العدالة الانتقاليةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

العدالة الانتقالية تحديث 02 كانون الأول  2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العدالة الانتقالية

—————————————

سورية… العدالة هي الحلّ/ بشير البكر

29 نوفمبر 2025

ثمّةَ مظاهرُ رسميةٌ تحاول اختزال تاريخ النضال السوري من أجل الحرية إلى ما بين الثورة في عام 2011 وسقوط نظام عائلة الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024. وذلك إجحاف كبير، يتجاوز السياسي إلى الأخلاقي. وفي الحالَيْن، يسقط حقّ أجيال من السوريين واجهوا الدكتاتورية أكثر من نصف قرن. وهناك سجلٌّ تاريخيٌّ حافلٌ بالتضحيات التي قدّمها السوريون، وشواهد كثيرة حاضرة بقوة في مجازر حماة وحلب، وسجون تدمر والمزّة، والتصفيات الجسدية التي طاولت شخصيات وطنية في الداخل والخارج، ومن أبرز الضحايا صلاح البيطار، الذي اغتالته أجهزة الأسد الأب في باريس عام 1980.

ضحايا العهد البائد من المحافظات والمنابت والفئات السورية كافّة، ولا تقتصر على منطقة أو طائفة أو حزب سياسي. وهذا يرتّب على الجهات المسؤولة أن ترى بتجرّد، وبلا انحياز مسبق، تاريخَ الحقبة السوداء بعيونٍ مفتوحةٍ في جميع الجهات، وهذا هو المدخل إلى الإنصاف. وغني عن القول إن للضحايا حزمة من الحقوق لا يمكن للدولة أن تغضّ الطرف عنها، وترميها على ظهر النظام البائد. الاعتراف قبل كل شيء حقٌّ يكفله القانون لكل من تعرّض لبطش النظام وإجرامه، من اعتقال وسجن، وتعذيب ومصادرة للحرية والقتل. ويمكن، في السياق، الاستئناس بتجارب شعوب كثيرة مرّت بظروف مشابهة، وواجهت بشجاعة وشفافية الانتهاكات التي عاشتها في حقبة سابقة، وأتاحت للجان حقوق الإنسان والهيئات الرسمية المعنية العمل معاً من أجل فتح دفاتر الانتهاكات من دون تحفّظ، وإعلان الحقائق كاملةً أمام الرأي العام، ومن خلال وسائل الإعلام، وأفسحت المجال للمواجهة بين الضحايا والجلّادين، وتكفّلت المؤسّسات الرسمية بعملية التعويض وجبر الضرر.

يتعلّق الأمر في جانب منه بالعدالة الانتقالية التي لم تأخذ مجراها بعد، وهناك مئات آلاف ممن وقع عليهم ضرر من عسف نظام آل الأسد 55 عاماً ينتظرون الشروع في إجراءات المحاسبة والإنصاف والتعويض. والملاحظ أن هناك تريثاً على هذا الصعيد، فبعد تشكيل الهيئات المعنية في مايو/ أيار الماضي، لم يُنتقَل إلى الخطوة الثانية، وقد يكون السبب ضخامة المهمّة الملقاة على عاتق هذه الهيئات، التي تواجه زخماً هائلاً من الانتهاكات التي قام بها العهد البائد، والشاهد على ذلك المقابر الجماعية التي يُكشَف عنها بصورة متواصلة وفي مناطق مختلفة من الجغرافيا السورية، وثمّة معوقاتٌ أخرى تتعلّق بالخبرات والإمكانات المتاحة، وما يستغرقه تأهيل فرق متخصّصة يجري حالياً تدريبها في عدّة بلدان شهدت حكماً ديكتاتورياً وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

إذا سار هذا المسعى في منحىً سليمٍ، فإنه يفضي حكماً إلى تسوية تاريخية ينتظرها السوريون بفارغ الصبر، وهي متعدّدة الأوجه، وتشمل المصالحة بينهم وبين تاريخهم، بعد تخليصه من أوزار العهد البائد، الذي عمل طويلاً في زجّ الشعب في معارَك داخلية ذات أبعاد طائفية ومناطقية وعشائرية، كي يتسنّى له الحكم بارتياح، بلا معارضةٍ تطالب بالحقوق والحريات. وتقع على الدولة اليوم مسؤولية ردم الهوّة من أجل بناء السلام الأهلي، ونزع عوامل التوتّر والتحشيد القائم، الذي يقود نحو التمترس وراء هُويَّات ضيّقة تدميرية تقود البلاد إلى الحروب والفوضى.

من بين النتائج المهمّة التي تؤدّي إليها التسوية المنشودة وضع آليات لحقوق الإنسان، ومراقبتها بصورة دائمة، كي لا يتم الإخلال بها، وإدخال إصلاحاتٍ فعلية على عمل أجهزة الدولة المتخصّصة، وهذا أمر ذو مفعول إيجابي على المديَيْن القصير والبعيد. فمن جهة ينصف ويعوّض الضحايا، ومن جهة أخرى يرسي دعائم دولة الحقّ والقانون، ويحمي حرية التعبير من أيّ انتهاك، ويشقّ الطريق إلى حياة سياسية صحّية

العربي الجديد

——————————-

الدستور السوري ومستقبل الأجيال القادمة/ ميسون محمد

26 نوفمبر 2025

حين تمرّ الدول بلحظات انتقالية حساسة، يصبح الدستور القضية الأولى التي يجب التوقف عندها، لا خطوة ثانوية يمكن تأجيلها أو التعامل معها بسطحية. فالمجتمعات الخارجة من صراع طويل تحتاج إلى إطار يُعيد تنظيم حياتها العامة، ويحدّد شكل السلطة، ويضمن الحقوق، ويرسم ملامح الدولة التي ستعيش فيها الأجيال المقبلة.

ولهذا يغدو الحديث عن الدستور في سوريا اليوم ضرورة تفرضها التحولات العميقة في البنية الاجتماعية والسياسية، لا مجرد نقاش تقني حول مواد قانونية. بل محاولة لإعادة تعريف العقد الذي يجمع السوريين، ولتثبيت المبادئ التي ستوجّه أجيالًا لم تولد بعد، لكنها ستعيش النتائج الكاملة لخيارات تُصاغ الآن.

ومن أجل التعامل مع الدستور بهذا العمق، علينا أن نبدأ من حقيقة أنّ أي نصّ لا يستند إلى قراءة دقيقة للواقع السوري الراهن سيظل عاجزًا عن خلق الاستقرار الذي نطمح إليه. فبعد أكثر من عقد من الحرب، تغيّرت البنى الاجتماعية، وتشظّت المكوّنات، وتبدّلت أولويات الناس، وتراكمت الانتهاكات، وتداخلت أطراف محلية ودولية في المشهد السوري بطريقة غير مسبوقة.

ولهذا يصبح من الضروري أن تكون عملية بناء الدستور واعية لهذه التحولات، وأن تتعامل معها بوصفها معطيات أساسية لا يمكن تجاهلها، لأنّ تجاهل الحقائق لا يبني دولة، ولا يصنع عقدًا اجتماعيًا قادرًا على الصمود.

من يكتب الدستور؟

وفي هذا السياق، تبرز مسألة بالغة الحساسية ترتبط بشرعية الجهة التي تكتب الدستور. فالدستور لا يكتسب قوته من نصوصه فقط، بل من شرعية من يضعونه، وطريقة تمثيلهم للسوريين، ومدى قدرتهم على التعبير عن تطلعات المجتمع.

