سوريا والعراق.. هل تتفوق المصالح على الخلافات؟/ فراس فحام

الأربعاء 2025/10/01
تتحدث التصريحات الرسمية العراقية في الأيام القليلة الماضية، عن مفاوضات بين الحكومتين العراقية والسياسية من أجل تفعيل خط نفط كركوك-بانياس، الذي يبلغ طوله قرابة 800 كيلومتر، وله قدرة استيعابية تصل إلى نقل 300 ألف برميل يومياً، وتوقف عن العمل عام 2003.
وفي بداية شهر أب/أغسطس الماضي، زار وزير الطاقة السوري محمد البشير، العاصمة العراقية بغداد، وأجرى محادثات تضمنت أيضاً بحث إمكانية تفعيل خط النفط الذي يربط العراق مع ميناء بانياس السوري، على البحر المتوسط.
اتصالات مبكرة
أجرى العراق اتصالات مبكرة مع الحكومة السورية التي تولت حكم البلاد بعد الإطاحة ببشار الأسد، حيث أوفدت حكومة محمد شياع السوداني، في كانون الأول/ ديسمبر 2024، رئيس جهاز المخابرات حميد الشطري، لإجراء محادثات مع الرئيس السوري أحمد الشرع، لتكون اختباراً أولياً لإمكانية إعادة صياغة العلاقات بين الجانبين على أساس مصلحي، وتجاوز المرحلة السابقة التي دعمت فيها الحكومة العراقية والفصائل الرديفة المنضوية ضمن الحشد الشعبي، نظام الأسد، ضد فصائل المعارضة السورية التي اصطدمت مع الفصائل العراقية ميدانياً لسنوات، قبل أن تصل إلى سدة الحكم في دمشق.
تتالت زيارات الشطري إلى دمشق، وبلغت 3 زيارات، ووفق ما رشح من تسريبات فقد ركزت مباحثاته مع الرئيس السوري أحمد الشرع، على قضية مكافحة تنظيم “داعش”، وأمن الحدود، وفيما يبدو فإن بغداد كانت تريد التأكد من أن الحكومة السورية الجديدة لن تتخذ رد فعل من قبيل العمل على إثارة قلاقل على الحدود وغرب العراق الذي تقطنه عشائر عربية سنية، بالإضافة إلى رغبتها في ضمان تبادل المعلومات بين بغداد وسوريا بخصوص تحركات خلايا تنظيم “داعش”.
نقل العلاقة للمستويين الاقتصادي والسياسي
تشير التصريحات العراقية حول التفاوض مع دمشق بخصوص تفعيل خط نفط كركوك بانياس، إلى توجهات لنقل العلاقات بين الجانبين من المستوى الأمني إلى الاقتصادي والسياسي، بعد أشهر من الجدل الداخلي العراقي، والتردد بخصوص الخطوات الواجب اتخاذها تجاه دمشق، حيث نتج عن هذا الجدل ورفض بعض الأطراف العراقية لتطوير العلاقات مع دمشق، عدم حضور الرئيس السوري أحمد الشرع القمة العربية التي استضافتها بغداد في أيار/مايو الفائت.
من الواضح أن تطور مسار رفع العقوبات الأميركية عن سوريا، وتراجع تأثير القوى العراقية المدعومة من إيران الرافضة للانفتاح على سوريا، نتيجة الضغط الأميركي، كلها عوامل تساعد الحكومة العراقية بمساعي تطوير العلاقات مع دمشق، وعدم إبقائها عند مستوى التنسيق الأمني، خصوصاً في ظل المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية التي يمكن أن تحققها الحكومة العراقية الحالية من هذا الانفتاح.
مكاسب تطوير العلاقات
لسوريا مصلحة في تطوير العلاقات مع العراق، وتجاوز الاعتبارات الأيدولوجية المتمثلة بتباين الخلفية التي أتت منها كل حكومة، واصطفاف العراق مع إيران ضد عملية التغيير في سوريا.
إن تفعيل خط نفط كركوك-بانياس، سيساهم في استقرار أمن الطاقة في سوريا عبر توفير مصادر جديدة بأسعار مخفضة لقاء إتاحة المجال لنقل النفط العراقي إلى الأسواق العالمية عبر البحر المتوسط، كما أن مشروع بهذا الحجم سيرافق على الأرجح مشاريع أخرى مثل التكرير وبعض الصناعات، بالتالي خلق فرص عمل تساهم في دعم الاقتصادي السوري.
أيضاً، إعادة التبادل التجاري عبر الحدود البرية بين دمشق وبغداد، سيتيح إعادة تنشيط الصناعة السورية، حيث كانت السوق العراقية قبل عام 2011، وجهة محببة لمصانع المنسوجات والأغذية السورية.
من جهته، فإن العراق الذي يستشعر تراجع الدور الإيراني، يريد أن يُبدي إيجابية تجاه الإدارة السورية، مستهدفاً بهذا تعزيز موقعه لدى حلفاء سوريا الإقليميين، خصوصاً المملكة العربية السعودية وتركيا، كما أن الملف الأمني والتنسيق بخصوص منع ظهور تنظيم “داعش” من الشواغل العراقية المهمة.
إعادة ضخ النفط العراقي إلى البحر المتوسط عبر سوريا، سيخلق لبغداد خياراً إضافياً إلى جانب خط كركوك الذي يصل إلى ميناء جيهان التركي، وربما يتم مستقبلاً الاعتماد أكثر على خط كركوك بانياس في ظل العلاقة غير المستقرة بين بغداد وأنقرة، والتي أدت في وقت سابق إلى إعلان الجانب التركي رغبته بإعادة صياغة اتفاقية نقل النفط، إثر خلافات ومطالبات بغداد لأنقرة بتعويضات بسبب استيراد النفط بالتنسيق مع أربيل مباشرة.
لا يمكن الجزم بأن مسار العلاقات بين بغداد ودمشق سيستمر بالتصاعد، حيث يستعد العراق لخوض انتخابات نيابية جديدة من المحتمل أن تفرز حكومة جديدة قد يترأسها شخصيات أكثر تشدداً تجاه الانفتاح على الإدارة السورية الجديدة، وأقرب للموقف الإيراني على غرار نوري المالكي، وهذا السيناريو قد يؤدي إلى جمود مسار تطبيع العلاقات بين الجانبين.
المدن



