
اللاجئون السوريون.. بين ضغوط الترحيل وتحديات العودة/ سلطان الإبراهيم
الكثير من الدول الأوروبية أوقفت برامج لم الشمل وأعلنت عن خطط لترحيل لاجئين سوريين
2025-10-24
يمثل اللاجئون السوريون بالخارج، ملفاً أساسياً في مسار الأزمة السورية منذ اندلاعها قبل أكثر من عقد، وصولاً إلى سقوط النظام أواخر العام الماضي، في ظل انعراجات كبيرة مرّ بها هذا الملف، الذي شكّل عاملاً ضاغطاً على الأطراف السورية والمجتمع الدولي، والدول المستضيفة بضرورة إنهاء الأزمة، وبدء مرحلة جديدة من التعافي والنمو، إلا أن منظمات حقوقية تؤكد أن معوقات كبيرة لا تزال تعترض طريق إنهاء هذه القضية يتصدرها الجانب الاقتصادي والأمني.
تدابير أوروبية جديدة
وأعلنت دول أوروبية عديدة بينها النمسا والدنمارك وألمانيا، عن تدابير جديدة بشأن اللاجئين السوريين بعد سقوط نظام بشار الأسد، ودخلت أغلب دول الاتحاد الأوروبي في محادثات مكثفة مع الحكومة السورية الانتقالية بشأن عودة اللاجئين إلى بلادهم، رغم تحذيرات أطلقتها منظمات حقوقية محلية ودولية تابعة للأمم المتحدة، من أن ظروف البلاد لا تزال غير مهيأة لعودتهم، في ظل تدهور كبير في البنية التحتية الأساسية والانهيار الاقتصادي الكبير وتدهور قيمة العملة المحلية رغم رفع أغلب العقوبات المفروضة على سوريا، إلى جانب التحديات الأمنية الكبيرة التي تواجهها البلاد.
وفي إطار هذه التحركات الأوروبية، أجرى وفد هولندي برئاسة وزيرة التجارة والتنمية أوكجيه دي فريز الأسبوع الماضي، مباحثات مع وزير الخارجية في الحكومة السورية الانتقالية أسعد الشيباني بدمشق، بشأن اللاجئين السوريين في هولندا، إلى جانب ملفات التعاون المشترك في المجال الاقتصادي والتنموي، قبل أن يجري الوفد مباحثات مع وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، حول أوضاع اللاجئين وسبل تحقيق العودة الطوعية والآمنة لهم إلى بلادهم، حيث أكدت قبوات أنه “لا يمكن إجبار اللاجئين على العودة في ظل الظروف الراهنة”، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).
إجراءات ألمانية
والأسبوع الماضي، قال وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت، إن بلاده ستسحب حق اللجوء من السوريين الذين عادوا إلى بلادهم بعد حصولهم على الحماية في ألمانيا، معتبراً أن عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم تُعد مؤشراً على زوال أسباب اللجوء التي منحوا على أساسها الحماية على الأراضي الألمانية، حيث ستعيد بلاده ستعيد النظر في طلبات اللجوء المقدمة منهم، تمهيداً لترحيل من رُفضت طلباتهم، مع إعطاء أولوية الترحيل للشباب القادرين على العمل، لكنهم لا يعملون، ويعتمدون على المساعدات التي تقدمها الحكومة أو ما يعرف بـ”الجوب سنتر”.
وأضاف دوبريندت، أن وزارة الداخلية الألمانية تعمل على التوصل إلى اتفاق مع الحكومة السورية الانتقالية لتنفيذ عمليات ترحيل، موضحاً أن الخطوة الأولى ستشمل المجرمين، تليها مراحل لاحقة تشمل فئات إضافية من السوريين، موضحاً أن المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين في ألمانيا سيستأنف معالجة طلبات اللجوء السورية بعد أن كانت مجمدة، وهو ما منح معظم اللاجئين السوريين في ألمانيا حماية مؤقتة منذ عام 2012، وفق ما نقلته صحيفة ” بيلد” الألمانية.
وأمس الخميس، دخلت قافلة جديدة تضم 400 لاجئ عائدين من لبنان إلى سوريا، عبر معبر العريضة الحدودي في ريف محافظة طرطوس غربي البلاد. وأوضح رئيس قسم الهجرة والجوازات في معبر العريضة ثابت بسيس، أن تنظيم القافلة جرى بالتنسيق بين المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في لبنان وجميع الجهات المعنية في الهجرة والجوازات السورية، بهدف تسهيل عودة المواطنين إلى ديارهم، وخاصة أولئك الذين لا يملكون وثائق رسمية صادرة عن سوريا، وقال إن الجهات المختصة استعانت بالثبوتيات التي يحملها اللاجئون والصادرة عن المفوضية لتبسيط إجراءات العودة، بحسب ما نقلت “سانا”.
وعاد 406 لاجئين سوريين من لبنان عبر معبر “جديدة يابوس” الحدودي الأسبوع الماضي، وذكرت وكالة “سانا”، أن الدفعة الجديدة من اللاجئين، تأتي في إطار برنامج العودة الطوعية بالتعاون بين الحكومتين اللبنانية والسورية، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وذلك بعد عودة أكثر من 200 لاجئ سوري بشكل طوعي من لبنان منتصف أيلول/ سبتمبر الماضي.
تقييم للأوضاع في سوريا
ويؤكد مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان ” فضل عبد الغني، على أن “الدول الأوروبية الديموقراطية التي تستضيف لاجئين سوريين، تعتمد على باحثين مختصين يستقون معلوماتهم من منظمات حقوقية وشبكات موثوقة، لتقييم الأوضاع في سوريا من حيث أهليتها لاستقبال اللاجئين العائدين من جميع النواحي، وهؤلاء الباحثين يتمتعون باستقلالية تامة، لذلك لا يمكن أن تتخذ قرارات بالترحيل في حال عدم وجود الظروف المناسبة”، مشيراً إلى أن “الوضع في لبنان محكوم بمعايير عديدة بشأن اللاجئين أولها موضوع التمويل من دول الاتحاد الأوروبي”.
يوضح عبد الغني لـ”963+“، أن “العقوبات المفروضة على سوريا تقريباً رفعت بشكل كامل، ولم يبق إلا قانون قيصر وهو معلق حالياً، باستثناء بعض العقوبات الأممية التي تؤثر على ملف اللاجئين، إلا أن المفاعيل الناتجة عن هذا الرفع وانعكاسها على الأرض، ترتبط بإجراءات بيروقراطية على أرض الواقع”.
ملف شائك
ويقول الكاتب والمحلل السياسي اللبناني أحمد الزين، إن “ملف اللاجئين السوريين في الخارج لا يزال شائكاً، لكن رغم السماح للطلاب السوريين بالتسجيل في المدارس اللبنانية الرسمية ما يعني عدم عودتهم حالياً، وظهور أصوات لبنانية معارضة لهذه الخطوة، إلا أنه وبمجرد بدء عمليات إعادة الإعمار في سوريا، فسوف نرى عودة لهؤلاء اللاجئين إلى بلادهم”، ويشير خلال تصريحات لـ”963+”، إلى أن “هناك معلومات متوفرة بأن إعادة الإعمار ستبدأ العام القادم، وعليه فإن سوريا ستكون بحاجة لجميع اليد العاملة السورية، وستكون هناك تسهيلات لعودة اللاجئين من قبل السلطات”.
ويوضح الزين، أنه “سيكون هناك مئات الآلاف من فرص العمل في سوريا بعد بدء عمليات إعادة الإعمار”، لافتاً إلى “تحضيرات غير معلنة لتأهيل طريق بيروت – دمشق والذي يربط مرفأ بيروت بسوريا، من أجل تجهيزه وتأهيل بنيته التحتية لسلوك الشاحنات خلال عمليات إعادة الإعمار، وعليه فإن رفع العقوبات والإعمار سيكون بداية عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، ما دفع لظهور أصوات في لبنان بأن البلاد ستكون بحاجة ليد عاملة بعد عودة السوريين الذين يعملون في العديد من الحرف”.
وبحسب بيانات وزارة الداخلية الألمانية، يعيش في ألمانيا نحو 955 ألف سوري حتى تموز/ يوليو 2025، بانخفاض يقدّر بنحو 20 ألفاً عن مطلع العام، نتيجة عودة بعضهم طوعاً إلى سوريا بعد سقوط النظام المخلوع، مشيرةً إلى أنه رغم هذا التراجع ما تزال طلبات اللجوء تتواصل، إذ تقدم 17 ألفاً و650 سورياً بطلبات جديدة بين كانون الثاني/ يناير وآب/ أغسطس من العام الجاري.
أوضاع غير مستقرة
ويوضح الكاتب والمحلل السياسي كامل حواش المقيم في بريطانيا، أن “هناك اختلافاً بين تعاطي الدول مع ملف اللاجئين السوريين حتى بين الدول الأوروبية نفسها، فمثلاً ألمانياً تجري أبحاث وتحقيقات بشأن ملائمة الظروف لإعادتهم ولا تعتبر أن الأمر حسم نهائياً، بينما تريد دول أخرى مثل النمسا والدنمارك المضي في خطط ترحيل اللاجئين، وتعتبر أن الظروف في بلادهم أصبحت مناسبة لعودتهم بعد سقوط النظام”، في حين يؤكد المحلل السياسي صلاح سليمان المقيم في ألمانيا، أن “الأوضاع غير مستقرة في سوريا اقتصادياً وأمنياً في سوريا لعودة اللاجئين، والبلاد تحتاج وقت كثير لإعادة بناء بنيتها التحتية”.
يقول صلاح سليمان لـ”963+“، إن “هذه الظروف والمعوقات تضع الحكومة السورية الانتقالية أمام تحد كبير، حيث عليها أن تتخذ التدابير اللازمة لاستيعاب العائدين”، معتبراً أنه “رغم الإجراءات التي اتخذتها بعض الدول الأوروبية كألمانيا والنمسا بشأن اللاجئين ووضع خطط لترحيل بعضهم، إلا أن ذلك لا يعني أن السوريين سيعودون على شكل أفواج، بل أن الأمر يخضع لإجراءات قانونية معينة”.
ويشدد حواش خلال تصريحات لـ”963+”، على أن “عودة بعض اللاجئين مرتبطة برغبة لديهم هم وليس بسبب إجراءات ترحيل من قبل الدول المستضيفة، فمنهم يعتبر أن بعض القوانين في هذه الدول لا تتناسب مع ثقافته مثل تربية أبنائه وعلاقته بهم وغيرها، لذلك يفضل العودة في حال توفر الحد الأدني من المقومات”، مؤكداً على “ضرورة تمييز المجتمع الدولي بين المسار السياسي في سوريا والاحتياجات الإنسانية خلال تعاطيه مع ملف العقوبات واللاجئين، حيث أنه بمجرد تحسن الوضع الاقتصادي والأمني في أي منطقة سورية، يمكن إعادة اللاجئين إليها، لكن لا يجوز إعادتهم قسرياً”.
وكانت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، قد قالت بتقرير في حزيران/ يونيو الماضي، إن “اللاجئين السوريين العائدين يواجهون ظروفاً مادية تُبرز أزمةً عميقة في قدرة الدولة، تتجاوز بكثير تحديات إعادة الإعمار التقليدية في مرحلة ما بعد الصراع. وينتج عن التقاء البنية التحتية المدمرة، والأنظمة الاقتصادية المنهارة، والأطر القانونية المجزّأة ما يمكن وصفه بـ “مأزق ثلاثي” يواجه العائدين:، حيث أنهم لا يستطيعون استعادة ممتلكاتهم من دون وثائق، ولا يمكنهم الحصول على هذه الوثائق من دون مؤسسات فاعلة، ولا يمكن إعادة بناء هذه المؤسسات من دون تسوية جوهرية تتعلق بتوزيع السلطة والموارد.
وفي 13 أكتوبر الجاري، حذر رئيس مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في سوريا غونثالو فَرغاس ييوسا، من خطورة إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم بشكل قسري، خاصة من دول مثل ألمانيا، وأكد أن سوريا وصلت إلى أقصى حد ممكن من قدرتها على استقبال العائدين، بعد عودة نحو مليون لاجئ سوري إلى البلاد، وأن الأوضاع فيها لا تزال هشة للغاية، وأن الكثير من العائدين سيضطرون في حال لم تتحسن الظروف إلى مغادرة البلاد مجدداً، سواء إلى الأردن أو لبنان أو حتى العودة إلى أوروبا.
والأسبوع الماضي، كشفت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عن عودة أكثر من 160 ألف لاجئ مسجل من الأردن إلى سوريا، منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، وأوضحت أن النساء والفتيات يشكلن حوالي 49% من إجمالي العائدين، في حين بلغت نسبة الأطفال نحو 43% من المجموع، أما الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و40 عاماً فقد شكلوا نحو 19% من إجمالي العائدين، وبيّنت أن وتيرة العودة الطوعية للاجئين السوريين من الأردن إلى بلادهم شهدت ارتفاعاً ملحوظاً خلال العام الجاري، متوقعةً أن ينخفض عدد اللاجئين السوريين المقيمين في الأردن إلى نحو 415 ألف لاجئ بحلول نهاية العام الحالي، وذكرت أن نحو 67% من اللاجئين المقيمين في الأردن يعيشون تحت خط الفقر، وأن 9 من كل 10 لاجئين يضطرون إلى الاستدانة لتغطية احتياجاتهم الأساسية اليومية مثل الغذاء والإيجار والرعاية الصحية.
وأشارت المفوضية إلى أنه منذ بداية عام 2025، تم دعم نحو 22,000 من العائدين عند المعابر الحدودية الرئيسية مع تركيا ولبنان، فيما استفادت 9,861 أسرة عائدة من مساعدات مالية خاصة ببرنامج العودة وإعادة الإدماج الذي تنفذه المفوضية داخل سوريا، بهدف تسهيل عملية انتقالهم نحو الاندماج المستدام في مجتمعاتهم الأصلية.
+963
————————————
كأنهم يسيرون في الفراغ/ مصطفى علوش
2025.10.25
لديّ أمل ضعيف حاليًا بإمكانية بلورة رؤية سياسية عامة وشاملة يمكن أن يتفق عليها السوريون، بسبب تعقيد المشهد السوري الداخلي وتداخله مع ملفات إقليمية وعالمية معقدة.
لا يملكون فيها شيئًا لكنها بلدهم
عفوًا، ماذا قلت؟ سوريون؟ نعم، سوريون! لكنهم ، أيها الفيلسوف، ليسوا في مركب واحد يسافرون. فثمّة سوري ما زال عالقًا في مخيمات اللجوء اللبنانية أو الأردنية، أو حتى في مخيمات الشمال السوري، وأكاد أجزم أن هؤلاء الملايين الفقراء لا يملكون شيئًا سوى وجوههم المتعبة وأرواحهم التائهة، التي تتابع الأخبار وتأمل في حلول واقعية تسمح لهم بالعودة إلى بلادهم، رغم أنهم لا يملكون فيها شيئًا. مع ذلك، هي بلادهم.
القاسم المشترك بين هذه الملايين هو القلق والخوف. نعم، الخوف يرافق السوري منذ عقود، والآن زاد خوفه أكثر، فلا يكاد يمرّ يوم في أوروبا إلا ونسمع خبرًا جديدًا عن إمكانية الترحيل إلى سوريا!
ترحيل السوريين
ترحيل السوريين! كم أقلقت هذه الكلمة اللاجئين. منذ عام 2015 وهذا الخبر يعود، وبصيغ متعددة، ويبهّره أصحاب القنوات على “يوتيوب” بمزيد من بهارات الرعب للتشويق. فيلتهم المهاجر الخبر رغم إحساسه النسبي بالأمان.
منذ أيام، بدأت ألمانيا بتطبيق سياسة الترحيل، حيث تم ترحيل عائلة سورية كبيرة مكوّنة من 13 فردًا ارتكبوا جميعًا أعمالًا جنائية مخالفة للقوانين، حيث تم ترحيلهم عن طريق تركيا إلى سوريا.
لن يزعل كثيرون على هؤلاء لأنهم يستحقون الترحيل، ولكن ثمّة ما هو مخفي وموجع في الخبر: فالترحيل إلى الوطن عقوبة؟ وشرحها يعني أنك، أيها المخالف للقوانين، لا تستحق حتى أن تُسجن في ألمانيا.
والوطن؟ هل قلت وطن؟ وكم تاجر بهذه الكلمة أسديون وغير أسديين! وكم باعونا عبرها أوهامًا، وبمجرد لحظة الانفجار السوري الكبير تبخرت الكثير من الأوهام وبقي الواقع العاري المرعب، واقع دفع ضريبته الملايين، وخاصة فقراء هذا البلد، وما أكثرهم.
كأن السوري يمشي في الفراغ
كأن السوري الآن يمشي في الفراغ؛ لا أرض تريده، ولا جاذبية تشدّه، ولا سماء. كأن القلق قدره أينما حلّ. كل يوم تصريح جديد للسياسيين الأوروبيين عن إعادة اللاجئين. فمنذ لحظة هروب الأسد وحتى اليوم، ننام على خبر ونصحو على آخر: كل من لم يندمج من فئة الشباب سيُعاد ترحيله، خاصة من أصحاب الحماية الثانوية، وقد بدأ المكتب المختص بالهجرة واللجوء بمعالجة بعض طلبات اللجوء.. إلخ.
كأننا جميعًا نشبه بطلة قصة تشيخوف الشهيرة “المغفلة”، تلك الخادمة التي اختبرها صاحب البيت الذي تعمل فيه، وصار يحسم من فاتورتها الكثير من الحسومات الظالمة، ورغم أنها تعرف أنها مظلومة، لم تنطق بأي كلمة تعبّر عن رفضها.
يريد هؤلاء الحصول على حقوقهم الأساسية، ومنها حق السكن والطعام والشراب والأمان والتعليم.
يريدون طيّ صفحة الماضي والبدء بحياة جديدة تليق بهم كبشر. يريدون أن يشاهدوا بلدهم وقد بدأ بالتعافي، وإعادة الإعمار ليست جملة سهلة المعنى أو التطبيق، فهذه وحدها تحتاج إلى خبراء حقيقيين في علم السياسة، ليعرفوا من أين يبدؤون، وما السبل الكفيلة بسلوك الطرق الآمنة للبدء.
هذه المأساة السورية المترامية الأطراف والمستمرة تحتاج إلى سياسيين قديرين يتعلمون رغم خبراتهم، ويقدّرون خطورة كل خطوة يخطونها، لأن عليهم مسؤولية سياسية وأخلاقية ضخمة جدًا.
فحين ينطفئ الحريق، يحتاج أهل البيت الناجون لتلمّس خطوات الخلاص والبحث عن طرق صحيحة لإعادة الترميم. فماذا لو كان هذا البيت المحترق وطنًا بكامله!
القليل من التواضع في التعامل
بلد يصحو كل يوم على خبر اكتشاف مقبرة جماعية جديدة، يستحق من الجميع التواضع والعمل الدؤوب والصامت. فمساعدة الناس لبعضهم بعضًا لا تحتاج إلى كاميرات وأضواء، إنما إلى صمت وشغل مستمر.
أعرف أن كثيرين يعملون بصمت، وثمة منظمات مدنية وجهات محلية ودولية تساعد وتقدّم وتشتغل ليلًا ونهارًا، وهناك سوريون في كل الأمكنة يعملون ويقدّمون كل جهد ممكن. ومع ذلك، فإن هذا البلد المنهك يحتاج إلى المزيد والمزيد من الجهود على كل المستويات.
وقبل كل شيء، واحترامًا لحجم الضحايا والتضحيات، يجب التوقف فورًا عن ارتكاب جريمة نشر الكراهية، حيث اعتاد واستسهل الكثيرون، وخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، شتم كل رأي معارض وناقد.
ويجب محاسبة كل شخص يرتكب هذه الجريمة قانونيًا، فهذا البلد المنهك يحتاج إلى قانون وخطاب وطني جامع يشمل جميع أبنائه. ويجب أن نتعلم أن الحقوق ليست منحًا من الحكومة أو السلطة تُعطى للناس، وبالمقابل فإن الواجبات المطلوب تنفيذها من الجميع على حدّ سواء هي بنفس السوية من الفهم والمعاملة القانونية.
في هذا العالم، عبر تاريخه وحاضره، الكثير من المآسي والكوارث، وهناك شعوب نجت وتتابع الآن طريقها، بينما تنتظر شعوب أخرى بعد. أي إننا لسنا استثناء من ناحية الكارثة التي تسبب بها عهد أسدي قمعي شمولي مرعب. ونحن الآن، وفي كل وقت، بحاجة إلى فتح الطرق الآمنة للتعافي والشفاء، وهنا لا أحتاج لإعادة تكرار كمية الجرائم وحجم الكارثة السورية.
وكلما ذكرت بعض الأهوال التي عاشها السوريون، يجيبني أصدقائي الألمان، وخاصة كبار السن، قائلين: لقد عشنا تجربتنا القاسية جدًا في الحرب العالمية الثانية التي استجلبها الحزب النازي وزعيمه هتلر.
ليست نصائح إنما طريق طويل
تحتاج إعادة إعمار سوريا إلى مئات المليارات، وإعمار الروح السورية يحتاج إلى عمل سياسي وقانوني مستمر. ولا بدّ أن يتوقف أولئك الذين يتاجرون بالمأساة السورية، خاصة الساعين وراء مكاسب مادية أو سياسية، ونحن نعرف من هم هؤلاء. فالجريح ينتظر إسعافًا وخدمة طبية، لا تاجرًا يبيعه.
والسؤال الذي يبقى عالقًا في البال: هل نسير نحن في الطريق الصحيح؟
ربما علينا أولًا أن نقدّم هذا السؤال إلى السوريين في المخيمات ليجيبوا عليه، ثم إلى الجميع.
تلفويةن سوريا
——————————
========================



