منوعات

الجسر المعلق والثمن الذي دفعته دير الزور لثورتها على النظام/ محمود عبد اللطيف

18 أكتوبر 2025

تقول مرويات غير مدونة لسكان دير الزور أن الأعمدة التي تحمل الجسر المعلق تحتوي على جثامين عمال شاركوا في عملية بنائه التي امتدت بين العام 1925 – 1931، إذ سقطوا ضمن كتل الاسمنت أثناء عملية إنشاء القواعد، ولاستحالة استخراج الجثامين بعد جفاف الإسمنت بقيت جثامينهم هناك، وعلى الرغم من استحالة الوصول إلى توثيق لهذه السردية إلا أنها بقيت حية في أذهان سكان دير الزور قرنت بـ “الجسر المعلق”، وبشكل غير رسمي بات هذا الجسر رمزًا للمدينة كما هو حال “جسر بروكلين” الذي صنف كمعلم تاريخي وطني في الولايات المتحدة الأميركية ومعلم تاريخي في الهندسة المدنية.

وفي حين أن عددًا من المقالات التي تناولت تاريخ بناء الجسر المعلق بدير الزور نسبته إلى الفرنسي ألبرت جيسكلارد، إلا أن المعلومات الدقيقة عن الجسر تقول بأن حكومة فرنسا التي كانت تسيطر على سوريا آنذاك، بدأت به عام 1925 بإشراف المهندس الفرنسي مسيو فيفو، ويبلغ طوله ٤٧٦ مترًا وعرضه حوالي 4.5 أمتار، وارتفاعه 36 مترا، ويستند على أربعة قواعد تنبثق عنها أربع ركائز بطول 25 مترًا لكل ركيزة.

تقول منى العبد الله خلال حديثها لـ ألترا سوريا: كان الجسر هو الطريق الوحيد الذي يربط بين ضفتي نهر الفرات في محافظة دير الزور حتى بداية ثمانينات القرن الماضي، كان ممرًا لعبور السيارات وقطعان المواشي، وحين مرور هذه القطعان ونتيجة لحركة المواشي السريعة كان من يتواجد على الجسر يشعر باهتزاز بسيط، وعلى الرغم من ذلك لم يكن أحد يخشى من احتمال انهيار الجسر المعلق، وبعد أن أصبح في المدينة جسر ثان هو جسر السياسية (نسبة لفرع الأمن السياسي الذي كان مقابلًا للجسر)، وقرار الحكومة في الثمانينات اعتباره “جسرًا للمشاة فقط”، بات مكانًا للتنزه أكثر من أي شيء.

بدوره يقول مجد الديري لـ ألترا سوريا: إن القفز من المعلق إلى النهر كان معيارًا لمعرفة مستوى إتقان السباحة من قبل أبناء دير الزور، فإن عرفت أن أحدهم يجيد السباحة، فمن دون أن تحس ستسأله عن قدرته على القفز من الجسر المعلق باتجاه الماء، وقدرته على العبور بين ضفتي الفرات سباحةً، وإن كان جوابه عدم تجربته لأي من الأمرين فسيكون مشكوكًا بإتقانه السباحة بالشكل الذي اعتاد عليه سكان دير الزور .

الحاج أسامة الحمد الذي ولد بعيد افتتاح الجسر بسنتين، يقول خلال حديثه لـ ألترا سوريا: إن الكهرباء وصلت إلى المعلق في العام 1947، وقد أخذت الركائز لونها الأصفر خلال العام 1955، وهو العام نفسه الذي قامت فيه بلدية دير الزور بتركيب أضواء ملونة على السطح السفلي للجسر لتنعكس ألوانها على مياه نهر الفرات، ما أضاف جمالية بصرية للجسر والمدينة، ويضيف الحمد في حديثه “صورة عرسي في العام 1959 كانت على الجسر المعلق، حينها ركبنا الحنتور إلى الجسر أنا وزوجتي، وكان المصور يتبعنا على دراجة هوائية، التقطنا مجموعة من الصور التذكارية قبل أن نتوجه إلى المنزل، لكن هذه الذكريات دمرت كـبيتنا الذي كان في حي الحويقة، وكالجسر المعلق”.

يعتبر سكان دير الزور أن دمار الجسر المعلق كان جزءًا من الثمن الذي دفعته المدينة خلال الثورة ضد نظام بشار الأسد، إذ تعرض في أيار/ مايو من العام 2013 لضربات من الطيران الحربي لقطع الطريق على فصائل “الجيش الحر”، ومنعها من أي محاولة تسلل من مناطق الريف الشمالي المقابل للمدينة عبر “المعلق”، وحينها أصرت وسائل إعلام النظام على أن الجسر دمر من قبل “فصائل المعارضة”، عبر تفخيخه بالعبوات الناسفة، إلا أن سكان المدينة لم يعيروا اهتمامًا لرواية النظام التي ينفيها واقع الجسر المدمر حاليًا، وعلى الرغم من أن النظام استعاد السيطرة على “دير الزور”، بعد معارك ضد تنظيم داعش في أيلول من العام 2017، إلا أن ترميم “المعلق” خصوصًا، وبقية جسور دير الزور عمومًا، لم تدخل ضمن حساباته بحجة أن “تكلفة إعادة إعمار الجسور في مدينة دير الزور تتطلب موازنة ضخمة”، علمًا أن المدينة مهملة من قبل دمشق حتى تاريخ سقوط النظام، ويأمل السكان ألا يستمر الأمر على ما كان عليه قبل 8 كانون الأول / ديسبمر الماضي.

بتجوالك قرب الجسر ستسأل من يرافقك: “وين الكورنيش؟!”، وسيشير هو إلى موقع في الغرب من “المعلق”، لترى حجم دمار هائل في المباني هناك، خاصة في حي “علي بك”، أو “العرضي”، الذي لم يعد إليه إلا القليل من سكانه، وبحسب المعلومات فإن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي كان سيعمل على إعادة تأهيل المنطقة التي كانت مكانًا لإقامة “سوق التسوق”، طيلة النصف الثاني من فصل الصيف من كل عام، والتي كانت تؤمن احتياجات المدينة وسهراتها طيلة الليل، فـ “الدير لا تنام”، كما يقول سكانها، إلا أن معوقات كبيرة وقفت في طريق ذلك، من أهمها فساد المسؤولين الذين كان يعينهم النظام السابق في مدينة دير الزور والذين كان ما يهمهم من أي مشروع يقام بالتعاون مع منظمة ما هو معرفة الكم الذي سيتمكنون من سرقته لصالحهم الشخصي من هذا المشروع.

الترا سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى