اللامركزية السورية.. خلاص الدولة أم مقدمة لتفككها؟/ جو حمورة

قضية اللامركزية السورية.. هل هي خلاصٌ للدولة؟
2025-11-09
العلاقة بين المركز والأطراف في سوريا بعد الحرب لم تعد كما كانت. فبعد انتصار أحمد الشرع وتكريس سلطته على دمشق، لم تعد السيطرة المركزية مرادفة للاستقرار، بل تحوّلت في عيون كثيرين إلى عبء ثقيل يذكّر بمراحل من التاريخ السوري حين كانت السلطة في العاصمة تنظر إلى الأطراف بوصفها مناطق ينبغي إخضاعها لا إشراكها. اليوم، وفي ظل التفاوت الكبير بين مكوّنات البلاد، تعود فكرة اللامركزية إلى الواجهة، لا كترف إداري بل كحاجة بنيوية لإعادة بناء دولة أنهكتها الحرب والانقسام، وتواجه الآن تحدي البقاء ككيان موحد أكثر مما تواجه تحدي الحكم نفسه.
فالواقع السوري ما بعد الحرب يكشف عن تصدّع عميق في مفهوم الدولة الواحدة، تصدّع تغذيه الذاكرة والحاضر معاً. العلويون في الساحل يشعرون بأنهم دفعوا الثمن الأفدح دفاعاً عن سلطة لم تعد تمثلهم البتة، ويشعرون بتراجع دورهم التاريخي في مؤسسات الجيش والإدارة. أما الإدارة الذاتية شمال وشمال شرق سوريا، فترى أن نموذجها القائم على الفيدرالية المحلية والإدارة المدنية لا يمكن التراجع عنه بعد عقد من التجربة الميدانية والسياسية، وهي تطالب اليوم بلامركزية سياسية موسّعة تضمن تمثيلاً فعلياً وتوزيعاً عادلاً للثروة والسلطة، لا مجرد صلاحيات إدارية رمزية.
وفي الجنوب، يعيش دروز السويداء مفارقة أكثر حدة. فمن جهة، يطالب جزء منهم بإدارة محلية مستقلة تحمي خصوصيتهم السياسية والاجتماعية والدينية، وتحصّنهم من هيمنة المركز ومن تغوّل الأجهزة الأمنية، ومن جهة أخرى، ذهب بعضهم إلى حد الحديث عن الانفصال أو حتى الالتحاق بإسرائيل، كخيار يائس في مواجهة ما يعتبرونه انهياراً شاملاً للدولة واحتكاراً إسلامياً للسلطة المركزية. تلك الأصوات، وإن بقيت عرضة لعدم تحقيق ما تريده، إلا أنها تعبّر عن تحوّل خطير في المزاج السياسي للمناطق، وعن انكسار الرمزية الوطنية التي كانت تجمع السوريين ولو شكلياً.
لكن العقبة الكبرى أمام أي مشروع لا مركزي تكمن في طبيعة الحكم القائم اليوم، وهو حكم ذو نزعة إسلامية محافِظة يستمد شرعيته من فكرة الوحدة العقائدية والسياسية، ويرى في التمايز بين المكوّنات تهديداً لهوية الأمة لا تعددية في إطارها. هذه النزعة التي ترفض مبدأ الاختلاف تنعكس مباشرة على مقاربة اللامركزية، إذ يعتبرها بعض المنظرين في الحكم نوعاً من التقسيم المقنع، أو خيانة لفكرة “دار الإسلام الواحدة” التي لا تعرف حدوداً داخلية بين المسلمين. ومن هنا، فإن أي حديث عن منح المحافظات أو المكوّنات صلاحيات سياسية واسعة يُقابل بريبة فكرية قبل أن يُواجه بعقبة سياسية، لأن السلطة الإسلامية القائمة تربط بين وحدة الدولة ووحدة العقيدة، وتخشى أن يؤدي التفكيك الإداري إلى تفكيك رمزي يهدد هويتها الدينية والسياسية.
