المركز والهامش.. قراءة سوسيولوجية في علاقة الريف بالمدينة السورية/ طالب الدغيم

2025.10.06
شكّل التفاعل بين الريف والمدينة أحد أهم المحددات التي صاغت التاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي لسوريا في العصر الحديث، فمنذ نشوء الدولة الوطنية السورية في مطلع القرن العشرين، ظلّت العلاقة بين المركز المديني والامتداد الريفي علاقة متشابكة، تحمل في طياتها التعاون والصراع، والاندماج والتوتر، والهيمنة والتبعية.
فالمدينة السورية -ولا سيما دمشق وحلب- لعبت دور القلب السياسي والاقتصادي والثقافي، في حين ظل الريف خزّاناً ديمغرافياً واقتصادياً وعسكرياً يعكس حيوية المجتمع ويشكّل حزاماً ضاغطاً على المركز.
ومع تطورات القرن العشرين -من الاستعمار الفرنسي إلى الاستقلال الوطني، ومن صعود الأحزاب القومية واليسارية إلى هيمنة الدولة المركزية التسلطية، وصولاً إلى التحولات الديمغرافية العميقة بعد ثورة مارس/ آذار 2011- تعمّقت هذه الجدلية، وصارت مفتاحاً لفهم البنية الاجتماعية السورية.
البعد التاريخي والاجتماعي للعلاقة بين الريف والمدينة
لعقود طويلة، اعتُمِدت العلاقة بين الريف والمدينة في سوريا على مبدأ التبعية الاقتصادية والتغذية السكانية والمد الحضري بالموارد البشرية والمادية، ولكن في سياق هذه العلاقة ثمة رغبة مستترة في الهيمنة والتمايز.
ففي العهد العثماني، كانت المدن السورية الكبرى مثل دمشق وحلب تمثل مراكز للسلطة والثقافة والتجارة، في حين كانت الأرياف تدفع الضرائب وتمثل المصدر الزراعي، وهذا التمكين الحضري -رغم اعتماده على الريف- كان يرسّخ تمايزاً بين النخب المدينية وشرائح الفلاحين.
وخلال الانتداب الفرنسي، استُخدم الريف كأداة تفكيك للنخبة المدينية، عبر تقسيمات إدارية تشجّع على سلطات محلية وزعزعة البنى التقليدية (مدن – أرياف). وبعد الاستقلال، وسيطرة حزب البعث على السلطة، بدأت “قلبات” في موازين القوة: الفلاحون -أو طلاب الريف- تجاوزوا دورهم الكلاسيكي كمنتج ومهمش إلى أن يصبحوا فاعلين في الدولة. غير أن هذه التحولات لم تزل تبعية ثقافية وسياسية في البنى الاجتماعية.
ويوضح الباحث أحمد بورازان في مقالته “The Political Economy of Rural Syria 1970-2011” كيف أن الإصلاح الزراعي في الستينيات أعاد توزيع الأراضي، ولكن الدولة البعثية سيطرت على الآليات التي تصور الفلاح كرافعة للحياة السياسية، ويذكر أن حوالي 45% من السوريين كانوا يعيشون في المناطق الريفية، عام 2009.
وفي الأطروحة “The spectre of rural-urban relations: Syria’s 2011 uprising” يُحلّل المؤلّف النابولسي كيف أن العلاقة بين الريف والمدينة لم تكن أحد أسباب الانتفاضة الشعبية، عام 2011، بل كانت هيكلاً يدفع نحو الاحتجاج؛ القرى التي شعرت بالحرمان من الخدمات والبنى التحتية توجهّت نحو العواصم الريفية أولاً، ومن ثم تمددت في المدن الكبرى لاحقاً.
البعد الاقتصادي والطبقي للتفاعل بين المدينة والريف السوري
اعتمد الاقتصاد في الريف على الزراعة من حبوب، وزيتون، وقطن، ومواشٍ، ولكن هذه الزراعة غالباً ما تكون عرضة للمخاطر، مثل الجفاف، ونقص البنية التحتية للري، والتقييد التنظيمي، وأسعار الدعم.
دراسة بورازان تشير إلى أن المشروع البعثي في تحسين البنية التحتية الريفية واجه مشكلات كبيرة في التمويل والتوزيع، وأن كثير من القرى تُركت من دون تنمية كافية في المناطق الريفية وخصوصاً في إدلب وحوران والجزيرة السورية.
كذلك، فإنّ التوسع العمراني في المدن استهلك الأيدي العاملة الريفية؛ من الريف هجَر العمال إلى الضواحي والأحياء الهامشية (suburbs) ليعملوا في البناء والخدمات، ولكن غالباً ضمن شروط اقتصادية هشة، وهذا أنتج طبقة “أبناء المدن الريفيين”، التي تحمل قيم الريف لكنها تُمارس نمط معيشة مدني هش، ومنهم العاملون في البناء في دمشق أو حلب الذين قدموا من القرى المجاورة.
وإن اقتصاد السوق في التسعينيات من القرن الماضي، أعاد ترسيخ الفجوة الطبقية بين النخب التجارية في دمشق وحلب التي راكمت الثروات، في حين عانت المناطق الريفية في الجزيرة والبادية مثلاً، من التهميش التنموي والجفاف (موجات بين 2007–2010).
وهذا التهميش دفع موجات هجرة داخلية نحو المدن، حيث تشكّلت ضواحٍ عشوائية مثل مساكن برزة في دمشق أو أطراف حلب، ومن هنا يمكن استخدام مفهوم التمدّن غير الرسمي (informal urbanization) لفهم كيف يندمج الريفيون في المدن لكن ضمن شروط هشّة، ما ينتج “طبقة وسطى متكسّرة” بين قيم الريف وصلابة حياة المدينة.
في سنوات ما قبل 2011، شهدت بعض المناطق الريفية (خصوصاً في الشمال الشرقي والجزيرة السورية) أزمة استثمار زراعي. وفي حديثه عن “اقتصاد الريف في سوريا وروايته الطبقية”، يبيّن بورازان أن جزءاً كبيراً من الفلاحين ظلّوا في فقر نسبي رغم المشاريع الحكومية، وأن بعض الأراضي تحوّلت إلى مشاريع ضخمة تابعة للدولة أو للشركات الكبيرة.
كذلك، في المدن، والنخب الاقتصادية من التجار، وكبار رجال الأعمال المرتبطين بالنظام أو بالحالة الملائمة، استحوذوا على الفوائد الأساسية من النمو، في حين الطبقة المتوسطية أو الدنيا في المدن، عانت من التضخم وارتفاع تكاليف السكن والخدمات.
بالإضافة إلى ذلك، بعد الثورة، كان تدمير البنى التحتية في المدن ومناطق سيطرة النظام البائد، قد أكسب تجاراً ومطوّرين ممن كانوا قريبين من مراكز السلطة وإيران، قدرة إعادة بناء واحتكار المشاريع العقارية، مما زاد التفاوت بين من يملكون رأس المال ومن لا يملكونه، كما حدث في بعض المناطق الدمشقية مثل المزة والمعضمية وقدسيا، مما رفّع أسعار العقارات، فطُرد السكان الأصليون إلى الضواحي أو المناطق الأقل كلفة، أو غادروا البلاد بشكل نهائي.
وبموازاة ذلك، يُلاحظ أن الريف المتضرر من الحرب، وعزلته عن السوق وجد صعوبة في التشبث بالزراعة، ما دفعه للاعتماد على التهريب أو الانضمام إلى اقتصاد الحرب، أو الهجرة إلى الخارج، أو الاستسلام للفقر والحصار.
البعد الثقافي والتحولات الرمزية
الثقافة السورية مثقلة برموز العلاقة بين الريف والمدينة، وفق بورديو، فإن التمايز بين الريف والمدينة ليس فقط اقتصادياً بل هو أيضاً رأس مال ثقافي ورمزي. فالمدينة تمثل نمط الحداثة والتعليم والبيروقراطية، في حين يُقدَّم الريف كرمز للأصالة والقيم والتضحية.
ويعكس الأدب السوري هذه الجدلية؛ حنا مينه صوّر الريف كحامل للنقاء والأصالة والطيبة والبطولة، في حين غادة السمان كتبت عن المدينة كفضاء للاغتراب والتعقيد والذوبان في الآخر، وفي الخطاب الرسمي البعثي والأسدي، استُخدم الريف كرمز للروح القومية، لكن في الممارسة بقي خاضعاً لتهميش اقتصادي.
الهجرة الريفية إلى المدن منذ السبعينيات خلقت ما يسميه علماء الاجتماع التهجين الثقافي (cultural hybridity)، إذ أصبحت المدن فضاءات مختلطة في اللهجات، والأطعمة، والعادات، ولكن في المقابل، نشأت صورة نمطية سلبية عن “الريفي” كغريب يهدد نقاء الهوية المدينية.
وهذه الثنائية الرمزية تذكّرنا بتحليل إدوارد سعيد لــSelf vs. Other، حيث يُشيطن الآخر المختلف ثقافياً لتثبيت الهوية الذاتية، ومثال ذلك، في ضواحي دمشق مثل الغوطة، وهي حلقة ريفية محفورة داخل الحزام الحضري لدمشق، كانت تواجه دائماً نزعة أنهم “ريف دخيل” على المدينة، رغم ارتباطها التاريخي بالمنظومة الاقتصادية لدمشق، وكذلك حي المهاجرين (Muhajreen)، وهو حي يحوي سكاناً قدموا من الهجرة الريفية أو من خلفيات خارج المدينة.
وإنه بوسعنا القول: إن البعد الثقافي هو ساحة الصراع الأكثر رقة بين الريف والمدينة: الريف السوري يطالب باعتراف هويته الرمزية، والمدينة تحاول دمجه أو تهميشه، والنتيجة خلط ثقافي يولّد تفاوتات في الحياة الاقتصادية، والانتماء الاجتماعي والثقافي.
انعكاسات الصراع بعد 2011 وأثرها على الهوية الوطنية
في البداية، كانت الاحتجاجات في الريف أولى: درعا وريفها، ريف دمشق، ريف حماة وغيرها، هذا التوزّع الريفي لا يعني أنه لم يكن في المدن نشاط، لكن الريف كان البوّابة الأولى، وهذا يعكس أن من شعر بالحرمان أولاً هم الذين يعيشون على هامش الخدمات والتنمية.. كما يشير بحث “The Spectre of Rural-Urban Relations” إلى أن شبكة العلاقات الريفية (العائلات الممتدة، والتواصل القبلي أو العشائري) كانت عاملاً في انتشار الحراك خارج المدن.
ومع تحوّل الانتفاضة إلى نزاع مسلّح، تحولت الأرياف إلى ساحات قتال رئيسية، في حين صارت المدن الكبرى ملاذاً للنزوح ومراكز للسلطة الأمنية، وجرى القتال داخل أحياء حلب والعاصمة دمشق وحمص حيناً من الزمن.
وهذا أعاد إنتاج نموذج المركز–الهامش بشكل أعنف؛ المدينة كمساحة أمان نسبي تحت سيطرة الدولة، والريف كمجال للفوضى والاقتتال، وهذا الانقسام جعل فكرة “الأمة السورية الجامعة” أكثر هشاشة، ورسّخ خط الانقسام الاجتماعي والسياسي.
في دمشق، الحرب والدمار فرضا إعادة توزيع سكانية؛ بعض الأحياء التي أصابها القصف تم إخلاؤها، وبعض السكان نزحوا إلى الأرياف أو إلى ضواحي جديدة. وتغيرت أنماط السكن، وشبكات النقل والحيز العام تشكّلت بطرق جديدة، بمعنى أن المشروع الحضري نفسه تغيّر، ومن جهة أخرى، النزوح الريفي بات يوجه كثيراً من السكان إلى المدن أو الأحياء الهامشية.
وخلاصة الفكرة من ناحية الهوية الوطنية، أعاد الصراع إنتاج تقسيمات؛ من يعيش في الريف أو في المناطق التي تُعد “معارضة” غالباً يُنظر إليه كمُمثل “المقاومة” أو “الثورة”، في حين من بقي في المدن أو تحت سيطرة النظام يُنظر إليه كمُحافظ أو متواطئ.
وهذا الانقسام الرمزي أضعف فكرة “المواطنة الموحدة”، وكما ذابت العلاقات الاجتماعية القديمة مثل الجيرة المشتركة، والقواسم الاقتصادية، والولاءات العائلية، أمام اتساع وتيرة الحرب والهجرة والدمار.
سوريا الجديدة ومعضلة التنمية المتوازنة ..
بعد سقوط نظام الأسد وظهور نظام سياسي جديد، تواجه سوريا الجديدة معضلة مركزية تتمثل في كيفية إعادة بناء العلاقة بين الريف والمدينة على أسس تنموية عادلة ومتوازنة، فالتجربة التاريخية الطويلة أثبتت أن أي مشروع وطني لا ينجح ما لم يُعالج جذور التفاوت البنيوي بين المركز والأطراف.
فالمدن السورية الكبرى كانت تاريخياً مركز القرار والثروة والتطوير الحضري، في حين ظلّ الريف خزّاناً بشرياً واقتصادياً يُستنزف من دون إشراك سياسي وتنموي كافٍ، واليوم، بعد أن غيّرت الحرب موازين القوة والمجتمع معاً، لم يعد ممكناً إعادة إنتاج النموذج القديم، بل باتت الحاجة ملحّة إلى نموذج جديد من التنمية الموزعة (Distributed Development)، يقوم على اللامركزية الإدارية والعدالة المكانية.
وفي هذا الإطار، يمكن الاستفادة من نظريات التنمية ما بعد الصراع التي قدّمها أمارتيا سن (Amartya Sen, 1999) حول “القدرات البشرية” بوصفها أساس التنمية، فالمطلوب في سوريا الجديدة ليس فقط بناء الطرق والسدود، بل دمج الإنسان الريفي في القرار والتخطيط.
وفقاً لتحليل ريموند هينبوش (2022) في دراسته عن “سوريا بعد السلطوية”، فإن الدولة المركزية التي حكمت عبر الأجهزة الأمنية والإدارية أضعفت روح المبادرة في المجتمع المحلي، في حين التنمية المتوازنة تفترض تمكين البلديات والمجالس المحلية، وتوزيع السلطة على مستويات أفقية لا رأسية.
الريف السوري اليوم يملك إمكانات ضخمة من أراضٍ زراعية خصبة، وطاقات بشرية شابة، وروابط اجتماعية متماسكة، لكنه يحتاج إلى استثمار ذكي وموجّه يضمن الاستدامة والعدالة، وأمّا المدن، التي تضرّرت من الحرب، فهي مطالَبة بإعادة تعريف دورها كمراكز إنتاج معلوماتي وخدماتي.
وإن ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي ألان تورين (Touraine, 2000) بـ”المجتمع الفاعل” يجب أن يكون قاعدة سوريا الجديدة: أي مجتمع يشارك فيه الفلاح والعامل والطالب والمثقف في صناعة القرار، بدلاً من الدولة الوصية أو الحزب التسلطي الواحد.
إن إعادة بناء سوريا بعد حقبة التسلط البعثي والأسدي، تضع أمامنا تحدياً كبيراً: كيف نعيد ردم الهوة بين الريف والمدينة بحيث لا يُعاد إنتاج تفاوت وصراع اقتصادي وثقافي واجتماعي جديد؟ كيف نُرسّخ مشروعات تنموية تعترف بالخصوصيات الريفية كما تعترف بمتطلبات المدن؟ وكيف نبني هوية وطنية للسوريين مع الحفاظ على اختلافاتهم الرمزية؟
تلفزيون سوريا



