
مؤتمر الأقليات انعكاساً لانهيار العقد الاجتماعي/ سمر يزبك
04 نوفمبر 2025
لن يشكّل مؤتمر الأقليات في الشرق الأوسط، الذي عُقد أخيراً في إسرائيل، الدولة المصنّفة من الرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية دولةً ارتكبت جرائم إبادة، حدثًا مؤسّساً لأي شيء، بقدر ما هو وسيلة إيضاح دالّة على نحو مرعبٍ على انحدار مجتمعات المشرق العربي نحو التفكّك وتحوّل في علاقات الانتماء، فالأقليات، وفق تعريف الدولة الدستوري نفسها، تشكّل المقياس الأدقّ لمدى قدرة الدول على إدارة تنوّعها أو فشلها في ذلك. ومن المهم التذكير دائماً بأن الدولة عندما تعجز عن ترسيخ العدالة والمواطنة المتساوية، تنشأ فراغاتٌ تملأها قوى خارجية بادّعاء “الرعاية” و”الوصاية”، متحولةً من أطراف مراقبة إلى فاعلين يعيدون تشكيل المجال السياسي عبر خطاب الحماية. ولا تشكل إسرائيل حالةً منعزلةً في شرقنا البائس، هناك دول شاركتها وسبقتها في ذلك.
غير أن الخلل الأعمق لا يبدأ من الخارج، ورغم بداهة الأسباب ووضوحها، فإنه لا خيار أمامنا سوى الإعادة؛ فغياب أنظمة عادلة قادرة على استيعاب التنوّع الثقافي والديني هو ما يفتح الباب لتدخّل الآخرين. في سورية، وحتى بعد ما جرى كلّه، لا تزال بنية السلطة السياسية تعمل بمنطق المركز المهيمن والمحيط التابع، بعد حربٍ عمّقت الانقسامات الطائفية والعرقية. الحاجة اليوم إلى إعادة تأسيس الحياة السياسية على المشاركة والمساءلة والاعتراف المتبادل، بحيث تُبنى العدالة على الفعل لا على الهُويَّة. عندها تستعيد الدولة معناها الأخلاقي والسياسي إطاراً يحمي الجميع على قدم المساواة، وليس سلطةً منفصلةً عن المجتمع. إن مواجهة التدخّلات والمؤامرات الخارجية لا ينبغي أن تكون بالشعارات، وإنما بإعادة بناء العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أسس عقدٍ اجتماعي متجدّد يقوم على الاعتراف المتبادل لا على سلطة فوقية. وهذا الدرس تحديداً هو ما فشل فيه النظام السابق، ويعرف السوريون والعالم تماماً نتائج ذلك الفشل.
لكن أن تتصدّر دولة قتلة الأطفال مشهد الدفاع عن الأقليات، رغم سجلّها في التمييز المُمأسس ضدّ أصحاب الأرض الفلسطينيين، حتى من هو حاملٌ منهم لجواز سفرها، فذلك هو المفارقة التي لا يمكن سوى الوقوف عندها. وهي وسيلة إيضاح أخرى، تكشف كيف يُستبدل الفعل الأخلاقي بمجرّد “الخطاب” المنفصل عن حقيقة أن صاحب هذا “الخطاب” يرتكب مجازرَ ما تزال دماء ضحاياها طازجةً تُشاهد في البثّ المباشر يومياً في فلسطين ولبنان وسورية، وحتى اليمن، المجزرة التي رآها وتأكّد منها الأشخاص أنفسهم الذين يبحثون عن حماية أو رعاية لدى آخر احتلالٍ قائم في العالم. الدولة التي تمارس التمييز، حتى ضدّ المجتمعات التي قبلت التجنّد في صفوف جيشها، ولم تحصل (المجتمعات) مقابل ذلك على أيّ اعتراف في قانون القومية الإسرائيلي. إن خطاب “حماية الأقليات المهدّدة” الصادر عن دولة تمارس الإقصاء ليس تضامناً بقدر ما هو إعادة إنتاج للقوة على هيئة أخلاق، لأن الحماية في معناها الجوهري اعترافٌ بالآخر لا سيطرةٌ عليه. أمّا عدم وقوف المشاركين في هذا المؤتمر، ومن يؤيّدهم في مجتمعاتهم، عند هذه المفارقة، فنحيله إلى ما حصل ويحصل من جرائم ومجازر وخطاب كراهية منتشر.
وفي النهاية، لا معنى لتتبّع أسماء المشاركين في مؤتمر كهذا أو تحليل دوافعهم أو البحث عمن يكونون ومن أين ظهروا فجأةً؛ فهُم تفصيلاتٌ ثانوية لا تذكر ضمن مشهدٍ أكبر. التركيز فيهم يمنحهم حضوراً لا يستحقّونه، ويُغفل البنية السياسية التي تسمح بتوظيف الأقليات في لعبة النفوذ. إن تضخيم هذه الأدوار الجزئية يخدم الخطاب الذي يسعى إلى تفكيك المجتمعات من الداخل. وما لم تُبنَ سياسات وطنية جامعة قادرة على احتضان التنوع وحمايته، سيظلّ هذا الفراغ مفتوحاً أمام من يتقن المتاجرة بالأقليات تحت لافتة “الإنسانية” وغيرها، من جرائم لا تزال جارية هنا وهناك.
حماية الأقليات لا تتحقّق بالشعارات، إنما ببناء دولة تُلغي الحاجة إلى “الحماية”، وتبدّد الخوف حين يشعر المواطن (أيّاً كانت لغته أو طائفته) أن القانون يحميه بقدر ما يحمي غيره. عندها تنتفي أسباب الارتهان للخارج ويتحوّل التنوع إلى طاقة خلّاقة. وعندها فقط يصبح الوطن مجالاً مشتركاً للكرامة، وليس ساحةً للصراع على الخوف، وعلى اللهاث وراء “حماية” يوفّرها الاحتلال.
العربي الجديد
——————————
إسرائيل وحلف الأقليات / عدنان علي
2025.10.30
منذ منتصف ستينات القرن الماضي، تحاول إسرائيل إقامة “حلف” مع الأقليات في المنطقة، وخصوصاً الأكراد. وكانت أوضح اتصالاتها مع الزعيم الكردي مصطفى البرزاني الذي زار إسرائيل بعد نكسة حزيران 1967.
وفي تأكيد على هذا النهج، قال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر خلال لقاء مع موظفي وزارته نهاية العام الماضي، إن إسرائيل موجودة في منطقة هي أقلية فيها، ولذلك فإن تحالفاتها الطبيعية هي مع الأقليات الأخرى، مثل الدروز في سوريا ولبنان، والأكراد في كل من سوريا والعراق وإيران وتركيا.
ومن المعروف أنه كان لإسرائيل اتصالات، وقدمت دعماً عسكرياً لبعض الأطراف اللبنانية، المارونية تحديداً، بدءاً من الرئيس كميل شمعون (الوطنيين الأحرار) في خمسينات القرن الماضي مروراً ببشير الجميل (حزب الكتائب) الذي نصبته رئيساً على لبنان، وسمير جعجع (القوات اللبنانية) الذي ارتكبت قواته مجزرة صبرا وشاتيلا، وصولاً إلى سعد حداد وبعده أنطوان لحد وجيشه الجنوبي.
وبعد الإطاحة بنظام بشار الأسد، المحسوب على الأقلية العلوية في سوريا، سعت إسرائيل إلى استنفار الأقليات الأخرى في سوريا والمنطقة، بدعوى وجود خطر وجودي عليها من الحكم السني الجديد، خاصة أن له خلفية جهادية معروفة. ومن هنا جاء تدخلها في قضية السويداء، مستفيدة من وجود امتداد درزي داخل إسرائيل تجتمع معه في حين سمي منذ خمسينات القرن الماضي ب”حلف الدم”. وتسعى أيضا إلى ضم علويين إلى هذا الحلف، لكن اتصالاتها مع العلويين لم تتعد حتى الآن صدور مناشدات فردية من بعض الناشطين تطلب الحماية والدعم من إسرائيل.
وخلافا للموارنة في لبنان، لم يبد المسيحيون في سوريا أي اهتمام بإقامة علاقات مع إسرائيل، وكذلك الطائفة الإسماعيلية.
والواقع أن إسرائيل التي تأسست على أساس ديني وإثني، أي دولة لـ”الشعب اليهودي”، ورسخت ذلك في قانون أقره الكنيست، تعتبر الدولة الوطنية العربية القائمة على الانتماء القومي تهديداً وجودياً لها، لذلك فهي تسعى إلى تصنيع محيط يشبهها قائم على الهويات الفرعية: دروز، وسنة، وشيعة، وعلويين، وأكراد، ومسيحيين، وإسماعيليين، بحيث تبدو إسرائيل مجرد دولة لـ”طائفة اليهود” وسط بحر من الطوائف الأخرى المماثلة.
وترسم الوثيقة الشهيرة التي نشرها الصحفي الإسرائيلي عوديد يينون عام 1982 بعنوان: “استراتيجية إسرائيل في الثمانينيات”، خريطة طريق لمستقبل الشرق الأوسط من وجهة نظر الأمن القومي الإسرائيلي، وتعكس بوضوح هذا التوجه الإسرائيلي. ترى الوثيقة أن بقاء إسرائيل مرهون بتحول العالم العربي من دول قومية قوية إلى كيانات طائفية متصارعة، على غرار ما حدث في لبنان، ومن ثم العراق، باعتبار ذلك نموذجاً قابلاً للاستنساخ في بلدان أخرى تمتلك مكونات داخلية متعددة، وفي مقدمتها سوريا.
ومنذ قيامها، بنت إسرائيل أمنها القومي على هدف أساسي يتمثل في تفتيت المحيط العربي إلى كيانات طائفية وإثنية أصغر، لضمان تفوقها الاستراتيجي على هذا المحيط، باعتبار أن الدول القومية القوية، تهدد أمن إسرائيل ووجودها، ويجب تالياً السعي إلى إقامة محيط مفكك تتنازعه الهويات الدينية والعرقية، لكي يسهل التحكم به، حيث تكون إسرائيل هي الأقوى بين هذه الكيانات، وتقوم بدور الحامي والضامن والرادع، أي شرطي مرور لأقليات المنطقة المتنازعة. ومن هنا، تنظر إسرائيل إلى الأقليات كأدوات محتملة في مساعيها لإخضاع جوارها العربي.
ليس المقصود هنا إدانة مكونات معينة مما يسمى ب”الأقليات” بل محاولة لفهم التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي تجاه المنطقة، في إطار سعي إسرائيل ليس للبقاء فقط، بل للهيمنة على المنطقة واخضاعها على المدى الطويل، لأن أية فرصة تسنح لإقامة دولة عربية قومية مركزية قوية، تندمج فيها المكونات الداخلية بشكل حقيقي، سوف يشكل ذلك خطراُ وجودياً على إسرائيل، وهو ما تعمل الخطط الإسرائيلية على منع حدوثه، بكل الطرق الممكنة. ومن هنا، كان سعيها لاستثمار التطورات التي حصلت في سوريا منذ عام 2011 لخدمة هذه الاستراتيجية، فتوافقت مع الولايات المتحدة، خاصة في عهد الرئيس باراك أوباما، على ضرورة ألا يكون هناك منتصر في سوريا في هذا النزاع الداخلي، فسمح التنسيق بين الجانبين الإسرائيلي والأميركي بإمداد طرفي الصراع، نظام الأسد والمعارضة، بالسلاح ومقومات استمرار الحرب، من دون السماح بانتصار أي منهما بشكل حاسم، وهو ما كان خلال 14 عاما، حيث أنجز نظام الأسد المهمة المطلوبة منه، وهي تدمير مقدرات الدولة السورية، وتفتيت المجتمع، وزرع بذور الشقاق بين مكوناته. وحين انتهت صلاحية ذلك النظام، وبات عاجز عن تحقيق مزيد من الأهداف في هذا السياق المحدد له، ولم يعد من الممكن إعادة تعويمه، جرى ترتيب انزياحه عن السلطة على النحو الذي جرى، مع التقدير الكامل لتضحيات وكفاح القوى التي تولت عملية اسقاط النظام على الأرض، إلا أن جهدها كان في سياق ترتيب إقليمي ودولي لتبديل السلطة في سوريا.
وبعد سقوط النظام، سعت إسرائيل منذ اليوم الأول الى توجيه هذا التحول ليخدم خططها وتصوراتها في سوريا والمنطقة، من خلال محاولة شيطنة النظام الجديد بدعوى ماضيه الجهادي، بهدف ابتزازه والتحكم في توجهاته. ورغم الضغوط التي مارستها قوى عربية وإقليمية على الإدارة الأميركية لإعطاء النظام الجديد فرصة، والاستجابة الجزئية من جانب إدارة الرئيس دونالد ترمب، من خلال قرار رفع العقوبات، إلا أن هذه الإدارة ما زالت تمنح إسرائيل المجال للعمل على تحقيق مخططاتها في سوريا، مع قدر من الضبط، خشية انفلات الوضع عن السيطرة، بما لا يخدم في النهاية التصورات الأميركية الاوسع للمنطقة، ولا يخدم حتى مصالح إسرائيل الاستراتيجية.
