تلفزيون سوريا يحصل على وثائق تكشف كيف أخفى نظام الأسد أي أثر للصحفي أوستن تايس/ حنين عمران

2025.11.08
ما تزال قضية أوستن تايس، الصحفي الأميركي والجندي السابق، تشكل لغزاً؛ فالكثير من الثغرات والحلقات المفقودة في اعترافات ضباط النظام المخلوع، من أمثال بسام الحسن وصفوان بهلول.
وكانت المقابلة التي أجرتها CNN العربية مع بسام الحسن والتي تضمنت لقطات له بكاميرا مخفية، قد أحدثت ضجةً وتفاعلاً واسعاً ولا سيما مع المواجهة المباشرة مع الضابط المتورط في قضية أوستن تايس، وفي وسط بيته الجديد “الفاخر” في بيروت.
وبينما عمد النظام المخلوع إلى إنكار وجود أوستن لديه خلال سنوات الثورة وأكّد ذلك بالمسرحية التي قدمها عند اعتقال أوستن في مقطع فيديو قصير مُفبرك يظهر أن “جماعة إسلامية جهادية” بلحىً وعباءاتٍ باكستانية تحيط بأوستن، في مقابل كل ذلك، حاول النظام طمس أي دليل قد يؤدي إلى كشف حقيقة وجود أوستن لديه، ولو كان ذلك باعتقال أو قتل مَن يسأل عنه. في هذه التقرير، يعرض موقع تلفزيون سوريا وثائق خاصة حول قضية اعتقال امرأة من مدينة إدلب وتحويلها بين عدد من الأفرع الأمنية، بسبب سؤالها فقط عن أوستن تايس.
سؤال قد يكلفك حياتك
تظهر الوثيقة التي حصل عليها موقع تلفزيون سوريا، والموجهة إلى رئيس فرع فلسطين 235 للاطلاع والقرار، بأنَّ (س. أ. ف) وهي امرأة من إدلب، اعتُقلت بتاريخ 15 من نيسان/ أبريل 2023 بدورية مشتركة بين فرع فلسطين 235 وفرع الأمن العسكري بحلب 290. الوثيقة نفسها، توضح كيف لاحق النظام المخلوع كُل من حاول السؤال عن تايس، وكيف جرَّم النظام امرأة بالإرهاب لتبقى في معتقلاته قرابة السنة، بسبب معلومة لم تحصل عليها أصلاً. وبتاريخ 3 من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 عُرضت المُعتقلة على النيابة العسكرية بدمشق لمقاضاتها، ويُشار إلى أنَّ المحوَّلين عادةً بقضايا مماثلة “الإرهاب” يُحولون إلى القضاء العسكري للمحاكمة في حال كانت القضية تضمّ عسكريين ومدنيين “جنزير يضم عسكريا واحدا على الأقل”، أو إلى محكمة الإرهاب في حال كان المعتقلون مدنيين. وحُولت فعلاً المعتقلة (س. أ. ف) إلى محكمة الإرهاب، وتحديداً إلى قاضي التحقيق الثالث آنذاك، الذي قرر “إخلاء سبيلها” بتوجيه من فرع 248، بعد بيان رأي شعبة المخابرات وإجابة مكتب الأمن الوطني على الشكل الآتي “لا ما نع لدينا من إخلاء سبيلها على أن يتم إحالتها إلينا ليصار إخلاء سبيلها من قبلها ومحاولة كسبها بالعمل لصالحنا.. تنفيذاً لقرار السيد اللواء رئيس شعبة المخابرات”. وهو ما يعني أن إخلاء سبيلها من قبل قاضي التحقيق الثالث آنذاك، وهو القاضي عدنان سلطان لطف الله، جاء بتوجيه من فرع 248 وبعد موافقة مكتب الأمن الوطني وبقرار مباشر من رئيس شعبة المخابرات، علماً أن المعتقلة كانت في فرع فلسطين 235.
وبالسؤال أكثر عن هذه التراتبية، تبيّن لنا أن إخلاءات السبيل من هذا النوع لا تُمنح إلا لِمَن يجندهم النظام لصالحه من المعتقلين، وهم معتقلون تنطبق عليهم شروط معينة؛ كأن يكون في تجنيدهم نفع أكبر من قتلهم أو بقائهم في السجن، وأن يكون المعتقل غير مقتنع بما فعل، إنما فعله لأجل المال أو “تورط به” وبالتالي لن يعود إلى تكراره ولن يدافع عنه. وعندئذٍ تكون مقايضة النجاة من السجن مقابل العمل تحت عين المخابرات، وإلا يكون مصير المعتقل تحويله من قاضي التحقيق إلى محكمة الجنايات في محكمة الإرهاب، وهو ما يعني البدء بمتاهة طويلة من المحاكمات وقضاء سنوات في السجن في الحالات التي لا تستوجب عقوبة “الإعدام” في قوانين الإرهاب. خلاصة الأمر، أن هناك ثلاثة احتمالات لمن يتم إخلاء سبيلهم بهذه الطريقة من قاضي التحقيق مباشرةً ومن دون الوصول إلى محكمة الجنايات؛ فإما أن يكون المعتقل برئياً حقاً ولا إثبات عليه يستطيع القاضي محاكمته ولم يتمكن الفرع الأمني من إثبات التهمة عليه ولا حاجة له به، أو أن يكون أهل المعتقل وذووه دفعوا مبالغ طائلة عبر وسيط لقاضي التحقيق أو تدخلت واسطة ثقيلة من أجله، أو أن يكون موجهاً للقاضي بكتاب لإخلاء سبيله مقابل تجنيده لصالح النظام.
خمسون ألف دولار مقابل “شعرة منه”
في الاعترافات التي أوردتها الوثيقة وهي اعترافات انتُزعت من المعتقلة (س. أ. ف) في فرع فلسطين، تبيّن أن طلب السؤال عن أوستن تايس كان من خلال شخص يدعى الدكتور أبو العبد (ع. ش. ع) المنحدر من الحميرة بريف حلب، إذ تواصل أبو العبد مع (س. أ. ف) عبر الواتساب من خلال رقم أميركي، وطلب منها تحصيل أي معلومة عن أوستن تايس. كما عرض أبو العبد مبلغ 50 ألف دولار أميركي مقابل أي دلالة على كونه حي (شعرة – ظفر) منه، وهو ما ورد في اعترافاتها في فرع فلسطين 235 ضمن الوثيقة نفسها. يُشار إلى أن (س. أ. ف) كانت في زيارة إلى بنش بريف إدلب، حينما عرض عليها أحد أقربائها (ع. ف) التواصل مع أبي العبد المقيم في الشيخ مقصود من أجل توسيع العمل بينهما كونها كانت تعيش في مناطق سيطرة النظام في حلب آنذاك، وتحديداً في حي المارتيني.
مراقبة أمنية دقيقة
تضمنت الوثيقة جملةً تثبت أن مخابرات النظام المخلوع تابعت بدقة، خلال السنوات الماضية، كُل سؤال عن أوستن، واعتقلت كُل من سوًّلت له نفسه ذكر اسم أوستن؛ وذلك في معرض طمسه لحقيقة اعتقال أوستن من قبله وإمعاناً في سردية خطفه من قبل “الجهاديين”. تقول الوثيقة: “ولاحقاً سألت عدداً من الأشخاص عن الصحفي الأميركي أوستن تايس (متابعين من قبلنا)”؛ أي إن فرع فلسطين 235 تتبَعَ كل شخص سأل عن أوستن، ووضعه تحت المراقبة لمعرفة مَن سيسأل وأين وكيف، وإثبات عليه تهمة أنه يسأل عن أوستن قبل اعتقاله. وبالتالي يتم وضعهم جميعاً في ملف واحد قبل اعتقالهم تِباعاً؛ وهو ما ثبت من خلال الوارد في الوثيقة نفسها، إذا تم حصر بيانات ومعلومات عدد من الأشخاص الذين حاولوا البحث عن أوستن ومن بينهم (ع. ز. ف).
في اعترافات غسان نصور بعد التواصل معه من قبل CNN العربية أخبرهم صراحةً كيف كان السؤال في سوريا خلال سنوات حكم المخلوع ينتهي به في سراديب الأفرع الأمنية، يقول “في سوريا، إذا سمع أحد أنك سألت عمّا لا يعنيك؛ فستكون في ورطة!”. وربما يكون هذا الاعتراف من أحد جلادي الأسد كفيلاً بشرح حال كُل السائلين عن أوستن خلال السنوات الماضية، ممن وردت أسماؤهم في الوثيقة التي حصل عليها تلفزيون سوريا، أو غيرهم.
تنسيق أمني عالي المستوى
في وثيقة ثانية حصل عليها موقع تلفزيون سوريا، وهي مذكرة باطلاع رئيس فرع أمن الدولة بحلب 322 ولاحقاً للمذكرة رقم 28142 بتاريخ 25 من أيار/ مايو 2022، والمروّسة بمصدر معلومات: المساعد (و.ع)؛ تُظهر الوثيقة متابعة إلكترونية لكل ما يُنشر في وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية حول قضية أوستن تايس. إذ ورد في الوثيقة ما كتب في صفحة “هاشتاغ سوري” التابعة للموقع نفسه، حول طلب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن من الحكومة السورية، المساعدة في إعادة الصحفي أوستن تايس. وبالعودة إلى الموقع نفسه وبالتاريخ نفسه، تبين أنه نشر بتاريخ 11 من آب/ أغسطس 2022 خبراً بعنوان “بايدن يدعو سوريا مجدداً للمساعدة بعودة صحفي اختفى قبل 10 سنوات”، ووجّه فرع أمن الدولة بحلب 322 مذكرة للاطلاع بمحتوى الخبر نفسه وبتوقيع إلكتروني مُعتَمَد للمقدم رئيس قسم المتابعة 55/3 من الفرع 322. الجدير بالذكر في هذه الوثيقة، وعلى الرغم من كون محتواها لا يعدو عن كونه خبراً منقولاً تداولته صفحات ومواقع إلكترونية آنذاك، هو اقتراح توجيه نسخة من هذه المذكرة إلى فرع المعلومات بأمن الدولة 255 وهو فرع معني بملاحقة القضايا الاستخبارية والمرتبطة بشخصيات أجنبية وبالسفارات. وتوجيه نسخة أيضاً إلى الفرع الداخلي بأمن الدولة “فرع الخطيب” أو الفرع 251، وذلك لكون المعلومات الواردة فيها تتعلق بموضوع داخل سوريا.
ولا تبدو قضية أوستن تايس قابلة للتفكيك بالكامل في الوقت الحالي، على الرغم من مواجهة المكلف بنقل أمر إعدام الصحفي الأميركي؛ أي بسام الحسن، إذ ما يزال مكان وطريقة تنفيذ الإعدام مجهولين حتى الآن، ولم يُكتشف مكان رفاته بعد، في حين ستبقى قضيته شاهداً على وحشية نظام وجد في الصحفيين خطراً أكبر من خطر حامل السلاح عليه، ودليلاً على أن ثمن الكلمة والصورة قد يكون حياة الصحفي نفسه.
تلفزيون سوريا



