إخلاء مخيم ييلاداغ في هاتاي: سبعمئة عائلة سورية متأثرة بالقرار/ ميس الحاج

25-11-2025
في خطوة فاجأت مئات العائلات السورية اللاجئة، أصدرت السلطات التركية مؤخراً قراراً يقضي بإخلاء مخيمات اللاجئين السوريين في بلدة ييلاداغ الواقعة في محافظة هاتاي جنوب تركيا، وهي من أقدم المخيمات التي أُنشئت في تركيا عام 2012 مع موجة اللجوء الأولى من ريف اللاذقية وجبل التركمان. القرار الذي شمل نحو سبعمئة عائلة، ترك خلفه قصصاً مؤلمة لأسرٍ فقدت المأوى مجدداً، ووجدت نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ.
بداية القرار ومعاناة بلا حلول
تقول أم هدى، وهي من سكان المخيم منذ أكثر من عشر سنوات، في حديث للجمهورية. نت إنهم أُبلغوا بقرار الإخلاء قبل نحو شهرين، موضحةً أن السلطات التركية بررت القرار بانتهاء الدعم المقدم للمخيمات، وبأن الحرب في سوريا انتهت، وبالتالي أصبح بإمكانهم العودة إلى منازلهم.
لكنها تضيف بأسى: «أي منازل؟ قريتنا مدمرة بالكامل، لا كهرباء ولا ماء ولا طرقات ولا أمان، والحرائق التي اجتاحت جبل التركمان مؤخراً التهمت ما تبقى من الأمل».
أم هدى التي فقدت زوجها وثلاثة من أبنائها في الحرب، تقول إنها لا تملك أي مصدر للدخل، ولا تستطيع دفع إيجار شقة في البلدة، إذ يتجاوز أقل إيجار شهري ثلاثمئة دولار أميركي.
«بعد خروجنا من المخيم، لجأت إلى أقربائي مؤقتاً، لكن لا أعرف إلى متى سنبقى بهذا الوضع. الدولة قالت لنا لا مخيمات بعد الآن، لكن لم تقل أين سنذهب».
محاولات دون جدوى
تروي أم هدى أنها حاولت مراجعة القائم مقام في البلدة، طالبةً إعادة النظر في أوضاعهم، ووعدها بدراسة الحالة دون أي نتيجة حتى الآن. وتُشير إلى أن عشرات الأسر من الأرامل والمسنين يعيشون وضعاً مشابهاً، في انتظار أي بادرة دعم أو حل من الجهات الرسمية التركية.
البحث عن منزل.. معركة جديدة
أمّا أحمد، أحد سكان المخيم السابقين، فيقول إنه قضى شهرين كاملين يبحث عن منزل بعد صدور قرار الإخلاء.
«كان الوضع صعباً جداً. فجأة صار في ضغط كبير على بيوت البلدة، والأسعار ارتفعت، وما في أماكن فاضية». ويُضيف بأن السلطات منحت اللاجئين الحاصلين على بطاقة الحماية المؤقتة (الكيملك) خيار نقل بطاقاتهم إلى ولايات أخرى خارج هاتاي، لكن معظم العائلات رفضت مغادرة المنطقة التي عاشت فيها لسنوات طويلة.
«الناس صار عندها أعمال، أولادهم بالمدارس هون، صعب يبدأوا من الصفر بمكان جديد».
وبحسب أحمد، فإن العائلات التي رفضت الخروج من المخيم تعيش حالياً ظروفاً قاسية بعد قطع الماء والكهرباء عنها، ما اضطرهم للبحث عن أي مأوى بديل ولو في بيوت متهالكة.
مخيم «وطن» وقلق من مصير مجهول
في الجهة الأخرى من البلدة، لا يبدو الوضع أفضل حالاً في مخيم وطن، الذي أُنشئ عقب زلزال هاتاي بدعم من منظمة «وطن» الإغاثية. تقول عُلا، وهي إحدى القاطنات فيه منذ عامين: «بعد إغلاق مخيم التركمان بالكامل، جاؤوا بعدد من الأرامل وذوي الاحتياجات الخاصة وأسكنوهم هنا مؤقتاً. لكن الآن لا أحد يعرف مصيرنا».
وتوضح أن بعض العائلات نُقلت إلى مناطق أخرى، فيما بقيت عشر أسر تقريباً في حالة ترقب، بعد تهديدات بأن من يرفض الإخلاء قد تُطلق عليهم الكلاب البوليسية، رغم أن هذا التهديد لم يُنفّذ فعلياً.
«قطعوا عنا الماء والكهرباء أيضاً، لكننا ما زلنا هنا لأنه ما في مكان نروح عليه».
حياة بلا خصوصية ولا أمان
تصف علا للجمهورية. نت الحياة في المخيم بأنها قاسية للغاية: «نعيش في كرفانات صغيرة متلاصقة، ما في خصوصية ولا راحة، أصوات وضجيج دائم، وأطفال يعيشون في مساحات ضيقة جداً». وتُضيف أن الغلاء الفاحش في تركيا جعل الخروج من المخيم شبه مستحيل: «أقل إيجار بيت اليوم بخمسة عشر ألف ليرة تركية، وأنا ما عندي أحد يعيلني. العودة لسوريا مستحيلة، الوضع الأمني سيئ جداً والحرائق دمّرت القرى».
اللاجئون بين خياري ظروف العودة الشاقة والمعيشة المكلفة
القرار التركي بإنهاء وجود المخيمات جاء ضمن سياسة أوسع تهدف إلى «تنظيم» أوضاع اللاجئين السوريين في تركيا، لكنه بالنسبة لكثيرين كان بداية مأساة جديدة. فالسوريون الذين لجؤوا إلى ييلاداغ قبل أكثر من عقدٍ هرباً من القصف والحرب، يجدون أنفسهم اليوم عالقين بين خيارين كلاهما مرّ:
العودة إلى قراهم المدمرة والمحرقة التي لا تصلح للسكن، أو البقاء في تركيا بلا مأوى ولا دعم وسط تضخم اقتصادي خانق.
تقول أم هدى: «لسنا ضد العودة، لكننا نريد فقط أن تكون ممكنة. نريد أن نعود إلى بيوت آمنة، فيها كهرباء ومدارس وماء. أما الآن، فحتى الحلم بالعودة صار رفاهية».
مطالبات بإنصاف الحالات الإنسانية
يرى كثير من السكان أن السلطات التركية كان عليها تقييم الحالات بشكل فردي، خصوصاً الأرامل وكبار السن وأسر الشهداء، قبل تنفيذ الإخلاء. تؤكد علا: «مو كل الناس متساوية. في عائلات عندها دخل أو بيت خارج المخيم، أمّا إحنا فما عنا شيء. كان لازم يراعوا الفرق بيننا».
ويأمل السكان أن تعيد الجهات الرسمية النظر في القرار، أو على الأقل أن توفر مساكن بديلة مؤقتة حتى لا يضطر اللاجئون للنوم في الشوارع أو الارتحال مجدداً.
ذاكرة اللجوء لا تُمحى
منذ عام 2012، كان مخيم ييلاداغ رمزاً لبداية رحلة اللجوء السوري في تركيا. واليوم، مع إغلاقه، تُطوى صفحة طويلة من المعاناة، لكن دون نهاية سعيدة، فالعائلات التي عاشت أكثر من عقد في خيم وكرفانات لا تزال تبحث عن مأوى يحميها من برد الشتاء، وعن مستقبل لأطفالها بعيداً عن الخوف والتهديد والترحال الدائم .
بحسب إحصائيات صادرة عن إدارة الهجرة التركية، بلغ عدد السوريين العائدين من تركيا إلى سوريا حتى الآن نحو نصف مليون سوري منذ سقوط نظام الأسد، وذلك في إطار «العودة الطوعية الآمنة والمنظمة». وتُشير البيانات إلى أنه منذ الثامن من كانون الأول (ديسمبر) 2024 وحتى منتصف آب (أغسطس) 2025، عاد نحو 411,649 شخصاً إلى بلادهم عبر المعابر الحدودية، فيما تجاوز العدد الإجمالي للعائدين منذ عام 2016 ما يقارب 1,151,652 شخصاً، وفق ما أعلنته إدارة الهجرة التركية في أحدث تقاريرها الرسمية.
موقع الجمهورية