تلفزيون سوريا
———————————
مؤتمر الأقليات في تل أبيب: استغلال سياسي تحت عباءة حقوقية/ أغيد حجازي
29 أكتوبر 2025
أُقيم في تل أبيب، يوم الاثنين 27 تشرين الأول/ أكتوبر الحالي، مؤتمرٌ تحت عنوان “مؤتمر الأقليات في الشرق الأوسط”. ورغم أن العنوان يشير إلى الشرق الأوسط، فإن كثيرًا من المشاركين من خارج فلسطين المحتلة كانوا من السوريين. وبحسب ما نقلته أوساط محلية، لم يُسمح بدخول إسرائيل لأي سوري يحمل الجنسية السورية فقط، بل اقتصر السماح على مزدوجي الجنسية.
ووفق تقريرٍ للقناة الإسرائيلية 14، شارك في المؤتمر عدد من مختلف المكوّنات، ولم يقتصر الحضور على الأقليات. كما غطّت القناة الإسرائيلية الناطقة بالعربية “I24NEWS” الحدث، وقالت في تقريرها إن المشاركين كانوا من باحثين وشخصيات سياسية وثقافية. وأضاف التقرير أن المؤتمر “ناقش واقع الأقليات في ظل التحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة، ضمن مشهدٍ إقليمي متقلّب، وكيفية تعزيز التعاون والحفاظ على الهوية التاريخية والثقافية لكل طائفة في إطار العيش المشترك”.
ومن أبرز التوصيات التي خرج بها المؤتمر، بحسب ما نشره إيدي كوهين، الدعوة إلى تأسيس مكتب ارتباط إقليمي افتراضي يضم شخصيات سياسية وناشطين يمثلون مختلف مكوّنات المنطقة. كما أوصى المؤتمر باعتماد شركة قانونية إسرائيلية ترتبط مباشرة بمكتب الارتباط، تكون مهمتها إعداد تقارير شهرية تُرفع إلى مكتب رئيس الوزراء، ولجنة الأمن في الكنيست، ووزارة الخارجية، إلى جانب إعداد تقارير عاجلة في حال حدوث تطورات ميدانية أو سياسية تستدعي المتابعة الفورية.
وشملت التوصيات أيضًا إنشاء منصة إعلامية رسمية تمثل مكتب الارتباط، تُصدر نشرة نصف شهرية تتناول أوضاع الأقليات في المنطقة، وتسعى إلى بناء شراكات مهنية مع كبرى الصحف والمؤسسات الإعلامية الإسرائيلية. كما أوصى المؤتمر بإطلاق صندوق خاص لتلقي الشكاوى الفردية والجماعية من أبناء الأقليات.
قال عضو الكنيست الإسرائيلي أكرم حسون خلال المؤتمر إنّ إسرائيل “حاربت المنظمات التكفيرية”، وادعى أنّ تل أبيب “تسعى إلى كرامة جميع الشعوب والمواطنين، ولن تقبل بأن يدفع الأكراد والمسيحيون واليزيديون والعلويون الثمن”. ودعا حسون إلى “توحيد الجهود وإقامة مؤسسة عالمية لجميع الأقليات في الشرق الأوسط”، مشيرًا إلى ضرورة “التأثير على الأمم المتحدة والمحاكم الجنائية الدولية لمحاسبة الإرهابيين”.
نُظِّم المؤتمر من قبل التيار اليميني الإسرائيلي المتطرّف، ما أثار تساؤلاتٍ حول الأهداف والغايات التي يسعى إليها الاحتلال الإسرائيلي من وراء هذا اللقاء، الذي يستغلّ المكوّنات السورية بمختلف طوائفها وانتماءاتها.
مؤتمر تل أبيب أداة لتفتيت المنطقة لا لحماية الأقليات
قال المحاضر في العلاقات الدولية د. عادل حسن، من الساحل السوري، إنّ مؤتمر الأقليات الذي عُقد في تل أبيب “لا يخدم الأقليات على الإطلاق، بل يصبّ في مصلحة المشروع الإسرائيلي ويأتي ضمن سياسة تفتيت المنطقة وتقسيمها بما يخدم الأجندات الإمبريالية للدول الكبرى كأمريكا وبريطانيا وروسيا وإسرائيل وتركيا”.
وأوضح حسن أنّ إسرائيل “تحاول من خلال هذا المؤتمر الظهور بمظهر حمامة السلام وحامية الأقليات بعد سقوط النظام السوري”، مؤكدًا أنّ هذا التوقيت “ليس صدفة”، بل يأتي ضمن “محاولة إسرائيلية لإعادة تموضعها في المنطقة والسيطرة على جنوب سوريا والساحل عبر تحالفات متعددة، منها تحالفها مع قوات قسد، لضمان نفوذها على الجغرافيا السورية”.
وانتقد حسن بشدة “بعض مكونات الشعب السوري التي وثقت بإسرائيل”، معتبرًا أن “الرهان على عدوٍ يحتل أراض عربية وينتهك القوانين الدولية خطأ استراتيجي”، داعيًا جميع السوريين إلى “الاعتماد على أنفسهم، والتكاتف لبناء سوريا جديدة على أسس وطنية قائمة على العدالة الانتقالية والقانون والمواطنة”.
وختم بالقول إنّ “إسرائيل التي ارتكبت إبادة جماعية في غزة وعبثت بالمقدسات الإسلامية واحتلت أراض عربية لا يمكن أن تكون راعيةً للسلام أو حاميةً للأقليات”، مشددًا على أنّ “الحماية الحقيقية تأتي من المكوّن السوري نفسه، ومن وحدة الشعب على أساس وطني لا طائفي”.
من جهته قال الباحث السياسي د. علي يحيى إن “إسرائيل اليوم مرفوضة ومكروهة في العالم منذ حرب الإبادة على غزة”، وأضاف أن “ما نراه حاليًا من عقد مؤتمر في تل أبيب حضره بعض الشخصيات، التي طلبت تمويلًا من أجل قدومها، هو محاولة من ضمن محاولات
عدة لتلميع صورتها”. ولفت إلى أن “هذه ليست المرّة الأولى التي تعقد فيها إسرائيل مؤتمرات يشارك فيها مواطنون من داخل سوريا؛ فقد شهدت السنوات الماضية مشاركات لشخصيات عدّة”.
وسيلة إسرائيلية لتحقيق مكاسب سياسية
وقال الناشط السياسي في محافظة السويداء، طارق عبد الحي، إنّ المؤتمر الأخير يأتي “ضمن السياق الإسرائيلي الرامي إلى امتلاك أكبر عدد ممكن من أوراق الضغط في عملية المفاوضات مع دمشق”، موضحًا أن “إسرائيل تنظر إلى الأقليات على أنها ورقة ذات أهمية شديدة الحساسية بالنسبة لها”.
وأضاف عبد الحي أنّ “الحديث الأخلاقي أو الدبلوماسي والإنساني عن حقوق الأقليات ليس أولوية لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو أو لدى أي حكومة إسرائيلية، بل هو ورقة تستخدمها لتحقيق مكاسب سياسية”، معتبرًا أن “الأقليات ستكون ضحية لهذه الورقة، لأن الخطاب الإعلامي والسياسي لا يترجم بالضرورة إلى أفعال حقيقية على الأرض”.
وأشار إلى أنّ “إسرائيل تحاول من خلال هذه الخطوات إضافة أوراق جديدة إلى طاولة المفاوضات”، لافتًا إلى أنّ “نتنياهو منذ أكثر من ثمانية أشهر يصرّح بحماية الأقليات وفتح المعابر، في حين تواجه هذه التحركات ضغوطًا للحد من مخاطر التمدد الإسرائيلي في المنطقة”.
وختم عبد الحي بالقول: “في الجنوب نحن اليوم تحت خطر وصاية إسرائيلية كما هو الحال في الشمال أو في الشرق ضمن وصايات مختلفة”.
يكشف “مؤتمر الأقليات في تل أبيب” عن وجهٍ آخر من المشروع الإسرائيلي الذي يحاول إعادة إنتاج نفسه في مرحلة ما بعد سقوط النظام، عبر استثمار الخطاب الحقوقي والإنساني لتحقيق مكاسب سياسية وأمنية. فبينما تُقدّم تل أبيب نفسها كراعٍ للسلام وحامٍ للأقليات، تواصل سياساتها التوسعية في الجنوب السوري واللبناني، وتمارس في غزة أبشع صور القتل والتدمير الجماعي، في تناقضٍ صارخ مع ما تدعيه.
إنّ ما يجري لا يمكن قراءته خارج سياق السعي الإسرائيلي لتفتيت البنى الاجتماعية في سوريا والمنطقة، وإعادة رسم الخريطة وفق مصالحها الأمنية والاقتصادية. فالأقليات التي ترفع إسرائيل شعار حمايتها ليست سوى أوراقٍ تُستخدم لتبرير تدخلها وفرض وصايتها، في وقتٍ تتجاهل فيه حقوق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال.
هكذا يظهر المؤتمر، لا كمنبرٍ للحوار أو للتفاهم، بل كأداةٍ جديدة في منظومة النفوذ الإسرائيلي، تسعى من خلالها تل أبيب إلى شرعنة حضورها في المشهد السوري، مستغلةً هشاشة الواقع المحلي وتشتت المكوّنات، في محاولة لإعادة هندسة المنطقة على مقاسها وتحت مظلتها الأمنية والسياسية.
الترا سوريا
———————–
مؤتمر الأقليات في تل أبيب: الوجه الجديد للمشروع الإسرائيلي/ أحمد مولود الطيّار
الخميس 2025/10/30
لم يكن مؤتمر “الأقليات في الشرق الأوسط” الذي انعقد في تل أبيب بتاريخ 28/10/ 2025 تحت هدف ” تعزيز الحوار والتعاون بين الأقليات في المنطقة وبين إسرائيل، في ظل التحديات الأمنية والسياسية التي تواجهها هذه المجموعات في أوطانها الأصلية” حدثاً عابراً أو ذا طابع أكاديمي صرف كما حاول المنظمون تصويره. فخلف الشعارات المكررة عن “التعايش” و”حماية المكونات الدينية والإثنية” كانت هناك رسالة سياسية واضحة تشير إلى تحوّل نوعي في طريقة تفكير النخبة اليمينية الإسرائيلية: لم تعد إسرائيل تكتفي بخطاب القوة العسكرية والردع، بل باتت تسعى إلى إعادة تشكيل المجال الإقليمي من الداخل، عبر تفكيك البنى الوطنية في الدول المجاورة، وإعادة تركيبها وفق مصالحها الأمنية والاقتصادية.
من يتأمل المسار التاريخي يدرك أن ما جرى في تل أبيب ليس إلا استكمالاً عملياً لرؤية شيمون بيريز القديمة في كتابه “الشرق الأوسط الجديد” الصادر عام 1993. يومها؛ طرح بيريز حلمه الوردي عن منطقة تتجاوز الحروب، وتتحول إلى فضاء اقتصادي متكامل تقوده التكنولوجيا والتعاون الإقليمي. كانت إسرائيل – في تلك الرؤية – المركز المعرفي والعلمي الذي يتعلم منه الآخرون، ويغدو محركاً للتنمية والسلام. لكن الزمن أثبت أن تلك اللغة الناعمة كانت غلافاً لفكرة أعمق، وهي: تثبيت تفوق إسرائيل الهيكلي في المنطقة، وتحويل جيرانها إلى محيط تابع اقتصادياً وسياسياً.
اليمين الإسرائيلي اليوم يستعيد جوهر هذه الرؤية، لكنه ينزع عنها القناع المثالي. فالسلام الاقتصادي الذي تحدث عنه بيريز أصبح في الخطاب اليميني المعاصر “سلاماً هرمياً”، يقوم على تفاوت القوة لا على المساواة. المنطقة، كما يتصورها صانع القرار في تل أبيب، يجب أن تعاد هندستها بحيث تتكون من دول ضعيفة، متنازعة طائفياً، مفتوحة اقتصادياً، ومتصالحة مع تفوق إسرائيل التي تقدم نفسها نموذجاً في “الحداثة” والحكم المستقر. فيحاول الإسرائيليون إعادة تسويق مقولة “الشرق الأوسط الجديد” نفسها، ولكن بوجه أكثر صراحة. ففي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام، أعلن بنيامين نتنياهو أن بلاده تقترب من توقيع اتفاقية سلام مع السعودية، معتبراً أن الاتفاقات الإبراهيمية مثّلت “نقطة تحول تاريخية”، وأن إسرائيل باتت تتقاسم مع دول عربية بعينها العديد من المصالح، وهو ما سيخلق – على حد قوله – شرق أوسط جديد.
هذا التصريح ليس مجرد إعلان دبلوماسي، بل هو تأكيد على أن فكرة بيريز القديمة ما تزال تشكل الوعي الإستراتيجي الإسرائيلي، وإنْ جرى تحديثها لتتناسب مع التحالفات الجديدة، ومع منطق القوة الذي يحكم المنطقة اليوم في عصر يقوده ترامب – نتنياهو.
في هذا السياق، يمكن اعتبار أن مؤتمر الأقليات خطوة تجريبية في محاولة لترجمة تلك الفكرة إلى واقع سياسي ملموس. فالمشاركون الذين حضروا من خلفيات درزية وعلوية وإيزيدية ومسيحية وكردية وسريانية، بعضهم من سوريا، جرى تقديمهم بوصفهم ممثلين لصوت المكونات المهمشة في المنطقة. لكن القراءة الدقيقة تُظهر أن الهدف الحقيقي هو صناعة “شبكات تمثيل بديلة” يمكن توظيفها لاحقاً في أي ترتيبات سياسية أو أمنية تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط. إنه مشروع “لتوليد طبقة من النخب المحلية تخاطب إسرائيل مباشرة، وتتجاوز الدول المركزية وحدودها التقليدية”.
ما يميز هذه الإستراتيجية هو توظيف خطاب “حماية الأقليات” كغطاء أخلاقي. فإسرائيل تسعى إلى إعادة تعريف نفسها في الوعي الإقليمي من دولة احتلال إلى دولة حامية. فهي – بحسب هذا الخطاب – “الملاذ الآمن للأقليات المهددة من محيط عربي إسلامي متعصب”.
الساحة السورية تمثل النموذج الأمثل لتطبيق هذه العقيدة الجديدة. فبعد أكثر من عقد ونصف عقد على الحرب التي أرهقت المجتمع والدولة؛ تعمل إسرائيل على استثمار هشاشة بلد مثقوب الهوية، متعدد الانقسامات، وقابل للاختراق عبر أدوات غير عسكرية. لذلك؛ لم يكن من قبيل الصدفة أن يُستدعى إلى مؤتمر تل أبيب ممثلون عن أقليات سورية تحديداً، أو أن تُطرح عبارات مثل “الحقوق الفيدرالية” و”الإدارة الذاتية” و”التنوع الثقافي” و “حق تقرير المصير” في سياق يتقاطع بوضوح مع مشاريع اثارة الفتن والفوضى.
إن ما يريده اليمين الإسرائيلي ليس إعادة احتلال الأراضي السورية أو السيطرة المباشرة عليها، بل تحويلها إلى فضاء متشظٍّ من الكيانات الصغيرة المرتبطة اقتصادياً مع إسرائيل. هكذا تتحقق السيطرة من دون عبء الاحتلال. فإسرائيل تصدّر الكهرباء والماء والاتصالات والخبرة التقنية، بينما تعتمد تلك الكيانات عليها في شؤون حياتها اليومية. إنها علاقة تبعية كاملة تُقدّم بعبارات التعاون والتكامل.
والمكاسب التي تطمح إسرائيل إلى تحقيقها تتلخص في ثلاث نقاط، أولها: تحييد جبهتها الشمالية عبر ربط المجتمعات الحدودية بعلاقات تعاون أمني واقتصادي مباشرة معها. ثانياً: خلق واقع جديد يجعل من التطبيع أمراً طبيعياً داخل النسيج الاجتماعي، لا قراراً فوقياً للحكومات. وثالثاً: خفض كلفة السيطرة عبر توكيل حلفاء محليين بمهام الحماية والمراقبة. في المقابل، تمنح تلك الجماعات مكاسب رمزية واقتصادية.
لكن هذا المشروع لا يخلو من ثغرات. فالمؤتمر – رغم الضجة الإعلامية التي رافقته – عكس محدودية التمثيل وضعف التأثير الفعلي للحاضرين. كثير من المجتمعات التي تم التحدث باسمها ترفض هذه المقاربة، وتراها استغلالاً لقضاياها. كما أن القوى الإقليمية الكبرى لن تسمح بقيام خرائط جديدة تهدد توازناتها. إضافة إلى ذلك، يبقى الوعي السوري وداخل الأقليات نفسها – رغم تشظيه – حساساً تجاه كل ما يأتي من بوابة إسرائيل، وهو ما يجعل “التفتيت الناعم” عملية محفوفة بالمخاطر.
من هنا، يمكن القول بأن المسؤولية الأكبر تقع اليوم على عاتق نظام الحكم الجديد في دمشق بقيادة الرئيس المؤقت أحمد الشرع، الذي بات مُطالباً بخطوات سريعة وحاسمة لبناء عقد اجتماعي جديد ينهي إرث التمييز والاحتكار، ويؤسس لمرحلة من المواطنة المتساوية والتمثيل العادل لجميع المكونات الدينية والقومية في سوريا. وهذا يتطلب إعادة النظر في كل الخطوات التأسيسية التي قام بها أحمد الشرع منذ توليه الحكم، كالإعلان الدستوري، والمؤتمر الوطني، وآليات توزيع السلطات، وصياغة السياسات الانتقالية، بما يضمن مشاركة حقيقية لكل المكونات، ويمنع إعادة إنتاج المركزية القديمة بشكل جديد. فحين يشعر كل المواطنين – بعيداً عن طوائفهم أو إثنيّاتهم – أنهم يُعاملون على قدم المساواة في الحقوق والواجبات، فلن يبحثوا عن حماية من الخارج، ولن يجدوا في الانقسام أو الارتهان ملاذاً.
ما تفعله إسرائيل اليوم ليس مجرد مبادرة دبلوماسية، بل محاولة لتغيير قواعد اللعبة في المنطقة. فهي تدرك أن زمن الاحتلال الكلاسيكي انتهى، وأن النفوذ الحقيقي في القرن الحادي والعشرين يُبنى عبر السيطرة على شبكات المعرفة والاقتصاد والإعلام، وعبر إعادة تشكيل الخريطة النفسية الهويّاتية لشعوب المنطقة. وما مؤتمر تل أبيب للأقليات سوى وجهاً من وجوه هذه الإستراتيجية المتكاملة التي تستبدل القوة الصلبة بالقوة الرمزية، والسلاح بالمصالح، والحدود بالشبكات.
الشرق الأوسط الجديد الذي أراده بيريز قبل ثلاثة عقود؛ كان يبدو حينها حلماً طوباوياً. أما اليوم، فإن اليمين الإسرائيلي يسعى إلى تحقيقه فعلياً، ولكن بشروط مقلوبة: “ليس شرقاً مسالماً متكافئاً، بل شرقاً مفككاً تعلوه إسرائيل من دون حرب”.
إن خطر هذه الرؤية لا يكمن في قدرتها العسكرية، بل في قدرتها على إقناع بعض أبناء المنطقة بأن خلاصهم يمر عبر بوابة تل أبيب. ومواجهة هذا الخطر تبدأ من الداخل، أي من إعادة تعريف الوطنية على أسس عادلة، ومن الاعتراف بالتنوع من دون الارتهان للخارج. ووحدها الدول التي تنجح في تحويل اختلافاتها إلى قوة داخلية، لا إلى شروخ خارجية؛ تستطيع أن تقف في وجه “الشرق الأوسط الجديد” الذي يُراد لها أن تكون فيه أطرافاً هامشية في نظام تتوسطه إسرائيل وتتحكم بخيوطه
المدن
—————————
“مؤتمر الأقليات” يثير شكوكًا حول نوايا إسرائيل في سوريا
عقد سوريون وعرب بحضور إسرائيليين في تل أبيب، بدعوة من الصحفي الإسرائيلي إيدي كوهين، لقاء تحت مسمى “مؤتمر الأقليات”، هاجموا فيه الرئيس أحمد الشرع وحكومته، وطالبوا بإقامة دويلات منفصلة للأقليات داخل سوريا، ما أثار جدلًا على وسائل التواصل الاجتماعي.
وحضر المؤتمر الذي جرى أمس 27 من تشرين الأول، نحو 30 شخصًا بينهم السوري حسن مرهج، ويقدم نفسه على أنه خبير بشؤون الشرق الأوسط، وهو ضيف دائم على القنوات الإسرائيلية.
وطالب مرهج بالانفصال، وإقامة دويلات مستقلة للأقليات في سوريا.
كما حضر المؤتمر تميم خرماشو، وهو سوري عضو في مجلس المشرق في الولايات المتحدة، وعبد الإله المعلا، سياسي أردني مقيم في إسرائيل، كما شارك عبر الفيديو مروان كيوان، أحد شيوخ الطائفة الدرزية في السويداء.
ومن الإسرائيليين، حضر الصحفي التلفزيوني، “زفي يحزقيلي” معلق للشؤون العربية في قناة (I24)، والمؤرخ الإسرائيلي “مردخادي كادر”، والبروفسور “موشيه كوهين إيليا”، وعضو الكنيست الإسرائيلي أكرم حسون.
عضو الكنيست الإسرائيلي، أكرم حسون، قال خلال المؤتمر، إن “ماحدث لرجال دين السويداء في سوريا يشابه ما تعرض له اليهود من قبل النازيين”، معتبرًا أن كل المؤسسات في إسرائيل ستحارب بقوتها ما سماه “الإرهاب التكفيري”.
وأشار إلى ضرورة قيام “مؤسسة عالمية لجميع الأقليات في شرق الاوسط”، وأن تؤثر على الأمم المتحدة والمحاكم الجنائية، لتحاسب ما سماهم الإرهابيين”.
ومن التوصيات التي خرج بها المؤتمر:
تأسيس مكتب ارتباط إقليمي يضم شخصيات سياسية وناشطين يمثلون مختلف مكوّنات المنطقة، على أن يُموَّل من تبرعات ذاتية من المهتمين بشؤون الأقليات في كل من سوريا والعراق ولبنان وإسرائيل.
يتولى المكتب تنسيق الجهود ومتابعة التطورات المشتركة ذات الصلة بحقوق الأقليات وحمايتها.
اعتماد شركة حقوقية قانونية في إسرائيل ترتبط مباشرة بمكتب الارتباط، تكون مهمتها إعداد تقارير دورية شهرية تُرفع إلى مكتب رئيس الوزراء، ولجنة الأمن في الكنيست، وفي وزارة الخارجية، إضافة إلى تقارير خاصة عاجلة في حال حدوث تطورات ميدانية أو سياسية تستدعي المتابعة الفورية.
إنشاء منصة إعلامية رسمية تمثل مكتب الارتباط، تُصدر نشرة نصف شهرية تتناول أوضاع الأقليات في المنطقة، وتعمل على تأسيس شراكات مهنية مع كبرى الصحف الإسرائيلية والمؤسسات الإعلامية ذات الصلة لتعزيز الشفافية ونقل المعلومات الموثوقة.
إطلاق صندوق خاص لتلقي الشكاوى الفردية والجماعية من أبناء الأقليات، مع ضمان السرية التامة للمرسلين وحماية بياناتهم، بما يتيح معالجة الانتهاكات ورصدها بشكل ممنهج وتوثيقها ضمن إطار قانوني وإنساني واضح.
يدعو المؤتمر إلى محاربة جميع أشكال التطرف الأيديولوجي والديني والسياسي وتنظيماته التكفيرية مثل تنظيم الدولة و”جبهة النصرة” و”هيئة تحرير الشام” التي تحكم سوريا اليوم برئاسة (أبو محمد الجولاني سابقًا) أحمد الشرع، وذلك لما تمثله من تهديد مستمر لحقوق الأقليات والحريات الدينية في المنطقة.
يؤكد المؤتمر على دعم حق مكونات المنطقة في تقرير مصيرها بحرية، وفق الأطر القانونية والدولية، وبما يضمن تبنّي أنظمة حكم وإدارة محلّية تراعي الخصوصيات الدينية والثقافية والفكرية لكل مكوّن، وتشكل في الوقت نفسه رافعةً للتنمية الاقتصادية والعلمية والاجتماعية، وتسهم في ترسيخ قيم العدالة والمواطنة المتساوية.
تجارب سابقة
وقبل سقوط نظام الأسد توجه عدد من السوريين إلى إسرائيل للاستعانة بها، منهم كمال اللبواني وعصام زيتون وفهد المصري وغيرهم.
كمال اللبواني: طالب في مقابلة صحفية مع موقع “إيلاف” بتدخل عسكري إسرائيلي دعماً للمعارضة السورية مقابل التخلي عن الجولان، كما زار إسرائيل في أيلول 2014، للمشاركة في مؤتمر حول مكافحة الإرهاب، وهو ما قوبل باستنكار شديد من قبل المعارضة السورية التي تبرأت منه.
عصام زيتون: ادّعى تمثيل “الجيش الحر” في مؤتمر هرتسليا للأمن القومي الإسرائيلي، في حزيران 2016، وورد اسم زيتون لأول مرة في وثائق قالت صحيفة “الأخبار” اللبنانية المقربة من “حزب الله” اللبناني إنها مسربة من مكتب ضابط إسرائيلي، في حزيران عام 2015.
ووفقًا لـ “الأخبار” فإن عصام زيتون طلب من قادة “الجيش الحر” في المنطقة الحدودية السورية- الفلسطينية تسلم المساعدات والمؤن من إسرائيل، دون تفاصيل إضافية.
فهد المصري: وجه باسم “جبهة الإنقاذ الوطني”، في كانون الأول 2016، رسالة مفتوحة للشعب الإسرائيلي حول السلام بين إسرائيل وسوريا “الجديدة”.
الهدف: تقسيم سوريا
يعكس عقد المؤتمر، بحسب أمين عام “الحركة الوطنية السورية”، زكريا ملاحفجي، استمرار إسرائيل في توظيف الأزمات الإقليمية لخدمة مشاريعها السياسية، حيث يحمل المؤتمر في جوهره “مشروعًا سياسيًا بالغ الخطورة على النسيج الوطني السوري وعلى فكرة الدولة نفسها”.
وأشار في مقال رأي، على منصة الحركة، إلى أن إسرائيل “لا تستضيف مؤتمرات “إنسانية مجانًا”، إذ إنها تعرف جيدًا أن أخطر ما يهدد أي دولة هو انقسامها الداخلي، وأن الطريق الأقصر لإضعاف سوريا لا يمر عبر الحدود، بل عبر العقول التي تُغذّى بالانتماء الضيق بدل الهوية الجامعة.
ويرى السياسي السوري أنّ الدعوة إلى مثل هذا المؤتمر تأتي في “لحظة حساسة”، تشهد فيها المنطقة حالة من إعادة التموضع السياسي، ومحاولات جادة لإعادة بناء العلاقات الإقليمية على أسس جديدة.
وفي المقابل، وفق ملاحفجي، فإن إسرائيل تسعى لتثبيت فكرة “الشرق الأوسط الجديد”، حيث تتحول كل طائفة أو قومية إلى كيان سياسي مستقل، لتصبح هي النموذج “الشرعي” الوحيد للدولة الدينية القومية في المنطقة.
الردّ السوري الحقيقي على هذا النوع من المؤتمرات، وفق تعبير أمين عام الحركة الوطنية، “لا يكون بالإنكار أو الغضب فقط، بل عبر هوية وطنية ومشاركة شاملة تعيد بناء الثقة بين مكوّنات المجتمع السوري كافة”.
واعتبر ملاحفجي، أن على السوريين اليوم أن يعيدوا اكتشاف ما يوحّدهم لا ما يفرّقهم، مشيرًا إلى بروز مسؤولية النخب الفكرية والسياسية والإعلامية في صياغة خطاب جديد، يتجاوز الخطاب الطائفي، ويفتح صفحة تتحدث عن “الدولة والمواطنة”.
وقال: ليست صدفة أن تستضيف إسرائيل مؤتمرًا كهذا في هذا التوقيت بالذات، فهي تدرك أن إعادة سوريا إلى مكانتها الإقليمية وقوتها لا يمكن أن تتم إلا عبر وحدة السوريين، وأن أيّ انقسام داخلي هو مكسب استراتيجي لها، فهي تسعى له مستفيدة من الأخطاء التي ارتكبت أو ترتكب.
الموقف السوري من إسرائيل
ما جرى في السويداء لم يوقف مسار التفاوض بين سوريا وإسرائيل، بل استمر في جولات امتدت من باريس إلى لندن برعاية المبعوث الأمريكي، توم براك، لكنها تعثرت بسبب تمسك إسرائيل بالممر الإنساني إلى السويداء، وفق ما نقلته وكالة “رويترز” عن أربعة مصادر، في 26 من أيلول الماضي.
الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، قال في مقابلة مع شبكة “CBS” الأمريكية في 15 من تشرين الأول الحالي، إن إسرائيل يجب أن تعود عن أي نقطة تقدمت إليها بعد 8 من كانون الأول 2024.
واعتبر الشرع أن ذلك هو “الوضع الطبيعي”، وأن سوريا “لم تقم بأي استفزازات تجاه إسرائيل منذ وصول الحكومة الحالية إلى دمشق”، بل أعلنت بوضوح أنها “لن تكون منصة لتهديد أي دولة مجاورة، بما في ذلك إسرائيل”.
ويرى الشرع أن إسرائيل تحاول جرّ سوريا إلى حالة من الصراع عبر “استفزازات متكررة تعتمد على القوة العسكرية”، معتبرًا أن هذه السياسة “خاطئة وتشكل تهديدًا للاستقرار الإقليمي”، وأن استمرارها قد يدفع حلفاء الولايات المتحدة إلى “البحث عن خيارات بديلة بسبب المخاطر التي تخلقها التصرفات الإسرائيلية في المنطقة”.
وفي سياق المقارنة بين المخاوف الأمنية المعلنة لإسرائيل وسلوكها الميداني، قال الشرع إن “من يجب أن يخشى على أمنه هي سوريا، لا إسرائيل”، موضحًا أن “إسرائيل تنتهك الأجواء السورية يوميًا وتعتدي على مواقع عسكرية ومدنية”، مشيرًا إلى أن “ذريعة حماية الشمال أو الجنوب تبرير مضحك رغم الألم الذي تسببه تلك السياسات”.
تدخلات إسرائيل في سوريا
مع سقوط النظام في 8 من كانون الأول 2024، توغلت إسرائيل في مناطق على الحدود السورية، واستهدفت 80 % من المقدرات العسكرية السورية، كما أنها رفعت “شعار حماية الدروز” وحفظ أمنهم.
وفي 30 من نيسان الماضي، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنايمين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في بيان إن إسرائيل لن تسمح بإلحاق الضرر بالطائفة الدرزية في سوريا “انطلاقًا من التزامنا العميق تجاه إخواننا الدروز في إسرائيل، الذين تربطهم علاقات عائلية وتاريخية بإخوانهم الدروز في سوريا”.
وفي أحداث السويداء في تموز الماضي، استهدفت إسرائيل قوات وزارتي الدفاع والداخلية في محيط السويداء وقصفت مبنى الأركان العامة في دمشق، والقصر الجمهوري، حيث اعتبر وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن “الهجمات الإسرائيلية على أهداف للحكومة السورية في السويداء ودمشق كانت السبيل الوحيد “لوقف مذبحة الدروز في سوريا”.
و بدأت أحداث السويداء، في 12 من تموز الماضي، بعد عمليات خطف متبادلة بين سكان حي المقوس في السويداء، ذي الأغلبية البدوية وعدد من أبناء الطائفة الدرزية، تطورت في اليوم التالي إلى اشتباكات متبادلة.
تدخلت الحكومة السورية، في 14 من تموز، لفض النزاع، إلا أن تدخلها ترافق مع انتهاكات بحق مدنيين من الطائفة الدرزية، ما دفع فصائل محلية للرد، بما فيها التي كانت تتعاون مع وزارتي الدفاع والداخلية.
في 16 من تموز، خرجت القوات الحكومية من السويداء، بعد تعرضها لضربات إسرائيلية، ما أعقبه انتهاكات وأعمال انتقامية بحق سكان البدو في المحافظة، الأمر الذي أدى إلى إرسال أرتال عسكرية على شكل “فزعات عشائرية” نصرة لهم.
وبعد ذلك، توصلت الحكومة السورية وإسرائيل إلى اتفاق بوساطة أمريكية، يقضي بوقف العمليات العسكرية.
—————————-
مؤتمر الأقليات في تل أبيب.. فخٌّ إسرائيلي جديد في طريق سوريا
د. زكريا ملاحفجي
أكتوبر 27, 2025
عُقد اليوم في تل أبيب مؤتمر للأقليات في خطوةٍ تعكس استمرار إسرائيل في توظيف الأزمات الإقليمية لخدمة مشاريعها السياسية، حيث استضافت تل أبيب ما سُمّي بـ”مؤتمر الأقليات السورية”، وهو عنوان يبدو للوهلة الأولى إنسانيًا ومنفتحًا، لكنه في جوهره يحمل مشروعًا سياسيًا بالغ الخطورة على النسيج الوطني السوري وعلى فكرة الدولة نفسها.
وهذا فخّ العناوين البراقة، حيث إسرائيل لا تستضيف مؤتمرات “إنسانية” مجانًا، ولا تفتح أبوابها لمن يناقش “حقوق الأقليات” من باب النوايا الحسنة. فهي تعرف جيدًا أن أخطر ما يهدد أي دولة هو انقسامها الداخلي، وأن الطريق الأقصر لإضعاف سوريا لا يمر عبر الحدود، بل عبر العقول التي تُغذّى بالانتماء الضيق بدل الهوية الجامعة.
إنّ الدعوة إلى مثل هذا المؤتمر تأتي في لحظة حساسة، تشهد فيها المنطقة حالة من إعادة التموضع السياسي، ومحاولات جادة لإعادة بناء العلاقات الإقليمية على أسس جديدة. وفي المقابل، تسعى إسرائيل لتثبيت فكرة “الشرق الأوسط الجديد”، حيث تتحول كل طائفة أو قومية إلى كيان سياسي مستقل، لتصبح هي – أي إسرائيل – النموذج “الشرعي” الوحيد للدولة الدينية القومية في المنطقة.
التركيز على الطائفية من خطاب الهامش إلى أداة الاختراق حين كان بعض المثقفين والوطنيين السوريين يحذّرون من الخطاب الطائفي في سنوات الحرب الأولى، ويدعون إلى تجاوز لغة الانتماءات الضيقة، وُصفوا حينها بالمثالية أو البُعد عن الواقع.
لكنّ ما نراه اليوم يثبت أن تلك التحذيرات لم تكن ترفًا فكريًا، بل رؤية استشرافية أدركت باكرًا أن أي خطاب طائفي هو جسرٌ يُبنى لعبور الآخرين إلى الداخل السوري.
فالطائفية لا تقتل فقط فكرة الدولة، بل تفتح الباب لتدخل الخارج تحت ذرائع “حماية الأقليات” أو “نصرة المظلومين”، وهو بالضبط ما يستثمره مؤتمر تل أبيب اليوم. من يسمح بزرع الخوف بين أبناء الوطن الواحد، يزرع في الوقت ذاته حاجةً زائفة إلى “الحماية” من الخارج، وهنا تبدأ المأساة.
والخلاص اليوم هو جمع البيت الداخلي فهو الطريق إلى التحصين
وهو الردّ السوري الحقيقي على هذا النوع من المؤتمرات لا يكون بالإنكار أو الغضب فقط، بل عبر هوية وطنية ومشاركة شاملة تعيد بناء الثقة بين مكوّنات المجتمع السوري كافة.
فالدولة القوية لا تُبنى بحدود جغرافية فقط، بل بتماسكٍ مجتمعيٍّ يجعل كل مواطن يشعر أنه شريك في المصير لا تابعًا أو محميًا.
إنّ جمع البيت الداخلي هو الضمانة الأولى للاستقرار، وهو الردّ الأقوى على كل محاولة إسرائيلية لتفكيك الهوية السورية أو تصويرها كمجموعة “هويات متنازعة”.
على السوريين اليوم أن يعيدوا اكتشاف ما يوحّدهم لا ما يفرّقهم. فالأمن الحقيقي يبدأ من وعي الناس بأن تنوّعهم ليس تهديدًا، بل ثروة، وأن الاختلاف لا يعني الانقسام، بل هو جزء من روح هذا البلد الذي ظلّ عبر قرون موطنًا لتنوّعٍ مذهل في الأديان والثقافات واللغات.
كما أننا أمام مسؤولية تقع على عاتق النخب والمجتمع المدني
فمن هنا، تبرز مسؤولية النخب الفكرية والسياسية والإعلامية في صياغة خطاب جديد، يتجاوز الخطاب الطائفي، ويفتح صفحة تتحدث عن “الدولة والمواطنة”.
فالخطر الحقيقي اليوم في انهيار فكرة الدولة نفسها إذا استمر اللعب بورقة الهويات، والتقسيم.
المطلوب هو خطاب وطني جامع يُعيد للناس ثقتهم بأن المستقبل يمكن أن يكون مشتركًا، وأن سوريا التي تنهض من ركامها ستكون لكل أبنائها دون استثناء.
ليست صدفة أن تستضيف إسرائيل مؤتمرًا كهذا في هذا التوقيت بالذات؛ فهي تدرك أن إعادة سوريا إلى مكانتها الإقليمية وقوتها لا يمكن أن تتم إلا عبر وحدة السوريين، وأن أيّ انقسام داخلي هو مكسب استراتيجي لها، فهي تسعى له مستفيدة من الأخطاء التي ارتكبت أو ترتكب.
لكنّ المعول اليوم على الوعي السوري الذي بدأ ينبغي يستعيد بوصلته بعد كل تلك السنوات.
وإذا كان مؤتمر تل أبيب يرفع شعار “تمثيل الأقليات”، فإن الردّ الوطني السوري يجب أن يكون: “لا أقليات في وطن واحد، ولا أكثرية إلا للوطن نفسه.”
وأن مفهوم الوطن والوطنية والعدل والمساواة هي الحصانة لسوريا
——————————-
========================



