
21 أكتوبر 2025
على ضفّتي نهر الفرات، وعلى مدى آلاف السنين، لم تزح الطقوس بعضها، بل تجاورت وتراصفت، لتخلق مزيجاً فريداً من العادات الاجتماعية والطقسية، يجمع الإيمان الديني بأنواعه، مع طقوس ما قبل التاريخ.
في صيف عام 1998، كنتُ أقيم في بيت جدي في قرية “الهرموشية”، تلك القرية الوادعة التي تنام على ضفة الفرات وتبعد عن مركز مدينة دير الزور نحو 45 كيلومتراً.
ذات يوم في ظهيرة ناعسة، أطلت علينا جارتنا، العمّة خديجة، بعينين مشبعتين بيقين الأمهات، وسلّمتني مهمّة بدت لها مصيرية: أن أربط سُرّة ابنها البكر، محمود، إلى شجرة في ساحة مدرستنا الابتدائية. هكذا كانت النساء الفراتيات في قريتنا يورّثن الطقوس كما يورّثن الأغاني والمواويل؛ فالسرة، عندهن، لا تُرمى عبثاً، بل تُربط في المكان الذي يراد للولد أن ينتمي إليه يوماً ما.، في قصر العدل، إذا تمنت له القضاء، أو في المشفى إن رغبت له بالطب، أو في المدرسة إن أرادت له أن يصير معلماً، يعلّق اسمه لاحقاً على لائحة الشرف، كما حلمت العمة خديجة لولدها محمود. أما أنا، فكنت فتى ساخراً، لا يؤمن كثيراً بالخرافات ولا بالتمائم، ومع ذلك حملت السرة الصغيرة الملفوفة بقطعة قماش، وسرت بها لا إلى شجرة المدرسة، بل إلى شجرة التوت الكبيرة خلف بيت جدي، تلك التي كنّا نحتمي بظلّها، ونلتهم ثمرها حتى تمتلئ أفواهنا بالعصير البنفسجي، هناك، بين أغصانها المترامية، عقدتُ سُرّة محمود على غصنٍ يطل على باحة الدار، ثم مضيت، ناسياً الطقس وأهميته كما أرادته العمّة خديجة. مرّت السنوات وكبر محمود، الذي كانت أمه قد وعدته بالطبشورة والسبورة. دخل المدرسة الابتدائية، لكنه لم يحبّها؛ كان يهرب كل صباح، لا لشيء، سوى ليعود إلى شجرة التوت نفسها، مسقط سرّته. كان يتسلقها مع أولاد الجيران، يقطفون الثمار ويقذفون بعضهم البعض، يضحكون ويصيحون كأنهم في مهرجان لا ينتهي. كنت أراقبهم عن بعد، أبتسم أحياناً، وأقول في سرّي: ربما كانت التميمة أصدق مما ظننت.
لكن الأمر تجاوز المزاح، صارت الشجرة ضجيجاً لا يطاق، صراخاً لا يهدأ، ذباباً يحوم بلا رحمة، ثماراً متناثرة، دجاجات تتزاحم تحتها، دوداً وبرغشاً يملأ الأرجاء، لم تعد شجرة التوت شجرة جدي الهادئة، بل تحولت إلى فوضى، تشبه فوضى هذا الوطن الذي لم يعرف يوماً السكينة.
وذات صباح، بينما كنت أسقي حقل القطن، باغتني حنش طويل بلون التراب، لم أتردد؛ ضربته حتى خمدت حركته، ثم تركته هناك، جثة هامدة تحت ظل شجيرة. وأنا أراقب جسده الساكن، لمعت في رأسي فكرة، حملت الحنش وجففته قليلاً، ثم مددته فوق أحد أغصان شجرة التوت، علّقت ذيله ليتهدل في الهواء، ووجهته نحو الأرض كأنما يتربص بفريسته. من عليائه، في اليوم التالي، حين هرع محمود وأصدقاؤه إلى الشجرة كعادتهم، أشرت إلى الغصن وناديتهم بنبرة رسمية، مصطنعة الوقار: إياكم والتوتة! في حنش.. ما بقى تقربوا! شهق الأولاد، وجفل محمود كأن الرعب قد قرص عنقه، ولولوا وفرّوا جميعاً، تائهين بين الذعر والخيبة، وهكذا، بطرف حنشٍ ميت، مارست سلطتي الصغيرة، وساد الهدوء أخيراً وضحكت في سرّي، أتأمل كم أن شيئاً هامداً، ميتاً، بلا صوت ولا خطبة ولا عظة، قادر على فرض النظام أكثر مما تفرضه القوانين، شيئاً فشيئاً أدركت أن الخوف، لا التشريعات، هو من يحكم هذا العالم من حولنا. تلك الذهنية التي بدأت بلعبة غصن وثعبان، وجدتها لاحقاً تكرر نفسها بأشكال أكبر، وأبشع. كل منا، في لحظة ما، مارس سلطته بطرف خوف، لا تختلف كثيراً عن أساليب الديكتاتوريات التي كنا نلعنها سراً ونقلدها علناً.
أقيم في بيروت منذ زمن بعيد، ولم تطأ قدماي قريتي منذ 14 عاماً، قبل اندلاع الثورة المباركة بأشهر قليلة، قبل فترة، التقيت صدفةً بأحد أبناء قريتنا، هنا في بيروت، في عزاء أحد أقاربنا، سألته عن محمود، ذلك الفتى الذي ربطت سُرّته يوماً إلى شجرة التوت. ابتسم وقال لي: تزوّج وأنجب ولداً وعندما سألته عن عمله، أجاب ببساطة: “يسوق صهريج ماء، يطوف به على بيوت القرية”. طافت بي ابتسامة خفيفة، وغمرتني ذكرى والدته العمة خديجة وهي تحلم أن تراه معلماً، يحمل الطباشير أمام السبورة. قلت في نفسي، ربما كنت مخطئاً حين ربطت سُرّته في شجرة جدي لا شجرة المدرسة، وإن كان في قلبي شكٌّ دائم في أن الطقوس وحدها تصنع الأقدار. ثم خفّفت عن نفسي، وأنا أسترجع مشاهد الحرب والدمار التي التهمت البلاد خلال هذه السنين الطويلة. تخيلت محمود معلماً، كما حلمت به أمه، يتقاضى أجراً بالكاد يسد رمق عائلته، في زمن صارت فيه الكتب ترفاً، والتعليم منفى آخر للفقر، لم تكن شجرة التوت هي من اختارت لمحمود طريقه، بل كانت شاهدةً صامتةً على زمنٍ تبدلت فيه الأحلام، وذبلت فيه الطموحات، كما تذبل أوراق الخريف على جذع قديم. في بلاد أنهكتها الحرب، صار الماء الذي يحمله محمود أثمن من الحروف التي كانت تحلم بها أمه، وصارت صهاريج الماء تطوف، حيث كان الأطفال يحلمون أن يطوفوا بدفاترهم البيضاء. تبقى السُرّة رمزاً للأمل.. مجرد خيط خفي يربطنا بأحلام كانت نضرة يوماً، قبل أن يأتي الزمن بثقله ويعلمنا أن الأحلام أحياناً لا تموت، بل تغيّر ملامحها بهدوء، كما تغيّر الشجرة ثمارها مع الفصول، وكما أن الحنش الميت الذي علقته فوق شجرة التوت فرض سلطته الصامتة على صغار الحي، فإن الظروف وحدها كانت ولا تزال من تصوغ مصائرنا بعيداً عن الطقوس والأمنيات المشتهاة.. فإن كانت السُرّة عهداً للأمل، فإن الواقع كان دائماً سيد الحكاية، يمضي بنا كما يشاء، لا كما نشتهي.
العربي الجديد



