فرق منضبطة وأنظمة ومناهج وكليات.. ما إجراءات تشكيل المؤسسة العسكرية السورية؟/ محمد كساح

2025.09.27
بداية حزيران/يوليو الماضي، كانت الأكاديمية العسكرية بحلب على موعد مع تخريج دفعة كبيرة قوامها 3 آلاف جندي، تابعين للفرقة 76 حيث جرى حفل التخريج بحضور وزير الدفاع اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، وحضور رسمي وعسكري لقيادات ومسؤولين في المحافظة، في مشهد يرخي ظلاله على أواخر تحركات وزارة الدفاع، بما يخص إتمام هيكلة المؤسسة العسكرية لسوريا الجديدة.
وبالموازاة مع حفل التخريج، كانت وزارة الدفاع تعمل على خطة متشعبة الأركان والنشاطات، فقد شرعت بتفعيل مختلف الأكاديميات الحربية والبحرية والجوية ونشَّطت الأكاديمية العسكرية العليا، وأسدلت الستار على الهيكلية الأخيرة لدائرة التوجيه المعنوي، بينما اشتعلت الدوائر والمؤسسات التابعة للوزارة كخلية نحل بين تدريب وتدريس وهيكلة وترميم مبان، لتقترب المؤسسة العسكرية من الهيكلة الكاملة، وهو ما يعرضه هذا التقرير المستند إلى مصادر عسكرية عديدة تعمل ضمن وزارة الدفاع أو داخل الفرق العسكرية التابعة للجيش.
الفصائل.. النواة الصلبة للجيش السوري
فيما عدا مئات المنتسبين الجدد من خارج الفصائل العسكرية المعارضة للنظام الأسد البائد، يمكن اعتبار المؤسسة العسكرية الوليدة هي حصيلة اندماج الفصائل الثورية التي شاركت ضمن ائتلاف معركة “ردع العدوان” التي سددت الضربة الأخيرة للنظام في 8 كانون الأول/ديسمبر الماضي.
وبالرغم من عدد كبير من العوائق والمتاعب التي واجهت عملية الدمج هذه، فقد تمت العملية أخيراً تحت مظلة وزارة الدفاع مع الاحتفاظ بمعظم القيادات والكوادر العسكرية للفصائل المندمجة لكن بعد حثها على تسليم الأصول العسكرية التابعة لها وضمها تحت ملاك الوزارة، وهو ما حدث بشكل نسبي يتفاوت بين فصيل وآخر، وفقاً لمصادر عسكرية متابعة تحدثت لموقع “تلفزيون سوريا”.
وتشير هذه المصادر إلى أن ملف الأصول العسكرية شكل عائقاً كبيراً أمام إتمام عملية دمج الفصائل بسبب رفض قسم من الفصائل تسليم السلاح بعد تشكيل وزارة الدفاع لجاناً لجرد الأصول العسكرية من سلاح وذخائر وآليات، بهدف حصر الأصول العسكرية بيد الدولة، وتزامن إنشاء هذه اللجان مع تعميم صادر عن وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة، يقضي بمنع عمليات بيع ونقل الأصول العسكرية كافة (سلاح، عتاد، ذخائر، آليات، تقنيات)، محذراً المخالفين من المحاسبة.
في بداية تشكيل المؤسسة العسكرية، أولت وزارة الدفاع عناية فائقة بتشكيل فرق وازنة تتمركز حول دمشق خصوصاً في الريف الدمشقي مترامي الأطراف، تجلت هذه العناية بالتركيز على بناء القدرات العسكرية وإطلاق ثلاث فرق كبيرة هي: الفرقة 44، والفرقة 70 التي يرأسها أبو حسين الأردني، والفرقة 90 التي تعد من أهم الفرق لأنها جاءت بديلاً عن الحرس الجمهوري القديم ويرأسها مختار التركي وتضم ألوية وفصائل عسكرية ضخمة مثل جيش الإسلام كما تطوع مؤخراً قرابة 85 عنصراً من جيش الإسلام العامل سابقاً في داريا ضمن هذه الفرقة.
وفي هذا الصدد، كشف مصدر عسكري عامل بريف دمشق أن الوزارة شرعت مؤخراً بتأسيس فرقتين إضافيتين بريف دمشق وتدريب عناصرهما بشكل احترافي مع تزويدهما بأسلحة نوعية مستقدمة من تركيا، وبهاتين الفرقتين، سيبلغ عدد الفرق العسكرية في العاصمة وريفها خمس فرق، وتأتي هذه التحركات الجديدة تنفيذاً لتوجه القيادة في تأمين العاصمة خصوصاً بعد استهداف الطيران الإسرائيلي مبنى هيئة الأركان وسط دمشق.
22 فرقة
كمحصلة نهائية، توجد 22 فرقة ضمن الجيش السوري وتشكل كامل القوى البرية، يضاف إليها القوى الجوية والقوى البحرية، وقد توزعت الفرق البرية على المحافظات التي تقع تحت إدارة الحكومة السورية، ونالت ريف دمشق وحلب النصيب الأوفر من هذه الفرق.
ووفقاً للمعلومات المتقاطعة من المصادر العسكرية الخاصة والمصادر المفتوحة وبيانات ومنشورات المعرفات العسكرية الرسمية، تتمركز في حلب أربع فرق عسكرية نعرف منها: (الفرقة 60، الفرقة 76، الفرقة 80)، وفي إدلب فرقتان نعرف منها: (الفرقة 64 الفرقة)، وفي ريف دمشق: ثلاثة وهي: (الفرقة 44 الفرقة 70 الفرقة 90)، وفي درعا فرقة واحدة هي: (الفرقة 40)، وفي حماة فرقتان هما: (الفرقة 82 الفرقة 74 )، وفي طرطوس فرقة واحدة وهي: (الفرقة 56)، وفي اللاذقية فرقتان هما: (الفرقة 50 الفرقة 84)، وفي حمص فرقة واحدة هي: (الفرقة 52)، وفي دير الزور فرقتان هما: (الفرقة 86 الفرقة 66).
وأكد أكثر من مصدر عسكري لـموقع “تلفزيون سوريا” أن الخطة كانت عقب سقوط النظام هي الوصول بتعداد الجيش السوري الجديد إلى 300 ألف مقاتل، لكن يبدو أن شح الموازنة المخصصة للمؤسسة العسكرية تقف كأكبر العوائق أمام جيش بهذا الرقم، لكن تعداد المؤسسة العسكرية بوضعها الراهن يتراوح بين 100 وحتى 125 ألف مقاتل.
الكليات الحربية مفتوحة أمام السوريين
وعقب الإعلان عن فتح باب الانتساب للكليات العسكرية أعلنت وزارة الدفاع أن مركز التجنيد في محافظة دمشق استقبل عدداً من طلبات الانتساب للكليات العسكرية، وقد تم مراجعة البيانات الشخصية للمتقدمين وتسجيلها، والتحقق من معدلات الشهادة الثانوية، وإجراء الفحوصات الطبية والبدنية، وفقاً للشروط المُعلنة ومعايير القَبول لاختيار الكفاءات المؤهلة للالتحاق بالكليات.
ولاحظت المصادر العسكرية التي تحدثت لموقع “تلفزيون سوريا” حالة الإقبال الكبيرة على الانتساب للكليات الحربية لدى الشبان الذين يبدو أن الحياة العسكرية التي تم حرمانهم منها زمن النظام السابق تستهويهم خاصة في ظل الصورة الناصعة التي تقدمها المؤسسة العسكرية عن نفسها، نتيجة جهودها الرامية إلى تغيير السمعة السيئة للمؤسسات العسكرية والأمنية التي تنتهجها السلطة السورية الجديدة، كما أكدت المصادر أن الإقبال الأكبر كان على الانتساب ضمن القوى الجوية.
ورصد موقع “تلفزيون سوريا” تحولاً ملموساً في شكل التدريبات العسكرية والتوجيهية التي يخضع لها العناصر، وتتمثل بـالخروج من حالة الفصائلية والدورات الشرعية والعسكرية المغلقة وغير المنظمة أو المنضبطة إلى اعتماد برامج تدريبية طويلة الأمد تستند الى الكليات الحربية وتدريس العلم العسكري وتخريج الضباط وصف الضباط.
تحول جذري في البرامج التدريبية
وأفاد مصدر مسؤول عامل في إدارة التوجيه المعنوي في حديث موسع لموقع “تلفزيون سوريا” أن البرامج التدريبية اختلفت جذرياً عما كان متبعاً في السابق في زمن الفصائلية، حتى المصطلحات الشرعية التي كانت تستخدم سابقاً تبدلت نحو دروس ومحاضرات توجيهية وفكرية وعسكرية وسياسية.
ولفت إلى أن هذا التحول أتى بالتوازي مع كتابة مناهج شاملة ذات مستويات عديدة من قبل لجنة من إدارة التوجيه المعنوي، كما جرى تفعيل الكليات الحربية والأكاديميات العسكرية، وأشار إلى أن الطريق الوحيد حالياً للانخراط ضمن المؤسسة العسكرية هو الانتساب للكليات الحربية التي سبق وأعلنت وزارة الدفاع إدخالها ضمن المفاضلة العامة.
تشكلت إدارة التوجيه المعنوي في الجيش السوري قبل أشهر عديدة بعد أن جرى دمج جميع المكاتب الشرعية المنخرطة ضمن ائتلاف عملية “ردع العدوان” وعلى رأسها المكتب الشرعي لهيئة تحرير الشام الذي كان يترأسه مظهر الويس، وبعد الدمج جرى توزيع الموجهين على الفرق العسكرية كما تحولت الإدارة التي يرأسها حالياً مستشار الرئاسة للشؤون الدينية عبد الرحيم عطون إلى خلية نحل من العمل والتدريب وإلقاء المحاضرات.
مدونة سلوك وانضباط
وأتت كل هذه التحركات والتحولات في ظل مساعي وزارة الدفاع لضبط وتنظيم مؤسسة الجيش، وكانت الوزارة قد أصدرت القرار رقم 29، الذي نص على منع جميع العاملين في الوزارة، من ضباط وصف ضباط وأفراد مجندين، من استخدام أو تثبيت أي شعارات غير معتمدة على الزي العسكري، تحت طائلة المسؤولية.
وألزم القرار كافة العاملين بوضع الشعار الرسمي المعتمد لوزارة الدفاع حصراً، وحظر استخدام أي رايات أو أعلام أو عبارات أو رموز أخرى غير مصرح بها، كما أكد أن الوزارة تتولى إعداد وتصميم شعارات رسمية خاصة بكل إدارة وفرقة عسكرية، خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر من تاريخ صدور القرار.
وسبق أن أصدرت الوزارة الدفاع مدونة تحوي قواعد السلوك والانضباط العسكري لأفراد الجيش السوري والمنتسبين إلى الوزارة، وقالت الوزارة إن المدونة تهدف إلى تنظيم أداء وتصرفات الأفراد العسكريين على اختلاف رتبهم ومهامهم، سواء في أوقات السلم أو الحرب.
وتشمل الواجبات الأساسية المنصوص عليها في الميثاق، بحسب الوزارة، الدفاع عن الوطن وسيادته ووحدة أراضيه وحماية المدنيين، خصوصًا النساء والأطفال، والالتزام بتنفيذ الأوامر العسكرية المشروعة، بالإضافة لمراعاة المعايير العسكرية والإنسانية في التعامل مع عناصر العدو خلال العمليات.
وشددت المدونة على ضرورة احترام القوانين والأنظمة النافذة وصون الممتلكات العامة والخاصة، مشيرةً إلى وجوب معاملة المواطنين بكرامة واحترام دون أي شكل من أشكال التمييز.
وحدد الميثاق عددًا من المحظورات، والذي شمل أبرزها، ضرورة الالتزام بالأوامر العسكرية ومنع عصيانها، وعدم التعدي على المدنيين أو ممتلكاتهم، أو ممارسة التمييز وإطلاق شعارات تمس الوحدة الوطنية.
كما حظرت المدونة إساءة استخدام السلطة أو إهانة الموقوفين والمعتقلين، وإفشاء المعلومات العسكرية أو تصوير المواقع والعمليات دون إذنٍ مسبق، بالإضافة للإدلاء بتصريحات إعلامية دون وجود تفويض رسمي، أو الإخلال بالآداب العامة في المجتمعات التي تنتشر فيها القوات.
ماذا عن رواتب العسكريين والطعام؟
استمراراً لنفس الأسلوب السابق في مرحلة الفصائلية، لا يزال الجنود المنخرطون في المؤسسة العسكرية الرسمية يتقاضون رواتب شهرية بالدولار ويتراوح الراتب بين 150 وحتى 400 دولار وفقا للرتبة وللوضع العائلي، لكن القيادات في الرتب العليا يتقاضون مبالغ أكبر مع تزويدهم بسيارات حديثة وخدمات إضافية تجعلهم يعيشون حياة أقرب إلى الرفاهية، على حد تعبير مصدر عسكري عامل بريف إدلب ل”تلفزيون سوريا”.
وأكدت المصادر العسكرية أن الجيش كان يعاني قبل أشهر قليلة من فوضى الرواتب التي تمثلت بتعدد الجهات المقبِّضة ونوعية العملة وحجم الراتب، فالفصائل التي كانت تابعة للجيش الوطني المدعوم من تركيا كانت تسلم رواتب عناصرها بالليرة التركية، بينما فصائل ردع العدوان اعتمدت الدولار، في حين قال عناصر انخرطوا حديثاً في الجيش لـ”تلفزيون سوريا” إنهم يتقاضون رواتب غير منتظمة بالليرة السورية.
ويبدو أن وزارة الدفاع تمكنت أخيراً من إيقاف فوضى الرواتب عبر حصر القبض بها وبالدولار الأميركي وفق تسلسل رواتب محدد ومنتظم، لكن حتى الآن من غير الواضح كيف تؤمن الوزارة التمويل الكافي لكتلة الرواتب بالرغم من ورود تقارير تشير إلى أن للوزارة موازنة خاصة مستقلة تتشارك فيها مع وزارة الداخلية.
وبخصوص ملف الإطعام، تمكنت المؤسسة الجديدة من تحسين جودة وكمية الطعام المقدم للعناصر، بخلاف ما كان الوضع عليه زمن النظام البائد الذي كان يعتمد على البطاطا والبيض المسلوق كوجبة رئيسية لإطعام جنوده.
مصدر تابع لإحدى وحدات الجيش بريف دمشق أشار لـموقع “تلفزيون سوريا” إلى اعتماد الوزارة على مطابخ مخصصة لإطعام الجيش، حيث يتم توزيع الوجبات بانتظام وهي وجبات غنية ونظيفة ومتنوعة، وأوضح أن الوجبة الرئيسية غالباً تكون طبق رز بلحم الدجاج أو الضأن، يضاف إليها الخبز والخضار وبعض أنواع الفاكهة مع اللبن العيران والمعلبات والبيض.
“جيش سوري مكتمل”
يلاحظ الباحث في مركز جسور للدراسات رشيد حوراني، خلال حديث لـموقع “تلفزيون سوريا”، أن عملية الدمج المتعلقة بفصائل المعارضة السورية سواء فصائل الجيش الوطني أو هيئة تحرير الشام قد تمت بشكل كامل وانتظمت ضمن وحدات عسكرية نظامية بقوام (فرقة . لواء. كتيبة) كما تم تنفيذ جرود عن الأسلحة والمعدات، وتشكيل وحدات عسكرية متخصصة مثل رماة م/د مضاد الدروع، وقوات الهندسة وإزالة الالغام، ويجري الان العمل على اكساب الحرفية بشكل اكبر لمنتسبي تلك الوحدات خاصة انه تم الغاء التجنيد الاجباري.
ويوضح حوراني أن الجيش السوري يحتاج بشكل رئيسي إلى منظومات الدفاع الجوي والقوى الجوية نظراً لتدميرها من قبل النظام البائد ويجري العمل مع تركيا لتأمينها حيث حضر وفد عسكري سوري الشهر الماضي معرضاً للصناعات الدفاعية التركية التي تتعلق بالقوى الجوية والطيران المسير.
ويشير إلى أن من أبرز العقبات التي تواجه الجيش تعنت قسد وعدم جديتها بالانضمام إلى المؤسسة العسكرية الرسمية، إضافة إلى وجود قادة في الجيش تم إدراج أسمائهم على لائحة العقوبات الدولية، يضاف إلى كل ما سبق ملف المقاتلين الأجانب، مرجاً أن هذا الملف يجد طريقه نحو الحل.
“عثرات.. لا أخطاء”
ولا يمكن القول بوجود أخطاء رافقت عمليات الدمج وإعادة هيكلة الجيش السوري، وفقا لحوراني، بل يمكن الحديث عن عثرات من قبيل وجود بعض المقاتلين المسنين ضمن صفوف الجيش وهي حالة طبيعية لظروف الثورة وانخراط أبناء المجتمع السوري فيها، ومثل وجود بعض الطلاب الجامعيين الذين انخرطوا ضمن الوحدات العسكرية.
ويلفت حوراني إلى وجود عثرات أخرى تتعلق بأسلوب التربية العسكرية التي تلقاها المقاتلون سابقاً في صفوف الفصائل التي كانت عبارة عن تشكيلات ثورية غير مدربة بشكل احترافي، ويمكن تجاوز هذه الثغرة بوضع برامج الإعداد النفسي والمعنوي والفكري لهؤلاء المقاتلين والسير بها في وحداتهم العسكرية بعد أن هدأت المعارك وانتشرت الوحدات في أماكن عملها.
تلفزيون سوريا