غير أن التاريخ الإسلامي ذاته يحمل مفارقة لافتة، فبينما تُرفض اللامركزية نظرياً باسم وحدة الأمة، فإن الإدارة الإسلامية عبر العصور مارستها عملياً بدرجات متفاوتة. فالدولة الأموية مثلاً اعتمدت نظام الولايات الذي منح الحكّام المحليين سلطات شبه مطلقة في تدبير شؤونهم، ما داموا يدينون بالولاء للخلافة ويدفعون الخراج. وفي العصر العباسي، كانت الأطراف الشرقية والغربية تحكمها إمارات شبه مستقلة تُقدم الطاعة الرمزية لبغداد دون أن تخضع فعلياً لإدارتها اليومية. أما العثمانيون، فقد طوروا نموذجاً متقدماً من اللامركزية عبر نظام “الملل” الذي أقرّ لكل جماعة دينية بحق إدارة شؤونها المدنية والقضائية والتعليمية. كانت تلك النماذج وليدة الضرورة السياسية والتنوّع السكاني، لا نابعة من فلسفة تعددية، لكنها تُظهر أن المركز الإسلامي عرف عملياً فكرة توزيع السلطة، حتى لو لم يسمّها كذلك.
وفي السياق السوري المعاصر، يمكن القول إن الحاجة إلى اللامركزية لم تعد مطلباً نخبوياً بل أصبحت اليوم شرطاً لبقاء الدولة. فالدولة المركزية القديمة لم تعد قادرة على ضبط الأطراف لا بالقوة العسكرية ولا بالولاء الأيديولوجي. المجتمعات المحلية طوّرت خلال الحرب آلياتها الذاتية للحكم والإدارة، من المجالس المحلية في الشمال إلى شبكات الأعيان والوجهاء والمشايخ في الجنوب… كلّها نماذج غير منسجمة، لكنها تشترك في نتيجة واحدة: انحسار سلطة المركز وتراجع مفهوم الدولة الوحدوية.
اليوم، يقف الشرع أمام معادلة معقّدة، فإصراره على سلطة مركزية قوية قد يمنحه السيطرة الشكلية، لكنه لن يمنحه الشرعية ولا الاستقرار. إما الذهاب نحو لامركزية سياسية حقيقية فيعني الدخول في صدام مع القاعدة الأيديولوجية للنظام وحلفائه الإسلاميين، وربما مع حلفاء إقليميين يخشون أن تتحوّل سوريا إلى سابقة تُشجّع الأقليات والمناطق المضطربة في بلدانهم على المطالبة بالمثل. وبين هذين الخيارين، يبقى النموذج الكردي هو المثال الأكثر وضوحاً على ما يمكن أن تكون عليه سوريا اللامركزية، إدارة محلية فعّالة، مجالس منتخبة، واقتصاد مستقل نسبياً عن المركز. لكنه نموذج يثير فزع الإسلاميين والوطنيين التقليديين على حد سواء، إذ يرونه خطوة نحو التقسيم لا الإصلاح.
الواقع أن الخطر الحقيقي لا يكمن في اللامركزية نفسها، بل في غياب الثقة بين المكوّنات السورية، وفي ذاكرة الدم التي تجعل كل تنازل يبدو بمثابة خيانة. ومع ذلك، فإن الإصرار على المركزية المطلقة في دولة محطمة ومجتمع متعدد لن ينتج إلا شكلاً آخر من الانفصال، أكثر خفاء وأشد خطراً، انفصال النفوس عن الدولة، والمواطن عن السلطة، والمناطق عن العاصمة.
إن سوريا الجديدة بحاجة إلى صيغة توازن دقيقة بين وحدة الدولة وحق الأطراف في إدارة شؤونها. ليست اللامركزية وصفة سحرية، لكنها قد تكون الممر الوحيد نحو إعادة بناء العقد الوطني على أسس واقعية. فالوحدة القسرية سقطت مع سقوط البراميل على رؤوس الناس منذ عقد من الزمن، والوطن لا يُصان بالشعارات بل بالثقة المتبادلة والمشاركة في القرار. وما لم تدرك دمشق أن الحكم اليوم لم يعد حكماً على البلاد، بل حكماً معها، فإن شبح الانقسام الذي يلوّح من الساحل إلى الجزيرة، مروراً بجبل العرب، سيبقى الحاضر الأكبر في مستقبل سوريا، حتى وإن ظل الحديث عنه محرَّماً في الخطاب الرسمي.
+963



