صفحات الثقافة

في مسيرة الإعلام والتضليل حتى عصرنا المشتعل/ سوسن جميل حسن

15 نوفمبر 2025

في أحيازنا الخاصة، كالبيوت على سبيل المثال، نحن أسرى، إن لم أقل نحن عبيد، أسرى التكنولوجيا في مرحلتها الذكية الواعدة بتفوق أكبر في ذكائها. مرهونون للهواتف الذكية، للحواسيب، للألواح الرقمية، لسنا أحرارًا، ولم نتنعم بهامش، مهما ضاق، من الحرية والسكينة. بجانبنا، إن لم يكن في جيوبنا أجهزة اتصالات، بتنا نخاف حتى من فكرة وضعها في الوضع الصامت، نخاف من الابتعاد عنها لأكثر من مسافة سماع رنينها أو إشعارات تطبيقاتها والرسائل التي تتلقاها، نخاف أن نضعها في غرفة أخرى بعيدًا عن أسرّة نومنا.

هذه هي حياتنا، وأكثر ما يزيد القلق والرهبة والخوف من مستقبلنا ومصائرنا، ومصير البشرية جمعاء، الكم الهائل من المعلومات والأخبار والتحليلات التي تنهمر علينا كالعواصف المطرية كلما فتحنا موقعًا، أو منصة مما تزخر الشبكة العنكبوتية به.

وفي خارج هذه الأحياز التي ذهبت بخصوصيتنا، هناك عالم آخر نعيش فيه، خارجنا لم يعد آمنًا بالنسبة لصحتنا النفسية أو الجسدية، حياة بإيقاع سريع، صاخب، ملون، يومض بكل ألوان الأنوار والأشعة، يدلق في وجوهنا ما يجود به عصر الاستهلاك واللهاث خلف المال والربح أصنافًا لا تُعد من المبتكرات والتصميمات التي حاصروا حياتنا بها، فصارت لا تستقيم من دونها. كل هذا جعلنا نبني قوقعتنا بأنفسنا، لكننا لا نفلح في جعلها معزولة عمّا تمور به هذه الحياة “العصرية” المستبدة. صرنا كائنات لا يعرف بعضها بعضًا. مخلوقات عُرّفت بأنها اجتماعية، فإذا بها مخلوقات تعيش مجتمعة من دون أن يحدث بينها لقاء. مخلوقات تقابل بعضها بعضًا لكنها لا تلتقي فيما بينها، فاللقاء شيء مختلف تمامًا عن مجرد مقابلة. إنه لقاء واعٍ، أو بعبارة أدق: لقاء وعيَين. أن ندرك معنى عيشنا مع اختلافنا، الاختلاف الذي يساهم في إدراكنا ذواتنا وفي صنع هويتنا بعد تأمل ذاتنا أمام هذا الاختلاف، ونحطم التضليل الذي رسّخ هذه الهوية عنّا وعن الآخر، فقطع طريق اللقاء علينا وعليه.

إن “الوجود مع الآخر” لا يضمن اللقاء (كما بين السوريين الذين يعيشون منذ قرون مع بعضهم بعضًا، ويتقابلون على مرّ الزمن والوقت، لكنهم لا يلتقون فيما بينهم)، فهم يعيشون في مجتمع يتعايشون فيه وفق أدوات تساعدهم في العلاقة فيما بينهم، من لغة وعادات وقوانين، ما يجعل هذا العيش مع الآخر بحكم هذه النواظم يوحي بأنهم “متشابهون”، لكنهم في الواقع ليسوا متشابهين. نحن نعيش مع الآخر في مدن وأماكن، لكننا لا نلتقي مع هذا الآخر ولا مع المدينة التي نعيش فيها، نحن ننساق مع حتمية مصائر هذه المجتمعات والمدن التي نعيش فيها، وصرنا في هذا العصر نعيش في المواقع عيشًا افتراضيًا، والآخر بالنسبة لنا ليس أكثر من كائن رقمي. منه ما يظهر باسم يبدو لنا حقيقيًا، أو باسم افتراضي لا نعرف عنه شيئًا، لكننا جميعًا غارقون في فضاء من الأخبار والصور والمشاهد والمعلومات التي، لسرعتها، لا نملك حتى الوقت الكافي لتبيّن صدقها أو ضلالها أو كذبها. إنه عصر الإعلام الموجه أو الفوضوي في ظل “الحرية” غير المحدودة أو اللا موصوفة التي يمنحنا إياها عصر التكنولوجيا المتسارعة باضطراد نحو مستقبل بات يتخلّق من دون سيطرة، فيرسم مصائرنا المخيفة. نضيّع حياتنا الواقعية، ونسلّم أنفسنا لما يغزو ضمائرنا وأمزجتنا ووعينا ويخلق بدوره النوازع التي تغذي نزاعاتنا من دون أن ندرك أهدافنا. نحن ننساق مع التيار فحسب. إنه عصر الإعلام المضلل والميديا الماكرة.

إلى أي درجة صار الإعلام ضرورة “عضوية” للمجتمعات البشرية في زمننا الحالي؟ وكيف تطور عبر التاريخ حتى وصلنا إلى العصر الرقمي وما يقدم من وسائل وأدوات تخدم البشرية من جانب، وتهدم كثيرًا من قيمها وأركانها من جانب آخر؟

تاريخ الإعلام

وسائل الإعلام، بوصفها وسيلة للتواصل، هي أدوات تساعد على نشر المعلومات. فهي تعد حلقة وصل بين المرسل الذي يريد إيصال رسالته والمتلقي الذي لم يعد بإمكانه اليوم أن يختار بإرادة مستقلة ما يتلقى.

قبل عشرات آلاف السنين، وقبل اختراع الكتابة من قبل الإنسان، كان الإنسان يترك رسائله على جدران الكهوف، وكان يتبع طرائق ابتدعها وفق مراحل تطوره وتعقّد حياته. لكل مرحلة أساليبها، فحتى إشعال النيران لم يكن لاتقاء الوحوش فحسب، بل اتبعت هذه الوسيلة لأغراض عدة منها الإعلام والإخبار والدليل. حتى يمكن القول إن منارات المرافئ هي حالات متطورة لهذا الغرض. ما يدل على أن الإنسان في جميع مراحل تطوره كان يسعى إلى التواصل والإخبار، إلى أن اخترع الكتابة وطوّرها، ثم استفاد مما حقق من تطور صناعي وفي مختلف مجالات العلوم، ما أتاح إنشاء وسائل مختلفة: الكتابة، الملصق المرسوم (العصور الوسطى)، الطباعة (القرن الخامس عشر)، الصحافة المكتوبة (القرن السابع عشر)، التلغراف (1837)، الهاتف (1876)، السينما (1900-1910)، الراديو (1920)، والتلفزيون (1940)، اضطرادًا مع حاجة سكان المعمورة إلى المعلومات، إلى أن وصلنا إلى العصر الرقمي، ما أدى إلى إنشاء العديد من وسائل الإعلام على مرّ العقود، مدعومة بذلك التقدم التكنولوجي وما حقق من تسهيلات الاتصال التي تم تطبيقها تدريجيًا.

الملصق

بداية كان الملصق الذي يمكن عدّه وسيلة إعلامية وُلدت من الدعاية في سياق الحرب، فمنذ بداية الحرب العالمية الثانية ازدهرت الدعاية السياسية. والهدف هو التأثير على السكان من خلال محاولة فرض أيديولوجية معينة عليهم ودفعهم لتبني سلوكيات محددة مسبقًا واستخدامهم في مهمات تخدم مناخ الحرب. هذه الدعاية التي يمكن عدّها حديثة كان لها سوابق. فخلال حرب الاستقلال الكوبية 1898 على سبيل المثال، أنتجت الصحف الأميركية الكبرى العديد من الصور لخدمة أهداف الحرب من قبل أميركا. وتُسمى هذه الظاهرة بـ “الدعاية الحربية”. وتقدمت الدعاية السياسية الحديثة بعد ذلك خلال الحرب العالمية الأولى، إلا أن تطورها الحقيقي حدث خلال الحرب العالمية الثانية التي شهدت حرب صور ودعاية توازي الحرب العسكرية تقريبًا، من خلال الصحافة والسينما وحتى الإذاعة. لقد كانت هذه الصراعات العالمية هي التربة الخصبة للتطور الكبير للدعاية مثل المنشور والملصق الدعائي، فضلًا عن الإذاعة، التي أضيفت إلى صحافة كانت بالفعل قوية.

كان الملصق موجودًا منذ ظهور أول التجمعات الكبرى. على سبيل المثال، كان القادة يستخدمون الملصقات لإبلاغ الشعوب بالقوانين التي يجب احترامها. وكانت هذه هي الحال مع شارلمان الذي جعل مرؤوسيه يستخدمون سجلات تُنقل على لفائف تُرسل إلى الكونت. ومع ذلك، نظرًا لأن معظم الناس كانوا أميين، استخدم الملك لفترة طويلة المنادي العام لنقل المعلومات. ومع اختراع الطباعة في عام 1454 أصبح استخدام الملصق كثيفًا.

الطباعة

الطباعة التي ازدهرت مع اختراع المطبعة لم تكن وسيلة انبثقت من فراغ، إذ يقال إن الصينيين هم أول من اتبع هذا الأسلوب بنقل لغتهم التصويرية إلى الورق عندما ابتكره تساي لون في عام 105 ميلادية، لكن اختراع يوهان غوتنبرغ للمطبعة عام 1447 واستخدامه الحروف المعدنية المتحركة – الاختراع الذي حقق ثورة في عالم الطباعة – منحه لقب أب الطباعة الحديثة. هذه الثورة التي سهّلت طباعة ونشر الكتب ساهمت في تطوير الصحافة التي تعدّ وسيلة إعلامية مهمة حتى اليوم. فخلال الثورة الفرنسية تم اللجوء إلى الصحافة بشكل كبير، إذ انتقل عدد المنشورات في إحدى عشرة سنة (من 1789 إلى 1800) من بعض المنشورات إلى ما يقترب من ثلاثمائة وخمسين صحيفة.

المكتبة والنشر

حتى المكتبات لعبت دورًا مهمًا في النشر، وبالتالي يمكن القول في الإعلام أيضًا، إذ كان البائعون يشترون المخطوطات من المؤلفين ويطبعونها ويبيعونها في متاجرهم. وظهرت صالات القراءة وباعة الكتب المتجولون، ولاحقًا ظهرت نوادِي الكتب والمتاجر الثقافية الكبيرة والبيع عن طريق البريد. ثم في سبعينيات القرن العشرين ظهرت المتاجر الكبرى والأسواق المتخصصة للغاية، واليوم توجد المكتبات على الإنترنت. هذا في مجال الطباعة التي واكبت في أثناء مسيرة تطورها ظهور السينما والراديو ثم التلفزيون فيما بعد.

السينما

منذ اختراعها في عام 1895 من قبل الأخوين أوغست ولويس لومير اللذين نالا براءة اختراع تحت اسم السينماتوغراف، أصبحت السينما فنًا شعبيًا وترفيهًا وصناعة ووسيلة إعلامية. فهي أداة إعلامية قوية من حيث شكلها. الجمهور المستغرق في صالة مظلمة ملزم بمشاهدة وسماع الفيلم الذي يُعرض أمامه. يكون تأثير الرسالة الموجهة إلى المشاهد أكبر مقارنة بالوسائط الأخرى. لقد فهم القادة السياسيون أهمية دورها في الدعاية ووظيفتها في الإعلان، إذ كانت البدايات على شكل خياطة الملصقات على ستارة السينما. لاحقًا ستُدمج الإعلانات مباشرة في الفيلم نفسه وتُعرض على شكل مقاطع دعائية.

التلغراف اللاسلكي أو الراديو

تم هذا الاختراع في عام 1896 على يد غولييلمو ماركوني المولود في مدينة بولونيا الإيطالية، وخلال الحرب العالمية الثانية لعب الراديو دورًا كبيرًا في الإعلام والدعاية الحربية.

أما بالنسبة إلى الهاتف الذي يعدّ من أكثر الأدوات استلابًا لنا في هذا العصر، فقد مرّ بمراحل متلاحقة من التطور، وهو جهاز إرسال واستقبال. ظهر أول هاتف في عام 1876 بفضل الاسكتلندي ألكسندر غراهام بيل الذي حصل على براءة اختراع للهواتف التي تعمل بالكهرباء، وفي التسعينيات من القرن الماضي حدث أكبر تعديل في تاريخ الهاتف مع ظهور الهاتف اللاسلكي. وبفضل بساطته وسهولة استخدامه، في العقد الأول من الألفية الجديدة ظهر الهاتف المحمول وصولًا إلى ظهور الهاتف الذكي في عام 2007.

أما تحالف الصوت والصورة فقد ظهر في اختراع اسمه “التلفزيون”: إذا كان المهندس الاسكتلندي جون لوجي بيرد تنسب إليه الولادة الرسمية للتلفزيون في عام 1926، فإن الألماني بول نيبكو كان قد اخترع قرص نيبكو الدوار وهو الأساس الميكانيكي للتلفزيون في عام 1884. لكن ما يهم هو الدور الكبير الذي لعبه التلفزيون في الدعاية والإعلام لاحقًا وحتى اليوم على الرغم من التطور الكبير للصناعة الرقمية والتطبيقات والمنصات التي ابتكرت في هذا المجال، وصارت جزءًا مهمًا حتى للمحطات التلفزيونية والصحف والمجلات والدوريات أيضًا.

وأما الأكثر “ذكاءً” وسيطرة على حياتنا فقد وُلد مع “الإنترنت”.

أوائل أجهزة الكمبيوتر التي تم تصميمها في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين تُعد إلى حد ما أسلاف وسائط الإنترنت. فمع بدايات الحرب الباردة وسباق التسلح النووي بين الاتحاد السوفياتي وأميركا نَشأت الحاجة إلى مراقبة الحدود الجوية، فبدأت أولى الشبكات الحاسوبية العسكرية على شكل سلسلة من الرادارات المترابطة. وعلى هذا الأساس بدأت الشبكات في التضاعف، وبفضل تحسين الخدمات الموجودة يتم تطوير الشبكة العالمية (الويب). في البداية كانت تتألف من صفحات نصية فحسب، لكنها سرعان ما تطورت. شهدت التسعينيات المتصفحات ومحركات البحث بما في ذلك غوغل في عام 1997. وفي عام 2014 ازداد عدد المواقع بشكل كبير وقُدّر عدد المستخدمين بنحو ثلاثة مليارات مستخدم.

في عصر الإنترنت أصبح الوصول إلى المعلومات شائعًا، بل ازدادت مصادرها وتنوعت محتوياتها، وأصبح نشرها وإنتاجها أقل تكلفة. أصبح الإنترنت “وسيلة الإعلام” التي تلتقي عليها وسائل الإعلام التقليدية بالإضافة إلى أشكال تحريرية جديدة. وتنوعت طرائق الوصول إليها: الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والكتب الإلكترونية، إضافة إلى الحواسيب الشخصية أو “اللابتوب”. أما اللافت والمهم جدًا فكان ظهور:

مواقع التواصل الاجتماعي

وتُعرّف بأنها مجموعة الأدوات الخاصة بالنقاش والمشاركة على الإنترنت. تشمل وسائل التواصل الاجتماعي الشبكات الاجتماعية الرقمية التي تُعرّف أيضًا بأدوات النشر ومواقع الشبكات الاجتماعية الرقمية التي تهتم بالتواصل والمحتوى.

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي لا غنى عنها في حياتنا، تشكّل ليس تفاعلاتنا فحسب بل أيضًا تصورنا للعالم. ومع ذلك فإن هذه الوفرة المعلوماتية تشكّل خيمة من الظلال والضبابية. فقد وجدت المعلومات المضللة – الظاهرة القديمة قدم الاتصال نفسه – في هذه المنصات تربة خصبة للانتشار بسرعة ومقياس غير مسبوقين. تتشابك الأخبار الكاذبة والشائعات غير المؤكدة ونظريات المؤامرة والتلاعبات المتعمدة مع المعلومات الموثوقة مما يطمس الحدود بين الحقيقة والزيف ويضع تحديات كبيرة أمام مجتمعاتنا. أصبح فهم آليات المعلومات المضللة وأصولها وتجلياتها الخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي وطرق الحماية منها ضرورة حتمية من أجل حماية الأمن الفردي والمجتمعي. وإذا تمعنّا في طرائق الكتابة في مواقع التواصل الاجتماعي بشكل كبير منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 والحرب المدمرة على غزة فإننا نرى كيف لجأ مستخدمو هذه المواقع إلى التحايل على “الخوارزميات” بشكل جماعي حتى من دون أن يفهم آليتها إلا نخب قليلة. فصاروا يموّهون بعض الكلمات مثل كلمة “إسرائيل” أو “حماس” إلخ قاطعين الطريق على تلك الخوارزميات كي لا يتم حذف منشوراتهم. كذلك الحال بالنسبة للحالة السورية وخاصة عند ذكر تنظيم “داعش” وكيف يستعاض عنه بالعدد 11.

لكن هذه المواقع المتاحة للجميع لعبت دورًا كبيرًا في التضليل الإعلامي وضخ المعلومات الكاذبة أو المنقوصة أو المفبركة مستفيدة أيضًا من معطيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المتاحة.

فما هو التضليل وما هي المعلومات المضللة؟

يُشير مفهوم التضليل حسب المعنى الأكثر شيوعًا ووفقًا لتعريف العديد من المصادر الأكاديمية والمؤسسية إلى نشر معلومات كاذبة أو مضللة عن قصد بهدف التلاعب بالرأي العام أو الإضرار بشخص أو مجموعة أو منظمة أو لخدمة مصالح محددة سواء كانت سياسية أو أيديولوجية أو اقتصادية. العنصر الأساسي الذي يميز التضليل هو القصد. على عكس الخطأ البسيط أو التفسير الخاطئ فإن التضليل يُعدّ مسعى متعمدًا.

هذه النيّة في التضليل هي ما يميزه جوهريًا عن المعلومات المضللة. فالأخيرة تشير إلى نشر معلومات خاطئة إنما بدون نيّة الإضرار. الشخص الذي يشارك خبرًا كاذبًا معتقدًا بصدق أنه صحيح يشارك في المعلومات المضللة بينما من يبتكر أو يشارك الخبر نفسه وهو يعلم تمامًا أنه كاذب يقوم بنشر المعلومات المضللة قصد التخطيط لهدف ما. يمكن للمعلومات المضللة أن تتخذ أشكالًا دقيقة تمزج بمهارة بين الصحيح والخاطئ لجعل الكشف عن التلاعب أكثر صعوبة، وهذا ما يؤثر بقوة في الحالة السورية. نرى نتائجه على مواقع التواصل الاجتماعي ما يزيد من حالة الاحتقان ويعمق التعصب والانقسام بين مكونات الشعب السوري.

إن التلاعب بالمعلومات للتأثير على الآخرين أو خداعهم أو إضعاف الخصم هو استراتيجية قديمة قدم المجتمعات البشرية المنظمة. جذور المعلومات المضللة غارقة عميقًا في التاريخ وتتطور مع تطور تقنيات الاتصال. حتى إن الأساطير اليونانية نفسها جسدت الكذب من خلال آلهة أباتي (إلهة الخداع)، لكن الإنترنت والثورة الرقمية جعلا كل فرد قادرًا على إنتاج ونشر المحتوى فورًا مع غموض الخوارزميات التي تتحكم في المعلومات وسرعة الانتشار الفيروسي. خلقت بيئة يمكن أن تزدهر فيها المعلومات المضللة كما لم يحدث من قبل. المعلومات المضللة التي تؤجّج العاطفة (الغضب والخوف والاستياء والمفاجأة) أو الغرابة أو الجدل لديها قدرة عالية على الانتشار الفيروسي. فالمحتوى الصادم أو المثير للانقسام حتى لو كان خاطئًا سيكون أكثر عرضة للمشاركة والتعليق وبالتالي تظهره الخوارزمية مما يخلق حلقة تغذية راجعة تساهم في انتشاره السريع. والأخطر في هذا أيضًا هو التضليل الإعلامي الرسمي الذي صار وسيلة أساسية تستخدمها الأنظمة السياسية.

باختصار التضليل الإعلامي هو سلاح تواصلي يهدف إلى تحريف إدراك الواقع من خلال نشر الأكاذيب أو الروايات المنحازة عمدًا. ونحن مع شديد الأسف عبيد لهذه الغواية الواعدة بقوة. والعالم ليس قرية صغيرة كما قيل بل أضيق بكثير، صار قوقعتنا الضيقة المحبوسين فيها مع وحش قادم من المستقبل وعالم الغيب.

ضفة ثالثة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى