أبحاثسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

هيغل وآرنت: فكر بدايات وفكر نهايات: في حاجةٍ سوريّة لتفكيرٍ تاريخي إثر التغيُّر السياسي الكبير/ ياسين الحاج صالح

20-10-2025

        يتوزَّع مفكران اثنان، انجذبتُ إلى أعمالهما في زمنين مختلفتين، على خانتي النهايات والبدايات: هيغل (1770-1831) وحنه آرنت (1906-1975).

        هيغل الذي قرأتُ عنه وقرأتُ له في سنوات الشباب هو مُفكِّرُ نهايات، يُفلسف زمنه، ويقول إن الفلسفة هي وعيُ زمنِها، وإن كان لا يفصل الفلسفةَ عن تاريخها، لا بل إنه يُماهي بينهما. الحكمة تأتي عند الغروب، وبومة مينرفا، إلهة الحكمة عن الرومان، لا تطيرُ إلا عند الغسق. والفيلسوف الألماني الذي عاصرَ الثورة الفرنسية شاباً وشهد الاحتلال الفرنسي لبلده أيام نابليون، وبلغَ مراتب عُليا من التقدير والشهرة في الأعوام الخمس عشرة الأخيرة من حياته التي لم تتجاوز 61 عاماً، أنهى التاريخ بالمَلَكية البروسية المُستنيرة في أيامه. التاريخ ينتهي بتحقُّق الحرية، وقد بدت له مُتحقِّقة أو تتحقُّق في زمنه.

        فلسفةُ التاريخ عند هيغل لها اتجاه، من الشرق وآسيا إلى الغرب، والحرية تَتّسعُ وتَعي ذاتها كلما اتجهت روحُ التاريخ نحو الغرب واقتربنا من الزمن الراهن. الحاضر الأوروبي هو القمة والتتويج، النهاية بصورة ما. هيغل ليس من مُفكِّري الأفول والسقوط، هو مُفكرُ اكتمال. النهاية عنده اكتمالٌ وليست موتاً. لكن ماذا بعد الاكتمال؟ «نهاية التاريخ»؟ أحد شراح هيغل، ألكسندر كوجيف، أبرزَ تَصوُّرَ نهاية التاريخ في فلسفة هيغل حيث تنتهي روح العالم إلى أن تَعي ذاتها، وعلى كوجيف استندَ فرانسيس فوكوياما في إعلان نهاية التاريخ بالديمقراطية الليبرالية في الغرب بُعيدَ نهاية الحرب الباردة. 

        حنة آرنت (وهي قراءة متأخرة) مُفكِّرةُ بدايات، يَشغلُ مفهوم البداية موقعاً مركزياً في تفكيرها الذي يدور بقدر كبير حول الحرية، لكن بطريقة مختلفة عن هيغل. حرية آرنت هي المعنى الوحيد للسياسة وللثورة، وهي لا تقبل بأن التاريخ مَحكمَةُ العالم العادلة، حيث ما يعيش يستحق العيش وما يموت لا يستحق غير ذلك، مثلما تَصوَّرَ هيغل. وفي أساس ذلك أن التاريخ ميدانُ الترابط الكلي والغائية، ويتجه مَسُوقاً بضرورةٍ باطنةٍ نحو الحرية، فيما هو مَجال العرضية والجواز عند آرنت. هنا الحرية ممكنة، وليست مضمونة سلفاً. وهي قرينةُ الفعل البشري، الذي تُميِّزُهُ عن الكدح: تَدبُّر ضرورات العيش وما يُقيم أودنا بيولوجياً، كما عن الشغل: إنتاج ما يتجاوز الحياة البيولوجية، وأعمارنا ذاتها، من أدوات معمرة ومن عمران وفنون وغير ذلك. أمّا الفعل فهو جهدُ الناس على الناس، الاجتماعُ والكلام والتعاون. قد نقولُ بشيءٍ من التبسيط إن الكدح يُعرِّفُ دائرةَ الاقتصاد وإنتاج الحياة المادية المباشرة، والشغل دائرة الحضارة، الفن والتكنولوجيا والعمران، فيما يُعرِّفُ الفعلُ دائرةَ السياسة التي تُعرَّفُ بغايتها الوحيدة: الحرية. في الكدح نحن في مجال الضرورات، ولذلك فإن بناء السياسة على دائرة الكدح، مثلما عمل ماركس في رأيها، يُلغي الحرية التي لا تقوم إلا على الفعل حيث نحن في أبعد نقطة عن مجال الضرورة. وأول الإنتاج وأول البدايات هو إنتاج الحياة البشرية ذاتها، مجيء أُناس جدد إلى العالم، ما تسميه آرنت الإنوِلَاد natality، وهو فرصةٌ لجديدٍ غير مسبوقٍ في العالم. الناس لا يُولدون أحراراً، لكن يُمكن أن يصيروا أحراراً، على ما قالت في كتابها عن الحرية.  

        حرية هيغل المكتوبة في مخطط شامل للتاريخ (انبساط الفكرة المطلقة في الزمن، وهذا هو التاريخ) يمكن أن تُسلِّمَ نفسها لحكم شمولي، على ما أَخَذَ عليه، وعلى من تأثَّروا به، كثيرون من أبرزهم كارل بوبر. أمّا آرنت التي خَبِرَت شخصياً صورةً من الحكم الشمولي، النازية، وبلوَرت هي شخصياً مفهوم الشمولية (التوتاليتارية)، فقد بنت تَصوُّرها للحرية بالتضاد من ذلك.  

        ورغم أن آرنت لم تكن سياسية، أو امرأةَ فعل (على نحو ما نقول رجل فعل)، فإنها مُنظِّرة الفعل والبدايات أكثر من غيرها. تقول إنها تستطيع ألّا تفعل شيئاً، لكنها لا تستطيع ألّا تُحاول أن تفهم. ثم رغم أنها ترفض أن تُعرَّف كفيلسوفة، وتُفضل تعريفَ نفسها كمُنظِّرة سياسية، إلا أنها عاشت حياة تأمل أو حياةَ فكرٍ، وليس حياة فعلٍ أو حياةً نشطةً بحسب تَميِيزاتِها هي.

        الحياة النشطة هي الحياة السياسية من حيث المبدأ، حياة تدور حول الفعل المُغيِّر للعالم، لكن فقط بقدر ما يكون الفعل حرّاً وغايته الحرية.  

        هيغل أيضاً عاش حياة تأمُّل وفكر وليس حياةً نشطة، لكنه رأى الحرية كمُحصِّلة، كشيء يتحقق في النهاية، وليس كمُنطَلَقٍ للفعل والسياسة. مُفكِّر النهايات هيغل فَكَّرَ في الأصول، وهي تُوجِّه النظرَ نحو الماضي. مُفكِّرة البدايات آرنت تُوجِّهُها فكرة البداية نحو المستقبل، نحو ما يحدث ويأتي.

        السياسة عند آرنت هي الفعل والكلام. وهي لم تنظر في احتمالات انفصالهما وعواقبه. وهذا الانفصال ليس افتراضاً مجرداً، ونحن نعرفه مما حولنا، كما من سيرة آرنت نفسها. الكلام دون فعل هو اقتراب من حياة التأمُّل التي عاشتها آرنت منذ لجوئها إلى أميركا عام 1941 (نشطت في منظمة صهيونية في سنوات لجوئها في فرنسا بين 1933 و1941)، وعاش مثلها هيغل. كانا يكتبان ويُدرِّسان، نشاطهما الأساسي وشبه الوحيد هو الكلام. ماذا يُحتمَلُ أن يكون الفعلُ دون كلام؟ فعلاً محضاً، نزعة فِعْلجية، أو عبادةً للفعل. وهو يمكن أن ينزلق بالتالي إلى إرهاب. ليس المقصود بالفعلِ دون كلامٍ الفعلُ بصمت، بل الفعلُ الذي لا يَنضبطُ بكلامٍ ناجزٍ مُسبَق (دين نظامي أو ’نظرية ثورية‘)، أو الذي يقتصد كثيراً في الكلام ويَردُّهُ إلى وظيفته الإبلاغية والإيعازيّة مثلما في دولة أورويل، ومثلما حاولَ الخمِيرُ الحُمر في كمبوديا بين 1975 و1979 (وقد تَسبَّبوا في مقتل 1,7 مليون من مواطنيهم).

        تفاعل كلاهما، هيغل وآرنت، مع عصرهما بقدر كبير، وفكرهُمُا متجذرٌ بعمق في الزمن الذي عاشه كلٌّ منهما. هناك غيرُ قليلٍ من السوسيولوجيا في فكر هيغل، بالمقارنة مع كانط، سَلفِه المباشر، وهذا ربما بتأثير الثورة الفرنسية والثورة الصناعية وفكرِ آدم سميث الذي كان هيغل مطلعاً جداً عليه. وأكثرُ من علم الاجتماع؛ مفهوم التاريخ مركزيٌّ في فكر هيغل أكثرَ من أي فيلسوف سابقٍ له، لكن التاريخ عنده مخططٌ لتَحقُّق الحرية، مسارٌ معقول من التقدم، يُشكل الحاضرُ أعلى ذراه. ورثَ ماركس نزعة هيغل التاريخية، وإن يكن قد قلبَ محرك التاريخ من الفكرة إلى إنتاج الحياة المادية. بالمقابل، هناك غير قليل من الفلسفة في فكر آرنت، وهذا على الأرجح بأثر تَتلمُذِها على هايدغر وجاسبرز، ومعرفتِها الممتازة بالأصول اليونانية والرومانية التي تتواتر الإحالة عليها عندها باسم «تقليدنا».

        يَجمعُ بين آرنت وهيغل أنها مركزيان أوروبيّان بقدرٍ كبير. ويُفرِّقُ بينهما أن هيغل يبدو واقفاً على قمة جبل، ينظر إلى الوراء ويُغطّي تاريخَ العالم كله من موقعه العالي، بينما آرنت تحتفي بالبدء والظهور، بما يُبادر ويُدخِلُ جديداً إلى العالم، وتنظر إلى الأمام. فِكرُ هيغل فكر نموٍ من حيث أن الفكرة تتطور في التاريخ عبر الصراع مع نقيضها ثم تُشكِّلُ تركيباً جديداً منهما. لكن هيغل يأتي وقد اكتملَ النمو. فِكرُ آرنت فكرُ ولادة ونمو لا تُعرَف مآلاته، يعتني بما ينشأ، بما لا يمكن التنبؤ بمصيره.

        وإنما لأن هيغل وآرنت مُنغرسان في زَمنيهما، ينطبق عليهما التمييز بين تفكير نهايات وتفكير بدايات، وهو تمييزٌ أقلُّ فائدةً في تناول مفكرين آخرين لم ينشغلوا بالتاريخ بهذا القدر.

        ***

        هل يُحتمَل للطلب على التفكير التاريخي أن يتَّسعَ إثر التغيّر السياسي الكبير في سورية قبل ما يقترب من عام؟ نُخمِّنُ ذلك. يدفع التغيّرُ إلى التفكير فيما ينتهي وفيما يبدأ، في الانقطاع والاستمرار، في إدراج ما يحدث اليوم في سياقات زمنية أطول، في تَقَصّي الأصول والمنعطفات وأوقات الجمود. وإنما لذلك من شأن صورتين للتفكير في التاريخ، هيغلية وآرنتية، أن تكونا مُحفِّزَتين للأذهان للتفاعل مع أسئلة كثيرة تَطرحُها علينا آخرُ البدايات السورية.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى