الدبلوماسية السورية.. من كسر العزلة إلى تحدِّي إنقاذ الواقع المعيشي/ حمدان العكله

2025.11.14
منذ سقوط النظام البائد الذي حكم البلاد بالحديد والنار لعقود، انطلقت عجلة النشاط الدبلوماسي السوري بوتيرة متسارعة؛ زيارات خارجية، لقاءات دولية، وإشارات إلى رفع العقوبات، وكلُّ تلك النشاطات تعدُّ مؤشرات توحي بأنَّ الوجه الجديد لسوريا، ممثَّلاً بالرئيس أحمد الشرع وحكومته، يسعى جاهداً لإعادة دمج البلاد في المشهد الدولي، والسؤال الجوهري الذي يطرحه السوريون اليوم، والذي يشكِّل التحدي الأكبر أمام هذه الدبلوماسية النشطة هو: كيف يمكن لهذه الجهود الدبلوماسية أن تترجَم إلى تغيير ملموس في الواقع المعيشي والاجتماعي المتردِّي، وكيف يمكن أن تتجاوز هذه الجهود مجرَّد تغيير الوجوه التي تمثِّل السلطة في الخارج؟
إنَّ النشاط الدبلوماسي الحالي الذي يتميز بالديناميكية والجهد القوي، هو خطوة ضرورية وحتمية لكسر العزلة الدولية التي فرضها النظام السابق، لكن التحدي الحقيقي يكمن في أنَّ هذا النشاط يعمل في ظلِّ إرث ثقيل من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الذي خلَّفه النظام السابق، وهو ما يتطلَّب ربطاً وثيقاً ومستمراً بين التحركات الخارجية والاحتياجات الداخلية.
أولاً: جهود الدبلوماسية السورية الجديدة لكسر العزلة
لقد أظهرت الدبلوماسية السورية الجديدة تحركات سريعة وفعَّالة، من زيارة الرئيس الشرع إلى واشنطن إلى لقاءات مع قادة أوروبيين، وصولاً إلى الحديث عن تفعيل العمل الدبلوماسي مع عد كبير من الدول، هذه
التحركات، التي يمكن تفسيرها على أنَّها نجاحات في كسر العزلة الدولية، هي دليل على أنَّ القيادة الجديدة تدرك أهمية استعادة مكانة سوريا على الساحة العالمية، وأنَّها تعمل بجد لفتح الأبواب المغلقة.
إنَّ الهدف من هذه التحركات ليس مجرد تغيير وجوه، بل هو تهيئة البيئة الدولية اللازمة لإنقاذ البلاد، فرفع العقوبات الدولية، وجذب الاستثمارات، وتسهيل عودة اللاجئين، كلُّها ملفات لا يمكن إنجازها من دون دبلوماسية نشطة ومؤثِّرة، هذه الدبلوماسية تعمل بجهد لتوفير المظلَّة السياسية والاقتصادية التي تحتاجها سوريا للبدء في مرحلة التعافي، وهي بذلك تضع الأساس الصلب لأيِّ تحسن داخلي قادم، إنَّ كلَّ لقاء دبلوماسي، وكلَّ بيان مشترك، وكلَّ قرار دولي، يمثِّل خطوة نحو استعادة السيادة الوطنية الكاملة والاندماج الطبيعي في المجتمع الدولي، وهو ما يمثِّل إنجازاً بحدِّ ذاته بعد سنوات من التهميش.
ومع ذلك، فإنَّ النجاح الدبلوماسي الخارجي يظل مرهوناً بقدرته على مواجهة الواقع الداخلي الصعب، فالأرقام لا تزال تشير إلى تحديات هائلة، حيث يعيش أكثر من %90 من السوريين تحت خط الفقر، وتوقعات البنك الدولي لنمو الناتج المحلي الإجمالي لا تتجاوز 1% في عام 2025 هذا التناقض يضع على عاتق الدبلوماسية مسؤولية مضاعفة لضمان أن تكون كلُّ خطوة خارجية جسراً للتحسين الداخلي.
ثانياً: ترجمة النجاح الدبلوماسي إلى واقع معيشي
إنَّ التحدي الأكبر أمام الدبلوماسية السورية اليوم يكمن في كيفية ترجمة النجاحات في كسر العزلة إلى تحسُّن ملموس في حياة المواطن، فالدبلوماسية ليست غاية بحدِّ ذاتها، بل هي أداة لخدمة أهداف وطنية عليا، وفي مقدمتها إنقاذ السوريين من إرث الانهيار، فتحقيق هذا الربط الحيوي بين الخارج والداخل يتطلَّب استراتيجية دبلوماسية متكاملة تركِّز على محاور محدَّدة، تبدأ بـدبلوماسية الاقتصاد أولاً، حيث يجب أن تكون الأولوية القصوى للمفاوضات الدبلوماسية هي جذب الاستثمارات المباشرة، وتسهيل عودة رؤوس الأموال المهاجرة، والعمل على إزالة العقبات البيروقراطية والفساد الذي لا يزال متجذِّراً، ممَّا يتطلَّب
تحويل اللقاءات السياسية إلى منصات اقتصادية واضحة المعالم، يتمُّ فيها تقديم مشاريع محددة ومضمونة للمستثمرين الدوليين، مع ضمانات قانونية تحمي رؤوس الأموال وتفتح آفاقاً للنمو المستدام.
وتتكامل هذه الجهود مع دبلوماسية الخدمات والشفافية، حيث يجب أن تستخدم العلاقات الدبلوماسية الجديدة لضمان تدفُّق المساعدات الإنسانية والتقنية بشكل شفاف ومباشر إلى مستحقيها، بعيداً عن آليات الفساد القديمة، فالشفافية في إدارة الموارد الخارجية هي مفتاح استعادة ثقة المواطن والمجتمع الدولي، كما أنَّ تأمين الدعم لقطاعات حيوية كالتعليم والصحة والبنية التحتية المتضررة، يمثِّل أولوية قصوى يجب أن تكون حاضرة في كلِّ محفل دبلوماسي، ولا يكتمل هذا المسار من دون دبلوماسية المصالحة الاجتماعية، إذ لا يمكن لأيِّ نجاح دبلوماسي أن يستمر في ظلِّ نزاع اجتماعي مزمن، لذا يجب أن تخدم الدبلوماسية هدف بناء الثقة الداخلية والمصالحة الوطنية الشاملة، من خلال دعم المبادرات التي تعزِّز النسيج الاجتماعي وتنهي حالة الاستقطاب؛ لأنَّ استعادة اللحمة الوطنية هي في جوهرها عملية دبلوماسية داخلية لا تقل أهمية عن التحركات الخارجية.
ختاماً، إنَّ الدبلوماسية السورية اليوم تقف على أعتاب مرحلة تاريخية فارقة، وهي محاولة جادة لانتشال وطن من تحت الركام، ولا تقتصر على استبدال وجه بآخر، كما أنَّ النجاح الدبلوماسي في كسر العزلة الدولية هو بمثابة الضوء الأخضر الذي منحته الساحة العالمية لسوريا لتبدأ رحلة التعافي، لكنَّ هذا الضوء الأخضر لا يعني نهاية الطريق، بل هو إشارة البدء لسباق ماراثوني شاق. فالأمل معقود على أن تكون هذه الدبلوماسية هي الجسر الذي يعبر بسوريا من ضفة العزلة والانهيار إلى ضفة التعافي والاستقرار، إنَّها دعوة للقيادة الجديدة لتوظيف كلِّ نجاح دبلوماسي خارجي وجعله أداة فعَّالة لإنقاذ الداخل، لتثبت أنَّ الوجه الجديد لسوريا يحمل في طياته روحاً جديدة قادرة على بناء مستقبل يليق بتضحيات السوريين.
تلفزيون سوريا



