سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

الإرهاب في الشرق الأوسط.. أدوات وظيفية في استراتيجية “الفوضى الخلاقة”/ خالد المطلق

04 تشرين الأول 2025

شهد الشرق الأوسط على مدار العقدين الماضيين تحولًا جذريًا في طبيعة الصراعات، حيث لم تعد الحروب تدور بين جيوش نظامية فحسب، بل أصبحت تُخاض في المقام الأول عبر التنظيمات الراديكالية المتطرفة. هذه الظاهرة التي بدت في بدايتها كـ”تمردات عقائدية” محدودة سرعان ما تضخمت لتصبح قوة عابرة للحدود، قادرة على السيطرة على مساحات شاسعة وتغيير الخرائط الجيوسياسية.

إن التعرف على منشأ هذه التنظيمات التي صُنفت كتنظيمات إرهابية يمر من خلال فهمنا لمصطلح الإرهاب وتعريفه الذي لم تتفق عليه المنظمات الدولية بكافة مؤسساتها والدول الراعية لهذه المنظمات، ولعل ترك الباب مفتوح وراء عدم اعتماد تعريف محدد للإرهاب له أسبابه وخفاياه، وإذا أردنا أن نعّرف الإرهاب يجب أن نعود بالأصل إلى ما توصلت إليه المؤسسات الدولية، وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة بما في ذلك منظمات حقوق الإنسان، ونرى كيف عّرفت هذه المنظمات الإرهاب، وللأسف وعلى الرغم من تنامي هذه الظاهرة الخطيرة إلى حد بعيد جدًا لم نجد في وثائق هذه المرجعيات الدولية الرسمية أي تعريف محدد للإرهاب، بل وجدنا أنه تم إدراج أكثر من 100 تعريف له منذ نشأت هذه المنظمات، وذلك لأن من يتحكم في هذه المنظمات والهيئات يريد أن يُبقى تعريف ومفهوم الإرهاب مطاطًا يُلائم مصالحه الخاصة لسبب مهم جدًا وهو أن هذه الجهات تريد أن تمارس الإرهاب بحق من يخالفها ويقف في وجهها من جهة، ومن جهة أخرى تلصق تهمة الإرهاب به لتبرر استخدامها لكل أساليب القتل والتدمير ضده خاصة الشعوب التي يمكن أن تثور ضد الحكام الذين يقبعون تحت سيطرة هذه الجهات ولدينا مثال صارخ في سوريا والعراق ولبنان واليمن وفلسطين.

ولهذا عرّفنا الإرهاب من خلال خِبرتنا الطويلة في هذه التنظيمات، ومن خلال الكثير من الدراسات التي قمنا بها بأنه: “عمل عنفي يستهدف إرضاخ الجماعة لآرائه وفرض معادلة مغايرة بمنطق القوة، من خلال تجذير الخوف وزرع القلق في محيطهِ، ويكون الإرهاب وسيلة يستخدمها الأفراد والجماعات ضد الحكومات، ويمكن أن تستخدمها وترعاها حكومات ضد مجموعات معينة داخل البلاد أو تستخدمه دول عظمى ضد حكومات أو أنظمة تسميها مارقة”.

إن التفسيرات التقليدية التي تركز فقط على الفكر المتشدد أو التهميش الاجتماعي تقف عاجزة أمام فهم المرونة الهائلة والقدرة اللوجستية لهذه التنظيمات، والتي سمحت لها بالبقاء والتوسع، رغم تضافر الجهود الدولية للقضاء عليها. يكمن السر وراء هذا البقاء في أن هذه الجماعات ليست مجرد نتاج بيئات متصدعة، بل هي أدوات وظيفية تخدم مصالح أكبر وأكثر تعقيدًا.

إن التبسيط في تحليل نشأة وعمل هذه التنظيمات هو أكبر خدمة تُقدم لها، وللجهات التي تقف وراءها، ففي الوقت الذي يُشغل فيه المحللون بمناقشة جذور الفتاوى والأفكار، تغفل الأغلبية عن الآلية الحقيقية للتمويل والتوجيه التي تمنح هذه الجماعات قوتها، وتحدد مسار عملياتها. لقد أثبتت التجربة أن مناطق نشاطها وتوقيت تصعيد هجماتها تتناسب طرديًا مع نقاط الضغط الجيوسياسي التي تحتاج إليها القوى الإقليمية والدولية لإعادة تشكيل موازين القوى. هذا التناغم بين أفعال التنظيم وأهداف الدول الفاعلة لا يمكن أن يكون مجرد صدفة أو توافق في المصالح، بل هو دليل على تداخل عميق في الهيكل التنظيمي والعملياتي.

ومن هنا يُمكن النظر إلى التنظيمات الراديكالية مثل “داعش وأخواتها” على أنها “شركات مساهمة متعددة المهام والأهداف”، ومخترقة إلى حد بعيد من قبل أجهزة المخابرات في الدول الفاعلة. هذا الاختراق ليس سطحيًا، بل يتمثل في اشتراك مندوبين من تلك الدول في صناعة القرار الداخلي لهذه التنظيمات. هذا التداخل يفسر سبب ازدياد نشاط هذه التنظيمات في أحداث ومناطق محددة تحديدًا، حيث تُوَظَّف لتحقيق هدف تكتيكي يخدم في نهاية الأمر الهدف الاستراتيجي لمشغليها.

لقد أسهم تنظيم “داعش” إلى حد بعيد في تفاقم الصراعات الطائفية والسياسية في الشرق الأوسط، فقد استغل التنظيم الانقسامات القائمة بين السنة والشيعة؛ مما زاد حدة التوترات، وأشعل صراعات داخلية واسعة. وفي العراق وسوريا أدت سيطرة داعش على الأراضي إلى: تهجير ملايين الأشخاص وتدمير البنية التحتية بشكل واسع وتفاقم الأزمات الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة. هذه التداعيات لا تزال تثقل كاهل المنطقة، وتتطلب جهودًا ضخمة لإعادة الإعمار وتأهيل المجتمعات المتضررة.

إنّ كل ما حدث من توظيف للتنظيمات الراديكالية يندرج في إطار ما عُرف بـ “الفوضى الخلاقة”، وهي استراتيجية بَشّرت بها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس. الهدف الأساسي من هذه الاستراتيجية هو تفتيت المنطقة وإعادة صياغة الخارطة الجيوسياسية وفق أسس جديدة. وتعتمد هذه الأسس على تأجيج الصراع بين مكونات شعوب المنطقة المختلفة: العرقية، الطائفية، المذهبية، والقومية. وبذلك تكون التنظيمات الراديكالية قد أدت الدور المطلوب منها بنجاح، وهو دور له ثمن باهظ سيدفع ثمنه الخاسرون في حين يحصل على الجائزة الكبرى من يحقق أهداف الدول التي وظفت هذه الفوضى.

عنب بلدي

————————————-

التكفير” وتأثيره على سوريا المستقبل/ سلطان الإبراهيم

ثقافة التكفير ظهرت منذ قرون وتقوم على نسف الآخر ورفضه وتكفيره

2025-10-04

منذ نزول وانتشار الديانات السماوية قبل آلاف السنين والتيارات المنبثقة عنها، رافقها ظهور أفراد ومجموعات تتبنى أفكاراً متشددة تقوم على رفض الآخر ونبذه وتكفيره، بدءاً من مرحلة ما بعد الخلافة الراشدية في الإسلام وصولاً إلى حكم الكنيسة منتصف القرن السابع عشر في أوروبا، حيث برزت تنظيمات أسست لفكر ومنهج أصبح سائداً ومنتشراً في المراحل اللاحقة، ومهّد لانقسامات وشروخات في المجتمع، وأثر على شكل الدول والأنظمة السياسية والاجتماعية.

تراكم تاريخي

تعرّف “ثقافة التكفير” وفق الدراسات المتخصصة، بأنها صورة نمطية جامدة لبنية ثقافية تشكلت وتكونت وترسخت تاريخياً عبر تراكمات لأفكار وممارسات ترتبط إيديولوجياً بما يمكن تسميته بالأصوليات الدينية لعدد من كبار الفقاء ورجال الدين، تواصلت فيما بعدهم عبر تابعين لهذه الأفكار أو متبنين لها، ما أسس لظهور حركات أو تنظيمات كاملة منظمة تقوم على تكفير الآخر المختلف، وصولاً إلى نشوء جماعات أكثر تشدداً تروج للعنف وتتخذه وسيلة لنشر أفكارها ومعتقداتها.

وتؤكد العديد من الدراسات، أن الطبقات والأطراف السياسية والاقتصادية المتصدرة للمشهد في مراحل معينة، دعمت التنظيمات والجماعات المتطرفة والتكفيرية في إطار تحالف خفي ومنفعة متبادلة لترسيخ أحكام معينة بما في ذلك التحالف بين الرأسمالية الأوروبية وتيارات مسيحية متشددة من جميع الطوائف لفرض حكمها، ثم التحالف بين الإسلام السياسي وجهات وأطراف داخلية في دول معينة وخارجية لتحقيق المآرب ذاتها.

بداية “التكفير”

وبدأ “التكفير” في الإسلام مع ظهور “الخوارج” في أواخر عهد الخلافة الراشدية خلال ما يعرف بـ”فتنة عثمان” وفي المراحل التالية خلال الخلافة الأموية، حيث تبنت هذه الجماعة أفكاراً متشددة ومتطرفة تقوم على تكفير المختلف، وقالت بـ”كفر مرتكب الكبائر” وأحلت لأعضائها قتله، وتكفير أشخاص بعينهم ومن اتبعهم وأحبهم وأثنى عليهم، بما في ذلك الخليفة عثمان بن عفان، إلى جانب تكفير قسم كبير منهم للخليفة علي بن أبي طالب، ثم توالى بعد ذلك ظهور التيارات والتنظيمات التكفيرية بالإسلام وصولاً إلى تنظيم “داعش” خلال العصر الحالي.

وتتزايد المخاوف من انتشار واستمرار “ثقافة التكفير” في سوريا خلال الفترة الحالية والمستقبلية، خاصةً أن البلاد خرجت من حرب طويلة انتشرت خلالها فصائل وتيارات وتنظيمات عديدة على أراضيها التي انتشر فيها تنيظم “داعش” لسنوات ولا يزال يحتفظ بخلايا رغم القضاء عليه عسكرياً، إلى جانب وجود أشخاص وجماعات بمناطق متفرقة يتبنون أفكاراً متشددة، على خلفية المجازر والانتهاكات وأعمال العنف التي شهدتها سوريا على مدى سنوات الثورة.

قراءة خاطئة للدين

يقول الباحث في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي وقضايا الأمن القومي منير أديب المقيم في القاهرة، إن “ظاهرة التكفير مرتبطة بمن يقع أسير قراءة الدين بشكل خاطئ والتفسير الباطني لبعض الآيات والأحاديث الشريفة، وبالتالي هو يعبر عن المضامين الدينية التي يؤمن بها من تكفير الآخرين المختلفين معه سواءً في العقيدة أو المذهب، أو استخدام الظاهرة ضد الحاكم، وهذه طبيعة التيارات التكفيرية وصولاً إلى إلغاء الآخر أو التخلص منه”.

ويؤكد أديب في تصريحات لـ”963+”، أن “ثقافة التكفير تؤثر على مستقبل البلد الذي تنشأ فيه، والظاهرة موجودة في المجتمع السوري بطبيعة الحال لكنها زادت بعد عام 2011، ولا يمكن القول إنها انتهت وتلاشت بعد سقوط نظام بشار الأسد مطلع كانون الأول/ ديسمبر الماضي، وفي حال تفاقمها وانتشارها فإنها تهدد مستقبل البلاد، ولا يوجد ما هو أخطر من ظاهرة التكفير على المجتمع المطالب بمحاربتها ومقاومتها وإنهاء آثارها”.

مرجعية سياسية

ويشدد المحلل السياسي السوري حسام طالب المقيم في دمشق، على أنه “لا يوجد شيء اسمه ثقافة التكفير، بل يوجد استغلال من البعض لدين أو طائفة لشد العصب والهجوم على الآخر، وهذا الأمر سياسي بحت وليس ديني، والدين سواءً كان الإسلام أو غيره لا يوجد فيه ثقافة تكفير، وعلى سبيل المثال الحملات الصليبية على الشرق، كانت باسم الدين لكن أول من قامت بقتلهم هم القساوسة والبطاركة في الشرق، إذاً فالدين يستخدم للسيطرة، وهذا الأمر يحصل اليوم مع الكثير من التيارات الإسلامية، فالحكومة الإيرانية تسيطر على الشارع الإيراني وسيطرت على دول أخرى مثل العراق ولبنان وسوريا واليمن باسم الدين”.

ويشير خلال تصريحات لـ”963+”، إلى أن “ما يحصل في سوريا هو أن هناك أفراد ومجموعات تكفيرية، لكن هذه المجموعات ليس لها أرضية عند كل الطوائف، لكنها تستطيع أن تشعل فتنة بين السوريين، وليست مرتبطة بطائفة واحدة بل من كل الطوائف، فهناك من يقتل ويكفّر ويحاول ألا تكون هناك دولة، وإذا تطورت هذه الحالة فإنه سيكون هناك تأثير سلبي، ويمكن استخلاص العبر مما جرى في العراق ولبنان خلال سيطرة “حزب الله” وغيره، إلا أنه يوجد اليوم مكافحة على جميع المستويات كي لا يكون هذا الفكر هو المسيطر على المجتمع السوري”.

وبعد أكثر من ألفي عام على ظهور أول التيارات التكفيرية في الإسلام، توجد اليوم العديد من التيارات التي تقول بتكفير الآخر المختلف وتكفير الحكام والأنظمة التي تحكم بـ+963 الوضعية” أو الدساتير الغير مبنية على الشريعة الإسلامية، وصولاً إلى تكفير المسؤولين وبعض العاملين في أجهزة الدولة، وسط مساع كبيرة في جميع دول المنطقة للتصدي لمثل هذه الأفكار وإنهائها، في مقابل انتشار “ثقافة التكفير” بين داخل الجماعات نفسها وبينها وبين تيارات وتنظيمات أخرى.

ويؤكد طالب، أن “هناك عمل اليوم من أجل التخلص من الفكر التكفيري والطائفي، لكن الأمر يحتاج إلى الكثير من العمل، خاصةً أن البلاد خرجت من حرب شنيعة على مدى 14 عاماً، في ظل انتشار الميليشيات، ما جعل الشعب السوري في حالة تفكك، ويعمل على إعادة ترتيب نفسه من خلال القوانين، ونشر روح التسامح والمحبة، وهناك حاجة إلى مناهج تعليمية جديدة، وقوانين تنظم العمل والابتعاد عن لغة التحريض الذي في الغالب يتحول من سياسي إلى ديني ومن جميع الأطراف”.

ويؤكد الباحث في شؤون الحركات المتطرفة منير أديب، على أنه “للتخلص من ظاهرة التكفير لا بد من قراءة النص الديني بشكل صحيح، وتبني رؤية وفكر وخطاب ديني معتدل يدعو للتسامح والاعتدال، وتفسير جميع النصوص الدينية التي جنح العقل البشري إلى تبنيها على أساس خاطئ بشكل صحيح يعبر عن روح الدين الإسلامي الحقيقية”، معتبراً أن “ظاهرة التكفير تنشأ في المجتمعات البعيدة عن التسامح والحوار والتشاركية والتعددية، حيث أنه كلما كان هناك تعددية وآراء فقهية متعددة كلما بعد المجتمع عن التشنج والتعصب والتكفير”.

وعليه يمكن القول، إن تبني ثقافة وخطاب وطني جامع، والتوصل إلى دستور عصري وشامل وإرساء سلطة القانون، بما يضمن رد الحقوق لأصحابها وتحقيق العدالة الانتقالية، ونبذ خطاب الكراهية والتحريض الطائفي والعرقي والمناطقي، سيقود بالضرورة لإنهاء حالات الاستقطاب والتحزب والتفرقة و”ثقافة التكفير” وصولاً إلى تحقيق المواطنة الشاملة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى