انتخابات مجلس الشعبتاريخ

من صوت للأمة إلى مجلس تصفيق.. 50 دورة في رحلة البرلمان السوري/  عبد الناصر القادري

 

2025.10.04

تعيش سوريا اليوم فصلاً جديداً من فصول كتابة تاريخها المعاصر، في مرحلة انتقالية صعبة ومعقدة بعد ثورة مجيدة امتدت لـ 14 عاماً أسقطت فيها نظام الأسد، وبدأت في إعادة بناء المؤسسات من خلال، كتابة إعلان دستوري مؤقت، وتشكيل أول حكومة في آذار 2025، والعمل على انتخابات مجلس الشعب المقررة في 5 تشرين الأول 2025.

ورغم أن انتخابات مجلس الشعب لا تحمل بصمة الانتخابات التشريعية المعروفة بإدلاء المواطنين لأصواتهم بشكل مباشر، إلا أنها انتخابات متصلة إلى حد ما بشكل بخصوصية المرحلة الانتقالية ووجود ملايين السوريين بين لاجئ خارج البلاد ونازح في داخلها.

في هذا التقرير سنسرد قصة البرلمانات والمجالس السورية والانتخابات التشريعية التي مرت بها البلاد منذ تأسيس الدولة السورية وحتى مرحلة الجمهورية الجديدة بعد إسقاط النظام والتي تجاوزت الخمسين عملية انتخابية أو تشكيل معين بشكل مباشر أو غير مباشر.

أول انتخابات برلمانية عرفتها سوريا

عرفت سوريا الانتخابات التشريعية مبكراً قبل أن تكون دولة مستقلة، حيث شهدت ولايات سوريا ولبنان، أول تجربة برلمانية من خلال ترشيح عدد من النواب إلى مجلس المبعوثان العثماني عام 1877، وقد خصص لها 7 نواب موزعين بين مسلمين وغير مسلمين. وكان من أبرز الفائزين أمين الجندي من دمشق، نقولا النقاش من بيروت، ونافع الجابري من حلب، لم يدم مطولاً حيث عطله السلطان عبد الحميد الثاني عام 1878، بوجب صلاحياته الدستورية، ثم أعاد تفعيله مجدداً بفترة المشروطية الثانية عام 1908 وأجريت انتخابات جديدة.

كان السوريون على صلة مباشرة بما يجري في الدولة العثمانية كجزء أساسي من مواطنيها، وتمكن العديد من رجالاتها من الوصول إلى إلى مجلس المبعوثان أو إلى الوزارة أو في مكتب السلطان.

واستمر هذا التمثيل في انتخابات مختلفة فاز فيها العديد من المرشحين الآخرين الذين كان لهم دور في صياغة مستقبل سوريا، مثل فارس الخوري وعبد القادر الخطيب وغيره.

بالتزامن مع انتخابات مجلس المبعوثان الأخيرة في سوريا عام 1914 اندلعت الحرب العالمية الأولى، وانخرطت الدولة العثمانية فيها، وبعد قرابة 4 أعوام بدأت ملامح تشكل الدولة السورية، حيث انهارت السلطنة العثمانية وعاد النواب السوريون إلى دمشق وحلب.

ولادة الدولة السورية

عشية انسحاب الجيش العثماني من دمشق في أيلول عام 1918، شكل مجلس حكم انتقالي مصغر لم يدم طويلاً حيث وصلت القوات العربية إلى دمشق بقيادة الأمير فيصل بن الحسين الذي توج ملكاً فيما بعد.

بعد أشهر تشكل المؤتمر السوري العام، أو ما يعرف بالمؤتمر السوري الأول في حزيران 1919 في دمشق تحضيراً للجنة كينغ – كراين لتقصي الحقائق بشأن مستقبل سوريا.

كان معظم أعضاء المؤتمر السوري من نواب البلاد السابقين في مجلس المبعوثان العثماني، وبلغ عددهم تسعين عضواً بواقع عضوٍ ممثلٍ لكل خمسين ألفاً من السكان من جميع أنحاء سوريا الكبرى التي تشمل سوريا ولبنان والأردن وفلسطين.

مثل هذا المؤتمر أول مجلسٍ نيابي سوري، أعلن أبرز مقرراته وهو استقلال سورية باسم المملكة السورية العربية بحدودها الطبيعية ومناداتها بالأمير فيصل بن الحسين ملكاً عليها. تلا محمد عزة دروزة سكرتير المؤتمر مندوب نابلس القرار على الجماهير الحاشدة في ساحة المرجة من شرفة مبنى بلدية دمشق يوم الاثنين 8 مارس/آذار 1920، كما رفض وعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو ورفض الوصاية السياسية التي ينطوي عليها نظام الانتداب.

لم تعترف فرنسا وبريطانيا بهذه القرارات وتقاسموا سوريا الكبرى فيما بينهم، حيث فرض الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان، واتجه الجنرال هنري غورو من بيروت إلى دمشق عام 1920 بعد إصدار مراسيم التقسيم لتفتيت سوريا إلى دويلات أصغر لكل منها مجلس تمثيلي تعين فرنسا ثلثه وينتخب الشعب الثلثين المتبقين.

واجه يوسف العظمة وزير الحربية السوري قوات الاحتلال الفرنسية في ميسلون واستشهد مع المئات من رفاقه ببنادق إنكليزية في معركة غير متكافئة دامت ساعات اشتركت فيها الطائرات الفرنسية والدبابات والمدافع الثقيلة.

أول انتخاب مباشر.. البرلمان السوري تحت الانتداب

احتلت فرنسا سوريا، وبدأت بتمزيقها معلنة قيام الاتحاد السوري عام 1922 وأنشأت مجلس الاتحاد، ولم تحصل أي انتخابات حيث كانت فرنسا تعين أعضاء المجلس إلى أن اندلعت أحداث الثورة السورية الكبرى عام 1925، والتي أدت إلى تمهيد الطريق أمام انتخابات جمعية تأسيسية لكتابة دستور عام 1928، حيث جرت أول انتخابات اقتراع مباشرة في تاريخ سوريا الحديث لانتخاب 68 نائباً في الجمعية.

لم تكن المسألة بسيطة حيث ناضل السوريون تحت حكم الاحتلال الفرنسي بشكل كبير لنيل حقوقهم الكاملة، حيث كانت فرنسا ترضخ لضغوط الشعب ولكنها لا تنفذ الوعود إلا بجهد جهيد.

في فترة الانتداب الفرنسي أجريت 3 انتخابات تشريعية حل اثنين منها بقرار من المفوض السامي الفرنسي تمخض عنها 3 برلمانات والعديد من الحكومات التنفيذية، هي المجلس النيابي 7/61932 حتى 25/11/1933 برئاسة صبحي بركات، والمجلس النيابي 21/12/1936 حتى 8/7/1993 برئاسة فارس الخوري، والمجلس النيابي 17/8/1943 حتى 31/5/1947 برئاسة فارس الخوري أيضاً.

تميزت هذه المرحلة رغم صعوبتها بأنها شهدت انتخابات وترشيحات من قبل أحزاب سياسية وفعاليات تجارية وزراعية ووجهاء وشيوخ وعشائر تراوح عدد أعضاء البرلمانات الثلاثة ما بين 68 و136 نائباً، كما أنها كانت جزءاً من النضال السياسي ضد المحتل الفرنسي، شملت احتجاجات ومظاهرات واعتصامات وإضرابات واستقالات رئاسية وحكومية ردت عليها فرنسا باعتقالات وسجون ومنافي وشهداء.

برلمانات وانقلابات

مرت سوريا بإرهاصات الاستقلال لعدة سنوات إثر اندلاع الحرب العالمية الثانية وتأثير ذلك على تأثير جلاء المحتل الفرنسي عن سوريا، في الوقت الذي تمكنت فيه الكتلة الوطنية من الفوز بغالبية المقاعد في البرلمان، وذهب منصب الرئاسة إلى شكري القوتلي.

عام 1945 اندلعت انتفاضة الاستقلال، حيث رفض حرس البرلمان السوري تحية العلم الفرنسي، فاقتحم الجيش الفرنسي مبنى البرلمان، ووقعت اشتباكات دامية أودت بحياة 29 من حرس البرلمان.

شكلت هذه الحادثة نقطة تحوّل مفصلية، إذ عززت إرادة السوريين في طرد المستعمر. وفي النهاية، أسفرت الجهود الدبلوماسية والسياسية عن اتفاق على جلاء القوات الفرنسية، الذي أُعلن رسمياً في 17 نيسان/أبريل 1946، لتولد الجمهورية السورية المستقلة، ويصبح هذا التاريخ “عيد الجلاء” ذكرى سنوية.

خلال هذه المرحلة، لعب البرلمان السوري دوراً محورياً في التعبير عن الإرادة الشعبية، وتعاون مع حكومة شكري القوتلي لتثبيت معالم الدولة المستقلة.

أجريت أول انتخابات برلمانية حرة عام 1947 (وهي خامس انتخابات تشريعية في تاريخ سوريا الحديث)، ففاز حزب الشعب بأغلبية المقاعد ولم يحصل الحزب الوطني سوى على 24 مقعداً، في حين انتُخب شكري القوتلي رئيساً للجمهورية. بدا المشهد آنذاك واعداً، إذ بدأ البرلمان يرسخ حضوره كمؤسسة تشريعية منتخبة تعكس التعددية السياسية وتعبّر عن الإرادة الشعبية.

في هذه الانتخابات وحتى نهاية الحكم الديمقراطي في سوريا بانقلاب الثامن من آذار عام 1963. لم يحصل أي حزب على أغلبية مقاعد مجلس النواب، وهو ما أسهم في جعل الحكومات ائتلافيّة أو حزبية مطعمة بمستقلين وصعّب من العملية السياسية برمتها.

قلبت هزيمة الجيوش العربية في حرب فلسطين عام 1948 المعادلة  السياسية داخل سوريا. فبعد انتقادات حادة وجهها البرلمان للجيش محمّلاً إياه مسؤولية الهزيمة، تزايد التوتر بين المؤسستين المدنية والعسكرية، في وقت كانت البلاد تعاني من أزمات اقتصادية خانقة. هذا الصدع مهّد لانقسام حاد فتح الباب لتدخل العسكر في الحكم، وحدث 3 انقلابات عسكرية عام 1949 خلال أقل من تسعة أشهر:

    حسني الزعيم (30 مارس/آذار 1949): ألغى الدستور وحلّ البرلمان، مؤسساً أول حكم عسكري استبدادي في تاريخ سوريا الحديث. لم يدم حكمه سوى بضعة أشهر.

    سامي الحناوي (13 أغسطس/آب 1949): أطاح بالزعيم وأعاد الحياة المدنية، فانتُخبت “جمعية تأسيسية” جديدة فاز بها “حزب الشعب”. اندفع الحناوي نحو مشروع وحدة سورية – عراقية، لكن حلمه لم يكتمل.

    أديب الشيشكلي (19 ديسمبر/كانون الأول 1949): أطاح بالحناوي، لكنه أبقى على الجمعية التأسيسية، التي وضعت دستور 1950.

دستور 1950 وحكم الشيشكلي

شهدت سوريا في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1949 انتخابات الجمعية التأسيسية التي اعتُبرت الأولى من نوعها من حيث الحرية والنزاهة، وأشاد المراقبون المحليون والأجانب بحرية الاقتراع، ورأوا فيها خطوة تاريخية غير مسبوقة في المشرق العربي.

بدأت الجمعية التأسيسية أولى جلساتها في 29 كانون الثاني/يناير 1949 بانتخاب رشدي الكيخيا رئيساً لها، وشكّلت لجنة دستورية عامة من 33 عضواً برئاسة ناظم القدسي، درست نحو 15 دستوراً أجنبياً وعربياً قبل وضع مسودتها. وبعد أشهر من النقاشات والقراءات والمراجعات، أُقر الدستور في 5 أيلول/سبتمبر 1950.

أكد الدستور على عروبة سوريا ووحدتها السياسية ونظامها الجمهوري النيابي، ونص على أن السيادة للشعب، مع تثبيت أن يكون دين رئيس الجمهورية الإسلام وضمان حرية الاعتقاد. كما ركز على الحقوق والحريات الفردية والمساواة الاجتماعية والاقتصادية، وعلى حماية العمل وتنظيمه، والنقابات، وأولوية التعليم خاصة في الريف.

جاء دستور 1950 متأثراً بالفكر الليبرالي الغربي وبتيارات يسارية راديكالية دفعت باتجاه إصلاحات اجتماعية واقتصادية واسعة، ما جعله نقلة نوعية في الحياة السياسية السورية، حتى وصفه مصطفى السباعي بأنه “أول دستور تصدره هيئة منتخبة من الأمة”. وبالرغم من كونه محطة مهمة في ترسيخ الحريات والحياة المدنية، فإن هيمنة النخب وتحالفها مع الجيش عجّلا بتعثره، ولم يدم طويلاً إذ عُطل أكثر من مرة حتى أُلغي نهائياً في آذار/مارس 1963.

عام 1951 حل الشيشكلي البرلمان واعتقل الرئيس هاشم الأتاسي وعلق الدستور الجديد وفرض نظاماً دكتاتورياً، ثم أجرى انتخابات شكلية عام 1953 افتقرت للشرعية مع المقاطعة الواسعة الحزبية والشعبية خصوصاً أنه اقترح دستوراً جديداً ومجلس نواب مكون من 82 عضواً فاز حزبه “حركة التحرر العربي” بـ 72 مقعداً. ومع تصاعد المعارضة الشعبية، أُجبر الشيشكلي على التنحي عام 1954 بعد انقلاب عسكري شهير يعرف بـ “انقلاب حلب”.

ربيع الديمقراطية (1954–1958)

بعد سقوط حكم أديب الشيشكلي عام 1954، عادت سوريا إلى العمل بدستور عام 1950، لتشهد تجربة نيابية وُصفت آنذاك بـ”ربيع الديمقراطية”. فقد جرت انتخابات نيابية في العام نفسه جسّدت تعددية حزبية غير مسبوقة، إذ شارك فيها الحزب الوطني وحزب الشعب والحزب الشيوعي وحزب البعث والحزب السوري القومي الاجتماعي، ما عكس حيوية سياسية لافتة.

وخلال هذه المرحلة، مارس البرلمان دوراً رقابياً وتشريعياً فعلياً، فأقر إصلاحات بارزة شملت تعزيز حرية الصحافة، وتنظيم الانتخابات المحلية، وتشجيع العمل النقابي، مما ساعد على توسيع هامش المشاركة الشعبية في الحياة العامة. وعلى الصعيد الخارجي، أثبت البرلمان استقلالية القرار السياسي السوري، فرفض الانضمام إلى حلف بغداد عام 1955، ووقف إلى جانب مصر خلال أزمة السويس عام 1956، مؤكداً اصطفاف سوريا مع القضايا العربية الكبرى. وقد اعتُبرت هذه السنوات القصيرة من أزهى الفترات البرلمانية في التاريخ السوري الحديث.

مجلس الأمة – الإقليم الشمالي

في عام 1958 عمل الضباط المنتمون لحزب البعث على عقد وحدة مع مصر، لم يكن الرئيس المصري جمال عبد الناصر متحمساً لها، وفق الباحث باتريك سيل، إلا أن قبول الجانب السوري بكل شروط عبد الناصر من حل الأحزاب السياسية والاندماج الكامل مع مصر مع احتفاظها بالرئاسة على وضعها أدى لنجاح الفكرة في شباط 1958، تم حل البرلمان السوري والبرلمان المصري، وتشكيل مجلس الأمة ليكون المؤسسة التشريعية العليا للجمهورية العربية المتحدة.

تمت صياغة الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة في آذار 1958، وتم إنشاء جمعية وطنية مشتركة (مجلس الأمة بإقليمين شمالي وجنوبي)، وتم تعيين أعضائها (400 من مصر و 200 من سوريا). اجتمع المجلس لأول مرة في 21 يوليو/ تموز 1960 واستمر حتى 22 يونيو/ حزيران 1961.

مُنح المجلس صلاحيات تشريعية ورقابية، إلا أن الدور الفعلي ظل محدوداً أمام سلطة الرئيس عبد الناصر وهيمنة النظام الرئاسي المركزي الذي اتسمت به الجمهورية الجديدة.

ورغم الحماسة الأولى، سرعان ما واجهت التجربة صعوبات متراكمة. فقد أُضعفت الأحزاب السورية بحظر نشاطها السياسي، وجرى دمج مؤسسات الدولة تحت سلطة مركزية في القاهرة، الأمر الذي أثار مخاوف النخب السورية من فقدان استقلال القرار الوطني. كما أدت السياسات الاقتصادية الاشتراكية الجديدة إلى توترات مع بعض شرائح المجتمع.

وبمرور الوقت، تراكمت الأزمات السياسية والإدارية حتى جاء انقلاب أيلول/سبتمبر 1961 ليعلن إنهاء الوحدة وانفصال سوريا، بعد تجربة قصيرة لم تتجاوز ثلاث سنوات.

برلمان جديد.. عودة سريعة

استُعيد العمل بالنظام البرلماني الذي كان قائماً قبل الوحدة، فعاد مجلس النواب السوري إلى الحياة السياسية، لتدخل البلاد مرحلة قصيرة من التعددية البرلمانية.

بحسب المؤرخ باتريك سيل في كتابه الصراع على سوريا، سعى القادة الجدد لإضفاء شرعية على حكمهم عبر إعادة الحياة الدستورية، فكان لا بد من انتخابات جديدة تُعيد تشكيل السلطة على أساس المشاركة السياسية.

في كانون الأول/ديسمبر 1961 جرت انتخابات برلمانية، شهدت مشاركة واسعة للأحزاب التقليدية التي كانت مجمدة في عهد الوحدة، مثل الحزب الوطني وحزب الشعب، إضافة إلى الحزب الشيوعي وحزب البعث والإخوان المسلمون. ورغم أن نتائج الانتخابات أبرزت عودة الأحزاب التقليدية إلى الصدارة، فإن حضور البعثيين بدا أكثر قوة مما كان عليه قبل الوحدة، خاصة بين صفوف الطلاب والجيش.

في الشهر نفسه، جرت أيضاً انتخابات رئاسية، أسفرت عن فوز ناظم القدسي (من قيادات حزب الشعب وأحد مؤسسيه) بمنصب رئيس الجمهورية. وقد اعتُبر انتخابه بمنزلة محاولة لإعادة التوازن بين التيارات السياسية التقليدية والجيش، ولإعادة البلاد إلى نموذجها البرلماني الليبرالي. يذكر المؤرخ فيليب خوري في كتابه (سوريا والانتداب الفرنسي) أن انتخاب القدسي كان تتويجاً للجهود التي بذلتها القوى المدنية لاستعادة الدور النيابي بعد سنوات من سيطرة العسكر.

اتسمت المرحلة بعودة الحريات والديمقراطية لكن ضمن نظام هش وضعيف، مع قدرة محدودة على التشريع والرقابة، إلى أن أطاح انقلاب حزب البعث عام 1963 بالبرلمان والدستور ونقل السلطة التشريعية إلى مجلس قيادة الثورة وبدأت مرحلة الجمود السياسي التي استمرت لعقود.

حقبة البعث.. من البرلمان إلى مجلس الشعب

جاء انقلاب البعث ليشكل ضربة قاضية لكل محاولات بناء الدولة البرلمانية القائمة على الانتخابات وخيارات الشعب في حكم نفسه، إذ تشكل بعد أربع سنوات عام 1965 مجلسان حملا اسم “المجلس الوطني للثورة” عين في الأول 95 عضواً غالبيتهم من حزب البعث ثم شكل مجلس آخر بعد أقل من ستة أشهر في شباط 1966 ثم عين في الثاني 134 عضواً غالبيتهم من البعثيين أيضاً.

مع انقلاب حافظ الأسد على رفاقه فيما سمي بـ “الحركة التصحيحية” عام 1970، شكل برلماناً جديداً حمل اسم “مجلس الشعب” في شباط 1971 وعين فيه 173 عضواً من أحزاب “البعث والحزب الشيوعي السوري والاتحاد الاشتراكي العربي والوحدويين الاشتراكيين والاشتراكيين العرب، فيما عرف لاحقاً بـ “الجبهة الوطنية التقدمية”.

كتب حافظ الأسد دستور (1973) وفصله على مقاسه تماماً من خلال حصر السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية جميعها بيده ونصت المادة الثامنة فيه على أن البعث هو الحزب القائد للدولة والمجتمع، وعملياً بدأ حافظ الأسد بتفتيت كل محاولات بناء الدولة الوطنية على أسس تعددية حزبية وديمقراطية.

تبع مجلس الشعب المعين 7 مجالس أخرى (1973 – 2003) من خلال انتخابات غلب عليها اللون الواحد الذي يعزف على لحن حافظ الأسد حيث كانت القوائم الانتخابية تُحدد مسبقاً من قِبل حزب البعث، ويُسمح لبعض المستقلين بالترشح في إطار “الجبهة الوطنية التقدمية” التي أسسها الأسد عام 1972 لتضم أحزاباً موالية له.

وبحسب المؤرخ باتريك سيل في كتابه (الأسد، الصراع على الشرق الأوسط)، فإن الانتخابات كانت أقرب إلى عملية تزكية، إذ كان معظم المرشحين من البعثيين أو الموالين للنظام، ولم تمثل مجالاً حقيقياً للتعددية أو التداول الديمقراطي.

تشريعياً، كان مجلس الشعب في عهد حافظ الأسد يقر القوانين التي تقدمها الحكومة من دون أن يكون له دور فعلي في اقتراح تشريعات مستقلة، ورقابياً امتلك نظرياً صلاحية مساءلة الحكومة لكنه عملياً لم يمارس هذه الصلاحيات ضد السلطة التنفيذية أو الرئيس، أما رمزياً فقد تحول إلى واجهة لإظهار صورة شكلية للديمقراطية والتمثيل الشعبي أمام الداخل والخارج من دون أن يشكل مركز ثقل في صنع القرار، وهو ما يؤكده المؤرخ باتريك سيل وكتاب ريمون هينبوش (سوريا، الثورة من فوق) حيث اعتبرا المجلس جزءاً من منظومة حكم مغلقة تتمحور حول شخص الرئيس وتستخدمه كأداة لإضفاء شرعية على سياساته.

من التوريث إلى الثورة

في 10 حزيران/يونيو 2000، توفي حافظ الأسد واجتمع مجلس الشعب باليوم نفسه لإجراء تعديل سريع في دستور عام 1973 لتمكين بشار الأسد من تسلّم الحكم، إذ كانت المادة 83 تشترط أن لا يقل عمر رئيس الجمهورية عن 40 عاماً، في حين لم يكن بشار قد تجاوز 34 عاماً. تم تخفيض سن الترشح إلى 34 عاماً فقط، ليصبح بشار مؤهلاً دستورياً. هذا التعديل جرى خلال دقائق وبالإجماع تقريباً، ما كشف عن الطابع الشكلي للمجلس وخضوعه التام للسلطة التنفيذية والأمنية، ومهّد الطريق لترشيحه من دون منافسة.

بعد ذلك، رشّح مجلس الشعب بشار الأسد رسمياً، وعُرض اسمه على استفتاء شعبي في 10 تموز/يوليو 2000، حيث أُعلنت النتيجة الرسمية بتأييد بلغت نسبته 97.29%. وهكذا انتقلت السلطة في نظام جمهوري عبر تعديل دستوري صُمم على مقاس شخص بعينه، لتتحول سوريا عملياً إلى جمهورية وراثية. وقد مثّل هذا الحدث منعطفاً سياسياً ودستورياً، أكد أن المؤسسات القائمة لم تكن سوى أدوات شكلية لإضفاء شرعية على قرار مسبق بانتقال الحكم داخل العائلة.

حتى عام 2012، ظل المجلس محكوماً بدستور 1973 الذي منح حزب البعث قيادة الدولة والمجتمع، ما جعل الانتخابات النيابية محكومة سلفاً بموازين القوى داخل الحزب والأجهزة الأمنية. وانتخب دورتين تشريعتين على نفس الشاكلة حافظ الأسد تماماً الأولى في 2003 والثانية في 2007، دون أي تغييرات مهمة.

في آذار 2011، اندلعت الثورة السورية بشكل سلمي، وبعد أسبوعين في 30 آذار/مارس 2011 ألقى بشار الأسد خطاباً أمام مجلس الشعب، اعتبر فيه أن ما يجري في البلاد “مؤامرة خارجية” يقودها مندسون، معلناً عن نيته لرفع حالة الطوارئ وإقرار قوانين جديدة للأحزاب والإعلام، لكن بشكل تدريجي ومشروط بـ”الاستقرار”.

وقد تخلل الجلسة هتافات وتصفيق النواب بشكل متكرر، ما أظهر طابعها الاستعراضي، في حين عُدّ الخطاب لحظة فاصلة إذ عكس إنكار النظام لشرعية الحراك الشعبي والاكتفاء بوعود إصلاحية شكلية لم تُنفذ.

وبعد قرابة عام  أجرى بشار الأسد تعديلات على دستور 1973، وطرح دستور 2012 مع إلغاء المادة الثامنة شكلياً، لكن البنية السياسية بقيت على حالها تقريباً، إذ ظل المجلس مؤطَّراً بالسلطة التنفيذية، مع هامش محدود للمستقلين أو الشخصيات المحسوبة على العشائر ورجال الأعمال الجدد.

ورغم حالات النزوح والتهجير والاعتقالات أجرى النظام الانتخابات التشريعية 2012 و2016 و2020 و2024 في مناطق سيطرته فقط وبمقاطعة الثوار، وانتهت جميعها بفوز حزب البعث وحلفائه بأغلبية المقاعد واتسم بجدل واسع بعد دخول مرشحين يحملون جنسيات أجنبية (تركية وأردنية)، إضافة إلى شخصيات عسكرية واقتصادية نافذة.

اقتصر الدور التشريعي لكل مجالس الشعب بعد الثورة على تمرير قوانين مثيرة للجدل مثل القانون رقم 10 لعام 2018 الذي سمح بمصادرة أملاك السوريين المهجرين أو الغائبين، إضافة إلى إقرار عقود اقتصادية مع روسيا وإيران.

في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، أعلنت إدارة عمليات ردع العدوان بعد يومين تعليق عمل البرلمان والدستور تبعه حل حزب البعث والجبهة الوطنية التقدمية، لينتهي بذلك أكثر من ستة عقود من سيطرة حزب البعث على سوريا كواجهة لنظام أمني بوليسي طائفي، فيه مجلس شعب ظل طوال حكم الأسدين رمزاً لسلطة تشريعية شكلية.

مجلس ما بعد سقوط النظام

وتستعد سوريا يوم الأحد المقبل لانتخاب برلمان سوري جديد في انتخابات تمثيلية، تجري وفق الإعلان الدستوري المؤقت الذي نص على أن المجلس يتولى السلطة التشريعية لمدة 30 شهراً قابلة للتجديد، على أن يقود عملية إصلاح القوانين وإرساء مؤسسات حرة وشفافة. وقد فتحت اللجنة العليا للانتخابات الباب أمام الرقابة المحلية والدولية لتعزيز الشفافية وضمان تمثيل مختلف مكونات المجتمع السوري.

ينص المرسوم الرئاسي رقم 66 لعام 2025 على أن يتكوّن المجلس من 210 أعضاء، منهم 140 يُنتخبون عبر هيئات ناخبة محلية و70 يعيّنهم الرئيس، مع مراعاة أن تضم الهيئات الناخبة 70% من الكفاءات و30% من الأعيان والوجهاء. يعتمد النظام على انتخاب غير مباشر بسبب غياب قاعدة بيانات متكاملة للناخبين ووجود أكثر من 8 ملايين لاجئ ونازح. وتُشرف نقابة المحامين السورية إلى جانب وفود دولية على سير العملية، في وقت أُرجئت الانتخابات في محافظات السويداء والحسكة والرقة لأسباب أمنية.

سيكون للمجلس المقبل صلاحيات محددة تشمل اقتراح القوانين وإقرارها وتعديلها، المصادقة على المعاهدات، إقرار الموازنة، والعفو العام. كما يُعوّل عليه أن يقود “ثورة تشريعية” تنهي إرث النظام السابق وتؤسس لاستقلالية القضاء والتكامل بين السلطات.

 ومن أبرز مهامه التأسيسية تشكيل لجنة لصياغة دستور دائم يُعرض لاحقاً على استفتاء شعبي، لتبدأ بعده انتخابات برلمانية ورئاسية مباشرة. ورغم التحديات الأمنية والسياسية، ترى اللجنة العليا أن هذه الخطوة تمثل تجسيداً لسيادة الشعب السوري وبداية لمسار ديمقراطي مستقر.

 تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى