنتخلص منه؟

أحجار عمياء وحدود ضيقة

علينا أن نقرأ الرقعة نفسها: أحجارها، حدودها، وما تخفيه من خوف متبادل. ما إن رسخ النظام المجرم السابق لفكرة إنكار اختلافاتنا، وأن الحل يكمن في أن “نكون واحدًا”، أن “نتجاوز الطائفية”، أو نذوب في رقعة من لون واحد وأحجار متساوية في هوية جامعة اسمها “سوريون”… حتى توسعت الشروخ وتكاثر الجهل المتبادل الذي توارثناه جيلاً بعد جيل وبتنا لا نعرف واحدنا الآخر. نتراشق التخمينات والاتهامات بشكل أشبه بالأساطير وأقرب للطعن بالشرف حتى تحولت صورة هذا الآخر الغريب أقرب إلى الكاريكاتير في ذهننا. مع أن الطائفية بحد ذاتها ليست عيبًا. الانتماء لجماعة دينية أو مذهبية هو شكل من أشكال الهوية، وقد يكون مصدرًا للمعنى والحماية والانتماء.

لكن في تشكيلات تعيش تفككًا سياسيًا وأخلاقيًا، تلجأ القطع إلى حيز انتماءات ضيقة كآليات دفاع. وتبني الكراهية الرمزية جدارًا يحمي الهوية المهتزة. ومن هنا، علينا أن نكف عن اختزال الانقسام في سوريا بأنه “طائفي فقط”. فالطائفة، وإن كانت الوجه الأوضح، ليست الشبكة الوحيدة المحددة لـ”الفسيفساء السورية” التي كثيرًا ما تغنّينا بها كدليل على التنوّع والتعايش والثراء الثقافي، بل تتقاطع معها خطوط الطبقة، والمنطقة، واللغة، والانتماء السياسي، والتجربة الحربية، والخسارات في شبكة معقّدة من الفرقة. هي فسيفساء متراكبة على طبقات مختلفة، تفصل بين أجزائها حدود نفسية، وشكوك غير معلنة، وصور نمطية موروثة.

حتى في المدن المختلطة، وحتى في الشوارع المتجاورة، لم تكن الجيرة دائمًا معرفة، ولا القرب مكاشفة. على هذه الرقعة تحول البُعد إلى جهل والجهل إلى خوف، وكل حجر في حدود مربعه الضيقة يتساءل: متى سيهاجمني هذا الآخر المجهول؟ الآخر المختلف طائفيًا أو سياسيًا أو ثقافيًا، وقد يفكر بعدوان وقائي كخطوة استباقية في لعبة لا يعرف قوانينها حتى، في محاولة لحماية ذاته من خطر متخيَّل أو محتمل.

نشوة الـ”كش ملك”: في الدفاع عن معنى مهدد بالانهيار

حتى حين جاءت النقلة الحاسمة، وعاش الناس لحظة “كش ملك” أو ما يُعتقد أنه لحظة “تحقق العدالة التاريخية”، سقطت أصنام، تصدّعت جدران الخوف، تخلخلت قواعد الرقعة وحدودها، وخرج الناس إلى الشوارع كأنهم يستعيدون أسماءهم. كابوس طويل استيقظنا منه أخيرًا. كانت تلك لحظة نشوة جمعيّة، أشبه بـ”حالة النصر الطوباوي” — حالة تخيّل فيها الشعب اليائس أنه خرج من الظلمة، وأن الخير الآن له وجهٌ أبيض، والأسود سقط إلى الأبد.

لم يكن فقط انتصارًا سياسيًا، بل تحققًا وجوديًا: “أخيرًا نحن على حق. أخيرًا انتصرنا. أخيرًا العالم سمعنا”. لكن ما حدث بعد ذلك هو الارتطام بالواقع. لم تتحوّل الرقعة إلى ساحة بيضاء نظيفة كما تخيّلنا، بل ظهرت خطوطها المعقّدة، مربعاتها المتشابكة بالمصالح والمصائب. لم تُسقَط كل الأحجار السوداء، ولم تُزَح كل القطع القديمة، بل انكشف واقع أكثر تعقيدًا: مصالح متشابكة، قوى متنافسة، وشعب يحاول إعادة تعريف ذاته وسط رقعة لم تتغيّر قوانينها كما ظنّ. والأهم واقع أن “الوعد الثوري” لم يتحقق كاملًا بعد.

هنا وقف البيدق السوري العادي أمام خيارين: هل نعترف أن شيئًا ما غلط ونصحو من سكرتنا بالنصر؟ هل نعود لوضع الدفاع أو نهجم أو نستمر بالاحتفال وسط الرقعة غارقين بسكرتنا؟ ونتهم من يشكك؟ الكثيرون اختاروا الخيار الثاني، لأن الأول يعني تساؤلات كبرى ومخيفة. هل أخطأنا؟ ألم تنجح الثورة؟ هل ذهبت الدماء سدى؟ أم أن الحلم من أصله كان وهمًا؟

هكذا غرقنا في الإنكار الجماعي، مناورة بسيطة، خطوتان للوراء، واحدة لليمين، واصطفاف أعمى حول الخطابات الجديدة حتى لو كانت مخالفة لمبادئ حركة كل بيدق وقيمه. هذا الخط الدفاعي أو تبرير العنف، سواء كان لصالح السلطة أو الجماعة أو الطائفة، ليس فقط تحرّكًا وخيارًا سياسيًا أو استراتيجيًا، بل إنكارًا نفسيًا لحقيقة موجعة. هو عنف موجه لقمع الذات قبل الآخر، يقمعون أسئلتهم، ويمسحون شكوكهم، ويرفعون الصوت كي لا يسمعوا صوت داخلهم الهش.

يُصبح العنف، رمزيًا أو فعليًا، أشبه بحركة دفاع أخيرة عن معنى مهدد بالانهيار. فكثير من “المبررين للعنف” ليسوا ميالين للعنف بطبعهم، بل خائفون من أن تنهار الصورة والمخطط التي قاتلوا من أجلها. بالنسبة لهم، لا وجود لخيار ثالث: إما انتصار ساحق، أو سقوط كامل يمحو اللعبة من أصلها. وأي اعتراف بالخطأ يُهدد كل ما ضحوا من أجله، فيتحول العنف إلى درع نفسي لحماية رواية لم تكتمل.

مشكلة هذا التفكير الثنائي (“إما… أو”) أنه يحوّل كل خطوة إلى تموضع، وكل تعاطف إلى خيانة، وكل نقد إلى انشقاق عن الصف. هو آلية دفاع بدائية تزدهر في لحظات التهديد واللايقين لأنها تمنح يقينًا سريعًا بالأبيض أو الأسود، لكنه في الحقيقة يجمد اللعبة وتشّلّ التفكير النقدي، ويمحو التدرّج الأخلاقي، وتسجّن البيادق في مربعات ومعسكرات لغوية لا مخارج بينها. في هذا المناخ، يصبح الاحتمال نفسه حركة خطر، حيث لا يُسمح لك أن تكون معقّدًا، ناقدًا، متعاطفًا، أو حائرًا. لأن التعقيد يُربك السلطة، أي سلطة! وكل ما يُربك يجب قمعه.

نقلة واحدة صحيحة/ تضحية بحجر واحد

في غياب مشروع وطني جامع، لم تأتِ السلطة البديلة — إن صحّ تسميتها كذلك — بأي مشروع بديل، ولا استراتيجية لعب بديلة. لم تُقدَّم سردية موحدة عن الماضي، لا خريطة موحدة واضحة للرقعة ولا تعريف جديد للهوية، ولا حتى خطاب يتجاوز منطق المبارزة القديمة. تُركت البيادق في فراغ رمزي، وتُرك تحديد الأخلاق والقواعد وأولويات التحرك لكل صف ومجموعة على حدة.

هذا ما يجعل أي محاولة لفرض سردية واحدة شبيهة بمحاولة اللعب بنفس التكتيك على رقعات مختلفة: شرق الفرات، الشمال، الجنوب، المخيمات، سياقات متعددة ورقعات متوازية، وتجارب متقاطعة، وآلام غير قابلة للتنميط، حتى ضمن السياق الواحد، لكل مجموعة، بل كل بيدق يعيش ذاكرة ألم مختلفة.

ومع غياب استراتيجية ومسار واضح للعدالة الانتقالية، ظهر “تسليع المظلومية”. صارت العدالة أقرب لحجر نرد في الوعي العام: من الأحق بها؟ من الأكثر ألمًا؟ ومن “الضحية الحقيقية”؟ هذا السعي لاحتكار العدالة أنتج وهم الضحية الواحدة، الذي يمثّل شكلًا من أشكال الهيمنة الرمزية، لأنه يشكّك في ألم الآخرين، أو يلغي وجوده بالكامل.

والظلم المتراكم على كل الجهات في ظل استحالة مواجهة الملك السابق تحوّل إلى طاقة خذلان ومرارة خام، يسهل تحريكها وتوجيهها. فحين مُنعت البيادق من ثأرها من الخصم الفعلي، بدأت تتحرك وتوجّه أصابع الاتهام أفقياً بدل عمودياً، وصرنا نشاهدها تهاجم بعضها عشوائيًا. ولا مهرب من فخ وهم الضحية الواحدة إلا بالاعتراف أن العدالة لا يمكن أن تكون نردًا انتقائيًا أو مبنية على تسلسل مظلوميات، بل لعبة معقدة تبدأ بالاعتراف بتعدد اللاعبين والمربعات وحق كل منهم بنقلة مرتدة تعيد له حقه. فإما تكون العدالة للجميع أو تنهار الرقعة بالكامل.

في هذه البيئة الحاضنة، ظهرت فوقية أخلاقية جديدة. إذ إن كل حجر اعتبر نفسه “أنقى”، أو “أوعى”، أو “أكثر ألمًا”، تخيّل أنه الأحق بتحديد مسار اللعبة وتمثيل الرقعة كلها، سواء استند هذا التفوق إلى مرجعية دينية، أو تضحيات نضالية، أو معاناة شخصية، فإنه يُنتج هوسًا بتصحيح المسار واحتكار المعنى. وهكذا يتحوّل العنف إلى “نقلة واجبة أخلاقيًا” لأننا “نعرف ما الأفضل لكل البيادق حتى لو لم يعرفوه هم”. وتصبح حركاتي مبرّرًا لأنني أدافع عن الحقيقة، أو الثورة، أو الدين، أو الأرض، أو الشهداء… أي رمز يمكن أن يُستخدم لتبرير أن “الحجر الآخر يستحق ما يجري له”. يستحق الإزاحة أو التضحية به للصالح العام والنتيجة النهائية.

نحو رقعة متعددة الألوان

هذه مباراة لم تنتهِ بعد، لكن لا يمكننا أن نستمر في تكرار نفس النقلة وننتظر نتيجة مختلفة. لا يكفي أن نلوم خوف البيادق أو طائفية الصفوف أو فوقية بعض القطع؛ السؤال الأهم: من يعيد رسم حدود الرقعة نفسها؟ من يملك الجرأة ليعيد تعريف معنى “نحن”؟ معنى أن تكون “سوريا وسط لعبة لم تختر قواعدها”؟ في لحظة مفصلية حيث كل نقلة تتطلب وعيًا كاملًا بالرقعة كلها، لا بالمربع الضيق فقط. اللحظة التي نجرؤ فيها على الاعتراف بأننا لا نعرف كل شيء، وبأن الحجر الآخر قد لا يكون كما تخيلناه، إن لم نملك الشجاعة ونعترف بخطواتنا الخاطئة قبل أن تتصلّب ك”حركات إجبارية”. ونغرق في رقعة تأكل أحجارها بنفسها!

إن لم نفتح مساحات جديدة تُروى فيها كل الحكايات، وتلتقي فيها كل القطع كأفراد، لا كممثلين عن فرقهم، إن لم نرفض اختزال البلد إلى رقعة أبيض وأسود فلن نستطيع تحويلها إلى رقعة ملونة، متعددة، مليئة باحتمالات لا نهائية للحركة والفهم والتعايش.

قد نكون خسرنا بضع جولات أو انتصرنا ببعضها. لكن الاحتمالات لا نهائية والمباراة لا تحسم إلا إذا توقف اللاعبون عن المحاولة. على هذه الرقعة السورية ما زالت هناك حركات لا تُحصى، ما زال بالإمكان إعادة ترتيب اللعبة، وكسر القواعد المفروضة، ورسم مسار يسمح للبيادق العادية بتحديد مصيرها ورفض أن تكون أولى القرابين في صراعات الكبار.

الترا سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى