الأحداث التي جرت في الساحل السوريتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

عن الأحداث التي جرت في الساحل السوري أسبابها، تداعياتها ومقالات وتحليلات تناولت الحدث تحديث 24 تشرين الثاني 2025

لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي

الأحداث التي جرت في الساحل السوري

———————————

من حُلم التأسيس إلى تحدي البقاء: التيارات المدنية والسياسية في الساحل السوري/ رهام عيسى

21-11-2025

        أُنتِجَ هذا المقال في إطار زمالة الجمهورية للصحفيات السوريات.

         *****

        يُمثل الساحل السوري مختبراً جدياً لجدوى أي حراك يسعى لمدنية الدولة والمواطنة في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق. كانت الأشهر الأولى بعد سقوط النظام تمثل «اللحظة اليوتوبية» التي أطلقت فيها الحركات المدنية طموحها في التأسيس السريع. 

        اليوم، بعد مرور تسعة أشهر على سقوط النظام السابق، يبرز تساؤل جوهري حول مصير الحراك المدني والسياسي في الساحل السوري. هل نجحت التيارات التي حملت لواء التغيير في الحفاظ على زخمها الأولي وتأطير المجتمع؟ أم أنها تلاشت أمام التعقيد البنيوي للمشهد الحالي الذي يمكن وصفه بالمشهد «الخالي من السياسة»؟

        يسعى هذا التقرير لاستقصاء ما آلت إليه جهود تلك المجموعات على أرض الواقع، وكيف تعاملت مع التحديات البنيوية والاجتماعية التي واجهت رؤيتها لإعادة بناء سوريا

        الانحسار أمام التعقيد البنيوي وتصدع النسيج الاجتماعي

        لا يمكن لأحد إنكار حالة التردي السياسي المهيمنة على كامل الجغرافيا السورية، وهو في الحقيقة ليس إلا جزءاً من الواقع السوري المُعقد على مختلف الأصعدة: الخدمي، والثقافي، والاجتماعي، وحتى الديني والطائفي. هذا التشابك والتعقيد يُصعّب تحقيق خطوات ملموسة على الأرض، كما يُعيق عملية المشاركة السياسية الفاعلة والمناسبة لحجم التحولات. لعل الإخفاق الأولي والأكثر أهمية للتيارات المدنية كان الفشل في الدخول بعمق في النسيج الاجتماعي وتأطير الناس حزبياً وإبعادهم عن التكتلات الطائفية والدينية التي استعادت نفوذها.

        تؤكد دراسة Arab Reform Initiative (2023 أن النخب في الساحل السوري بقيت «منفصلة عن القواعد الاجتماعية، وتحركت ضمن دوائر ضيقة تعتمد على العلاقات الشخصية والرمزية لا على العمل القاعدي»، ما جعلها عاجزة عن التأثير في المجتمعات الريفية والشرائح الفقيرة. وتُشير إلى أن البنية الاجتماعية الموروثة من الحقبة الأسدية رسّخت الولاءات القرابية والطائفية باعتبارها ملاذاً أمنياً بعد انهيار الدولة المركزية.

        في هذا السياق، شهد الساحل السوري تراجعاً حاداً في دور القوى المدنية، لصالح التكتلات الطائفية، وهذا ما يؤكده غدير غانم، عضو مجلس إدارة في مبادرة الحوار المدني في طرطوس، في حديثه مع الجمهورية: «انحسرت معظم التيارات والأحزاب التي نشطت بداية السقوط أو توقف نشاطها. ومن تمكن من الحفاظ على نفس النشاط، ليس لديه اليوم القدرة على التأثير ولا على التعبير عن نفسه بشكل صحيح. حتى على مستوى الاجتماعات والنشاطات فقد انعدمت تقريباً، ببساطة أثبتت معظم التيارات عدم جدواها».

        تعكس هذه النظرة الإحباط الكبير الذي ساد أوساط الناشطين بعد الأشهر الأولى من التحول، حيث اصطدمت النظريات السياسية بواقع مجتمعي مُتصدع وبيئة عمل عدائية. وهنا بدأت الأهداف بالتغيّر من محاولة التأسيس إلى محاولة البقاء فقط، ومن الرغبة في بناء دولة مدنية ديمقراطية قوية إلى بناء أرضية سياسية وتنظيمية (حزبية) بعد عقود من القمع والتغييب السياسي.

         أيهم صقر، رئيس حركة الشغل الديمقراطي، يُعلق على هذه النقطة: «انتقلنا من مرحلة الحلم بالإصلاح السريع إلى مرحلة التأسيس الواقعي له. فالإصلاح دون بنية سياسية وتنظيمية متينة يبقى مجرّد رغبة، بينما التأسيس المنهجي هو الطريق الحقيقي إلى التغيير. لقد واجهنا فراغاً سياسياً عميقاً خلّفته عقود من القمع والإقصاء، وكان من الضروري إعادة بناء المفاهيم قبل بناء المؤسسات، وترسيخ ثقافة التنظيم قبل رفع الشعارات. هذا ليس تراجعاً عن الأهداف، بل تطوّرٌ ناضج في فهمنا للطريق نحوها».

        باختصار في البداية، كان الهدف الأسمى (بناء الدولة المدنية الديمقراطية) هو القوة الدافعة. إلا أن الانهيار البنيوي للدولة، وتفاقم الفراغ السياسي، وتوغل الولاءات الفرعية والطائفية في الساحل، بالإضافة إلى غياب التنظيم الحزبي الفاعل وضعف الخبرة، شكل معوقات بنيوية لا يمكن تجاوزها بسرعة، مُحيلةً طاقة التغيير إلى تحدي الحفاظ على الوجود.

        إنجازات محدودة ومأزق «النخب التنظيرية»

        عند الحديث عن الإنجازات لا بدّ من التأكيد على أنّ كسر حاجز الخوف والمبادرة لتشكيل تيارات ومجموعات، حتى لو كانت صغيرة، يُعدّ إنجازاً بحد ذاته للتيارات المدنية والسياسية في الساحل السوري. كما تمّ العمل بشكل جدي في سبيل تأهيل كوادر مدنية وسياسية تتمتع بمهارات إدارية وتنظيمية (خاصة في منظمات الشتات).

        لكن في الحقيقة ظلت هذه الإنجازات قاصرة ومحدودة الفاعلية على أرض الواقع. فقد أدى غياب التجربة الديمقراطية إلى افتقار الناشطين لمعرفة أهمية التنظيم الديمقراطي والانتخابات، وبالتالي الاعتماد على المحسوبيات. إضافة إلى أن الفراغ السياسي والمجتمعي بعد سقوط النظام يُعتبر أرضية خصبة لظهور شخصيات انتهازية أو قوى سلطوية جديدة تعمل بشكل فردي وتعرقل الحراك الاجتماعي.

        يؤكد غانم أن أحد الأسباب الجوهرية لهذه المحدودية والقصور، طبيعة النخب التي قادت هذا الحراك: «الأسباب كثيرة، ويبرز منها بشكل أساسي كون النخب السياسية والثقافية محصورة بالجانب النظري والتنظيري أكثر من الجانب العملي، وهذا بسبب قلة التجربة في العمل المدني والسياسي، هذا ما جعل عملهم غير فعّال وأدى بطبيعة الحال إلى تأسيس تجارب هشة غير قادرة على التأثير، لأنها اعتمدت في البدايات على استخدام أسماء لشخصيات عامة أو نخب، وبمجرد انفضاض هذه الشخصيات عنها بدأت بالانهيار». ويُضيف أن هذا الانفضاض «جاء كنتيجة طبيعية لعدم القدرة على تطبيق ما يقرؤونه في الكتب على أرض الواقع، فعجزوا عن تشكيل حزب ديناميكي فعّال يتفاعل مع المحيط والمتغيرات والمواقف، يجذب الناس وخاصة شريحة الشباب ويوظف الكوادر التي لديه ويُحقق انتشاراً واسعاً ويُعبِئ الناس».

        باختصار أدى الضعف البنيوي في النخب إلى «تحوّل النشاط المدني إلى فضاء خطابي» دون آليات تنفيذية.

        يرى ستيفان ونتر  Stefan Winter في كتابه A History of the ‘Alawis  أن النخبة العلوية تشكّلت تاريخياً في ظل اعتماد كامل على الدولة المركزية، ولم تكتسب خبرة تنظيمية أو حزبية خارج الإطار السلطوي. ومع انهيار النظام، وجدت هذه النخب نفسها بلا أدوات واقعية لبناء مؤسسات مستقلة.

        برأي صقر، الإنجاز لا يُقاس بعدد المشاريع المنفَّذة أو بحجم التمويل، بل بالقدرة على إعادة الحياة إلى الوعي السياسي وإحياء فكرة المشاركة العامة بعد عقود من الخوف والانكفاء. «إن إنجازنا الأبرز هو حفاظنا على خطّنا الديمقراطي والفيدرالي رغم كل محاولات الاحتواء والتشويه، وتمسّكنا بمبدأ أن الحرية لا تُمنَح من فوق، بل تُنتزع بالوعي والتنظيم والمسؤولية. نسعى لطرح مواقف – والموقف في زمن الفوضى هو أرقى أشكال الخدمة العامة».

        تحديات الواقع السياسي وعزلة القوى الوطنية المستقلة

        من الملاحظ تراجع دور القوى الوطنية المستقلة لصالح قوى مدعومة خارجياً أو قوى الأمر الواقع. وعن تجربة حركة الشغل الديمقراطي في هذا السياق يُعقب صقر: «لا شكّ أن اختلال ميزان الموارد والدعم أضعف حضور القوى الوطنية المستقلة، لكننا في حركة الشغل الديمقراطي نؤمن أن الشرعية السياسية لا تُشترى، بل تُكتسب من الناس. نتمسّك بخيار الاستقلال الوطني الكامل، ونرفض أن يتحوّل القرار السياسي إلى ملحقٍ بأجندات المموّلين أو المتنفّذين. قد يبدو طريق الاستقلال أطول وأصعب، لكنه الطريق الوحيد الذي يُمكن أن يُنتج دولةً حرّةً تمتلك قرارها ومصيرها».

        التيارات المدنية والسياسية اليوم أمام تحديين رئيسيين: ميراث الأنظمة الدكتاتورية، والواقع (القديم الجديد) الذي ألغى المظهر السياسي. تُشير الآراء إلى أن أي محاولة للعمل السياسي المُستقل واجهت محاولات احتواء أو تفكيك وملاحقة قضائية (بتهم فساد أو تواصل خارجي) من قبل الجهات المسيطرة، مما يُعيق تطور أي حركة جماهيرية حقيقية. لكن غانم يضع السياق الأمني والتضييق من السلطة الجديدة كعامل حاسم في تجميد النشاط: «السياق الأمني والتضييق من السلطة الجديدة هو التحدي الأبرز. غياب القانون الذي يُشرع العمل الحزبي يفتح باب الاعتداءات والانتهاكات؛ فحتى على مستوى ندوات حوارية سجلت عدة حالات انتهاك وتسبب ذلك بإلغاء أي أنشطة».

        ويُضيف أن مجزرة الساحل كانت نقطة فارقة وسبّبت شروخاً كبيرة وإحباطاً لدى كثيرين ممن وجدوا أنفسهم عاجزين عن القيام بأي شيء، ووصلوا إلى قناعة «عدم الجدوى وأن صوت السلاح هو الأقوى والقادر على تحديد المصير والمسار». هذا السياق أدى إلى تراجع في مسألة تشكيل التحالفات بين التيارات، حيث يرى غانم أن: «التحالفات التي تشكلت لم تكن بالمستوى المطلوب، ويرجع هذا للاختلافات الكبيرة والتباين في هذه التيارات من حيث التوجهات والأهداف وحتى الانحيازات». وعن محاولات الاحتواء أكد أيهم صقر ذلك قائلاً: «واجهنا محاولات الاحتواء مراراً… ومع ذلك اخترنا الثبات. نحن لسنا ضد الحوار، لكننا نرفض الإملاء. استقلالنا ليس شعاراً عاطفياً، بل خيار وجودي، لأن أي حراكٍ ديمقراطي يفقد حريته الداخلية لا يمكنه الدفاع عن حرية الآخرين».

        الاحتراق في الإغاثة والخدمات

        تحولت معظم الإنجازات العملية إلى الجانب الخدمي والإغاثي، كسبيل للبقاء وكسب ثقة المجتمع في ظلّ انهيار مؤسسات الدولة. غير أن غانم يوضح أن هذا العمل يقع في معظمه خارج إطار العمل السياسي المنظم: «أغلب من يقوم بالعمل الإغاثي ليست منظمات مجتمع مدني بالمعنى الاصطلاحي، وأغلبها مبادرات أهلية وفرق وتجمعات وجمعيات. أغلب مبادراتهم محصورة بالأنشطة الثقافية الخيرية وكان المبرر لذلك دائماً ضيق المساحات وهذا السلوك انتهجوه من بداية سقوط النظام وحتى اليوم».

        هذا التحول المحدود يُعدُّ إنجازاً سلبياً؛ لأنه يُبعد التيارات المدنية عن الرؤية السياسية الشاملة ويُحولها إلى «شركات خدمات»، بينما يرى غانم أن الحل يكمن في: «البحث والتعويل على الشباب ومحاولة زرع مفاهيم العمل المدني عندهم في محاولة لتعبِئتهم بعيداً عن التنميط والأفكار التقليدية القائمة على التنظير وكلام الكتب، فالعمل على أرض الواقع قد يكون أسهل وأكثر جدوى».

        وفي السياق نفسه يؤكد صقر: «نحن لا نمارس العمل الخيري أو الإغاثي بمعناه المؤسسي، ليس تقصيراً في حقّ الناس، بل لأننا نرى أن مسؤوليتنا الأولى هي كسر الصمت السياسي وإعادة تعريف الانتماء الوطني خارج حدود الاصطفافات الضيّقة». ويختتم صقر: «في بيئة تُقمع فيها السياسة ويُحاصَر فيها الفعل المدني، يُصبح الوجود السياسي المستقلّ فعلَ مقاومة في حد ذاته».

        التمويل والأجندات: تركيز على الإنساني وإهمال السياسي

        شكّل النظام السوري السابق المجال العام بحيث لا تنشأ مؤسسات سياسية مُستقلة، ما جعل المجتمع المدني لاحقاً يعتمد على التمويل الخارجي بوصفه بديلاً عن الدولة.

        تُشكّل شروط المانحين وتدفق التمويل تحدياً، حيث يُجبر الكثيرون على التركيز على القضايا الإنسانية وإهمال العمل السياسي والحقوقي. يؤكد غانم هذه النقطة من زاوية التمويل في الساحل تحديداً: «بالنسبة للساحل تحديداً، هناك محاولات للتمويل من قبل الجماعات العلوية المتواجدة في الخارج، ولكنها تُركز جهودها على الحالات الإنسانية والإغاثية والخدمية والصحية تحديداً، كما أشرنا سابقاً. أيضاً هناك تمويل من خلال بعض المنظمات الدولية والأفراد والشخصيات الداخلية، لكن التمويل السياسي لا يحظى بنفس المستوى، بل لا يوجد تمويل كبير له أصلاً».

        هذا التركيز يُرسّخ تحول التيارات من قوى تغيير سياسي إلى جمعيات خيرية، مما يُعيق قدرتها على تحقيق تغيير بنيوي أو حزبي حقيقي. وهذا أيضاً ما أكد عليه أيهم صقر في تعامله مع إشكالية التمويل والأجندات: «نعتبر التمويل في واقعنا سلاحاً ذا حدين، لذلك اخترنا أن نبقى بعيدين عن أي تمويلٍ مشروط أو موجَّه، لأن المال الذي يفرض أولوياته يُفقد الحراك استقلاله الأخلاقي والسياسي… نعيش بمبدأٍ بسيط: القليلُ الحُرّ خيرٌ من الكثيرِ المُقيَّد. فالشرعية الحقيقية تُبنى بالصبر والتراكم والمصداقية، لا بالإغراءات المالية».

        صعود التمثيلات الدينية وانهيار المشروع المدني الجامع

        تُعتبر قدرة هذه التيارات على صياغة خطاب سياسي جامع يَحل محلَّ الولاءات الضيقة أمراً بالغ الأهمية. والحقيقة أن هذا المحور يُمثل الاختبار الأصعب للتيارات المدنية. لقد أفرز الانهيار السياسي والأمني ارتداداً اجتماعياً حاداً نحو الهويات الفرعية، حيث استعادت التكتلات الطائفية والمناطقية زخمها كآليات بديلة للتنظيم الاجتماعي وتوفير «الأمان» في ظلّ غياب الدولة المركزية الجامعة أو ضعف سيادتها. وعلق أيهم صقر: «ندرك تماماً أن الخوف هو ما يُعيد الناس إلى الطائفة، لا الإيمان بها. لذلك نعمل في حركة الشغل الديمقراطي على إعادة تعريف الأمان بوصفه ثمرةً للعدالة لا للانغلاق. نقدّم نموذجاً وطنياً يتحدّث إلى الإنسان لا إلى طائفته، ويحتضن المخاوف بدلاً من إنكارها».

        ويُقدم غانم تقييماً حاداً لواقع القوى المتقابلة: «حتماً التشكيلات الدينية هي المُسيطر والأكثر قدرة على تعبئة الجماهير. فالمجلس العلوي الأعلى، على سبيل المثال، ربما أكثر حضوراً ويحظى بوقع واحترام أكبر وتأثير في الشارع. هناك ترقُّب دائم لأدائه، وبرأيي حقق درجة عالية من الإنجاز وفقاً للظروف الأمنية والظروف الأخرى». في المقابل، يرى أن التشكيلات المدنية والسياسية لم ترتقِ إلى مستوى التحدي: «التشكيلات السياسية أثبتت فشلها مقابل التحركات الدينية وأغلبها أجسام تمثيلية هشة لا تُلبي الاحتياج في هذه المرحلة. والحقيقة السبب واضح: فالأشخاص الذين يتصدرون المشهد السياسي لا يرتقون للمستوى ولا لحجم المسؤولية. والأهواء الشخصية تظهر بوضوح».

        ورغم أن الجماعات الدينية استعادت دورها في ملء هذا الفراغ المجتمعي، خاصة في ظلّ الخوف المتزايد من «الانتقام»، لا يُمكن تجاهل دور السلطة الجديدة في استغلال هذه التكتلات. يُشير غانم إلى: «قيام السلطة باستدراج بعض رجال الدين واستغلالهم لنشر خطاب يخدم السلطة بإصدار بيانات تخوين» ضد أي عمل سياسي مُستقل، مما يزيد من الضغط على أي خطاب مدني جامع.

        وإضافة إلى رجال الدين برز اليوم صوت جديد لمن يعرفون بـالمؤثرين، الذين يُرسخون في خطابهم الأفكار الشعبوية ويُثيرون النعرات الطائفية، والحقيقة لا يمكن إنكار قدرتهم على جمع الناس حولهم والتأثير فيهم بشكل أكبر من أي تيار أو حزب بسبب تركيزهم على العواطف وبيع الناس الأوهام واستغلال الدين. ويُعلق صقر على هذه النقطة: «نعلم أن كثيراً ممّن يصفون أنفسهم بـ’المؤثرين‘ وجدوا في الفوضى فرصةً للظهور، فاستغلّوا وجع الناس وغياب الأمل ليبيعوا لهم الوهم. نحن نواجه هذا الخطاب لا بالصراخ ولا بالمزايدات، بل بصدق الكلمة وعمق الفكرة. نعمل على إنتاج محتوى فكري وإعلامي راقٍ… لأن الكلمة حين تفقد معناها تتحوّل إلى أداة تحريض. نحن لا ننافس على الضجيج، بل على الوعي».

        هيمنةمطلب الأمان: تحدي البقاء وتأجيل الحلم المدني

        يُقال «عندما يُستنزف الناس من الصراع، يُصبح الأمان قيمةً بديلة للحرية، وتتحول السياسة إلى مطلب معيشي».

        لطالما كان تدهور الوضع المعيشي وعدم الاستقرار الأمني السبب الرئيسي في تراجع الاهتمام بـ «الحرية السياسية» لصالح «الاحتياج» و«الأمن». هذا الخطاب الشعبي يمثل تحدياً كبيراً لأنه يتطلب من التيارات المدنية أن تكون فاعلة في الجانب الخدمي والأمني أولاً لتتمكن من تمرير رسالتها السياسية ثانياً، وهذا في الحقيقة ما يُصعّب عملها ويُحيّدها عن مسارها.

        يصف أيهم صقر هذا التحدي برؤية استراتيجية: «نسمع هذا الصوت ونتفهّمه، لأنه صوت التعب والإرهاق لا الاستسلام. لكننا نقول دائماً: الأمان الذي يقوم على الخوف ليس أماناً، بل هدنةٌ مع الظلم. نريد أماناً يقوم على العدالة، على الثقة، وعلى مؤسساتٍ لتَحمي المواطن لا لتُراقبه. في حركة الشغل الديمقراطي نعمل على ترسيخ وعيٍ جديد: الحرية ليست نقيض الأمان، بل شرطه».

        لا يمكن القول إن الأمل في «الدولة المدنية» قد تلاشى، بل إنه أُجِلَ وتحول إلى هدف استراتيجي طويل الأمد. فالنخب الأكاديمية والمدنية ما تزال تحمل هذه الرؤية كغاية، لكنها أدركت أن الوصول إليها يتطلب مرحلة انتقالية تُركز على بناء الحد الأدنى من الوعي السياسي والمدني، وتأسيس قواعد العمل الديمقراطي والمدني في ظل بيئة معادية لـ «الحرية والاختلاف».

        في الختام، يبدو أن التيارات المدنية والسياسية في الساحل السوري تخوض مخاضاً عسيراً يجمع بين الأمل الجوهري في بناء دولة مدنية (كبوصلة نهائية)، والواقعية التكتيكية التي تفرض عليها التركيز على أهداف مرحلية تتمثل في صون النسيج المجتمعي، وتأمين الحد الأدنى من الوعي والتنظيم، ومقاومة الارتداد نحو الهويات الفرعية أو الاستقطابات الجديدة التي يُفرزها الفراغ السياسي. إنها عملية إعادة تأسيس من الصفر تغلبت فيها التحديات البنيوية والاجتماعية والأمنية على الزخم الثوري الأولي، لتحافظ على جذوة الوعي المدني في زمن سيادة القوة وغياب السياسة.

موقع الجمهورية

—————————-

عن مُحاكمة «مرتكبي انتهاكات الساحل»

أسئلة بشأن الشفافية والدستورية واستقلال القضاء

19-11-2025

        جرت يوم أمس وقائع الجلسة الأولى من محاكمة 14 شخصاً متهمين بالتورط في «أحداث الساحل السوري» في آذار (مارس) الماضي. وقد جرت أمام محكمة عسكرية يرأسها قاضٍ مدني، وهو الأمر الذي يتيحه قانون العقوبات العسكري من حيث المبدأ، لكن قانون العقوبات العسكري مصمّم كله على أن القضاء العسكري استثنائيٌ وتابعٌ لوزارة الدفاع، بينما يجعله الإعلان الدستوري قضاء عادياً تابعاً للمجلس الأعلى للقضاء ووزارة العدل.

        انطلاقاً من هذه النقطة التي تترك التباسات ينبغي توضيحها بشأن الأساس القانوني وسلامة الإجراءات، وصولاً إلى أسئلة أكبر تتعلق بضعف الشفافية، وتأخير الإعلان عن موعد المحاكمة ومكانها إلى ما قبل وقت قصير من موعدها، وعدم استقلالية السلطة القضائية حيال السلطة التنفيذية، فإن هناك أسئلة رئيسية ينبغي توضيح أجوبتها للرأي السوري العام، نلخّص أبرزها:

        ما هي ضمانات استقلال المحكمة الناظرة في القضية؟

        المجلس الأعلى للقضاء معطّل، وتقوم السلطة التنفيذية مُمثَّلة بوزير العدل بمهامه وعلى رأسها عزل وتعيين القضاة، في خرق غير مغطى دستورياً لمبدأ استقلال القضاء.

        تم حل المحكمة الدستورية العليا بموجب الإعلان الدستوري، الذي ينص على تشكيل محكمة دستورية جديدة يُعين الرئيس جميع أعضائها، في خرق مغطى دستورياً لمبدأ استقلال القضاء.

        هل تجري المحاكمات وفق قانون العقوبات العسكري الحالي؟ هل يُقدِّم هذا ضمانات كافية؟

        تجري المحاكمة التي بدأت يوم أمس أمام القضاء العسكري، الذي أصبح بموجب الإعلان الدستوري قضاءً عادياً تابعاً للمجلس الأعلى للقضاء ووزارة العدل بعد أن كان تابعاً لوزارة الدفاع، وهو ما أشار إليه المتحدث باسم «لجنة التحقيق» ياسر الفرحان في حديث مع صحيفة الشرق الأوسط.

        لكن قانون العقوبات العسكري لم يتغير بعد سقوط نظام الأسد، وكان مُصمَّماً لجهاز قضائي استثنائي لا يخضع سوى لرقابة قيادة الجيش ووزارة الدفاع.

        هل ستجري محاكمة جميع المتهمين بـ«انتهاكات الساحل» أمام القضاء العسكري؟

        بدأت محاكمة 14 متهماً يوم أمس، لكن عدد المتهمين أكثر من 550 بحسب لجنة التحقيق.

        ينص قانون العقوبات العسكري على أن القضاء العسكري هو صاحب الاختصاص في الجرائم التي يرتكبها عسكريون أثناء خدمتهم، وفي الجرائم التي يرتكبها مدنيون بحق عسكريين، فهل ينطبق هذا على كل الجرائم التي وقعت في الساحل؟

        ما هو دور الناجين وذوي الضحايا وممثليهم في هذه المحاكمة؟

        هل هناك مُدّعون شخصيون؟ من الذي يمثّلهم؟

        هل يمكن الاكتفاء بادعاء النيابة العامة في قضية كهذه؟

        لا يتيح قانون العقوبات العسكري كثيراً من طُرُق وأسباب الطعن في أحكام القضاء العسكري؟ كيف يمكن ضمان حق ذوي الضحايا في الطعن؟ هل يمكن تطبيق أصول المحاكمات الجزائية العادية بما تتيحه من ضمانات أوسع في هذا المجال؟

        ما هي ضمانات حصول المتهمين على حقهم القانوني بالدفاع؟

        كيف تم تعيين محامين لهم؟ هل تمت هذه العملية بحرية تامة وفق الأصول القانونية؟

        هل سُمِحَ لعوائلهم بزيارتهم والاطلاع على أوضاعهم الصحية والقانونية بشكل منتظم؟

        لماذا لم يتم تأسيس محكمة خاصة بهذا الملف؟

        لا يتعلق الأمر بمرتكبي انتهاكات متفرقة، بل يتعلق بمئات المتهمين من مدنيين وعسكريين وعسكريين سابقين ما يزالون بلا هويات مدنية، وفي سياق مواجهة مسلحة لها أسباب سياسية وأعقبتها مجازر واسعة.

        ألم يكن الأفضل تشكيل محكمة خاصة؟ هل تم استبعاد ذلك تنفيذاً للإعلان الدستوري الذي يحظر إنشاء محاكم استثنائية؟ هل كل محكمة خاصة تكون «استثنائية» من حيث أحكامها وضمانتها بالضرورة؟

        في ضوء ما كل سبق، لا عدالة ممكنة في هذا النوع من القضايا من دون الشفافية والوضوح مع الرأي العام. وسلامة الأساس الدستوري والبناء القانوني. وضمان استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية بشكل تام.

موقع الجمهورية

——————————

محاكمات علنية في أحداث الساحل السوري: توجيه تهم القتل والنهب لـ21 متهماً/ عبد الله السعد

18 نوفمبر 2025

انتهى اليوم الأول من جلسة المحاكمة العلنية للمتهمين بارتكاب انتهاكات في أحداث الساحل والتي عقدت في قصر العدل بمدينة حلب، شمالي سورية. وقرر القاضي، اليوم الثلاثاء، تعليق الجلسة إلى تاريخ 25 ديسمبر/كانون الأول القادم. وشهد القصر العدلي توافد عشرات الأهالي لحضور أولى جلسات المحاكمة العلنية للمتهمين بارتكاب انتهاكات خلال أحداث الساحل التي وقعت في آذار/مارس الماضي.

وخُصصت الجلسة الأولى لمحاكمة 14 عنصراً متهمين بارتكاب انتهاكات في السادس من مارس/آذار، إلى جانب سبعة عناصر من النظام البائد الذين أعيد فتح ملفاتهم بعد العثور على أدلة تتعلق بجرائم ارتُكبت بحق مدنيين. وتؤكد مصادر قضائية أنّ المحاكمات ستتم “وفق قانون العقوبات وبشكل وطني مستقل”، في محاولة لإظهار تغيّر نهج العدالة بعد سقوط النظام السابق.

القاضي المكلّف بملفات أحداث الساحل قال، في تصريح مقتضب عقب الجلسة، إنّ التهم الموجهة للمتورطين تشمل جرائم الفتنة وإثارة الحرب الأهلية، وتشكيل عصابات مسلّحة، ومهاجمة قوى عامة، إضافة إلى القتل والنهب، وأشار إلى أن جلسات المحاكمة العلنية ستستمر خلال الأسابيع المقبلة، وأن باب الحضور مفتوح للأهالي ووسائل الإعلام “لضمان الشفافية”.

وللمرة الأولى منذ تلك الأحداث الدامية، تُفتح قاعة المحكمة على العلن لمحاكمة عناصر متورطين بعمليات قتل ونهب وتحريض طائفي، إضافة إلى مسؤولين سابقين وُجهت إليهم تهم تشير إلى ضلوعهم في جرائم حرب بحق مدنيين. وداخل القاعة الواسعة، حيث اختلط الهمس بقلق الأهالي، بدت ملامح التوتر واضحة. وتحاول أم محمد، التي وصلت قبل بدء الجلسة بلحظات، فهم ما ينتظر ابنها المعتقل منذ نحو عام، وتقول بصوت يختلط فيه التعب بالخوف لـ”العربي الجديد”: “بتمنى تكون المحكمة عادلة وتنصف المظلومين. لسا ما بعرف شي، وما فيني أعطي رأي على شي ما شفتو. ابني معتقل من أيام مجزرة الساحل.. الله يظهر حق الجميع”.

وغير بعيد عنها، كان أيمن محمد البكور، القادم من محمبل في جبل الزاوية، ينتظر بدوره موعد محاكمة ابنه الموقوف منذ سبعة أشهر. وعمل الشاب ضمن الفرقة 82، وانتشر له مقطع مصور أثناء الانتهاكات التي وقعت خلال تلك الأيام. يقول الأب لـ”العربي الجديد”: “اليوم أول محكمة.. نتمنى من الله أن يفرج عنه”.

وفي الخارج، كان الأهالي يغادرون على عجل، تتنازعهم مشاعر القلق والرجاء. بعضهم خرج أكثر طمأنينة، وآخرون أكثر خوفاً، لكن الجميع بدا متفقاً على أمر واحد: أن العدالة، بعد سنوات طويلة من القمع والانفلات، تواجه اليوم اختباراً حقيقياً أمام أعين السوريين.

وبدأت صباح اليوم الثلاثاء أولى جلسات محاكمة المتهمين بارتكاب انتهاكات خلال أحداث الساحل السوري في قصر العدل بمدينة حلب، شمالي سورية، بشكل علني. وبُثت الجلسة مباشرةً على قناة “الإخبارية السورية”، فيما قال قاضي المحكمة (لم يعلن اسمه) في بداية الجلسة إنّ المحاكمة “ستكون وطنية مستقلة وفق قانون العقوبات، وسنوجه للمتورطين تهم جرائم الفتنة وإثارة الحرب الأهلية”، مضيفاً أنه “ستوجه للمشتبه بهم تهم تشكيل عصابات مسلحة ومهاجمة قوى عامة والقتل والنهب”. ووجهت المحكمة إلى شخص يدعى حسن حلبية تهماً بالمؤامرة والتخريب وتزعم عصابات مسلحة وتمويلها وتجنيدها لقتال عناصر وزارة الدفاع، لكنه نفى ذلك، قائلاً إنه كان في لبنان وقت وقوع تلك الأحداث. وقبل انطلاق المحاكمات، قال المتحدث الرسمي باسم اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق في أحداث الساحل ياسر الفرحان لقناة “الإخبارية السورية”، مساء أمس الاثنين، إن اللجنة أحالت 563 مشتبهاً بهم إلى القضاء، وفق القوانين الوطنية والمعايير الدولية.

وأضاف أنّ هذه الإجراءات تهدف إلى منع إفلات المتورطين من العقاب وضمان إنصاف الضحايا، مشيراً إلى أنّ إجراءات الإحالة إلى المحاكمة بدأت تباعاً، حيث ستشهد جلسة اليوم الثلاثاء اتهاماً أو قراراً ضمنياً من قاضي الإحالة. وأضاف أن القضاء هو الذي يحدد ما سيُعلَن، وأكد أن اللجنة مستمرة في عملها حتى تحقيق العدالة وجبر ضرر الضحايا.

وفي سبتمبر/ أيلول الفائت أعلنت اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق في أحداث الساحل إحالة 298 متهماً بالاعتداء على المدنيين، و265 آخرين بالاعتداء على عناصر الأمن العام إلى القضاء. وقال المتحدث باسم اللجنة ياسر الفرحان إن عدم إعلان أسماء المتهمين يهدف إلى حماية حقوقهم وضمان مثولهم أمام العدالة، وتجنب أي ردات فعل انتقامية قد تؤدي إلى توترات أهلية في مناطق متداخلة جغرافياً. وأوضح الفرحان أنّ اللوائح المتضمنة أسماء المتهمين وبياناتهم الكاملة أُحيلت إلى النيابة العامة، مؤكّداً أن وزارة العدل باشرت فحص الملفات وتنفيذ إجراءات التوقيف والتحقيق.

وكان من المرتقب أن تبدأ أولى جلسات المحاكمات صباح أمس الاثنين، على أن تكون مفتوحة أمام الإعلام، وفق ما أعلن القاضي جمعة العنزي، رئيس اللجنة الوطنية للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل السوري. وشهدت مناطق الساحل السوري أحداثاً دامية في مارس/ آذار الماضي، استمرت عدة أيام، بعد هجمات شنها مسلحون موالون للنظام المخلوع على القوات الأمنية هناك، وانتهت باستعادة قوات الحكومة السورية السيطرة على المنطقة، بعد عملية واسعة شاركت فيها “فصائل غير منضبطة” وتخللتها انتهاكات واسعة وعمليات قتل بحق مدنيين، فضلاً عن سلب الممتلكات وحرقها. ووثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 1662 شخصاً منذ تاريخ السادس من مارس 2025 وحتى 16 إبريل/ نيسان.

وكان وزير العدل السوري مظهر الويس قد أكد في أواخر الشهر الماضي أنّ السلطات القضائية ستجري محاكمات علنية للمتهمين بارتكاب انتهاكات خلال أحداث الساحل السوري ومحافظة السويداء لـ”ضمان الشفافية ومحاسبة المتورطين وعدم إفلات أي طرف من العقاب”. وفي سياق مشابه، أكدت اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث السويداء، جنوبي سورية، أول من أمس الأحد، توقيف عدد من الأشخاص المنتمين إلى وزارتي الدفاع والداخلية وإحالتهم إلى القضاء، لارتكابهم “مخالفات” خلال الأحداث الدامية التي شهدتها المحافظة في يوليو/ تموز الماضي، وخلّفت مئات القتلى والجرحى.

ووصف مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني محاكمة المتهمين بـ”الخطوة الجيدة في الاتجاه الصحيح”، مضيفاً: “هذا ما طالبنا به منذ الأيام الأولى لوقوع التجاوزات بحق المدنيين في الساحل. هذه المحاكم شكل من أشكال المحاسبة”. وتابع، في حديث مع “العربي الجديد”: “هذه المحاكمات رسالة حقيقية للضحايا ولذويهم بأن الوعود التي قطعتها الحكومة بمحاسبة المتورطين تجد طريقها نحو التنفيذ العلني الشفاف، وهذا ما نريده في المنظمات الحقوقية”، وأشار إلى أن المنظمة السورية لحقوق الإنسان ستُراقب هذه المحاكمات، مضيفاً: “يجب أن تتوفر كل شروط المحاكمات العادلة، ويجب أن تشمل المتهمين من أجهزة الأمن والجيش ومن فلول النظام البائد، وبسوية قضائية واحدة، وأن ينالوا حقوقهم كافة”.

دلالات

—————————-

 سوريا واختبار العدالة في محاكمة مرتكبي مجازر الساحل/ ميشال شمّاس

الأربعاء 2025/11/19

انطلقت يوم 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 في قصر العدل بحلب محاكمة أربعة عشر متورطاً بأحداث الساحل، في حدث تاريخي غير مسبوق في تاريخ سوريا. أهمية هذه المحاكمة لا تقتصر على كونها أول جلسة علنية ومنقولة تلفزيونياً منذ عقود، بل تمتد أيضاً إلى كونها تحاكم عناصر محسوبين على السلطة الجديدة نفسها، ما يشير إلى اعتراف رسمي بأن العناصر التي تنتمي إليها ليست فوق القانون، وأن أي أخطاء، حتى من جانب الأجهزة الرسمية، ستواجه مساءلة قضائية.

وزاد من أهمية المحاكمة حضور كبير للإعلام المحلي والعربي والدولي ومنظمات حقوق الإنسان. وبلا شك، أرادت السلطة  من وراء ذلك عكس صورة من الشفافية وتعزيز ثقة المجتمع في قدرة الدولة على محاسبة مرتكبي الجرائم. غير أن هذه الصورة الإعلامية أظهرت وجود تناقض بين الشكل والمضمون القانوني؛ فالعلنية وحدها لا تعوّض عن غياب الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، ولا عن ضعف الرقابة على التحقيقات، ولا عن الإشكالات البنيوية في النظام القانوني نفسه.

برزت الإشكالية القانونية عندما أعلن رئيس المحكمة أن الهيئة التي تنظر في القضية هي “محكمة وطنية مستقلة”، و”أنها تطبق قانون العقوبات العسكري وقانون العقوبات العام وقانون أصول المحاكمات الجزائية”. فالقانون العسكري يكتفي بمرحلتي التحقيق والمحاكمة أمام محكمة الجنايات، مع إمكانية الطعن أمام محكمة النقض، بينما يفرض قانون أصول المحاكمات الجزائية تسلسلاً كاملاً بدءاً من قاضي التحقيق، ثم قاضي الإحالة، ثم محكمة الجنايات، ثم محكمة النقض، لضمان الرقابة على القرارات وتحقيق العدالة قبل وصول القضية إلى المحكمة. والسؤال هنا، إذا كان رئيس المحكمة قد اعتمد القانون العسكري، فما الداعي لأن يذكر أن المحكمة تطبق قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 112 لعام 1950، وهو قانون جزائي مدني؟ هذا التضارب بين القوانين يضعف مصداقية المحاكمة ويكشف عن خلل بنيوي في النظام القضائي السوري.

انتظر السوريون لسنوات طويلة محاكمة مرتكبي الجرائم الكبرى التي ارتكبها نظام الأسد منذ عام 2011، بما في ذلك جرائم الإبادة الجماعية والقتل الجماعي والتعذيب المنهجي. ومع ذلك، تبدأ العدالة خطواتها بمحاكمة جرائم الساحل فقط، وهو ما يطرح سؤالاً أساسياً: هل بداية هذه المحاكمة كافية لاعتبارها خطوة نحو العدالة الانتقالية، كما وصفتها وزارة العدل في منشور لها بأن هذه المحاكمات تأتي: “في إطار تحقيق العدالة الانتقالية وتطبيق القانون، بما يرسخ مبادئ تطبيق العدالة والمحاسبة في الدولة”؟

هذا التوصيف مضلل، لأن المحاكمة تُعقد أمام محكمة الجنايات العسكرية العادية في حلب، وتستند إلى القانون العسكري والعقوبات العامة وقانون أصول المحاكمات الجزائية، في غياب أي إطار تشريعي خاص بالعدالة الانتقالية، ما يجعلها غير كافية لمواجهة الجرائم الدولية الكبرى مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.

وكان من المفترض أن تلقى هذه المحاكمة ترحيباً من الناس، خصوصاً من قبل ذوي الضحايا، إلا أن العكس حدث، حيث بدا التذمر وعدم الرضى واضحين، متسائلين عن سبب بدء القضاء بمحاكمة جرائم الساحل فقط، وليس بمحاكمة مرتكبي الجرائم الكبرى التي ارتكبها نظام الأسد. وهذا التساؤل مبرر ومفهوم، لا سيما إذا علمنا حجم الجرائم المهولة التي ارتكبها نظام الأسد السابق.

يمكن الرد على هذا التساؤل بتوضيح أن جرائم نظام الأسد تُصنف كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، وهي جرائم غير منصوص عليها في القوانين السورية، أي غير معاقب عليها تطبيقا للقاعدة القانونية المعروفة “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني”، ما يجعلها خارج نطاق القضاء الجزائي التقليدي.

ولمواجهة هذه الجرائم، يحتاج الأمر وجود مجلس تشريعي يسن قوانين تُدرِج تلك الجرائم في التشريعات السورية، وتأهيل قضاة قادرين على التعامل مع هذه النوعية من القضايا، وإنشاء محاكم خاصة بالعدالة الانتقالية قادرة على الفصل في الجرائم الدولية الخطيرة والمعقدة، وتوحيد المرجعية القانونية بين القوانين العسكرية والمدنية لمنع التضارب وضمان المساواة أمام القضاء، وتجريم خطاب الكراهية والتحريض والطائفية ليكون رادعاً ضد التمييز والتنمر، وتوفير بيئة قضائية مستقلة تحمي الضحايا والشهود وتضمن علنية وشفافية المحاكمات.

هذه الخطوات ليست مجرد متطلبات شكلية، بل هي شروط ضرورية لإضفاء الشرعية على أي مسار قضائي، وضمان أن العدالة الانتقالية تتحول من شعارات إلى واقع ملموس. من دون هذه الإصلاحات، ستبقى أي محاكمة قائمة على القانون السوري الحالي ناقصة وغير كافية لمحاسبة مرتكبي الجرائم الخطيرة والكبرى.

تحمل هذه المحاكمة بعداً سياسياً واجتماعياً في آن واحد، فهي من الناحية السياسية، تشكل رسالة للداخل والخارج بأن أي طرف، حتى العناصر الموالية للسلطة الحالية، ليس فوق القانون. لكنها في الوقت نفسه تضع المجتمع أمام حقيقة أن البداية لا تعني النهاية، وأن هذه الخطوة لا تكفي لتأسيس عدالة انتقالية حقيقية.

ومن الناحية الاجتماعية، تحمل المحاكمة أهمية للضحايا والمجتمع ككل، فهي محاولة لإعادة الاعتبار للضحايا ورفع الغبن عنهم والاعتراف بمعاناتهم، وهو أمر أساسي في أي عملية مصالحة وطنية. لكنها أيضاً تضع المجتمع أمام حقيقة أن العدالة، إذا لم تُدعم بإصلاحات تشريعية وسياسية شاملة، ستبقى ناقصة وربما مجرد واجهة شكلية.

باختصار تمثل هذه المحاكمة اختباراً حقيقياً لقيام الدولة الوطنية السورية. أمام سوريا فرصة نادرة لكتابة صفحة جديدة في تاريخها، صفحة تقوم على العدالة والكرامة والمساءلة، لا على الإفلات من العقاب. النجاح في هذا الاختبار يتطلب إرادة سياسية وقضائية حقيقية، قادرة على ترجمة المبادئ النظرية إلى واقع ملموس، وضمان أن العدالة الانتقالية تصبح أداة فعلية للمصالحة والمساءلة، لا مجرد عرض إعلامي.

المدن

————————–

قراءة أولية في محاكمات جرائم الساحل/ منصور العمري

شهد قصر العدل في حلب، في 18 من تشرين الثاني، أول جلسة محاكمة علنية للمتهمين بارتكاب الانتهاكات والجرائم التي طالت الأهالي والعسكريين بالساحل السوري، في آذار الماضي.

وحضر ذوو الضحايا الجلسة لمتابعة سيرها، وسط توقعات وآمال معلقة على العدالة.

أولًا: القانون الواجب تطبيقه في محاكمات جرائم ومجازر الساحل

استهل القاضي الجلسة بالقول إن “المحكمة وطنية حيادية مستقلة”، وقال إن “القانون الواجب التطبيق قانون العقوبات العسكري رقم 61 لعام 1950، وقانون العقوبات السوري العام رقم 148 لعام 1949، وقانون الإجراءات واجب التطبيق قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 112 لعام 1950”.

مع بدء محاكمات جرائم الساحل، تواجه المحاكمات خللًا في التوصيف الجرمي والقانون المنطبق بسبب قصور القانون الوطني. سوريا ملزمة باحترام القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الإنساني الدولي، والقانون الدولي العرفي، والقانون الجنائي الدولي، بموجب الإعلان الدستوري على الأقل. أي محاكمة بعض الجرائم قد تنتهك الإعلان الدستوري وحقوق الضحايا في العدالة والحقيقة، من بين أخرى.

لجنة التحقيق الدولية المعنية بسوريا قالت في تقريرها بشأن “أعمال العنف التي وقعت في الساحل في آذار” إن “الانتهاكات شملت أفعالًا قد ترقى إلى جرائم حرب”، وشرحت القانون واجب التطبيق والتزامات سوريا القانونية الدولية.

من التهم الموجهة رسميًا في جلسة المحاكمة الأولى في حلب: “الفتنة”، وإثارة الحرب الأهلية والطائفية، وتزعم عصابة مسلحة والاشتراك فيها، ومهاجمة القوة العامة لارتكاب جنايات القتل والنهب والتخريب، والقتل القصد، بموجب المواد 298 و299 و300 وغيرها من قانون العقوبات الوطني.

يجب النظر في قانونية تشكيل هذه المحكمة ومدى امتثال تشكيلها للقانون السوري والمعايير الدولية، ويجب تعريف هذه المحكمة بتعليل قانوني واضح، وانتماء القضاة ومراحل المقاضاة بما فيه الاعتراض على الأحكام (وهذا من صفات علنية المحاكمات).

محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية/بموجب قانون العقوبات العسكري جائز في القانون الوطني، ولكنه قد يتعارض مع المعايير الدولية، حسب مقررة الأمم المتحدة المعنية باستقلال القضاة والمحامين.

يجيز قانون العقوبات العسكري الوطني محاكمة المدنيين:

    الذين يعتدون على العسكريين.

    فاعلو الجريمة والشركاء والمتدخلون، إذا كان أحدهم ممن تجب محاكمته أمام المحاكم العسكرية.

من تجب محاكمتهم عسكريًا هم العسكريون والطلبة العسكريون والموظفون التابعون لوزارة الدفاع. لكن، تقول اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في تعليقهـا العام رقم 32 إنه يمكن محاكمة المدنيين في محاكم عسكرية بشرط “إثبات أن اللجوء إلى المحاكمات العسكرية ضروري وله ما يبرره من أسباب موضوعية وجدية”، أو “في الحالات الـتي تعجز فيهـا المحـاكم المدنية العادية عن إجراء المحاكمات بسبب الفئة التي ينتمي إليها الأفراد وفئـة تصنيف الجرائم”.

ثانيًا: بداية إيجابية

بدء المحاكمات هو نتيجة جهود كبيرة وفائقة السرعة من السوريين ويبدو أنها تسير بالقضاء إلى الطريق الواجب.

تشكل المحاكمات قطيعة مع ممارسات قضاء عهد الأسد الذي كان يصدر الأحكام بما فيها الإعدام بشكل سري، ودون استماع للمتهم أو السماح له بحق الدفاع أو محامي، ولم يحاكم أي عنصر تابع للحكومة على الجرائم التي لا تحصى بحق الناس على مدى حكمه لعقود.

– بدء المحاكمات أمر إيجابي.

– وبشكل علني أمر إيجابي.

باعتبار هذه المحاكمات الأولى من نوعها، يمكن أن تواجه عقبات وسلبيات، مثل عدم كفاية معرفة المتهمين بطبيعة الجلسات وواجباتهم وحقوقهم.

في ظل الظروف الحالية، نشر أسماء المتهمين علنًا مثلما حدث في الجلسة الأولى قبل أن يثبت جرمهم بحكم محكمة قد يشكل خطرًا على المتهمين، وهذا هو من الأسباب التي بررت بها لجنة التحقيق الوطنية عدم نشر تقريرها بشأن الساحل.

تسمية المتهمين في هذه المرحلة قد يضر أيضًا بمسير التحقيقات وتحقيق العدالة في نهاية المطاف.

ثالثًا: الادعاء بالتعرض للتعذيب

ادعى أحد المتهمين بتعرضه للتعذيب أو التهديد بالتعذيب، ويجب متابعة تصرف القاضي تجاه هذا الادعاء، وهل إن ثبت ارتكاب التعذيب سيتم محاسبة مرتكبيه؟

القضاء السوري ملزم دوليًا بمتابعة الادعاء بالتعذيب ومحاسبة المسؤولين إن ثبت: “تضمن كل دولة طرف عدم الاستشهاد بأية أقوال يثبت أنه تم الإدلاء بها نتيجة للتعذيب كدليل في أية إجراءات”.

وبموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، وأيضًا تنص المادة 13 من المعاهدة الملزمة قانونًا لسوريا بأن “تضمن كل دولة طرف لأي فرد يدعى بأنه قد تعرض للتعذيب في أي إقليم يخضع لولايتها القضائية، الحق في أن يرفع شكوى إلى سلطاتها المختصة وفى أن تنظر هذه السلطات في حالته على وجه السرعة وبنزاهة. وينبغي اتخاذ الخطوات اللازمة لضمان حماية مقدم الشكوى والشهود من كافة أنواع المعاملة السيئة أو التخويف نتيجة لشكواه أو لأي أدلة تقدم”.

رابعًا: بعض مسؤوليات وسائل الإعلام والمجتمع المدني

أتاحت السلطات لوسائل الإعلام التغطية المباشرة للجلسة، لكن للأسف التغطية الصحفية المباشرة لم تنقل وقائع افتتاح الجلسة رغم أهميتها الكبيرة، وكانت التغطية عمومًا انتقائية، ومتقطعة، وغير واضحة أحيانًا، وأقرب إلى العشوائية منها إلى التغطية المهنية للمحاكمات، وهذا قد يكون مفهومًا باعتبار هذا الحدث هو الأول من نوعه منذ عقود.

هناك حاجة إلى تغطية صحفية مهنية مختصة بتغطية المحاكمات، بما فيه حيادية التغطية، واحترام حقوق المتهمين، وهذا يتطلب صحفيين مختصين بتغطية المحاكمات، ولديهم معرفة بالإجراءات القانونية وحقوق المتهمين.

القنوات الإعلامية التي تغطي هذه المحاكمات تقوم بدور أكبر من المحكمة والمحاكمات نفسها في إيصال المعلومات إلى الرأي العام، بالتالي عليها توخي الدقة والأمانة والموضوعية في نقل الخبر وتحليله، بما فيه باختيار الضيوف المختصين المناسبين للتعليق على هذه المحاكمات. اختيار الضيف هو مسؤولية مهنية وأخلاقية مباشرة، وعدم اختيار الضيف المختص المناسب يعتبر خيانة للأمانة الصحفية وتشويهًا للرأي العام، وحرمان الجمهور من المعلومات الدقيقة التي يشكل رأيه المستنير اعتمادًا عليها.

هناك حاجة إلى مراقبين محاكمات من المجتمع المدني يدونون ملاحظاتهم وآراءهم الخبيرة ويرسلونها إلى الجهات المعنية في الحكومة بأسرع وقت ممكن لتباحث الملاحظات، وتدارك أوجه القصور بالسرعة الممكنة.

عنب بلدي

————————————–

انقسام علوي على «الحلّ العسكري»: جنود الجيش السابق ينزحون إلى «قسد»!/ عبد المنعم علي عيسى

الإثنين 17 تشرين الثاني 2025

لا يزال الساحل السوري يشهد، منذ الثامن من كانون الأول الفائت، فراغاً سياسياً غير مسبوق، لا يمنع استمرار رهان البعض على إمكانية حدوث تغييرات هناك، وذلك انطلاقاً من وجود خلايا للجيش السوري السابق، قد لا يكون بعيداً منها، على أيّ حال، نحو «6 إلى 8 آلاف مقاتل كانوا قد لجأوا إلى لبنان عشية سقوط نظام الأسد». وفي حديثه إلى «الأخبار»، يكشف مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، رامي عبد الرحمن، أن «نحو أربعة آلاف مقاتل من الجيش السابق انضموا إلى “قوات سوريا الديمقراطية”»، وأن «حالات مشابهة، وإن بأعداد محدودة لا تزيد عن العشرات، ظهرت في السويداء».

ويأتي ذلك في وقت أفاد فيه «المرصد»، الأربعاء الماضي، بأن رجل الأعمال، رامي مخلوف، أوقف فجأة «كل أشكال الدعم المالي للعسكريين والأمنيين والإعلاميين العلويين المقرّبين منه، سواء داخل سوريا، أو الفارّين إلى لبنان»، وهو نبأ أكّدت مصادر «الأخبار» صحّته. وأضافت المصادر أن «الأمر يتعلّق بصراع الأجنحة الحاصل حيال التطورات التي يشهدها الساحل، بين من يؤمن بالحل العسكري، ومن يرى وجوب تغليب الحل السياسي عبر مدّ الجسور مع القوى الإقليمية والدولية»، معتبرة أن «خطوة مخلوف تعكس تخلّيه عن الخيار العسكري، وتبنّيه للحلول السياسية، تحت ضغط روسي».

ومنذ سقوط النظام، بدا الساحل «متروكاً» بلا ظهير سياسي أو اجتماعي، وذلك خلافاً لما حظيت به مناطق أو مجموعات أخرى، من مثل الدروز في جنوب البلاد أو الأكراد في الشمال والشمال الشرقي. ولم يظهر هذا التفاوت خلال أحداث آذار الدامية فحسب، بل تتواصل فصوله حالياً مع استمرار مسلسل «القتل على الهوية»، ومثله حالات الخطف التي لا يكاد يمرّ يوم واحد من دون الإعلان عن شيء منها، وسط تصاعد خطاب يحمّل «الطائفة العلوية» وزر ممارسات النظام السابق.

أمّا القوى السياسية في الساحل، فلا تزال تتعامل مع السلطة الراهنة بريبة واضحة، علماً أن قسماً وازناً منها نظر إلى ما جرى في 8 كانون الأول باعتباره «تغييراً» ليس في «صالح سوريا ولا شعبها، اللذين كانا يأملان في تغيير من نوع آخر»، وفقاً لما قاله أحد القياديين في «تيار التغيير السلمي»، ذي الأصول الماركسية، في اجتماع داخلي ضيّق جرى بعد نحو أسبوع من السقوط.

    حالة الفراغ التي يشهدها الساحل ليست وليدة اللحظة

وبعيداً عن الأحزاب التقليدية التي تشرذمت وتقلّصت أحجامها، من مثل «الحزب الشيوعي» الذي تشظّى إلى خمسة كيانات، و«الحزب السوري القومي الاجتماعي» الذي انقسم إلى كيانين، يمكن القول إن أبرز القوى السياسية الفاعلة في الساحل عشية السقوط وبعده، باتت تنحصر في ثلاث: الأولى هي «الحركة المدنية الديمقراطية»، وهي مجموعة من التنظيمات والمبادرات والتيارات المتأثّرة بتجارب سابقة مثل «إعلان دمشق 2005» و«مشروع اليوم التالي»، بالإضافة إلى تجمعات سياسية ومدنية حديثة مثل «التجمع الوطني الديمقراطي» و«التيار المدني الديمقراطي»، وهي بالمجمل تسعى إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية. وعلى الرغم من أن خطاب هذه التجمعات كان وجد صدى واسعاً لدى شرائح وازنة في الساحل، إلا أن عجزها عن التوحّد داخل إطار ناظم لعملها، أضعف من قوّتها وتأثيرها على الساحة السياسية.

أما الثانية، فهي «حركة الشغل المدني»، وهي حركة سياسية علمانية تأسّست عام 2012 على يد المحامي عيسى إبراهيم، حفيد الشيخ صالح العلي الذي قاد الثورة ضد الانتداب الفرنسي في مناطق الساحل. وعلى الرغم من النشاط الذي أبداه هذا الأخير في مرحلة ما بعد السقوط والمجازر، والذي تكلّل بظهور كيان جديد، في آب الفائت، أطلق عليه اسم «المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا»، فإن سلسلة الانسحابات التي حدثت من المجلس بعد أسبوع من تأسيسه أثارت شكوكاً حول مدى قدرته على أن يكون فاعلاً. وبالانتقال إلى الثالثة، فهي «التيار السوري المدني الحر»، الذي أُعلن عن تأسيسه في كانون الثاني 2025، وهو منظمة اجتماعية مقرّها الولايات المتحدة، تدعو إلى تبنّي نهج شامل لإعادة بناء الدولة على أسس وطنية ومدنية وديمقراطية.

إزاء ذلك، يمكن القول إن حالة التوتر والقلق العميقة التي يعيشها الشارع السوري في الساحل، ليست مجرد انعكاس للوضع العام في سوريا، إنما هي تعبير أيضاً عن إحباط متراكم يتغذّى من مفاعيل عدة، أبرزها ضغوط السلطة – التي يُنظر إليها في الأوساط العلوية بوصفها «غير بريئة» وبأن مراميها تتعدّى فرض الاستقرار وبسط سلطة الدولة على أراضيها -، بالإضافة إلى حالة «الفراغ السياسي» التي جعلت من كتلة بشرية كانت ترى نفسها «رائدة» حتى الأمس القريب، أسيرة حالة من «التيه» الناتج من فقدان البوصلة.

والواقع أن حالة الفراغ التي يشهدها الساحل ليست وليدة اللحظة، إنما هي، في جانب منها، نتاج سياسات النظام السابق الذي عمل على تفكيك البنى التقليدية للمجتمع بشتّى صنوفها، وتجفيف أي تمثيل حقيقي لها خارج الأطر التي ابتناها، وتهميش الزعامات المجتمعية والدينية والسياسية الحقيقية. وعلى الرغم من أن هذا النهج اتُّبع على امتداد سوريا، إلا أن تجلّياته في الساحل كانت الأبرز، وذلك انطلاقاً من رؤية مفادها أن «الزعامة لا تكتمل ما لم تُحكَم البيئة التي خرجت منها أولاً». وفي كتاب باتريك سيل «الأسد والصراع على الشرق الأوسط» الكثير ممّا يؤكد على محورية هذه الرؤية في ذهنية النظام السابق؛ إذ ينقل الكاتب البريطاني عن حافظ الأسد، إبّان الصراع الذي دار ما بينه وبين أخيه مطلع عام 1984 وصولاً إلى ربيعه، قوله: «كيف يمكن أن أكون زعيماً لسوريا وزعامتي على القرداحة منقوصة أو غير قائمة؟».

———————————-

=======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى