منوعات

“سرجيلا” النغم المنسي/ عبير داغر اسبر

21 أكتوبر 2025

علّمتني سورية الكثير، لكن خبراتها في الحزن أكثر ما مررته في سلاسل جيناتها، ليرافق أبناءها من المهد إلى اللحد. أخبرك أن لا بلد يجرؤ على تسمية مدنه بالمنسية، إن لم يكن قد ربّى أحزانه بأناةٍ وصبرٍ وأغانٍ، كما تُربي نساؤه الجدائل. أراهن أن حكاياتنا تشبه كل البلاد التي قمّرتها الشمس منذ الأزل، وأراهن أننا نتنافس في مرويات الحزن والغزو، لكننا نتفرّد عنهم بالنسيان، فننسى أسماءنا، وقراباتنا، وحكاياتنا. نعتنق النسيان إلى درجة أننا نلبسه مدننا بحالها.

دخلتُ سورية من بوابات كثيرة، طرقتُ أبواباً مرئية وأخرى لا تتيحها إلا المخيلة، لكني لم أغصّ بحزنٍ مقطّر إلا عندما تنفستُ ذاك الهواء المشبع بالنكران، هناك في قلب مفردتين كافرتين: “المدن المنسية”.

تحت ذاك الهواء بالذات، تبدّت “المدن المنسية” في الشمال الغربي من سورية كأنها لوح نبوءةٍ نبت على أطرافه الزمن. عقدٌ طويل من قرى حجرية تتناثر على كتلة كلسية بين جبل باريشا وجبل الزاوية وجبل سمعان: بيوت ذات واجهات مشذّبة، عتبات عالية، أقواس تحرس الأبواب، صهاريج لجمع ماء الشتاء، معاصر زيت مدفونة في الحوش، حمّامات صغيرة، كنائس صامدة بلا سقوف لكنها تحفظ الصوت. ازدهرت هذه القرى بين أواخر العصر الروماني وبدايات العصر البيزنطي، لقرونٍ كان فيها الزيت والنبيذ عملتين رائجتين، وكان الطريق إلى أنطاكيا وحمص وأفاميا شرياناً يصل المدن بالعالم. ثم جاء الزمن بجديده الآثم، فتبدّلت طرق التجارة والسلطات، وفقدت القرى أسباب صخبها، وبقيت الأحجار لتتولّى ما تبقّى من الحكاية.

نسمّيها “الميتة” أو “المنسية”، لكن التسمية مراوغة، فالموت الحقيقي هو الانتزاع من الذاكرة. كل قريةٍ تهمس باسمها: البارة، روويحة، قلب لوزة، كفر نجر، جرادة، براد… أسماء كأنها خرزٌ على سبحةٍ طُويت في جيب التاريخ. وفي قلب هذه السبحة تلمع “سيرجلا، مثل حبّة عقيقٍ تقرّب ضوء الشمس.

تقعد سيرجيلا على كتف جبل الزاوية، وتطلّ على وهادٍ تسكنها الريح. تدخلها اليوم من دربٍ ترابيّ، فتستقبلك واجهات بيوتٍ بطابقين، عوارض حجرية تُغني عن الخشب، نوافذ ضيقة كعيونٍ حذرة، ومصاطب للجلوس عند العتبة كأنما لا يزال أصحابها ينتظرون عودة المساء. هنا حمّام عامّ ما تزال قاعاته وجرنه الحجري يشيران إلى دفءٍ كان يُسكب بالماء والنار، تتقدّمه أعمدة قصيرة تحرس فراغاً هو المصلّى. في زاوية أخرى يُخيَّل إليك أن رجالاً بجلابيب صوفيةٍ تحلّقوا حول جَرّة نبيذٍ واحدة، يتجادلون في موسم القطاف وتقاسم الماء وتزويج البنات.

بيت سيرجيلا نموذج لمعمارٍ حياتيٍّ بقدر ما هو جماليّ. فالفناء ليس فراغاً مترفاً لعِلية القوم، بل وسيلة لتخزين الضوء والهواء. السلم الخارجي يقتصد في المساحة ويصون عتمة الطابق الأرضي للماشية والمؤونة، والعتبة العالية ترد المطر والغبار وتحفظ الداخل من نظرات الطريق. لا زخرفة إلا بقدر ما تحتمله اليد التي تنحت الحجر، ولا إسراف إلا في الانتباه: إلى الاتجاهات، إلى مسار الشمس، إلى موضع الشباك حيث تُصفّ جرار الزيت لتتشمّس، وإلى الجدار الذي يُترك أكثر سماكة لأنه يستقبل الريح الشمالية.

أتت الحرب وانزاح التاريخ. مرّت على هذه القرى أزمنة عسيرة إضافية، سكنتها عائلات في اللجوء، ونهبتها أيادٍ عابرة، وتصدّعت جدران بعضها تحت القصف والإهمال. ومع ذلك، بقي أثرٌ من التاريخ استعصى على الحرب: قنوات صغيرة ما زالت تعرف طريقها، تروس المعاصر اللامعة، ونقوش صامتة فوق العتبات تُبقي أسماءً لا نلفظها. هنا تتبدّى هشاشة الإرث، وارتكازه وقوّته معاً. هشٌّ لأن قابليته للكسر احتمالٌ قاهر، قويٌّ لأن استعادته تكفيها نظرة كي يستيقظ من النسيان.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى