انتخابات مجلس الشعبتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

هل ستتشكل معارضة سورية -مقالا مختارة-

معارضة وموالاة في المشهد السياسي في سوريا/ بكر صدقي

22 – سبتمبر – 2025

من حيث المبدأ حقق الظهور المفاجئ للعميد مناف طلاس في المشهد السياسي السوري هدفه، وهو حالة الهلع التي أصابت البيئة الإعلامية و«الشعبية» المؤيدة لسلطة دمشق، هذا على فرض أن إعادة تسليط الضوء على طلاس كان من نوع الضغط «الناعم» على السلطة لدفعها في اتجاه تطبيق قرار مجلس الأمن 2254 الذي وضع مجدداً على الطاولة عربياً ودولياً. وهذه فرضية معقولة بالنظر إلى استمرار صم السلطة آذانها عن الطلبات المتكررة بهذا الشأن، ما لم تكن هناك ترتيبات فعلية بين الدول المتدخلة في الشأن السوري، بعيداً عن الأضواء، لقيادة تغيير سياسي جديد في دمشق بعد يأسها من التزام سلطة الشرع بموجبات القرار الأممي أو روحه. ربما كان التلويح بهذا الخيار هو الضغط الناعم.

الغريب في أمر مهاجمي مناف طلاس هو أنهم يحرصون مع الهجوم عليه التوكيد على أنه لا يشكل أي خطر على سلطتهم، من غير أن يخطر في بالهم أن يتساءلوا عن سبب إثارتهم كل هذا الغبار ما دام الرجل لا يستحق أي اهتمام!

وعموماً كل نقد ـ مجرد نقد ـ يوجه لحكام دمشق يواجه بعدوانية بالغة، فما بالك بمحاولات تشكيل أطر سياسية معارضة أو مساعي بعض المكونات الاجتماعية لتأطير وجودهم السياسي كالدروز والعلويين، أو معاندة «قسد» في عدم الاستسلام للسلطة. فهؤلاء هم موضوع دائم للهجوم والتخوين ويتم تحميلهم مسؤولية إخفاقات السلطة. تمتلئ صفحات التواصل الاجتماعي بعدوانية لفظية موجهة لأي نقد حتى لو كان فردياً، وكأن حرية التعبير كفيلة بتقويض السلطة. ولا يجد هؤلاء المؤيدين عزاء لهشاشة السلطة التي يدافعون عنها باستماتة إلا في «إنجازات الدبلوماسية السورية» كما يسمون الاحتضان العربي والدولي المشروط لها. أي أنهم عملياً يؤيدون «صلابة» السلطة أمام المقاومات الاجتماعية المتنوعة في الداخل مقابل ما يرونه «حكمة» السلطة في إرضاء القوى الخارجية، أو ما يسمى في الأدبيات السياسية بالبراغماتية حتى لو كان ذلك مع إسرائيل التي تسعى لفرض اتفاق أمني مذل على سوريا تمتد مفاعيله لتشمل المستقبل، بما في ذلك نسيان قرارات مجلس الأمن التي تعتبر الجولان أرضاً محتلة.

قد يمكن فهم دوافع انتهازية لأشخاص منتفعين بصورة مباشرة من الحكم الذي أعقب سقوط نظام الأسد، فهؤلاء يدافعون عن امتيازات حصلوا عليها أو يأملون بالحصول عليها من سلطة دمشق. أما ما هو غير مفهوم فهو التأييد الأعمى لدى جمهور، لا نعرف حجمه الحقيقي، مازال يئن تحت وطأة صعوبات الحياة، لكنه متمسك ببقاء السلطة بدوافع أيديولوجية بحتة، هي الدوافع الطائفية «السنّية». فهؤلاء يعتبرون أن السلطة يجب أن تكون سنية بعد عقود مما يعتبرونه «الحكم العلوي»، ويخشون أن تؤدي أي معارضة أو حتى مجرد نقد لسلطة دمشق إلى عودة النظام «الأقلوي»، من غير أن يتساءلوا عن سبب هشاشة السلطة التي من المفترض أنها تمثل الأكثرية السنية، ولا يقولون لنا شياً عن تهميش حركة سياسية سنية بدورها: الإخوان المسلمون.

هذا النوع من التأييد المطلق هو تكرار حرفي لما سمي بالموالاة إبان حكم النظام الأسدي: ردود الفعل العدوانية نفسها، قاموس الاتهامات والشتائم ضد المعارضين نفسه، طبيعة المماحكات الغبية نفسها، حالة الإنكار نفسها، تبرير كل ما تقوله السلطة أو تفعله بالطريقة نفسها، مقاطعة من يعتبرونه خصماً على برامج التوك شو التلفزيونية ومنعه من الكلام بالطريقة القديمة نفسها. وكأن ثورة شعبية كبيرة ضد نظام دكتاتوري دموي لم تحدث في سوريا ولا أريق كل ذاك الدم السوري من أجل الحرية والكرامة، بل فقط حدث تغيير في السلطة استبدل نظاماً علوياً بآخر سني مع بقاء كل آليات الحكم على ما هي عليه، ومع بقاء كل طقوس الموالاة كما كانت.

وثمة فئة أخرى من المؤيدين الجدد ظلت أسيرة تحليلات الأسابيع الأولى التالية على سقوط نظام الأسد، تحليلات قامت على تفاؤل نابع من سقوط الأبد الأسدي، مع رهان على براغماتية الشرع بدلالة تحولاته اللافتة من السلفية الجهادية التكفيرية إلى رجل الدولة كما هو مفترض، أو من الرهان على ديناميات اجتماعية من شأنها أن تؤدي إلى مزيد من عقلنة المجموعة الحاكمة الجديدة. إن كثيراً من معارضي نظام الأسد الذين تبنوا أفكاراً مشابهة قد راجعوا أنفسهم أمام مسالك السلطة في الأسابيع والأشهر اللاحقة، وانكشاف رغبتها في الاستئثار بالسلطة كلها، وبخاصة بعد مجازر الساحل في آذار ومجازر السويداء في تموز، كما في التسويات مع رموز النظام الأسدي، وفي إعادة العلاقات الدافئة مع روسيا، ثم انكشاف موضوع «المكتب الاقتصادي الجديد»… إلى آخر ما هنالك من إجراءات هي على النقيض مما كانوا يأملون، فانتقلوا من الترحيب الحذر إلى المعارضة العلنية. لكن قسماً آخر من هؤلاء استمرأ نهج التبرير والإنكار فتحول إلى موالاة لا تختلف كثيراً عن الموالاة العمياء القائمة على دوافع طائفية إلا باستخدامها للغة أكثر انضباطاً ولكن لا تقل خشية على هشاشة السلطة الجديدة أمام أي حالة معارضة أو نقد. إن خطاب هذه الفئة من الموالاة الجديدة لا يبتعد عن خطاب معارضي السلطة من حيث التمسك بمبادئ الديمقراطية وحكم القانون ودولة المؤسسات إلى آخر ما هنالك من قيم الحداثة. ما يختلفون فيه هو الرهان المستمر على السلطة المؤقتة القائمة اليوم، ورفض أي محاولة للمساس بها أو انتقادها، فهؤلاء يعترفون بهشاشة السلطة بعكس جمهور الموالاة على أساس طائفي، ويدعون للعمل معها بدلاً من العمل ضدها بدعوى الواقعية السياسية.

على أي حال تكشف هذه الانقسامات بين السوريين عن حيوية المجتمع السوري على رغم الشروط بالغة القسوة التي يعيشون في إطارها، وربما هذا هو الشيء الوحيد المضيء في المشهد السوري.

كاتب سوري

القدس العربي

———————————

خارطة معارضة سورية تتشكّّل خارج الأحزاب التقليدية/ موفق الخوجة

21 أيلول 2025

شهدت الساحة السياسية السورية، خلال الأشهر القليلة الماضية، ظهور تشكيلات وتكتلات سياسية جديدة، تحمل دعوات لأفكار وطروحات مختلفة، ما يشير إلى نشوء أجسام لمعارضة جديدة للحكم في سوريا.

تعمل هذه الكيانات من خارج الأراضي السورية، وبعضها يتخذ طابعًا مناطقيًا أو مذهبيًا، وظهرت بمعظمها عقب هزات تعرضت لها سوريا، أبرزها ما عُرف بأحداث الساحل، في آذار الماضي، وأحداث السويداء، في تموز الماضي.

وتشكلت في الداخل السوري بعض التجمعات السياسية الخجولة، التي لم تتطور إلى أحزاب سياسية، ولم تتخذ لها قاعدة جماهيرية واضحة تستند إليها.

عقب هذه الهزات، قدمت هذه التشكيلات نفسها على أنها “مشاريع منقذة” على خلفية أخطاء ارتكبتها الحكومة، التي يتهمها معارضوها بأنها ذات لون واحد وإقصائية، داعين إلى التشاركية في الحكم، أو تقويض نفوذ وصلاحيات الفئة الحاكمة المنبثقة عن “هيئة تحرير الشام”.

وعلى الرغم من الانفتاح السياسي الذي تشهده سوريا، عقب عقود من غياب الحياة السياسية، خلال حكم الأسدين، حافظ وابنه بشار، ما زالت القوانين الناظمة للأحزاب غائبة، تنتظر تشكّل مجلس الشعب الانتقالي الأول بعد سقوط النظام، والمزمع تشكيله خلال الأيام القليلة المقبلة.

تبحث عنب بلدي، في هذا التقرير، أبرز هذه الحركات، وأسباب ظهورها، بعد سقوط النظام السوري السابق، في 8 من كانون الأول 2024.

“الكتلة” أبرزها

أبرز هذه الحركات السياسية، التي ظهرت مؤخرًا، هي “الكتلة الوطنية السورية” التي أنشأها المعارض والحقوقي السوري هيثم مناع، في 10 من أيلول الحالي.

قدمت “الكتلة” رؤيتها، في بيانها التأسيسي، معتبرة أن ما حدث في سوريا، في 8 من كانون الأول 2024، هو الانتقال نحو “استبداد آخر”.

وتتخذ “الكتلة” مقولة “الدين لله والوطن للجميع” شعارًا لها، داعية إلى دولة المواطنة الكاملة والمتساوية، وتشكيل جيش وطني لحماية البلاد و”تحرير الأرض من الاحتلال”، كما وصفه البيان، في إشارة إلى إسرائيل وتركيا.

وتقول “الكتلة”، إنها تدعم اللامركزية الموسعة المنبثقة عن المجتمع “لا عن قرارات الفصائل التي تُفرَض على الناس”، إضافة إلى قيام حكومة شعبية في سوريا تجمع المجلس التأسيسي لوضع دستور على مبدأ السيادة المطلقة، والشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

“وسط وغرب سوريا”

يبدي “المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا” شراسة أكبر في معارضته لنظام الحكم القائم في سوريا، إلا أن معارضته تنبع من أساس مذهبي، تبلور عقب أحداث آذار الماضي في مدن الساحل السوري غربي البلاد، وما نتج عنها من أحداث قتل على أساس طائفي.

تأسس “المجلس” على يد 13 سياسيًا وناشطًا من أبناء الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الرئيس المخلوع، بشار الأسد.

“المجلس” أعلن عن تأسيسه، في 27 من آب الماضي، وينادي بـ”الفيدرالية بديلًا عن الحرب”، في مناطق وسط وغرب سوريا، والتي تضم محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص، وأجزاء من حماة، والتي تنتشر فيها الطائفة العلوية.

الفيدرالية التي يدعو إليها “المجلس” يقول إنها “من حيث المبدأ” إقليم مدني علماني متنوع الأعراق والإثنيات والطوائف والقوميات والكفاءات، بالرغم من الطابع العلوي الذي يقوم عليه.

وخلال الأيام القليلة الأخيرة، غادر “المجلس” بعض أعضائه المؤسسين، ثم خرج ببيان له، يبرر بأن خروجهم أتاح دخول شخصيات من مكونات أخرى، سنية ومسيحية وإسماعيلية.

“عسكري انتقالي”.. قديم متجدد

يعتبر “المجلس العسكري الانتقالي” الذي يدعو إليه العميد المنشق عن النظام السابق مناف طلاس، طرحًا قديمًا متجددًا، ظهر في عام 2023، ثم أعاد الدعوة إليه خلال محاضرة له في 13 من أيلول الحالي، في العاصمة الفرنسية باريس.

طلاس، دعا لإنشاء مجلس عسكري في سوريا “يوحد البندقية ويدمج جميع القوى على الأرض تحت مظلة جامعة، من أجل بناء جيش وطني حقيقي، يكون علمانيًا وليس إسلاميًا”.

وقال إنه يجب “التخفيف من سلطة الرئيس لمصلحة المجلس العسكري”، معتبرًا أن المؤسسة العسكرية هي القادرة على ضبط الأمور وحماية المرحلة الانتقالية.

وعلى عكس “الكتلة” و”المجلس”، كان خطاب طلاس أقل حدة تجاه الحكومة السورية الحالية، بل إنه أعرب عن تمنياته في نجاح السلطات السورية الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، مشدّدًا في الوقت نفسه على أن طريق النجاح يبدأ باستيعاب جميع السوريين، والمشاركة الحقيقية للسلطة.

قيد التشكيل والتطور

التشكيلات والطروحات السياسية المعارضة، ما زالت في طور التأسيس والتشكل، وتفتقر إلى هيكلية واضحة، كما لم تتبلور قاعدتها الشعبية، إلا أنها تشي بتبلور شكل المعارضة السياسية للحكم الحالي في سوريا.

الباحث السياسي الدكتور نادر الخليل، قال إن ظهور تشكيلات سياسية جديدة مثل “الكتلة الوطنية” و”مجلس وسط وغرب سوريا”، وطرح “المجلس العسكري” من قبل طلاس، لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السوري الراهن الذي تظهر فيه “سمة الانسداد السياسي”.

وأضاف لعنب بلدي أن هذه المبادرات ليست مجرد محاولات فردية أو رمزية، بل تعكس “دينامية” بحث عن بدائل تمثيلية جديدة، وإن كانت لا تزال في طور التبلور.

وظهور مثل هذه التشكيلات، وفق ما يراه الخليل، يشير إلى رغبة متزايدة في تجاوز الأطر التقليدية للمعارضة التي باتت عاجزة عن إنتاج خطاب جامع أو حتى قيادة عملية انتقالية ذات مصداقية جامعة ممثلة لكل المكونات السورية.

ويستشهد الخليل بـ”الكتلة الوطنية”، التي تستدعي رمزية تاريخية من مرحلة ما قبل الاستبداد، في محاولة لاستعادة شرعية وطنية غير مرتهنة للخارج أو للانقسامات الفئوية.

وحول “مجلس وسط وغرب سوريا”، أشار الباحث إلى أن الكثير من الآراء تقول إن “المجلس” يمثل إدراكًا متزايدًا بأن الحل السياسي لا يمكن أن يكون مركزيًا أو فوقيًا، بل يجب أن ينبع من “ديناميات” محلية تعبّر عن مصالح المجتمعات المحلية المهمشة.

وهذا التوجه يتماشى مع التحولات الواقعية على الأرض، حيث باتت السلطة تظهر موزعة بين كيانات محلية، أمنية ومدنية، وفق الخليل.

ويرى بعض المحللين أن ما طرحه طلاس حول “المجلس العسكري الانتقالي” يعكس محاولة لإعادة إدماج المؤسسة العسكرية في مشروع وطني انتقالي، لكن تحت سقف مدني دستوري، بحسب ما لفت إليه الخليل.

وقال إن هذا الطرح يكتسب أهمية خاصة في ظل فوضى السلاح وتعدد القوى المسلحة، ويعيد النقاش حول أهمية من يملك شرعية القوة ومن يضبطها.

عوامل لظهورها

يرى الباحث الخليل، أن أهم أسباب ظهور هذه التشكيلات يعود إلى فشل المسارات الدولية التفاوضية، مثل “جنيف” و”أستانة”، التي لم تنتج حلًا سياسيًا قابلًا للتطبيق، بل أسهمت في ترسيخ حالة الجمود.

هذا الفشل دفع فاعلين جددًا للبحث عن صيغ بديلة أكثر واقعية وأقل ارتهانًا.

كما يربط الخليل ظهور هذه التشكيلات بانهيار المعارضة التقليدية المتمثلة بـ”الائتلاف الوطني” و”هيئات التفاوض” التي فقدت الكثير من مصداقيتها بسبب الانقسامات والتبعية والعجز عن التواصل مع الداخل السوري، بحسب تعبيره، إذ يرى أن هذا الفراغ فتح المجال أمام مبادرات جديدة تسعى لتقديم خطاب أكثر استقلالية وتماسكًا.

على الجانب الآخر، قال الباحث والكاتب السياسي بسام السليمان، إن بعض هذه التشكيلات يرى أن السلطة في موقف ضعيف، لذلك يتم استغلالها لتحقيق مكاسب، معتبرًا أنها في حالة “طمع في السلطة غير مبنية على قراءة حقيقية للواقع”.

وأضاف لعنب بلدي، أن هذه التشكيلات تهدف إلى إظهار الحكومة بأنها تواجه أطرافًا عديدة ضدها، وأنه بوجودها لا يمكن لسوريا أن تستقر.

ويمكن أن تكون جزءًا من سردية ممهدة لمحاولة خلق حالة شعبية ضد الحكومة، وفق ما يرى السليمان، معتبرًا في الوقت ذاته أن مصير هذا المحاولات سيفشل، بسبب ما وصفها بـ”حالة الالتفاف الشعبية الكبيرة حول الحكومة”.

تأثير محدود

تفتقر هذه التشكيلات إلى قاعدة شعبية منظمة، وإلى أدوات تنفيذية على الأرض، وفق ما يراه الباحث الخليل، كما أن المشهد السوري لا يزال محكومًا بتوازنات عسكرية وأمنية معقدة، يصعب اختراقها بخطاب سياسي فقط.

السليمان قال إنها كيانات سورية غير فاعلة، ولا تملك أنشطة على الأرض، معتبرًا أن الدولة لا تحتاج إلى أن تتعامل معها “لأنهم لا يملكون وجودًا على الأرض”.

ولفت السليمان إلى أن “بعضهم يحمل دعوات انفصالية. ولو أنهم على الأرض يجب أن يحاسبوا”، إذ يجرم القانون والدستور السوري كل دعوات الانفصال، بحسب قوله.

بالمقابل، يعتقد أن التعامل معهم يكون على الصعيد الشعبي، إذ إن الشعب هو من يوضح ويتحدث على الإعلام، مستشهدًا بما أسماها “حالة التأييد على مواقع التواصل الاجتماعي”.

من جانبه، يرى الخليل أنه إذا تمكنت هذه التكتلات من بناء تحالفات محلية على أرض الواقع، وتقديم رؤية سياسية واقعية، فقد تصبح جزءًا من أي عملية انتقالية مستقبلية.

إلا أن هذه الكتل والتشكيلات، تواجه تحديات بنيوية، بحسب الخليل، تتمثل بغياب آليات تمويل مستقلة ومستدامة، وبالحاجة إلى شرعية داخلية حقيقية، لا مجرد شرعية إعلامية أو دولية، مشددًا على ضرورة بناء مؤسسات تنظيمية قادرة على الاستمرار والتوسع.

عنب بلدي،

—————————

 الحياة الحزبية في سوريا.. تنظيمات نخبوية دون إطار قانوني/ محمد كساح

الجمعة 2025/09/19

يؤكد سياسيون وأكاديميون، أن فاتورة غياب الحياة السياسية في سوريا خلال العهد الجديد، أكبر من تنشيطها، نظراً لأن الغياب يؤدي إلى تفكك المجتمع أكثر، ولأن غياب السياسة يفتح المجال أمام العصبيات والهويات ما قبل الوطنية لتتصدر المشهد، ويحذرون من أن غياب العمل المدني المنظم يجعل البلاد رهينة الخارج، حيث تتحول القرارات السياسية إلى انعكاس لمصالح القوى الإقليمية والدولية.

ويسود نقاش كبير في الأوساط الثقافية والسياسية حول الأحزاب والحياة السياسية والأطر القانونية الناظمة للحياة الحزبية، بالموازاة مع إعلان انطلاقة عدد من الأحزاب والتشكيلات السياسية الجديدة التي يناوئ غالبها السلطة، لكن هذه القوى السياسية لا تزال تفتقر إلى الوزن الشعبي والتأثير، وتشترك في كونها غير مرخصة لعدم صدور قانون الأحزاب حتى الآن.

تيارات جديدة

ومن أحدث التيارات المعلن عنها، “الكتلة الوطنية” بزعامة المعارض للنظامين السابق والحالي هيثم مناع، وقد أثار إطلاقها جدلاً واسعاً بين من يرى أنها تفتقر إلى رؤية واضحة، أو أن الوقت وظروف المرحلة الانتقالية لا يسمحان بتشكيل الأحزاب ريثما تتهيأ البلاد للحياة السياسية الملائمة.

ومن التشكيلات الجديدة، نلمح أسماءً عديدة مثل: “المجلس السوري لغرب سوريا”، و”حركة النهج الوسطي”، و”حزب المستقبل الديمقراطي السوري”، وهي أحزاب متباينة التوجهات كما أنها “لا تخرج عن نموذج أحزاب الصالونات”، وفقاً لما يلاحظه الكاتب والمحلل السياسي فراس علاوي، في حديث لـ”المدن”.

ويحتاج الحراك السياسي الذي بدأ عقب سقوط النظام، وفقاً لعلاوي، إلى وقت وتأطير من أجل ان ينضج كحراك فاعل، معتبراً أن التشكيلات السياسية الجديدة لا تخرج عن إطار النخب أو الفاعلين السياسيين المحليين.

ويرى أن الوقت مناسب الآن لتشكيل الأحزاب، سواء المؤيدة للعهد أو المعارضة شريطة عدم تلقيها التمويل من الخارج، ويلمح إلى “عدم وجود حياة سياسية حقيقية في سوريا، بل هناك حراك سياسي يحتاج إلى قوانين وانتخابات غير متوفرة حالياً”.

بيئة غير مؤهلة

ويلاحظ الأكاديمي والباحث مالك الحافظ أن إطلاق التشكيلات السياسية الجديدة في سوريا، يعكس وجود ديناميكية سياسية كامنة، ومحاولة لإيجاد بدائل في ظل فراغ سياسي، مؤكداً لـ”المدن”، أن “البيئة السياسية الحالية غير مؤهلة لتأسيس الأحزاب، لأن المناخ الانتقالي محكوم بسلطة تسعى إلى احتكار المجال العام”.

ويلفت الحافظ إلى أن غياب البنية القانونية، حيث لم يصدر بعد قانون واضح ينظم عمل الأحزاب، يجعل أي تشكيل معرضاً للحظر أو التقييد في أي لحظة، لا سيما في ظل وجود هيئة تقبض أو تسيطر على أي نشاط سياسي ومجتمعي تعرف بالأمانة العامة للشؤون السياسية، والغريب أكثر أنها تتبع لوزارة الخارجية.

ويتابع أن المطلوب من الأحزاب أن تعيد تعريف السياسة في سوريا على أنها مجال مدني جامع، لا يُختزل بالخطاب الديني أو الولاءات العسكرية، مرجحاً أن تلعب هذه التشكيلات دوراً محورياً، شريطة نجاحها في صياغة خطاب وطني جامع يعترف بالتنوع السوري، ويعيد الاعتبار للمواطنة المتساوية.

بدوره، يعتبر رئيس “الحركة الوطنية السورية” الفاعلة شمالي غرب البلاد، زكريا ملاحفجي، أن الحياة السياسية والحزبية في سوريا ضرورية بهذا التوقيت كبديل عن العنف، مؤكداً لـ”المدن”، أن “السياق السوري الراهن يحتم على السياسيين تقديم رؤى وأفكار وتنظيمات سياسية وطنية حقيقية قادرة على تلبية تطلعات الشعب السوري واهتمامه بالشأن العام، بشكل واعٍ ووطني يعزز الوعي السياسي والوطني وتكون صلة الوصل بين المواطن والسلطة”.

من جانبه، يؤكد رئيس “تيار سوريا الجديدة” ياسر تيسير العيتي، أن “الأحزاب تمارس الآن دور التوعية السياسية، لكن هناك مهاماً أخرى للأحزاب تتجلى في خوض الانتخابات وعرض برامج الحزب على الشعب وتشكيل تحالفات بين الأحزاب”، موضحاً لـ”المدن”، أن هذه المهام “مؤجلة إلى المرحلة الدائمة التي تلي المرحلة الانتقالية والتي تبدأ بإقرار الدستور الجديد وإجراء الانتخابات البرلمانية والمحلية والرئاسية على أساسه”.

جدل قانوني

ومؤخرا ساد الجدل في الأوساط الثقافية والقانونية حول الإطار القانوني لعمل الأحزاب وهل يمكن تأسيسها قبل إصدار قانون الأحزاب الذي ينظم شؤونها وشروط ترخيصها.

ويرى الحافظ أن الإعلان الدستوري الصادر عن السلطة الانتقالية، وضع إطاراً ملتبساً، فهو لم يمنح حرية تأسيس الأحزاب بشكل مطلق، بل علق ذلك على صدور قانون خاص لم يرَ النور بعد، وهذا التعليق هو أداة سياسية تتيح للسلطة التحكم بالمجال العام.

وكتب المحامي والناشط الحقوقي ميشال شماس على “فايسبوك”، أن “الإعلان الدستور السوري المؤقت ضمن حق تأسيس الأحزاب السياسية، لكنه بنفس الوقت ربط هذا الحق بصدور قانون جديد ينظمه، لذلك، لا يمكن اعتبار النص الدستوري وحده كافياً لتأسيس الأحزاب، بل هو إعلان نوايا وإقرار مبدأ، لكنه يحتاج إلى ترجمة قانونية واضحة”.

المدن

—————————-

هل نُحسن الاختلاف السياسي في سوريا الجديدة؟/ عمار زيدان

سوريا في مرحلة اختبار التعددية وبناء الثقة الوطنية

2025-09-21

عقود من الزمن مضت عانى فيها السوريون خلال فترة حكم آل الأسد الأب والابن من انعدام التعددية الحزبية والسياسية إلى جانب تحريم الآراء المتعددة والمختلفة حيث لم يكن هناك أحزاباً أو قوى على اختلاف توجهاتها تمارس نشاطها بل اقتصر العمل السياسي على حزب واحد وأحزاب “مفصلة” على مقاس النظام المخلوع فقط.

وبعد أشهر من سقوط نظام بشار الأسد، بدأت تطفو على السطح بوادر للفشل في كيفية إدارة الاختلاف السياسي بين السوريين أنفسهم بما يكون داعماً لإعادة بناء الدولة والمجتمع وفق أسس ومبادئ قائمة على التشاركية والمساواة والكفاءة وعدم الإقصاء بعيداً عن المصالح الفردية الضيقة.

ويقول المحلل السياسي حسام طالب المقيم في دمشق لـ “963+”، إن “بقاء النظام خلال فترة ما بعد الحراك الشعبي والممتدة 14 عاماً أثر بشكل كبير على التماسك الاجتماعي والجغرافي وهنا لا أقول السياسي لأنه بالأصل لا يجب أن يكون توافق سياسي فالخلاف السياسي من المفترض أن يعكس روح من الحيوية والتطوير في المجتمع”.

ويضيف طالب: “من المهم والضروري توحيد الخطاب الوطني أولاً حيث يجب أن يكون هذا الخطاب عن طريق صياغة قوانين تحمي المواطنة على كامل الجغرافيا السورية مع تفعيل مبدأ الحوار ورفض وعزل الخطابات الطائفية وتقديم المشروع الوطني الجامع بالاعتماد على خبراء قانونيين وأكاديميين وسياسيين يترفعون عن المناطقية والمصالح الشخصية”.

بدوره، يؤكد الكاتب السوري علي الأمين المقيم في الكويت، أن “تماسك البلاد الجغرافي هو نتيجة لتماسك البلاد السياسي. ولقد عمل نظام الأسد في الخفاء على خلق حساسيات طائفية واثنية في المجتمع السوري تجعل من تماسك شرائح الشعب السوري رهناً بوجود النظام الأسدي. إلا أن تلك السياسة كانت عبارة عن تكتيك حاول نظام الأسد تعظيمه لزيادة فرص بقاءه”.

ويتابع في تصريحات لـ “963+”: “شعر السوريون بعد سقوط النظام بأن الكابوس الذي كان يفرقهم قد اختفى ولكنهم لم يكادوا يعبرون عن سعادتهم بهروب الأسد حتى صدموا بواقع الخطاب البديل. فالحكومة السورية الحالية لم تفعل الكثير لرأب تصدعات المجتمع السوري”.

ويحمل الأمين القيادات الوطنية من كافة المكونات السورية، مسؤولية تشكيل جبهة وطنية بالتزامن مع إعلان برنامج يفضي إلى توحيد المواقف بما يخدم السوريين جميعاً دون استثناء وهو ما سيضمن عدم حدوث نكبات جديدة في المستقبل.

ويشير الصحفي السوري فاروق النعيمي في تصريحات لـ “963+”، إلى أن “سوريا بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى خطاب مختلف عما شهدناه خلال الأشهر الماضية وضوابط قانونية تحكم هذا الخطاب وأتحدث هنا ليس فقط عن عامة الناس بل الكلام موجه بالدرجة الأولى للمثقفين والسياسيين حيث أن الاختلاف السياسي بعد سقوط النظام المخلوع أسفر عن وقوع انتهاكات وجرائم عديدة الأمر الذي يجب أن لا يحدث إطلاقاً خلال الفترة المقبلة إذا ما أردنا بناء وطن قائم على التعددية واحترام الآراء والأفكار المختلفة”.

ويذكر النعيمي أن “الجغرافيا السورية في الأشهر الماضية باتت أقل تواصلاً والسوريون أكثر انقساماً مع وجود مستويات مرتفعة من عدم الثقة فيما بينهم وتحميل البعض منهم للآخر كافة المشاكل التي تمر بها البلاد واستخدام مصطلحات التحقير والتعنيف الأمر الذي يحتاج إلى إعادة النظر بالكثير من الخطوات لبناء الثقة بين كافة مكونات المجتمع السوري وهنا يتم تحميل الجزء الأكبر للشخصيات السياسية والثقافية المؤثرة وأيضاً إلى سن تشريعات من قبل الحكومة”.

+963

—————————–

 دمشق للراغبين بتأسيس أحزاب: لم يحِن الوقت بعد/ مصطفى محمد

الأربعاء 2025/09/24

يبدو أن دمشق تحاول تجنب انجرار المجتمع السوري إلى مزيد من التجاذبات السياسية، في هذه المرحلة الحساسة على أقل تقدير، وذلك من خلال عدم منح الضوء الأخضر لتأسيس أحزاب أو تيارات سياسية في البلاد.

يدل على ذلك، الرد من قبل شخصيات من قيادة الصف الأول على طلبات شفوية من سوريين يرغبون بتأسيس تيارات سياسية، بأن “الوقت لم يحِن بعد”، وأن لدى الحكومة ملفات “أكثر ضرورة” من عودة النشاط الحزبي، من إعادة صياغة العلاقات الخارجية للبلاد، إلى الملفات الساخنة (قسد، السويداء)، وصولاً إلى النهوض بالواقع الاقتصادي، وشطب سوريا من قائمة العقوبات، وفق ما علمت “المدن” من مصادر.

لا قانون للأحزاب

ويوضح ناشط سياسي وإنساني، لـ”المدن”، أن وجهة نظر الحكومة السورية حالياً حول تأسيس أحزاب، أن البلاد ينقصها قانون لتنظيم عمل الأحزاب السياسية، وأي قانون لا بد أن يصدر من “البرلمان”.

وأكد المصدر، وهو الذي طالب بتأسيس تيار سياسي مدني لحاجته بسبب نشاطه الإنساني إلى غطاء سياسي، أنه استشف من رد الحكومة، أنها “في غنى عن إشكاليات سياسية ودينية ومذهبية، قد تُذكي الفرقة بين السوريين”.

ووفق الناشط السياسي ذاته، فإن “الحكومة حاولت احتواء طلب بعض التيارات بتشكيل الأحزاب، من خلال تقديم مناصب حكومية”، من دون أن يستفيض أكثر، وقال: “الرد على طلبنا لم يكن رسمياً، لكن عند اعتبار الطريقة التي تُدار بها الدولة حالياً، حينها يمكن اعتباره رسمياً، بمعنى أنه للآن لا توجد جهة يمكن التقدم إليها لطلب ترخيص حزب أو تيار سياسي”.

ولفت إلى حالات رفض مماثلة، منها رفض الحكومة اللقاء برئيس “الحزب الوطني للعدالة والدستور- وعد”، بعد تقدم رئيس الحزب زهير الخطيب، بطلب لإيجاد صيغة لمواصلة الحزب نشاطه في سوريا، حيث كان الحزب ينشط في الشمال السوري، قبل سقوط النظام.

وكان الخطيب قد كتب على “فايسبوك”، أن “هذا الوقت هو الصحيح والمناسب لبناء الأحزاب، وعندما تضع الإدارة قانوناً للأحزاب نلتزم به ونعمل وفقه”.

تجنب الفوضى السياسية

ويرى مدير قسم تحليل السياسات في “مركز حرمون للدراسات المعاصرة”، سمير العبدالله، أن إدخال التعددية الحزبية في سوريا خلال المراحل الانتقالية، يثير تحديات معقّدة تتصل بضعف المؤسسات والهشاشة الأمنية، والانتقال في سوريا يجري بعد عقود من السلطوية وصراع دموي، ولهذا يصبح توقيت السماح بتأسيس الأحزاب قراراً وتحدياً.

ويضيف العبدالله لـ”المدن”، أن فتح باب التعدية غير المنضبط قد يفضي إلى فوضى سياسية عبر مئات الكيانات الهشة المبنية على الطائفية أو المناطقية، ما يهدد وحدة الدولة، كما أن الأحزاب الناشئة قد تقع فريسة لاختراقات خارجية عبر التمويل والتبعية، كما حدث في العراق بعد عام 2003.

يضاف إلى ذلك، وفق العبدالله، خطر الارتباط بالفصائل المسلحة، ما يجعل السياسة رهينة القوة العسكرية، فضلاً عن تكريس الانقسامات الاجتماعية إذا تأسست الأحزاب على أسس ما قبل وطنية.

لكن، في المقابل، يتيح الانفتاح الحزبي قنوات مؤسساتية للتعبير السياسي، ويعزز شرعية المرحلة الانتقالية كقطيعة مع السلطوية السابقة، كما يساهم في إنتاج نخب جديدة تقدم بدائل واقعية، وينقل التنافس من الشارع والسلاح إلى صناديق الاقتراع، ما يمهد لانتقال سلمي وديمقراطي، وفق العبدالله.

ويقول: “التحدي الأساسي يكمن في الموازنة بين الحرية والاستقرار، فالتأجيل المطلق يعيد إنتاج السلطوية، والانفتاح غير المنضبط يقود إلى الفوضى، والخيار الأمثل يتمثل في تدرج مشروط يضمن التعددية مع حماية السلم الأهلي، عبر قانون أحزاب واضح، وقضاء مستقل، وإرادة سياسية لبناء نظام وطني جامع”.

رغم ما سبق، يرى كثير من المراقبين أن المرحلة المقبلة في سوريا، ستشهد حياة حزبية حيوية، وتحديداً بعد إصدار قانون الأحزاب الجديد من قبل مجلس الشعب الجديد، خصوصاً أن البلاد كانت تعاني من حكم الحزب الواحد على امتداد عقود.

المدن

————————————–

=========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى