مقالات تناولت المناطق المدمرة وإعادة الاعمار

مدن الخراب في الريف الدمشقي: لكل “تعفيشة” تاجر!/ زيد قطريب
الخميس 2025/10/16
دمشق مزنّرة بالخراب. هكذا يبدو المشهد، لزائري المدينة، وهم يهبطون في الحافلات من أعلى تلّة “الثنايا”، نحو أقدم عاصمة في التاريخ. المعارك كانت ضارية هنا، بدءاً من عدرا ودوما وحرستا والقابون، وصولاً إلى جوبر وعين ترما والكباس.. ترى أين اختفى السكان، حتى بدت تلك القرى وكأنها مناطق أشباح؟
يؤكد العائدون إلى مخيم اليرموك، أنهم لم يعرفوا أين تقع منازلهم، من شدة الخراب.. فلا شوارع أو علامات تدلهم على الأمكنة، فقط أكوام من الركام، تداخلها أشجار يابسة، أو بعض الأعمدة الناجية من القصف. الجميع يتحدث عن شاحنات الحديد والخردة، التي كانت تخرج من تلك المناطق، إلى معامل الصهر وإعادة التدوير. “فحتى الخراب، استطاع النظام السابق، أن يستفيد منه”، تقول إحدى العائدات لمخيم اليرموك، التي كانت تأمل بالعثور على بعض الجدران الواقفة في منزلها، لكنها للأسف لم تستطع إيجاد البيت نهائياً.
منذ العام 2011، نشأت طبقة جديدة من أثرياء الحرب في سوريا، وكان أشهرهم مَن مارس تعفيش الأثاث المنزلي ومعدات البنية التحتية، لكن سحب القضبان الحديد من جدران الباطون والركائز والسقوف، لم يخطر في بال أحد، نظراً للمعدات والكادر البشري الذي يتطلبه. فجاءت صفقة مع أحد التجار، لتجعل كل شيء ممكناً، وما هي إلا مدة قصيرة، حتى بدأت الشاحنات المحملة بحديد الأبنية المنهارة، تظهر للعيان في طريق المتحلق الجنوبي.
مع الوقت، ظهر اختصاصيون في كافة أنواع البضائع المعفشة. جماعة متخصصة في الحديد، وأخرى في النحاس، وأخرى في الأدوات الكهربائية والأثاث المنزلي.. حتى كابلات الهاتف المطمورة وشبكات المياه، وجدت من يحولها إلى تجارة رابحة في سوق المُستعمل، حيث كانت تباع بكميات ضخمة بأبخس الأسعار..
ريف دمشق
أناس كثر عثروا على أثاث منازلهم ضمن معروضات سوق الحرامية في شارع الثورة بدمشق، وبعضهم الآخر، فوجئ بالخزانة أو غرفة النوم ومعدات المطبخ، فعمد من يملك القدرة، إلى شرائها من جديد، لأنها باتت الأثر الوحيد من تاريخهم العائلي، أما من لم يتوافر لديه المال الكافي، فاكتفى بالحسرة على رؤية جزء من ذاكرته يباع على الرصيف.
نحاول اقتفاء الذاكرة، في آخر حي التضامن حيث امتدت خطوط التماس، خصوصاً في المنطقة المعروفة بحيّ “الطبب” العشوائي. الحرب دمّرت البيوت بالكامل، وحوّلتها إلى أكوام ضخمة من الركام، لا يمكن التعرف إليها، حتى بالنسبة إلى من سكن هذه الحارات، سنوات طويلة من الزمن.
نسأل إمرأة الجالسات أمام ركام بيت: أين هو الفرن؟ وهل ما يظهر من هذا الشارع، هو الشارع الزراعي؟ فتقول: نعم! لكننا نكتشف بأن الفرن تلاشى، وبيت أم أكرم أصبح خراباً، أما صاحب البسطة “أبو رغيد”، فقد قتل في بداية الحرب، مع ابنه، عندما هاجمه مجهولون بالسكاكين. نقول للمرأة: على مهلك! فقدت قضيتِ على معظم أهالي حارتنا القديمة! فتضيف بأن بيت غرز الدين هو ذلك الركام الذي يظهر من بعيد، أما بيت دلول، فقد مسح عن الأرض نهائياً، ويرجح أنه كان في ذلك المربع، وتشير إلى مساحة لا يظهر منها سوى بقايا “البلوك”!
ريف دمشق
مات معظم سكان الحيّ، في عمليات القتل والقتل المضاد، وجزء منهم قضى بالقصف المدفعي وقذائف الهاون. ذلك الشريط الفاصل بين نهاية “التضامن”، حيث يقع فرن “أبو ترابي”، ونهاية حيّ “الطبب”، كان الأخطر، باعتباره خط تماس بين الجنوب والشمال، لكنك كلما اتجهت بشكل معاكس، راح الخراب يقلّ، وبالتالي يمكن اكتشاف معالم الجغرافيا لمن يعرف تلك المنطقة جيداً.
ريف دمشق
لم يبق للفقراء في تلك المناطق المدمرة، سوى جمع عبوات البلاستيك، والمخلّفات التي لم يعبأ بحملها تجار الحرب. ففوق كومة من الخراب الهائل، نعثر على ثلاثة أطفال يجمعون تلك الأشياء في أكياس، لكنهم يخافون من الكاميرا، ومع التودد يخبروننا أنهم يبيعون ما يجمعونه آخر النهار، كي يسدوا رمق العائلة الفقيرة، لأن الأب مات، والأبناء عددهم كبير!
يعود زائر تلك المناطق، بعبء ضخم من التشوهات والهول. تُرى هل يمكن تجاوز هذا كله؟ وبأية طريقة يمكن صياغة صفحة أقل سواداً مما شاهدناه؟ لكن ابتسامتَي الطفلتين وفاء وهديل، أثناء حديثهما عن جمع البلاستيك، يؤكد أن الحياة ستستمر، وأنه لا بد من ضوءٍ ولو شحيح، ينهي ظُلمة هذا النفق.
المدن
———————————–
حي «الدخانية» قرب دمشق نموذج لليأس من إعادة الإعمار
ترميم محدود بمبادرات فردية… وتعويل حكومي على الاستثمارات
دمشق: موفق محمد
14 أكتوبر 2025 م
يدل المشهد على مشارف مدخل حي «الدخانية»، على أن لا حياة فيه ينتظر إعادة الإعمار بعد سنوات الحرب. طوابق علوية من أبنية دُمّر معظم جدرانها، وتدلت أجزاء من أسقفها جراء قصف عنيف تعرضت له.
«الدخانية» أحد أحياء ضاحية جرمانا في ريف دمشق الشرقي، أو ما يعرف بين السوريين بـ«الغوطة الشرقية»، وكان معقلاً رئيسياً لفصائل المعارضة المسلحة وساحة معارك عنيفة خلال سنوات الحرب.
وكان محافظ ريف دمشق، عامر الشيخ، قد أعلن في أبريل (نيسان) الماضي، أن نسبة الدمار في بعض مناطق المحافظة تصل إلى 70 في المائة، موضحاً أن هناك مناطق دُمرت بشكل شبه كامل؛ مثل «الغوطة الشرقية، وداريا، والزبداني، ودوما، وحرستا، ووادي بردى، وجنوب دمشق».
كما أعلنت محافظة ريف دمشق، مؤخراً، عن إحصائيات للقطاعات التي دمرها النظام السابق، منها المنازل السكنية، مشيرة إلى أن عدد المنازل المدمرة كلياً وتحتاج إلى إعادة بناء، يبلغ 75 ألف منزل، أما المدمرة جزئياً وتحتاج إلى ترميم وتجهيز فيبلغ عددها 125 ألف منزل، بتكلفة إجمالية تصل إلى 12 ألف مليار دولار.
يصعب الدخول إلى حي الدخانية، بسبب تلال الردم المنتشرة على مداخل الشوارع الرئيسية. وفي ظل هذا الوضع، وجدنا ضالتنا في عامل محطة وقود على طريق رئيسي محاذٍ للحي طلباً للمساعدة. وبعد حديث طويل، استجاب العامل لطلبنا، وفتح بوابة حديدية كبيرة مجاورة للمحطة. قال: «من هنا بإمكانك الدخول سيراً»، محذراً من الخطر، كون معظم المباني التي قدّر لها أن تبقى قائمة، آيلة للسقوط.
خلف البوابة تُشاهدُ ساحة ترابية واسعة محاطة بسور إسمنتي ارتفاعه نحو مترين، وتظهر خلف جهتها الشرقية أبنية من الحي مدمرة، وثقوب الرصاص واضحة فيما تبقى من جدرانها.
الدخول إلى الحي من إحدى الفتحات لم يكن أمراً سهلاً، لأنه يُحتم تسلّق تلة عالية من الردم موجودة وراءها، ما يُعرّض المرء للانزلاق في أي لحظة. ومع اعتلاء التلة يظهر مشهد دمار هائل وتلال ركام تجمعت من أنقاض أبنية منهارة كلياً وأخرى جزئياً.
ينسحب المشهد ذاته على وسط الحي. لكن الأمر لم يخلُ من استثناء؛ إذ كان شابان يقومان بترميم شقة في مبنى دُمّر معظم جدرانه الخارجية وسقف الطابق الذي فوقه.
الصعود إليهما لم يكن بالأمر اليسير وتم بمساعدتهما. روى أحدهما بعدما عرّف عن نفسه باسم «أحمد» الدوافع وراء ترميم شقة عائلته؛ وهي العودة للعيش في بيتهم والتخفيف من تكاليف المعيشة التي أفقدتهم القدرة على دفع بدل إيجار شهري يبلغ 150 دولاراً في قرية مجاورة.
شكا الشاب من ارتفاع خيالي في أسعار مستلزمات الترميم، وقدّر تكلفة ترميم الشقة بنحو 7 آلاف دولار، مؤكداً أن معظم المبلغ تم اقتراضه من أقارب وأصدقاء، فأجره الشهري من عمل في كشك صغير، لا يتعدى 200 دولار، وبالكاد يكفي لتأمين معيشة العائلة.
ومع أن التدمير شمل البنى التحتية في الحي، ما أدى إلى انعدام كل الخدمات الأساسية (مياه، وصرف صحي، وكهرباء)، أبدى أحمد إصراراً شديداً على العودة، وقال: «سنتدبر أمرنا. المهم أن نعود إلى بيتنا، ونتخلص من عبء الإيجار».
استثناء آخر ظهر على بعد نحو 100 متر، حيث كان العمال منهمكين في إعادة بناء شقة مدمرة كلياً.
أحد العمال الذي بدا من حديثه أنه من أبناء الحي النازحين، أبدى عتبه على الحكومة والمنظمات الإنسانية الدولية لعدم اكتراثها بما آل إليه الوضع في الأحياء. وقال: «الأسد منعنا من العودة لأننا قاتلناه وقد أسقطناه، واليوم الناس تريد العودة، والحكومة والمنظمات أقل ما يمكن أن تفعله مساعدتنا بإزالة الأنقاض، وإعادة الخدمات»، لافتاً إلى معاناة كبيرة يتكبدها صاحب الشقة في جلب مستلزمات الترميم عبر طريق ترابي.
وتوسمت عائلات المناطق المدمرة كلياً وجزئياً خيراً بحملات التبرع التي أقيمت في عدد من المحافظات، بهدف ترميم ما أفرزته الحرب من دمار في البنى التحتية والخدمات الأساسية؛ منها حملة «ريفنا بيستاهل» في ريف دمشق التي بلغ حجم التبرعات فيها، أكثر من 76 مليون ليرة سورية.
بيد أن العامل لم يُبدِ تفاؤلاً وقال هو يجهز «البيتون»: «حتى لو خصصوا مبالغ للحي فكل ما جمعته (ريفنا بيستاهل) قد لا يكفي لإعادة الكهرباء فقط».
أهمية استراتيجية
لا تتجاوز مساحة الحي كيلومتراً مربعاً، وكان يتبع إدارياً محافظة دمشق. لكن بعد جدل بين الأخيرة ومحافظة ريف دمشق بشأنه، ألحق عام 2016 بضاحية جرمانا. وقدّرت عدة مصادر مسؤولة في جرمانا لـ«الشرق الأوسط»، أن عدد سكان «الدخانية» قبل الحرب بنحو 100 ألف نسمة، ينحدرون من معظم المحافظات السورية.
ويكتسب الحي أهمية استراتيجية، كونه يقع على طريق المتحلق الجنوبي من الجهة الشرقية، ولا يبعد سوى مئات الأمتار عن أحياء دمشق القديمة، وهو ملاصق لحيي الكباس وكشكول، وكان معظم السكان فيهما موالين لنظام الأسد، عدا عن أن السيطرة على الحي تشكل تهديداً لطريق مطار دمشق الدولي.
هذه الأهمية ولّدت الخشية من تسلل مقاتلي المعارضة في «الدخانية» إلى دمشق، بعد سيطرتهم عليه في أكتوبر (تشرين الأول) 2014. ولذلك، استمات النظام لاستعادته، فقصفه بالطيران الحربي والبراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية المحرمة دولياً، حتى تمكن من السيطرة عليه في الشهر ذاته، بعد تدميره كلياً ونزوح جميع سكانه.
3 جادات ناجية
في مقابل هذا الدمار الهائل، تظهر مفاجأة في أقصى شرقي «الدخانية»، بوجود 3 جادات ناجية من الدمار ومنازلها مأهولة بالسكان، والسؤال الذي يتبادر للمرء في تلك اللحظة، هو: كيف نجت؟
الإجابة كانت عند وسيم الذي ذكر أن أغلبية شبان الحي انضموا في بداية الثورة إلى فصائل المعارضة بالغوطة، ولذلك قصفه النظام السابق بوحشية ودمره.
وخلال عمليات القصف ونزوح الأهالي، استولى قائد ميليشيا موالية للأسد اسمه، شادي العلي، على منازل في تلك الجادات التي لم يكن القصف وصل إليها بعد، وعمل على تأجير المنازل للموالين منذ أواخر عام 2014 حتى سقوط النظام. ومثلُ كثير من قادة الميليشيات، هرب العلي والمستأجرون من تلك المنازل ليلة سقوط الأسد، وبدأ سكانها الأصليون بالعودة إليها.
لا حلول إسعافية
الصراحة كانت واضحة لدى مسؤولين في الحكومة الجديدة التي ورثت تركة دمار في كل المجالات، وتواجه تحديات كبيرة وصعبة، بينها إعادة إعمار المناطق المدمرة وإعادة النازحين إليها. وفي ظل افتقارها للموارد المالية اللازمة، تعوّل الحكومة على قدوم شركات استثمارية عربية وأجنبية لإعادة إعمار المناطق المدمرة.
وقال مسؤول الإعلام في منطقة الغوطة الشرقية، عمر المحمد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تخطط له الحكومة بشأن المناطق المدمرة كلياً، «لا يزال في طور الأفكار التي من بينها حالياً بناء شركات استثمارية لأبراج سكنية فيها». وكشف المحمد عن غياب الخطط الإسعافية لدى الحكومة لإحياء المناطق المدمرة كلياً من أجل عودة السكان إليها، مؤقتاً، ريثما تتم إعادة بنائها من قبل مستثمرين.
وأوضح أن «الحكومة لا تستطيع السماح بترميم شقق (سلامتها الإنشائية صفر)، لأن ذلك يشكل خطراً على حياة الأفراد. كذلك لا يمكن ترميم البيوت ومن ثم تُخرج الناس منها لإعادة بنائها، لأن تكلفة الترميم ستذهب سدى». وعدّ المحمد مشكلة المناطق المدمرة كلياً «ضخمة ولا يمكن حلها بشكل إسعافي».
وإن كانت أموال التبرعات التي جُمعت في حملة «ريفنا بيستاهل» سيتم تخصيص جزء منها لإعادة خدمات أساسية، ذكر المحمد أن التصرف في تلك الأموال يحتاج إلى خطة مدروسة، لافتاً إلى أنه «حتى الآن لا يوجد تصريح بكيفية التعامل مع هذه الأموال».
الشرق الأوسط
—————————-
حي القدم: مرآة مصغرة لسوريا ما بعد الأسد/ بثينة عوض
الاثنين 2025/10/13
في عام 2000، وتحديداً في منطقة الفحامة بدمشق، كنت أبحث عن مقعد شاغر في أحد السرفيسات القديمة التي بدت مقاعدها المتهالكة شاهداً على تعب المدينة وسنواتها الطويلة. أردت أن أكتشف دمشق أكثر، صعدت وسط تدافع الطوابير المنتظرة، ونجحت أخيراً في الظفر بمقعد جانبي لا يصلح للجلوس بقدر ما يصلح للهروب من الانتظار الذي طالما كرهته.
طالت المسافة، وبدأ الركاب بالنزول واحداً تلو الآخر. التفتُّ إلى أحدهم وسألته: “وين الدويلعة”.
ابتسم وقال: “إنت هون… بحي القدم”.
كان جوابه كافياً ليفتح أمامي نافذة جديدة على دمشق لا تشبه تلك التي عرفتها من قبل. حي القدم، كما علمت لاحقاً، يعود في تسميته إلى روايتين: الأولى تشير إلى صخرة قديمة في مسجد القدم كانت تُنسب إليها البركة، والثانية تربط الاسم بمدينة يمنية قدم أهلها إلى هذا المكان بعد الفتح الإسلامي.
لكن ما رأيته بعيني لم يكن أسطورة اسم ولا أثر حجر، بل حيّاً متعباً مثل أفراده، مختلطاً وعشوائياً، تتسارع فيه خطى الناس بحثاً عن لقمة العيش في مواجهة ضيق الحال وتقلّب الأيام.
يقع حي القدم في الجزء الجنوبي من دمشق، إلى الغرب من مخيم اليرموك، ويُعدّ أحد مداخل العاصمة الجنوبية، محيطاً بالمدينة القديمة من طرفها السفلي. تحدّه أحياء الحجر الأسود وداريا والسبينة والميدان والمزة وكفرسوسة، ما يجعله نقطة تماس بين دمشق التاريخية وضواحيها المتغيرة باستمرار.
رائحة الخبز
استيقظت على جوعٍ رمادي في صباح خريفي من دمشق. كانت رائحة الخبز المنبعثة من فرن آلي في حي القدم كافية لتوقظ المدينة فيّ. اشتريت رغيفاً وأكلته وأنا أتأمل المكان، في الأحاديث العابرة حولي، التقطت لكنات مختلفة، توحي بتنوع ساكني الحي القادمين من أطراف البلاد، لكن ما جمعهم جميعاً هو العيش في حي بالكاد يصلح للحياة ــ أو لعله ظل كذلك حتى اندلاع الثورة.
خلافاً لما يُشاع، لم يكن حي القدم عشوائياً بالكامل. ففي سبعينيات القرن الماضي، وضع النظام السوري خططاً لتوسيع دمشق جنوباً، في ما كان يُسمّى حينها بـ”دمشق الجديدة”. كان الهدف إنشاء مناطق سكنية تُخصَّص للعائلات المقرّبة من السلطة، وتُمنح فيها الامتيازات لعناصر الجيش والمخابرات، لتشكل حزاماً اجتماعياً موالياً يحاصر العاصمة القديمة من جهتها الجنوبية.
لكن العقود التالية حولت هذه الطموحات إلى واقعٍ مختلف تماماً. فمع تزايد الهجرة الداخلية والفقر، تسرّبت العشوائية إلى أطراف الحي، وتراكمت مظاهر الإهمال. ومع اندلاع الاحتجاجات الأولى في 2011، كان حي القدم من أوائل الأحياء التي شهدت مظاهرات، سرعان ما تحولت إلى مواجهات مسلحة.
ثم انفجر الحي. تحول إلى جبهة تماس دائمة: الجيش طوّقه من جهة الميدان، والفصائل المسلحة تمركزت في الجهة المقابلة، من ناحية الحجر الأسود. وبين الطرفين، بقي المدنيون رهائن ينتظرون رغيفاً جديداً من الخبز الذي صار رمزاً للحياة نفسها.
في عام 2018، استعاد النظام السيطرة على الحي بعد حملات تهجير وتدمير شاملة. تم إخلاء الحي من سكانه تقريباً، وأُعيد رسم خرائطه العقارية ضمن المرسوم التنظيمي رقم 66، الذي شمل القدم والعسالي، تحت مسمى مشروع “باسيليا سيتي” ــ المشروع الذي رُوّج له بوصفه مدينة سياحية حديثة تعيد الحياة إلى جنوب دمشق.
لكن ما عاد من الحياة كان إسماً بلا روح. فحين حاول بعض أبناء القدم العودة، اكتشفوا أن منازلهم صودرت أو بيعت تحت لافتة “إعادة الإعمار”، وأن عائلاتٍ جديدة مرتبطة بالأجهزة الأمنية أُسكنت مكانهم.
يومها، أدرك أبناء الحي الأصليون أنهم خسروا الحجر والذاكرة وشقاء العمر. رحلوا إلى غير رجعة، تاركين خلفهم صدى أصوات في الأزقة الضيقة، جدراناً مثقوبة برصاص الحرب، ونوافذ كانت تطلّ على البساتين صارت تشهد على أبنية مهدمة بالقصف. هكذا انتهت القدَم القديمة، لتُبعث من تحت ركامها مدينة أخرى بلا سكان، تحمل الاسم نفسه، لكن لا تشبهه في شيء.
التحرير
“يسقط النظام”… كانت تلك العبارة بداية فصلٍ جديد من الحكاية في حي القدم. ومع أولى إشارات الانهيار، قرّر من تبقّى من أهالي الحي العودة إلى ديارهم. غير أن الطريق إلى البيت لم تكن طريقاً إلى الطمأنينة، بل إلى ماضٍ موجع. كل خطوة كانت تُثقلها الذكريات، وكل بابٍ يُفتح كان يفضي إلى سؤالٍ مؤلم:
هل ما زال هذا البيت لي؟
فمن سكن البيوت بعدهم، كان يحمل ورقة مختومة بختم النظام القديم، ورقة تُثبت “الملكية” رسمياً، لكنها تُشعل دفاتر المظلوميات والحقوق والانتماءات. ومع عودة الناس، انفجرت صراعات جديدة في الحي الذي كان يوماً يتقاسم فيه الجميع رغيف الخبز الواحد.
تحوّل الختم من رمزٍ للشرعية إلى تهمةٍ جاهزة. كل من امتلك وثيقة رسمية أصبح مشكوكاً فيه، وكل من لم يمتلكها صار يُسأل عن طائفته وانتمائه. وهكذا، عادت الحرب إلى القدم، لكن بوجهٍ جديد: حرب الهويات والانتماءات، لا حرب السلاح. توتر قاسٍ اجتاح المكان، حيث بدأ الحي الذي صمد في وجه النظام يُفرغ غضبه على من اعتُبروا جزءاً منه.
داخل هذا المشهد، ارتباك عاطفي عميق يخيّم على القدم. فكل بيت هناك تحول إلى أرشيف صغير لعلاقة شخصية مع الدولة: من قبض راتباً منها، من عذب في سجونها، من نجا بفضلها، ومن فقد بيته باسمها.
لكن المأساة تتكرر. فبينما تحاول “الدولة الجديدة” ترميم النظام الاجتماعي وإعادة فرض القانون، تُعاد الأخطاء ذاتها؛ تُهاجم بيوت من يُعتقد أنهم ينتمون إلى طائفة النظام البائد، تحت ذريعة الثأر والعدالة. وهكذا يبقى الحي عالقاً بين ماضٍ لم يُحاسب، وحاضرٍ لم يتعلم بعد كيف يُنصف الجميع.
معارك الملكيّة
هي ليست مجرد نزاعات عقارية، بل معركة العودة إلى المكان ــ بين سلطة السكان الأصليين الذين يرون في عودتهم حقاً تاريخياً غير قابل للتفاوض، وسلطة الوافدين الذين بنوا استقرارهم في سنوات غياب الدولة وتحولهم إلى أمر واقع.
البيوت التي صمدت أمام القصف تعيش اليوم حرباً جديدة: حرب الورق، وحرب القلق.
الناس يخشون أن تُعاد الجدران المهدمة، لكن من دون القدرة على ترميم الأرواح التي تهشّمت في الداخل.
في هذا السياق، تحاول الحكومة الجديدة صياغة قانون جديد للملكيّة في المناطق “المتضررة”، على حد وصفها. ووفق بيان صادر عن محافظة دمشق، فإن السلطات “تدخلت فوراً لضبط الموقف” بعد خلاف محدود بين عدد من الأهالي، مؤكدة ضرورة الاحتكام إلى القانون والمؤسسات المختصّة، وعدم الانجرار وراء أي ردود فعلٍ فردية.
لكن البيان جاء بعد تهجير فعليّ لعدد من العائلات العلوية من الحي، في منتصف الليل، وبقوة السلاح.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل ما يجري هو محاولات تهجير ممنهجة، أم ضغط طارئ ناتج عن انهيار الثقة والخوف المتبادل؟
الإجابة تكمن في التفاصيل. فالعائلات العلوية التي استقرّت في القدم خلال سنوات الحرب، خصوصاً في حارات العَنّازة والجزء المعروف بـ”حي الأسد ــ المحطة”، باتت اليوم تحت تهديد مباشر، إذ يصورها بعض المهاجمين على أنها “غريبة عن المكان” أو “ليست من أصحاب الأرض”، مع مطالبات علنية بإبعادها.
ورغم قسوة المشهد، فإن ما يحدث ــ وفق شهادات متقاطعة ــ ليس تهجيراً منظماً شاملاً، بقدر ما هو سلسلة من حالات الإخلاء القسري، والاختطاف الفردي، والدعوات ذات الطابع الطائفي.
هذه الأفعال تتغذى على بيئة الفوضى التي تلت سقوط النظام، حيث الفراغ القانوني يسمح للمجموعات المحلية أو الأفراد باستثمار النزاعات العقارية والطائفية لتحقيق مكاسب أو انتقام.
لكن ما يجب أن نتذكره كسوريين، بعدما دفعنا أثماناً باهظة من حياتنا وذاكرتنا، هو أنه لا يمكن بناء بيوتٍ جديدة على أنقاض الذاكرة القديمة، ولا يمكن أن نحيا داخل دائرة ثأر دائمة.
وفي المساء، حين تُطفأ أضواء المولدات وتغرق الأزقة في الظلام، يبقى السؤال معلقاً: هل سنسمح لهذا الحي أن يعيش من جديد؟ أم سيبقى عالقاً في نصف العودة، بين الخراب والحنين؟
المدن
——————————
======================



