الحليف الأقوى للهجري/ سلمان عز الدين

22 أكتوبر 2025
في واحدة من لمساته السحرية غيّر الهجري اسم محافظة السويداء من “جبل العرب” إلى “جبل الباشان”، منهيًا بذلك مشكلة عويصة كانت تبدو بلا حل، ذلك أن الجبل الذي يقع في الجغرافيا السورية، وبالتالي في محيط عربي، يعيش صدمة كبيرة من انتمائه السوري ومن محيطه العربي.
لقد شنت القوات الحكومية والفصائل الرديفة (تمتلك هذه اسمًا عبثيًا ومشؤومًا: فصائل منفلتة) هجومًا عنيفًا على السويداء في تموز/ يوليو الماضي، وارتكبت خلاله فظائع كثيرة: تصفيات ميدانية، قتل مدنيين عزل، تعفيش بيوت وإحراقها، إهانة رموز دينية..
وفيما رأى بعض أهالي السويداء أن الرد هو المطالبة بإسقاط “النظام” الجديد الذي لم يعد مؤتمنًا على حياة مواطنية وكرامتهم، اعتقد آخرون أن المخرج للسويداء ولسوريا يكمن في “تغيير كبير” على شكل الحكم في دمشق ومساره، وذلك عبر مؤتمر حوار وطني حقيقي وجدي، ودستور عصري، وحكومة جديدة تمثل كل السوريين تمثيلًا صحيحًا وعادلًا.
أما الهجري ومناصروه فقد ذهبوا إلى خيار مختلف: الانفصال التام، منطلقين من أن المشكلة ليست سياسية فقط، بل ثقافية واجتماعية وتاريخية أيضًا، ما يتطلب حلًا جذريًا يتمثل في الانسحاب من هذه الجغرافيا الملعونة وهذا التاريخ المليء بالحيف. وكان الشيخ قد أشار مرة إلى “أننا جزء من العالم الحر”، وبالطبع فإن اسم “جبل العرب” لا يستوي مع هذا الانتماء الجديد ولا يليق به، فكان “جبل الباشان” هو المَخرج.
والواقع أن ألسنة كثيرة تتلعثم في الكلام عن الهجري، وربما يعود ذلك لسببين، أولهما أن الرجل يتعرض لحملة شيطنة واسعة وكثيفة تقودها جهات محسوبة على الحكومة ومناصريها، ما يدفع كثيرين إلى الخشية من أن يكون نقدهم له انخراطًا بصورة أو بأخرى في هذه الحملة، والسبب الثاني هو الجرح الذي تعيشه السويداء منذ تموز/ يوليو الماضي، إذ يُخشى أن تبدو مساءلة الهجري، الناطق الأبرز باسم المحافظة الجريحة، إنكارًا لمظلوميتها أو تقليلًا منها.
وإذا كانت المسألة معقدة على أرض الواقع، بل وتبدو عصية على الحل في المدى المنظور، فإنها في الموقف الأخلاقي والسياسي أبسط من ذلك، إذ نستطيع أن ننتصر للسويداء وننتقد الهجري في الوقت نفسه، ذلك أن القضايا العادلة لا تعطي حصانة لكل الناطقين باسمها، وهناك أمثلة كثيرة عن ممثلين لقضايا محقة أساؤوا لها وألحقوا بها الأذى أكثر مما فعل أعداؤها.
“الأداء السياسي للشيخ الهجري”.. ولا داعي لأي إضافة، فالعبارة وحدها تكفي، إذ تنطوي على تناقض بيّن، وبالطبع سيغدو مستهجنًا أن نتساءل جديًا عن السبب في عجز مدرس التربية الدينية عن شرح نظريات الفيزياء لطلابه، أو عن السبب في فشل شيخ في إنقاذ حياة مريض رغم كل الأدعية والتعاويذ والرقى التي استخدمها. الشيخ حكمت الهجري ليس سياسيًا وما كان ينبغي له التصدي لهذه المهمة. وليس من الضروري أن نصل إلى مطالبته بالاعتزال في خلوته، فبإمكان الشيخ أن يكون راعيًا روحيًا لطائفته، وقوة اجتماعية مساندة لمطالب النخب السياسية والمدنية في محافظته، وهي مطالب ملحة ومشروعة وتلاقي صدى في أرجاء كثيرة من البلاد، غير أن الشيخ أراد النزول بنفسه إلى ميدان السياسة اليومية المباشرة. لم يقرر الإبحار وحسب، بل أصر على أن يكون ربان السفينة الأوحد. والمشكلة أن هذا هو أيضًا حال خصوم الرجل في دمشق، كثير منهم مشايخ، وعوضًا عن قبولهم بالبقاء في أماكنهم الطبيعية داخل وزارة الأوقاف، نراهم يتوزعون على مفاصل حكومية حساسة ليفصّلوا دولة على مقاسهم وهواهم، وعندما يسود المشايخ في كل الجهات والمناطق ماذا يبقى لنا، نحن الغلابة، سوى الدعاء بالهداية والستر وحسن الختام؟!
ورغم كل الجهود المبذولة من أنصاره في الإنكار، فإن الثابت أنه سعى بكل طاقته لاحتكار صوت السويداء مقصيًا كل من يختلف معه في أي رأي، وبذلك فقد وضع المحافظة، والطائفة الدرزية كلها، في سلة واحدة، وشوه مطالب شبابها وتياراتها السياسية بالديمقراطية والمدنية ودولة القانون، جاعلًا منها في نظر كثيرين مجرد “يافطات تختبئ تحتها أهداف طائفية”.
هذا الاحتكار، فضلًا عن تهشيمه للخيارات الأخرى، أبقى الرجل ومشروعه في التباس دائم: رجل دين يصر على الانخراط المباشر في السياسة ويصر، في الوقت نفسه، على المطالبة بفصل الدين عن السياسة. يتصدى لمقارعة الاستبداد الذي تُبنى لبناته في سوريا اليوم وهو نفسه مستبد. وإذا ما احتجنا لأدلة على استبداده فهذا يكفي: يستيقظ الشيخ ذات صباح ليقرر لنصف مليون من “رعيته”، نيابة عنهم ودون استشارتهم، أنهم لم يعودوا سوريين ولا عربًا. لقد صاروا باشانيين. إنهم في الأصل باشانيون ولكنهم لم يكونوا يعرفون ذلك. هو وحده من كان يعرف.
في خطابه وسلوكه اليومي، يخالف الشيخ بدهية سياسية تفيد بـ “تكثير الأصدقاء وتقليل الأعداء”، فهو إثر كل قرار وكل خطاب يكسب عدوًا ويخسر صديقًا، حتى شارف على الوصول إلى وقت لن يعود لديه سوى صديق واحد هو بنيامين نتنياهو، الرجل الذي ما زال يطرح على العالم برمته سؤالًا صعبًا: أيهما أقرب إلى حتفك، أن تكون عدوًا له أم صديقًا؟
لقد كان الهجري واحدًا من اثنين في العالم تجرءا على مديح نتنياهو (الثاني هو ترامب طبعًا)، وبإشارته إلى نوايا رئيس الحكومة الإسرائيلية الطيبة وأياديه البيضاء، فقد ذكّر بالنكتة الشهيرة، يوم امتدح رئيس أميركي أسبق أرييل شارون واصفًا إياه بـ “رجل السلام”، فعلق دبلوماسي عربي ظريف بالقول: “أخشى أن السيد شارون نفسه لن يصدق ذلك”.
منذ أشهر، يتعامل الشيخ مع السويداء كدولة ناجزة، ومع نفسه كرئيس مطلق الصلاحيات لهذه الدولة (ولا شك أنها ستؤول لابنه من بعده)، ومنطلقًا من هذا الوهم فقد أدخل المحافظة الجنوبية الصغيرة في صراع المحاور والدول، شبك السياق المحلي الصغير بالسياق العالمي الكبير، وعلى الأرجح فليس السياق الكبير هو من سيدفع التكلفة في النهاية. وبالخفة نفسها، وفي غفلة من الزمن ها هو يقرر تغيير الهوية الحضارية الثقافية لـ “جماعته”. ولو كانت جميع المشكلات السياسية تُحل بهذا الأسلوب السحري لكان العالم سيغدو أسعد حالًا بكثير.. يا ريت.
هل ظاهرة الهجري مرشحة للاستمرار؟ نعم ما دام يملك حلفاء، وأقوى حلفائه موجودون في دمشق. ولقد فعلت حكومة دمشق كل ما يلزم، لا لتبرير وجود الهجري فحسب، بل ليوجد أصلًا. بدايتها الغامضة ونواياها المكتومة، إجراءاتها السياسية المسلوقة انطلاقًا من مؤتمر الحوار الوطني الكاريكاتوري وصولًا إلى مجلس الشعب العجائبي. هجومها على فصيل درزي في أشرفية صحنايا يتبع لأمنها العام بحجة تأديب الهجري، أخطاؤها الفردية الدموية الجوالة، وصولًا إلى مقتلة الساحل ومن ثم مقتلة السويداء والتي كان أكثر ضحاياها، للمفارقة المأساوية، من أنصار “الانخراط في الدولة”.
والأدعى للغيظ هو ما تقوله الحكومة من أنها حاولت طيلة سبعة أشهر إرضاء الهجري ولم يرض، وبالتالي فقد فعلت ما عليها وأكثر. إذا كانت فعلت ذلك فعلًا فهذا يزيد من مسؤوليتها، إذ لم يكن عليها السعي لإرضاء الهجري، بل لإرضاء أهل السويداء، وذلك عبر إرضاء السوريين جميعًا. كان عليها أن تطمئنهم إلى أنهم شركاء في تقرير مصيرهم، وتسارع إلى إعادة فتح المجال السياسي أمامهم بعد طول إغلاق.. أن تدعو إلى مؤتمر حوار وطني شامل وجاد، وأن تطلق يد المهتمين لتأسيس الأحزاب السياسية الوطنية بعيدًا عن أسر العشائر والطوائف والشيوخ، وأن تخاطب الجميع كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.
وإذا كان الشيخ الهجري قد برر وجوده بالحكومة وسلوكها، فإنها بالمقابل استفادت منه، حتى يخيل للمرء أن الهجري لو لم يكن موجودًا لاخترعته حكومة دمشق. لقد شد عصب أنصارها ومواليها، وغدا شماعة لتعليق الكثير من الفشل والتعثر.
ويا لها من حياة كئيبة تلك التي تمضي في بلاد هذه هي خياراتها.