    يمكن القول إنّ كتابة دستور ضامن للأجيال ليست عملية قانونية فحسب، بل هي مشروع وطني شامل لإعادة بناء الدولة والمجتمع

فالجهة التي تصوغ الدستور يجب أن تتمتع بقبول وطني واسع، وأن تكون نتاج عملية سياسية شفافة تتيح مشاركة مختلف المكوّنات، لا أن تقتصر على نخب سياسية أو قوى أمر واقع. ومن هنا تأتي ضرورة بناء آلية واضحة تضمن الشمولية، سواء عبر لجنة دستورية منتخبة، أو جمعية تأسيسية، لأنّ السوريين لن يتمكنوا من البناء الفعلي لمستقبلهم الديمقراطي ما لم يشعروا أن الدستور يعكس طموحاتهم ويحترم حقوقهم، وأنه لم يفرض عليهم من طرف واحد، بل جاء نتيجة توافق وطني يحترم التنوع ويحمي وحدة البلاد. وبذلك تتكرّس الشرعية الدستورية بوصفها شرطًا أساسيًا، لا خطوة مكملة.

من منظور دولي، تؤكد مؤسسات متعددة على أن صياغة دستور شامل خلال فترة انتقالية هي من الركائز الأساسية لتحقيق الاستقرار والخروج من الصراع. على سبيل المثال، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) يصف عملية الدستور بأنها “مساحة محايدة للنقاش البنّاء تجمع مختلف الجهات الفاعلة، محليًّا ودوليًّا، لضمان تمثيل الجميع ومعالجة جذور الصراع عبر التوافق على قيم أساسية”.

هذا التأكيد الدولي لا يعزز شرعية الدستور فحسب، بل يضيف ضغطًا إيجابيًا على الأطراف المحلية للمشاركة بشفافية، ويذكّر بأن إعادة بناء الدولة في سوريا لا تُعتبر مهمة داخلية فقط، بل جزء من التزام مجتمعي دولي نحو السلام والعدالة.

شكل الدولة

وانطلاقًا من ذلك، يصبح التفكير في ماهية الدولة خطوة أساسية قبل الدخول في التفاصيل التقنية. فالدستور ليس مجموعة مواد قانونية جامدة، بل هو انعكاس للقيم التي يريد المجتمع أن ترتكز عليها دولته. وهنا تبرز بعض التساؤلات المهمة حول شكل الدولة التي يرغب السوريون في تأسيسها، هل ستكون دولة مركزية قوية تدير البلاد من نقطة واحدة، أم دولة لامركزية إدارية تمنح المجتمعات المحلية دورًا أكبر؟

وهل تحتاج سوريا إلى نظام رئاسي واضح الصلاحيات، أم إلى نظام برلماني يعزّز مشاركة القوى السياسية، أم إلى نظام مختلط يخلق توازنًا بينهما؟ إن الإجابة عن هذه التساؤلات يجب أن تكون انعكاسًا لرؤية وطنية عميقة، لأنّ التجارب أثبتت أن الدولة المفرِطة في المركزية تصبح أكثر هشاشة، بينما قد يؤدي التفكك المفرِط إلى تهديد وحدة البلاد. ولذلك يصبح المطلوب صيغة توازن دقيقة بين قوة الدولة وحق المجتمع بالمشاركة.

ويؤكد النقد الدولي على أهمية وضع الضمانات الدستورية التي تمنع تركيز السلطة بشكل مفرط. فقد أشارت “هيومن رايتس ووتش” إلى أن الإعلان الدستوري المؤقت الأخير “يركّز السلطة في يد السلطة التنفيذية وقد يقوّض استقلالية القضاء”، محذّرة من أن التعيينات القضائية دون رقابة حقيقية تشكل خطرًا على قدرة القضاء على مساءلة السلطة التنفيذية.

ويُستنتج من هذا التحليل أن أي دستور جديد يجب أن يضمن توزيعًا متوازنًا للسلطات، ويضع آليات رقابة فعّالة لضمان استقلال القضاء، بما يحمي الحقوق ويخلق دولة قابلة للاستمرار. ومن هذا المنظور، يصبح من الضروري أن يكون الدستور أداة تحمي المجتمع من الانحرافات السلطوية، وليس مجرد نص شكلي يعكس السلطة القائمة، بل إطارًا يعكس التوازن بين القوة التنفيذية والحق العام للمواطنين.

ضمان الحقوق والحريات

وإذا انتقلنا إلى محور الحقوق والحريات، فسنجد أنه يشكّل العمود الفقري لأي دستور حديث، لأنّ النصّ الذي لا يوفّر ضمانات صلبة للمواطنين سيبقى عاجزًا عن منع تكرار المآسي الماضية. ولذلك ينبغي للدستور أن ينصّ بوضوح على حماية حرية التعبير، وتنظيم الإعلام، وضمان استقلال القضاء، وصون الحريات السياسية والمدنية، لأنّ هذه الحقوق ليست رفاهية بل ضمانات أساسية تمنع إعادة إنتاج الاستبداد.

وعلى هذا الأساس، يجب أن يتعامل الدستور أيضًا مع حقوق المرأة بوصفها جزءًا أصيلًا من مشروع النهضة الوطنية، فيكرّس مبدأ المساواة أمام القانون، ويحمي النساء من العنف والتمييز، ويضمن مشاركتهن في الحياة السياسية والعامة دون عوائق.

وفي السياق نفسه، يصبح من الحيوي أن يحتوي الدستور على ضمانات واضحة للعدالة الانتقالية، لأنّ الانتقال من مرحلة الصراع إلى السلم لا يتمّ بمجرد كتابة نصوص جديدة. فالدستور يجب أن يضع قواعد صارمة حول كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، وتعويض المتضررين، وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والقضائية، لأنّ المجتمع الذي يتجاوز آلامه من دون اعتراف أو إصلاح سيظل معرضًا لانتكاسات مستقبلية. إن العدالة ليست مطلبًا سياسيًا فحسب، بل هي الركن الذي تبنى عليه الثقة بين الناس والدولة.

ويضاف إلى ذلك أنّ بناء دستور ضامن للأجيال القادمة يتطلّب صياغة رؤية اقتصادية واضحة، لأنّ الاستقرار السياسي لا يمكن أن يتحقق في ظل اقتصاد هشّ. ولذلك ينبغي للنص الدستوري أن يؤكد على مبادئ الاقتصاد العادل، والتنمية المتوازنة، وحق التعليم والعمل والصحة والسكن، لأنّ الأجيال الجديدة تحتاج دستورًا يمنحها فرصًا حقيقية لا شعارات مؤقتة. فالدستور الذي يتجاهل البعد الاقتصادي يظل وثيقة ناقصة مهما كانت صياغته متقنة.

المشاركة المجتمعية

كما لا يمكن بناء مستقبل مستقر من دون مشاركة مجتمعية واسعة في صياغة الدستور. فالنصوص التي تُكتب خلف الأبواب المغلقة تبقى دون شرعية، مهما كانت متقنة. ولذلك يجب أن تكون عملية الصياغة مفتوحة للحوار العام، وأن تُشرك الخبراء والناشطين، والنساء والشباب والضحايا، وأن تعكس أكبر قدر ممكن من التمثيل الوطني. فكلما كانت المشاركة أوسع، ازدادت شرعية الدستور، وازدادت فرص تطبيقه والالتزام به.

وأخيرًا، يتطلّب الدستور الناجح آلية متوازنة للتعديل، تجمع بين المرونة والحماية. فهو يجب أن يكون قابلًا للتحديث حين تتغير الظروف، لكنه في الوقت ذاته يجب أن يحمي المبادئ الأساسية من العبث. هذا التوازن هو ما يجعل الدساتير قادرة على الصمود، ويمنح الدولة القدرة على مواجهة التحديات المستقبلية دون أن تفقد هويتها.

وفي النهاية، يمكن القول إنّ كتابة دستور ضامن للأجيال ليست عملية قانونية فحسب، بل هي مشروع وطني شامل لإعادة بناء الدولة والمجتمع. فالدستور الحقيقي هو الذي يوفّر كرامة الإنسان، ويصون حريته، ويمنحه فرصة العيش في دولة عادلة وقادرة على النهوض. وما نكتبه اليوم لن يكون مجرد نص، بل سيكون تاريخًا جديدًا تفتحه سوريا أمام أبنائها، وطريقًا يعبّد لهم مستقبلًا يليق بتضحياتهم وبحلمهم بوطن آمن ومستقر.

الترا سوريا

—————————

 “تواطؤ على ارتكاب جرائم حرب”.. ناجون سوريون يرفعون شكوى جنائية ضد شركة دنماركية

2025.11.27

لم تكن السماء عادية في سوريا طوال 13 عاما من الحرب. فبدلًا من أن تظل فضاء مفتوحا للصفاء والتأمل، تحوّلت إلى مصدر للرعب والقلق، تسكنه الطائرات الحربية وتُثقلُه البراميل المتفجرة والصواريخ المظلية. هذه الصواريخ لا تسقط مباشرة، بل تهبط على مهل، تتمايل في الهواء معلّقة بمظلاتها، بينما يحدّق بها الأطفال والنساء والرجال من تحتها، يحاولون الركض ومناورتها، يحاولون الاختباء، يحاولون النجاة، لكن الوقت لم يسعفهم دائما.

في يوم 30 من أيلول 2015، وهو اليوم ذاته الذي بدأت فيه روسيا قصفها الجوي في سوريا دعما لنظام الأسد المخلوع، أنشأت شركة (Dan-Bunkering) الدنماركية ممثلًا قانونيًا في مدينة كالينينغراد الروسية. وفي الفترة اللاحقة، شاركت الشركة في 33 صفقة لتسليم 172,000 طن من وقود الطائرات إلى شركتين روسيتين، جرى نقل جزء كبير منه إلى ميناء بانياس السوري. وقد مكّنت هذه الإمدادات الطائرات العسكرية الروسية والسورية من تنفيذ غارات على مشافٍ ومدارس وأفران ومناطق سكنية، ما أدى إلى مقتل آلاف المدنيين في بين عامي 2015 ـ 2017، بينهم أطفال ونساء.

واليوم يتقدّم مجموعة من الناجين السوريين وعائلات الضحايا بشكوى جنائية في الدنمارك، تطالب بمحاسبة شركة (DanBunkering) بتهمة التواطؤ في ارتكاب جرائم حرب في سوريا، وذلك بعد الكشف عن تورط الشركة بصفقات وقود ضخمة مكّنت سلاح الجو الروسي من تنفيذ آلاف الغارات الجوية على المناطق المدنية في سوريا في الفترة المذكورة.

السياق القانوني للدعوى

في كانون الأول 2021، أُدينت كل من (Dan-Bunkering) و(Bunker Holding)، بخرق عقوبات الاتحاد الأوروبي

من خلال بيع 172,000 طن من وقود الطائرات لشركتين روسيتين، كانتا تشتريان لحساب الجيش الروسي، في الفترة ما بين 2015 و2017، وهي الفترة التي نفذ فيها الطيران الروسي غارات جوية في سوريا دعماً لبشار الأسد، وأسفرت عن سقوط آلاف من الضحايا المدنيين.

محكمة أودنسه الدنماركية دانت شركتي (Dan-Bunkering وBunker Holding) بخرق العقوبات الدولية على سوريا، وفرضت عليهما غرامات، بينما حُكم على المدير التنفيذي بالسجن مع وقف التنفيذ.

لكن الشكوى الجديدة تطالب هذه المرة بتحقيق جنائي بتهمة التواطؤ في ارتكاب جرائم حرب، انطلاقًا من أن الشركة ساهمت ماديًا في تمكين عمليات القصف التي ارتكبتها القوات الجوية الروسية والنظام المخلوع في سوريا.

أُجريت جميع الصفقات الـ33 من خلال مكتب الشركة في كالينينغراد. وقد فُرضت غرامات مالية قدرها 34 مليون كرونة دنماركية على الشركتين، وتمت مصادرة أرباح تقارب 16 مليون كرونة، كما حُكم على الرئيس التنفيذي للمجموعة، كيلد آر. ديمانت بالسجن أربعة أشهر مع وقف التنفيذ بتهمة خرق العقوبات بشكل غير مقصود، وإثر المحاكمة قالت (Bunker Holding) أنها لم تعد تتعامل مع الجيش الروسي أو تزوّده بالوقود منذ سنوات.

و‏دان-بانكيرينغ (Dan-Bunkering) هي جزء من المجموعة الدنماركية بانكر هولدينغ (Bunker Holding)، ويملك المجموعة رجل الأعمال من جزيرة فيون، توربن أوسترغورد-نيلسن، وابنتيه الاثنتين، وتعدّ المجموعة أكبر مورّد لوقود السفن في العالم.

والمفارقة أن الشركة أغلقت مكتبها في مقاطعة كالينينغراد الروسية ردا على الغزو الروسي لأوكرانيا، وهو المكتب الذي كان مسؤولاً عن إبرام الصفقات في القضية الجنائية الشهيرة التي انتهت بإدانة الشركة بخرق عقوبات الاتحاد الأوروبي لتزويد روسيا بالوقود المستخدم في الحرب بسوريا.

سبعة ناجين وأفراد من عائلات ضحايا الغارات الجوية في سوريا، تقدموا بشكوى جنائية في الدنمارك، يطلبون فيها من السلطات تقييم التواطؤ المحتمل لشركة Dan-Bunkering – التي تعيد هيكلة نفسها حاليًا تحت اسم Fueling Maritime – في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بسبب تزويدها القوات الروسية بوقود الطائرات الذي استُخدم في غارات غير قانونية ضد المدنيين في سوريا.

تم إعداد الشكوى وتقديمها بدعم من المركز السوري للإعلام وحرية التعبير (SCM)، والأرشيف السوري (Syrian Archive)، ومنظمة من أجل سما (Action For Sama / AFS)، استناداً إلى سنوات من الجهود في التحقيق وتوثيق آثار الغارات الجوية في سوريا خلال فترة تجارة Dan-Bunkering بوقود الطائرات. ينشر تلفزيون سوريا شهادات الناجين وعائلات الضحايا بشكل حصري بالتعاون مع المؤسسات المذكورة.

درويش: لا نريد محاسبة إدارية.. نريد محاسبة على التواطؤ في جرائم حرب

قال مازن درويش، مدير المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، إن القضية ضد شركة (Dan Bunkering) انطلقت منذ عام 2015، وأكد أن “ما قامت به الشركة ليس مجرد خرق للعقوبات بل تواطؤ مباشر في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية”.

وأوضح درويش لتلفزيون سوريا أن الوقود الذي زوّدت به الشركة القوات الروسية خلال 33 صفقة مكّن سلاح الجو الروسي من تنفيذ ما يزيد عن 30 ألف طلعة جوية، وفق تصحريح للمتحدث باسم الجيش الروسي في نيسان عام 2017، شن الجيش الروسي من خلالها بينها نحو 77,000 غارة استهدفت الأسواق والمخابز والمدارس والمنشآت الطبية.

وأضاف: “تمت محاكمة الشركة في الدنمارك على أساس مخالفة إدارية، وتجاهلت المحاكمة دورها الفعلي في تسهيل جرائم الحرب في سوريا. نحن الآن نطالب بإعادة توصيف القضية جنائيًا، ومحاسبة الشركة ليس فقط كمنتهكة للعقوبات، بل كمشاركة في تمكين القصف ضد المدنيين”.

وأشار إلى أن عمليات الشحن كانت تتم من موانئ أوروبية، ويُرجّح أن الشركة كانت على علم بوجهة الوقود إلى سوريا، إذ كانت بعض السفن تطفئ أجهزة التتبع “GPS” وتقوم بالتفريغ مباشرة في ميناء بانياس.

وتابع ” بالنسبة لنا كسوريين كضحايا ومنظمات ومؤسسات كان قرار الدعوى والبناء القانوني على أساس مخالفات إدارية ومخالفة لوائح العقوبات غير مرضي وفيه استخفاف بكل ما حصل في سوريا، بالنسبة لنا هذه الكمية من الوقود استخدمتها القوات الجوية الروسية في قاعدة حميميم وطيران النظام البائد لتنفيذ هجماتها هذه الغارات لم تكن موجهة ضد أهداف عسكرية بل استهدف جزء كبيرمنها الأسواق والمدارس والأفران مثل استهداف المدارس في حاس وحريتان ومشفيي الصاخور والقدس والتي تكلم عنها الشهود”.

وفي 12 من آب عام 2021، خلال احتفالية تكريم القوات الجوية الروسية بمناسبة عيد ميلادها، في قاعدة حميميم، قال قائد القوات الروسية الموفدة إلى سوريا حينها، يفغيني نيكيفوروف، في كلمة له أمام المشاركين في الاحتفالية، إن الطيارين الروس أنجزوا أكثر من 100 ألف طلعة جوية قتالية في سماء سوريا منذ عام 2015، وفق وكالة سبوتنيك الروسية.

مجازر موثقة.. والأرقام دامغة

الشكوى الجنائية المقدّمة تستند إلى أربع مجازر رئيسية وقعت خلال الفترة الزمنية ذاتها التي كانت تُنفذ فيها صفقات الوقود:

    قصف مستشفى القدس وحي السكري في حلب – 27 نيسان 2016

    قصف مخبز في حريتان (حلب) – 27 أيار 2016

    الهجمات المتكررة على مستشفى الصاخور – بين 28 تشرين الأول و3 تشرين الثاني 2016

    قصف مجمع المدارس في بلدة حاس (إدلب) – 26 تشرين الأول 2016

وقد وثّق المركز السوري للإعلام وحرية التعبير هذه الحوادث من خلال شهادات ناجين وشهود عيان كانوا في أماكن الاستهداف.

أحمد حاج سليمان – ناجٍ من مجزرة حاس

قال أحمد حاج سليمان (16 عاما)، من بلدة حاس بريف إدلب، إنه فقد والدته في مجزرة استهدفت المجمع المدرسي في بلدته بتاريخ 26 تشرين الأول 2016، وأوضح أنه كان حينها في الصف الأول الابتدائي، وسمع دوي القصف وهو داخل المدرسة.

وأضاف: “هربت إلى البيت وكنت أشاهد جثث أصدقائي تتطاير. أمي كانت تحاول الوصول إليّ حين أصابها القصف. وجدت أخي الكبير وقد لفّ أمي بقماش في السيارة، ماتت في الطريق. أختي كانت في قبو مدرسة ونجت”.

وأكد أن عشرات الأشخاص قُتلوا في الهجوم، معظمهم من الأطفال، نتيجة سقوط صواريخ تحمل مظلات في توقيت الدوام الصباحي، وقد تسببت في دمار للمنازل والمدارس.

وصل أحمد إلى ألمانيا في 23 -6 – 2023، ومازالت ذكرى المجزرة لا تفارقه وهو يطالب بتحقيق العدالة.

ويتابع واصفا يوم المجزرة “صحوت كالمعتاد وذهبت إلى المدرسة كنت في الصف الأول.. في الحصة الثانية سمعنا قصفا صاروخيا اهتزت حينها المدرسة وعم الذعر بيننا.. خرجت من الصف إلى المنزل راكضا.. كنت أرى البراميل تسقط من السماء تحملها المظلات.. اختبأت قرب دكان وتابعت إلى المنزل قبل قرابة 500 متر ورأيت جثث أصدقائي يتطايرون أمامي، كان هدفي الاطمئنان على أمي.. في الحارة صرت أسأل عن أمي وأختي قالوا لي إن أمك في المشفى وبعد أن توقف القصف جاء أخي الكبير كانت أمي ملفوفة بقماش في السيارة.. لم أعرف أين أختي لقد تفرقنا”.

ويضيف “المجزرة وقعت بتاريخ 26 -10-2016، وراح ضحيتها العشرات” ويشرح ما رآه في السماء قائلا إن السلاح المستخدم بالقصف كان براميل متفجرة سقطت بالمظلات واستهدفت المدارس ساعات الدوام صباحا، ويتابع “خسرت أمي منذ 9 سنوات وأنا مشرد في ألمانيا من عائلة لأخرى ولم أستطع التأقلم، 9 سنوات بلا أم وأب، بيتي تدمر لقد كان ذكرى من أبي وأمي لا أستطيع العودة إليه اليوم لأنه مدمر، وأنا أطالب بتحقيق العدالة، أشخاص أعزاء علي قلبي قتلوا، أريد العدلة من أجل الطلاب والمدنيين الذين قتلوا”.

وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان قد وثقت مقتل 38 مدنيا، بينهم 18 طفلًا و6 نساء، بالإضافة إلى 4 من أعضاء الهيئة التدريسية في مجزرة حاس. وكان من بين الضحايا الدكتور يوسف الطراف، الذي توفي متأثرًا بجراحه في أثناء محاولته إسعاف المصابين.

أحمد دراش – رئيس ممرضين سابق في مشفى القدس

في27 من نيسان 2016، استهدف الطيران الروسي مشفى القدس في أحياء حلب الشرقية التي كانت خاضعة لسيطرة العارضة السورية، أدى القصف لمجزرة أطباء وممرضين ومرضى. ويقول أحمد دراش (35 عاماً)، والذي كان يعمل رئيسًا للممرضين في مشفى القدس، إن الطيران الروسي استهدف المشفى وأوضح أن الغارة أدت إلى مقتل 60 شخصًا وإصابة نحو 70 آخرين، بينهم أطباء وممرضون ومرضى.

وأضاف: “كنت في استراحة عندما وقع القصف، عدنا إلى قسم الإسعاف لكن القسم انهار فوقنا. استُشهد زملاء كثر، وكان الوضع كارثياً. استُهدف المشفى في وقت الذروة، وانهار جزء كبير منه”.

وأشار إلى أن نوع القصف كان غير مألوف، وقال أحد الضباط الذين شاركوا في التحقيق إنه سلاح جديد لم يشهده خلال 20 عامًا من خبرته العسكرية.

وتابع واصفا وقت المجزرة “إن يوم 27 نيسان 2016 كان يوماً حزيناً واستثنائياً، لكنه بدا  يوم عمل طبيعي، الأطباء والمراجعون في العيادات، كل يقوم بمهمته. في الصباح يكون الازدحام شديداً، لكن بعد الساعة الرابعة أو الخامسة عصراً تخف الحركة. قسم الإسعاف كان يعمل بشكل اعتيادي. حوالي الساعة التاسعة والنصف كنت مع صديقي الدكتور أحمد محمد من ريف حماة، والممرض أحمد فارس، والشاب عمار، كنا متوجهين إلى استراحة الكادر الطبي في البناء المجاور لمشاهدة مباراة كرة قدم. توقفنا دقائق أمام سوبر ماركت مقابل السكن لشراء بعض الحاجيات، حينها سمعنا صوت قصف قريب على بعد 300 متر تقريباً”.

وتابع: “بحسب التعليمات، أي قصف قريب يستوجب منا العودة إلى قسم الإسعاف فوراً للتأهب، وهذا ما فعلناه. فور وصولنا، بدأنا بالاستعداد لاستقبال الضحايا. ظهرت في فيديوهات لاحقة إلى جانب زملائي: الدكتور فراس، ومحمد عبد الله، والمدير الإداري محمود، ومصعب العلي، ومازن العلي، الذي أصيب إصابة شديدة جداً وفقد إحدى عينيه، إضافة إلى إسماعيل الحسين وآخرين”.

وأشار دراش إلى أن لحظة القصف كانت صادمة، وقال: “فجأة، سقط الصاروخ، وانطفأ كل شيء، وانهار القسم الأمامي من المشفى. أصبح الخروج من قسم الإسعاف مستحيلاً، انسدّ المخرج، ولم نعد نفهم ما يجري. خلال دقيقة، بدأنا نرى بوضوح وسط الغبار والدخان، وظهرت جثث الشهداء. بدأنا في تضميد الجرحى، ووصل الدفاع المدني بآلياته وساعد في فتح مخرج لنا. نقلنا المصابين بسيارة الإسعاف”.

وأكد أن المشفى تعرض في اللحظة ذاتها لقصف مزدوج: “تم استهداف بنائين مجاورين لمشفى القدس، ودمّرا بالكامل. لم يخرج منهما أحد على قيد الحياة، باستثناء طفل صغير لا أتذكر سوى أن عمره كان نحو شهرين. المدير الإداري عبد الله محمود أصيب أيضاً. نقلنا المصابين إلى القسم الخارجي، وبدأنا نبحث عن ناجين بين الركام. المرافقون كانوا ينتشلون مرضاهم بأيديهم ويساعدون آخرين. الشارع أمام المشفى كان مكتظاً بالسكان والأهالي الذين هرعوا للاطمئنان على ذويهم”.

وتابع: “المشفى كان مليئاً بالمرضى، وكان علينا تأمينهم. قسم الحواضن وحده كان يضم أطفالاً حديثي الولادة. الدكتور محمد وسيم، طبيب الأطفال، قُتل في القصف. فرق الدفاع المدني بدأت رفع الأنقاض. إسماعيل الحسين، عشريني وفني صيانة، قُتل قبل أيام من زفافه. والممرضة صفاء قسوم من حماة قُتلت مع عائلتها. الأخبار كانت تتوالى عن مفقودين آخرين”.

وأكد دراش أن حصيلة المجزرة بلغت 60 قتيلاً و70 مصاباً، مشيراً إلى أن نوع السلاح المستخدم كان جديدا، إذ “شكلت هيئة المحامين الأحرار لجنة للتحقيق، وأكد أحد الضباط المشاركين فيها أن القصف تم من طائرة حربية، لكن نوع المقذوف كان جديداً، ويصعب تحديده، وقال إنه لم يشهد مثله خلال 20 عاماً من الخبرة العسكرية”.

الدكتور حسام عثمان – طبيب في مشفى الصاخور

وثّق الدكتور حسام عثمان ثلاث غارات جوية على مستشفى الصاخور في حلب، استهدفته أيام 28 تشرين الأول، 1 و3 تشرين الثاني عام 2016. وأكد أن القصف تسبّب بخروج المشفى عن الخدمة بشكل كامل ومقتل عدد من العاملين فيه، وقال: “الغارات كانت تُنفذ خلال العمليات الجراحية، أحد الانفجارات تسبب بردم كامل للمشفى، واضطررنا للعمل في أماكن بديلة”.

وأضاف: “في إحدى المجازر، وصل 168 مصابًا دفعة واحدة، وكان أحدهم يمسك برجلي ويرجوني أن أُدخله أولًا لغرفة العمليات، هذه اللحظة لا أنساها أبدا”.

وقال الدكتور حسام عثمان إن فترة الحصار الأخير لمدينة حلب كانت “ملحمية”، وشهدت قصفًا ممنهجًا استهدف إبادة أحياء المدينة، ووصف حجم المأساة التي عاشها الكادر الصحي في تلك الفترة بأنه “لا يُنسى”، مشيرًا إلى “المجازر الكبيرة التي ارتكبها النظام” حينها.

وأضاف: “بعد الحصار، ركز النظام على إخراج أو إبادة أهل حلب، وكان تركيزه واضحًا على المرافق الأساسية، وخاصة المشافي والمخابز والبنية التحتية. كنا نتوقع الاستهداف في أي لحظة، لكن لم يكن لدينا خيار. كانت المجازر تتواصل، ونتوقع أن أي غارة قد تصيب أهلنا وذوينا. حجم المجازر لم يترك لنا مجالًا للتفكير. فترة الاستراحة كانت فترة بين شوطي القصف، هكذا كان وضع العمل الصحي في حلب”.

واستذكر موقفًا وصفه بأنه لا يُنسى، قائلاً: “في أحد المجازر جاء إلى مشفى الصاخور 168 مصابا، الأشلاء والمصابون وصلوا دفعة واحدة، امتلأ المشفى بشكل كامل. كنا نمشي بين المصابين، أحدهم أمسك بقدمي وألحّ عليّ أن أدخله أولًا إلى العمليات. فكانت هذه لحظة لن أنساها. وكما قلت سابقًا، هدف النظام كان المشافي والبنية التحتية”.

وأشار الدكتور حسام إلى أن مشفى الصاخور تعرّض لسلسلة من الهجمات الجوية من قبل النظام البائد، وبدأت بتاريخ 28 تشرين الأول 2016، قبل الظهيرة، حيث “استُهدف المشفى بالقنابل العنقودية. كانت أصوات الانفجارات مباشرة فوق المشفى، وسببت ذعرًا كبيرًا. أتذكر أن كل من في المشفى توجه إلى قاعة التصوير الشعاعي، لأنها كانت الأكثر تحصينًا بسبب إحاطتها بمعدن الرصاص. في هذا الاستهداف لم يُقتل أحد”.

وأضاف: “القصف الثاني وقع في 1 تشرين الثاني 2016، وكان مباشراً على المشفى. سُقطت سبع براميل في محيطه وأمام البوابة، أحدها حفر حفرة عميقة وأصاب مبنى الاستشفاء، ما أدى إلى استشهاد ثلاثة مصابين كانوا في المركز، وسبب دمارًا وتلفًا في كثير من محتويات المشفى”.

أما القصف الأعنف، فيقول الدكتور حسام إنه وقع بتاريخ 3 تشرين الثاني 2016، في فترة الظهيرة أيضًا: “بين شوطين من العمليات الجراحية كنا نائمين، واهتزت الأرض بعنف، تلاه صوت انفجار ضخم جدًا، ثم بركان من الأنقاض والغبار غطى المشفى بشكل كامل. رُدم المشفى بالكامل، وخرجنا منه بصعوبة شديدة”.

وأكد أن القصف تسبب باستشهاد “ثلاثة من عمال الصيانة أو التنظيف، كانوا يزيلون أنقاض القصف السابق، إضافة إلى أحد السائقين. كان الصاروخ ارتجاجيًا، وبدأنا نسمع بهذا النوع من السلاح مجددًا عبر المراصد. كانت طائرات روسية وحدث الاستهداف”.

وتابع: “أحد سائقي الإسعاف رُدم بشكل كامل تحت الأنقاض، وانقلبت السيارة، لكنه استطاع الخروج، وأُجريت له الإسعافات. أحد عمال الصيانة انتُشلت جثته من على أحد الأبنية المجاورة. خرج المشفى عن الخدمة بالكامل، وغُطي بالأنقاض، وهناك فيديوهات وثّقت كل شيء وعُرضت على مجلس الأمن”.

وعن ما بعد الضربة، قال الدكتور حسام: “لم يكن لدينا خيار سوى الخروج، وبدأنا نفكر بمكان آخر نعمل فيه. الغارات كانت متتالية، والجراحون يُعدّون على أصابع اليد. الهاجس كان: أين سنستمر بالعمل؟ الغارات كانت بالمئات”.

وختم شهادته بالقول: “سقوط النظام لا يعني أن ننسى المأساة. على مدار 14 سنة يجب أن نُوثّق ونستعيد حقوق الضحايا”.

إيناس الأعمى – ناجية من مجزرة حاس

قالت إيناس الأعمى، من ريف إدلب الجنوبي، إنها فقدت والدتها وشقيقها وابن عمها في مجزرة حاس يوم 26 تشرين الأول 2016، فيما أُصيب والدها وشقيقها الآخر.

وأوضحت أن القصف كان صاروخيًا نفذته طائرات تابعة للنظام المخلوع أو روسية، واستهدف القصف تجمع المدارس والمستوصف في البلدة. وتحدثت عن تساقط 8 إلى 9 صواريخ بمظلات، وأسفر الهجوم عن مقتل نحو 40 مدنيًا، وجرح أكثر من 60، بينهم طلاب ومعلمون.

وتابعت لتلفزيون سوريا إنها شهدت العديد من عمليات القصف التي استهدفت المنطقة، لكن أعنفها وأشدها إيلاماً كانت الضربة التي أودت بحياة والدتها وأخيها وابن عمها، وتسببت بإصابة والدها في عينه، إلى جانب إصابة شقيقها الصغير.

وأوضحت أن القصف الذي استهدف بلدة حاس كان “صاروخياً”، ويُعتقد أنه من طائرات حربية سورية، وأن الصواريخ كانت مزوّدة بمظلات. وقالت إن عدد الصواريخ تراوح بين 8 و9، وسقطت على تجمع المدارس والمنطقة السكنية، واستهدفت أيضاً المستوصف.

وأضافت: “الصاروخ الأول سقط بينما كان أهلي يقطفون الزيتون، ما أدى إلى وفاة والدتي، وإصابة أخي الكبير عبد الله، وأخي الصغير، وأبي أيضاً. كانت الضربات مؤلمة ودموية، وبين كل دفعة صواريخ وأخرى، كانت هناك دقائق فقط”.

وتابعت: “كنت وقتها في الصف السادس، داخل المدرسة. سقط صاروخ آخر وقتلت المعلمة أسماء الضعيف. كنا نسمع أصوات الصواريخ والقصف، فبقينا في الممر نحتمي. سقط الصاروخ الثالث مباشرة على المدرسة، وقتل الكثير من الأطفال وسقط العديد من الضحايا”.

وواصلت: “جاء المدير وقال لنا: يجب أن تخرجوا، إنهم يستهدفون المدرسة. بعد 20 مترًا فقط من المكان الذي كنا فيه، سقط صاروخ آخر على باب مدرسة البنات، وانهدم قسم من الكاريدور، تمامًا في المكان الذي كنا متجمعين فيه قبل دقائق”.

وأكدت أن القصف وقع بتاريخ 26 تشرين الأول 2016، وأسفر عن أكثر من 60 جريحاً، من بينهم طلاب ومعلمون ومسعفون، إلى جانب نحو 40 قتيلاً.

وقالت إيناس إن هذه الحادثة كانت من أقوى الأسباب التي دفعتها لمغادرة سوريا، وهي الآن تسعى لتحقيق العدالة، ومعاقبة الجهات التي زوّدت النظام وروسيا بالوقود الذي مكّنهم من قصف المدنيين.

عبد الله الحاج سليمان – شاهد وحقوقي

قال عبد الله الحاج سليمان، وهو حقوقي من بلدة حاس، إن طائرة من طراز “سوخوي 22” قصفت مجمع المدارس يوم 26 تشرين الأول 2016، وأسقطت أربع قنابل شديدة الانفجار، مزودة بمظلات وسلك معدني لضمان تفجيرها عند مستوى الأرض.

وأضاف أن القصف أدى إلى مقتل 34 مدنيًا، معظمهم طلاب ومعلمون، وإصابة 115 شخصًا، من بينهم 60 طالبًا وطالبة. وأكد أن القصف كان ممنهجًا ويهدف إلى قتل أكبر عدد من المدنيين.

وأوضح” بعد أن رُصدت طائرات استطلاع في الأجواء، ظهرت طائرة من طراز “سيخوي 22″ في سماء حاس، وألقت عددًا من الصواريخ شديدة الانفجار”.

وتابع “القصف وقع في الساعة العاشرة وعشرين دقيقة صباحًا، حيث ألقت الطائرة الصاروخ الأول شرقي مدرسة كمال قلعجي، وكانت المدارس حينها مليئة بالطلاب. وسقط الصاروخ في الأراضي الزراعية، ما أدى إلى إصابة عدد من الأشخاص ومقتل امرأة تُدعى إيمان القلعجي، إلى جانب عدد من قاطفي الزيتون”.

وتابع: “ألقت الطائرة صاروخًا ثانيًا سقط في منزل، واقتصرت الأضرار فيه على الماديات، ثم أُطلقت صاروخان على مجمع المدارس، الذي يضم مدرسة بنين حاس، ومدرسة بنات حاس، ومدرسة كمال قلعجي، ومدرسة ثانوية حاس. كان هناك ما يقارب 2500 طالب وطالبة في المجمع، وخرجوا بحالة هستيرية”.

بقايا قنابل وصواريخ لم تنفجر إثر القصف الذي استهدف تجمع المدارس في حاس

وأضاف: “خلال حالة الفوضى، ألقت الطائرة صاروخًا ثالثًا على باب مدرسة بنات حاس، ما أدى إلى سقوط عدد من الضحايا بين قتيل وجريح، معظمهم من الطلاب والمعلمين”.

وتابع: “بعد ذلك، أُلقيت القنبلة الرابعة على مسافة 150 مترًا من مجمع المدارس، وكان الهدف منها قتل أكبر عدد ممكن من المدنيين. الصواريخ كانت مزودة بسلك معدني ومظلة، لتنفجر على مستوى سطح الأرض وتُحدث أكبر قدر من التدمير”.

وأكد أنه بعد هذه الغارات، جاءت طائرة أخرى وألقت 4 قنابل إضافية في محيط المدارس، ما أدى إلى مقتل 34 مدنيًا، معظمهم من الطلاب والمدرسين، فيما بلغ عدد الجرحى 115 شخصًا، بينهم 60 طالبًا وطالبة.

وأشار إلى أنه بعد عدة أيام، وصلت فرق حقوقية لتوثيق المجزرة والسلاح المستخدم، حيث تأكد سقوط سبع قنابل انفجرت جميعها، فيما سقطت القنبلة الثامنة في الأراضي الزراعية في بلدة كفرومة القريبة من حاس.

وأوضح عبد الله أنه تم الاحتفاظ بجسم القنبلة بعد تفريغها من المواد المتفجرة، وظلّت محفوظة في منزله حتى عام 2019، حين سيطر النظام المخلوع على بلدة حاس، وتمت مصادرة المواد التي كانت بداخل الصواريخ المستخدمة في المجزرة.

تلفزيون سوريا

—————————

من العقوبات إلى الإصلاح.. الطريق المعقد نحو عودة اللاجئين السوريين إلى وطنهم/ عزيز موسى

27 نوفمبر 2025

في لحظةٍ تتأرجح فيها سوريا بين إرثٍ ثقيلٍ من العزلة وبين بوابات تُفتح نحو العالم، يبرز ملف عودة اللاجئين السوريين بين وعود سياسية وحقائق راهنة تحكم الواقع الداخلي، والمعاناة من تأثير العقوبات الخارجية التي تعيق كل محاولة في سبيل النهوض الاقتصادي والسياسي، رغم أن الانفتاح الخارجي قد يَعِدُ بفرص اقتصادية وانفراجات تدريجية، إلا أن أثره الحقيقي يتوقف على ما إذا كان قادرًا على إعادة بناء الثقة المفقودة بين المواطن والدولة، إذ أن قرار العودة ليس انعكاسًا لتفاهمات دولية بقدر ما يرتبط بالاستجابة لشعور داخلي بأن الوطن أصبح مساحة ممكنة للحياة من جديد.

يبقى ملف عودة اللاجئين من أكثر الملفات أهمية في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة السورية من محاولات إلغاء العقوبات بشكل كامل، إلى بوادر انفتاح دبلوماسي وإعادة وصل ما انقطع مع محيطٍ إقليمي ودولي، فهذه الخطوات مهما بدت واعدة في ظاهرها إلا أنها تختبر قيمتها بمدى القدرة على توفير الأمان الفعلي للاجئين على المستوى الاجتماعي والاقتصادي.

العقوبات والاستقرار عقدة العودة الأولى

يرى المحامي إبراهيم شاهين، أن الحديث عن العلاقة بين رفع أو تجميد العقوبات والبدء بعودة اللاجئين السوريين سواء من دول الجوار أو من أوروبا يرتبط أساسًا بالعامل الاقتصادي والذي يتعلق بسهولة التدفق المالي وجذب الاستثمارات التي ماتزال قلقة من طبيعة البنية القانونية والتشريعية والأمنية في سوريا، وبالتالي رفع العقوبات ربما يساهم في تعزيز قوة المجتمع والدولة وإطلاق العملية الاقتصادية بشكل أفضل، يضاف إلى ذلك أن رفع العقوبات أو تجميدها هو إشارة للمجتمع الدولي والسوريين في الخارج على أن البلاد تتقدم باتجاه أفضل، وأن البنى الأساسية اللازمة للعودة للاستقرار في سوريا أصبحت ممكنة، كما أن تبادل الثقة بين المجتمع الدولي والدولة السورية من شأنه مساعدة اللاجئين من مختلف الدول على العودة والاستثمار والعمل وبالتالي الاستقرار.

يشير الكاتب والباحث في الشؤون السياسية، إبراهيم خولاني، إلى أن قرارات رفع العقوبات الاقتصادية والسياسية المفروضة على سوريا لها تأثير مباشر وغير مباشر على بيئة عودة اللاجئين، بمعنى أن رفع العقوبات يعزز القدرة الاقتصادية للدولة على تقديم الخدمات الأساسية، مثل التعليم، الصحة، والبنية التحتية، وهي عناصر جوهرية لخلق الشعور بالأمان لدى اللاجئين بشأن مستقبلهم، كذلك يمكن أن يؤدي رفع العقوبات إلى تحسين العلاقات الاقتصادية مع الدول المجاورة والمجتمع الدولي، مما يسهل عمليات الاستثمار وإعادة الإعمار، ويخلق فرص عمل تساعد في استيعاب العائدين.

ويضيف أن تجميد العقوبات أو استمرارها بشكل جزئي يحافظ على الضغوط المالية والسياسية على الدولة السورية، مما يحدّ من قدرة الحكومة على توفير بيئة مناسبة للعودة، في هذه الحالة سيبقى اللاجئون مترددين في العودة خشية ضعف الخدمات الأساسية وغياب الاستقرار الاقتصادي، بالتالي فإن عملية رفع العقوبات تعدّ عاملًا محفزًا للعودة الطوعية.

مسار مزدوج لتهيئة بيئة العودة

تتطلب عملية رفع العقوبات مسارًا متكاملًا يتم العمل عليه على الصعيد الداخلي والخارجي، في سبيل الوصول إلى النتائج المرجوة التي يمكن من خلالها تأمين عودة اللاجئين واستقطابهم، وهنا يؤكد المحامي شاهين، ضرورة العمل على التحولات التي تنقل المجتمع والقيادة في سوريا من المرحلة المناطقية الفصائلية إلى مرحلة المجتمع المدني، أيّ توفير الأمن والحماية بشكل متساوٍ لكل المواطنين، والعمل على هيكلة البنية التنظيمية والتشريعية التي توفر إحساس العدالة والاستقرار في المجتمع الدولي والبدء بالعمل على تحسينات على مستوى البنى التحتية في المناطق السورية المدمرة، إضافة لضرورة توفير البنية التشريعية القادرة على حماية المستثمر، وهذا يتكامل مع ضرورة القيام بإجراءات من المجتمع الدولي لتسهيل عمليات التبادل المالي والتجاري، بما يتعزز من خلال التطبيع السياسي مع السلطة الحالية وتقديم الدعم الفني والمالي والتقني، بالتزامن مع إجراءات حكومية داخلية ترتكز على الشفافية وسيادة القانون والعدل، إذ لا يمكن الحديث عن تقدم في هذا الملف دون التكامل في الخطوات الداخلية والخارجية.

يوضّح الكاتب والباحث خولاني أن طبيعة التحولات يجب أن تركز على جانبين أساسيين، الجانب الأول هو التحولات الداخلية التي تتعلق بالقيام بإصلاحات مؤسسية وقانونية لتعزيز حكم القانون، وحماية الحقوق المدنية، وضمانات السلامة الشخصية، وإعادة الإعمار وإصلاح البنية التحتية، وإعادة تشغيل المدارس والمستشفيات، وتأمين الخدمات العامة بشكل متوازن بين المناطق، إضافة لتعزيز الاقتصاد المحلي وفرص العمل، وخلق بيئة اقتصادية مستدامة تتيح للسكان العائدين القدرة على الاعتماد على أنفسهم وعدم الوقوع تحت ضغط الفقر، أما الجانب الثاني  فيرتكز على رفع العقوبات الدولية لتسهيل الاستثمار وإعادة الإعمار وتحريك الاقتصاد، والتعاون مع المنظمات الدولية لضمان وجود برامج دعم العائدين، وحماية حقوقهم، ومراقبة عمليات العودة، إضافة لاتباع سياسة خارجية معتدلة والتواصل مع دول الجوار والمجتمع الدولي لتسهيل العودة الطوعية للاجئين.

مستقبل العودة مرهون بالتحولات

ترتبط عودة اللاجئين بمجموعة من السيناريوهات التي تتراوح بين عدم رفع العقوبات والرفع الجزئي والكامل، وهو ما يعدّ تحديًا أساسيًا في مسار العودة والقدرة على الاستقطاب، إذ يرى المحامي شاهين أن عدم رفع العقوبات سيشكّل العائق الأساسي أمام عودة اللاجئين وبذلك لن يعود إلّا المضطر أو المغامر، أما الاحتمال الثاني المتعلق بالرفع الجزئي للعقوبات فإن نتائجه تبقى قاصرة لأنها محددة بفترة زمنية غير مستقرة والمقدّرة حاليًا بـ 180 يومًا تخضع للمراجعة، بالتالي عدم وجود بيئة مستقرة بشكل مستدام للعودة، أما السيناريو الثالث فهو تحقيق الرفع الكامل للعقوبات مع وجود التسهيلات المالية والاقتصادية والاستثمارية، بالتزامن مع وجود البنية التشريعية والأمنية والاجتماعية الآمنة لعودة اللاجئين إلى البلاد، وهذا يرتبط بمدى تحقيق تقدم في الملفات الداخلية لرفع العقوبات.

أما الكاتب والباحث خولاني، فيرى بأنه في حال لم ترفع العقوبات بشكل كامل، من المتوقع أن يظل جزء كبير من اللاجئين في بلدان اللجوء لفترة طويلة، وربما يتحول بعضهم إلى استقرار دائم أو إلى انتقال إلى دول ثالثة، أما في حال استمر رفع العقوبات جزئيًا أو محددًا بفترة زمنية للتقييم، فقد يشجع ذلك بعض الفئات القادرة اقتصاديًا أو المرتبطة بمناطق محددة على العودة، لكن دون أن تكون هذه العودة شاملة لكل اللاجئين، وفي حال رفعت العقوبات بالكامل، وترافق ذلك مع إصلاحات داخلية، فهناك فرصة أكبر لتحقيق عودة واسعة النطاق، لكن نجاحه يعتمد على مدى وضوح الإصلاحات، وجودة الخدمات، وتوافر الأمن.

ويؤكد خولاني أن أحد العناصر المغفلة في كثير من الدراسات هو البُعد الاجتماعي والنفسي للعودة، فقد تأثر اللاجئون خلال مدة بقائهم الطويلة خارج سوريا بكثير من الثقافات الاجتماعية الموجودة في دول اللجوء، ومن الملاحظ أن عودة بعض اللاجئين خلال العام الماضي ترافقت مع بعض الحساسيات المجتمعية والنفسية بين العائدين والمجتمع الذي لم يهاجر لذلك فإن العودة المستدامة والناجحة تحتاج إلى حوار مجتمعي واسع، وهذا لا يعتمد على إزالة العقوبات أو على الإصلاحات الاقتصادية فحسب، بل على ثقافة الدولة والمجتمع سواء من العائدين أو من الذين لم يهاجروا.

الترا سوريا

—————————

في البحث عن العدالة/ معن البياري

25 نوفمبر 2025

ببساطة، المحاكمات العلنية لمتّهمين في ارتكاب جرائم قتل عسكريين ومدنيين، بأبعادٍ طائفيةٍ وغيرها، في الساحل السوري في مارس/آذار الماضي، صوريّة عند الناقمين على مجرّد وجود السلطة القائمة في دمشق، وكارهيها، ولا يجدون فيها سوى الرزايا والأخطاء والخطايا والعيوب، من دون أي تصوّر لبدائل ممكنة لديهم، ذات أهلية، وعلى شيءٍ من الشرعيّة. وهي محاكماتٌ جدّيةٌ يمكن البناء عليها لدى من يروْن في هذه السلطة مقادير وازنةً من الشرعية السياسية، تُنتقد من مدخل الحرص عليها، باعتبار وجودِها ضمانةً مهمّةً في المرحلة الانتقالية الصعبة، شديدة الحساسية، التي تعبُر فيها سورية إلى ضفافٍ مأمولةٍ من الأمن والاستقرار والتقدّم. … ومع نواقص تشريعيّة، وأخرى إجرائيّة، يعرفها المختصّون من أهل القانون، في المحاكمات التي بدأت في حلب الأسبوع الماضي، ومع ملاحظاتٍ لها وجاهتُها في هذا التفصيل وذاك، يمكن القول إن ثمّة بعض الوجاهة في نقصان الثقة والموثوفية تجاه السلطة، في الذي بادرت إليه، عندما اختارت أن تكون هذه المحاكمات علنيّة (من دون إشهار صور المتّهمين عند استجوابهم)، قياساً على وقائع سابقة لم تتوفّر على كل شروط الشفافية ومعايير المحاسبة المأمولة. غير أن هذا “الإحساس” لا يُجيز استباق الأمور، وإعلان المواقف من دون اكتراثٍ بما ستنتهي إليه هذه المحاكمات، عدا عن أن “الشبهة” ليست سلوكاً سياسياً، ولا يحسُن أن تكون خياراً في كل أمرٍ وشأنٍ ومسألة.

وللمحاججة، لمن شاء أن يُحاجج، يوفّر تقرير لجنة تقصّي الحقائق في أحداث الساحل (قتل فلول نحو 240 رجل أمن وقتل نحو 1400 سوري مدني من الطائفة العلوية)، والمعلن في يوليو/تموز الماضي، على كثيرٍ من أسباب التعامل مع السلطة بخصوص ملفّ هذه الأحداث بغير صيغة الرفض والاستخفاف والفوقية، وكأن الحقائق عند طرفٍ واحد وحيد. وقد تقاطع كثيرٌ من نتائج اللجنة مع تقارير مستقلة دولية (لمنظّمة العفو الدولية مثلا)، والتقت جميعها في أنها لم تتهم السلطة بمسؤوليةٍ مباشرة، ولم يقرّر أي منها أن الذي ارتكتبه عناصر فالتة في فصائل محسوبة على السلطة (وبعضها منضمّة في وزارة الدفاع) كان بتوجيهاتٍ مباشرةٍ من السلطة التي تبقى في موضع المسؤولية غير المباشرة، ومطالبةً، في الأول والأخير، بتيسير كل سبل الوصول إلى الحقيقة، ومحاسبة كل مرتكبي الجرائم والفظاعات المروّعة.

… ليس فضيلة من السلطة أنها اعتقلت نحو أربعمائة من المشتبه بتورّطهم في ارتكاب القتل والحرق والنهب في مدن وبلدات في الساحل، فهذا من أولى واجباتها البديهية. ولا يجوز افتراض من يفترضون أن شقّ مجرى العدالة في سورية، بالتحقيقات والأخذ بكل مقتضيات القانون، يأتي لتلبية استحقاقات خارجية، ولإرضاء الولايات المتحدة وعموم الغرب، في سبيل تمكين السلطة الراهنة وتظهير صورةٍ إيجابية لها. ولا يليق، في الوقت نفسه، استخفاف بعضٍ من حاملي السلّم بالعرض بكل إجراءٍ تعمل عليه السلطة، وبكل خطوةٍ تبادر إليها، وكأنها لا تصنع شيئاً، ولا تحاول، في ظروفٍ شديدة الصعوبة والتعقيد، إنقاذ البلاد من المستحيل الذي ورثته من نظام الاستبداد والفساد المعلوميْن. ولا يحسُن التهوين من خطوات المسار الذي مضت فيه بشأن أحداث (مجازر) الساحل المهولة، ومنها المحاكمات العلنية التي تأتي بعد جهد طويل وصعب، أدّته وزارة الداخلية والأجهزة المختصّة للقبض على كل مشتبهٍ به في ارتكاب تلك الجرائم. وأياً يكن الحال، الأمور بخواتيمها، وإنْ لا يرى بعضٌ هنا وهناك إلا بداياتٍ (ما هي بالضبط؟) لا تؤدّي إلا إلى الخواتيم التي في أفهامهم.

لا شطط في القول إن العلنيّة (المحدودة) للمحاكمات التي بدأت أخيراً، وستأخذ وقتاً لن يكون قصيراً، مؤشّر إيجابيٌّ ومحمود، يستحقّ التعامل معه بتعيين النواقص والمثالب والمؤاخذات الممكنة، الإجرائية والقانونية والإعلامية، بالتوازي مع تعيين المنجزات المتحققة منه، وكل مداخل المصداقية وإمكانات العدالة المأمولة. أما المرابطة في مواطن التشكيك والاتهام والانتقاص والتهوين، وفي المبالغات والافتراضات التي لا شواهد عليها، وفي التربّص الذي لا صلة له بالنقاش السياسي ولا بالدور الرقابي للمثقف والناشط والإعلامي، فذلك كله لا يأخذ سورية والسوريين إلى الأفق المشتهى، والله أعلم.

العربي الجديد

————————–

 بعد عام من سقوط الأسد: هل تبدأ العدالة أم يستمر الإفلات؟/ ميشال شمّاس

الأربعاء 2025/11/26

مع اقتراب الذكرى الأولى لإسقاط نظام الأسد الإجرامي، لا يزال مطلب العدالة الانتقالية ومحاسبة المجرمين يتصدر النقاش العام بين السوريين، بوصفه الشرط الأساسي لبناء دولة قانون تحمي حاضرهم كما تعالج ماضيهم. غير أن هذا النقاش يكشف عن ميل خطير لحصر العدالة في الماضي وحده، كأن إسقاط النظام يكفي لتطهير البلاد من بقاياه وأذرعه التي ما زالت تعمل بدعم خارجي على تقويض الاستقرار ومنع قيام الدولة. هذا الفهم القاصر لا يصنع عدالة؛ بل يعيد إنتاج المأساة في سياقات جديدة ويترك المجتمع عرضة لفوضى أمنية قاتلة.

صحيح أن السلطة الجديدة بدأت بالفعل محاكمة بعض العناصر المتهمة بارتكاب مجازر الساحل، سواء من النظام السابق أو من المحسوبين على السلطة الحالية، غير أن هذه المحاكمات بالرغم من أهميتها، لا تقع في سياق العدالة الانتقالية؛ بل تجري ضمن إطار القانون السوري القاصر عن محاكمة مرتكبي الجرائم الخطيرة، لخلوه من النصوص التي تعاقب عليها على نحوٍ واضح. وهكذا تبقى هذه الإجراءات محدودة، لأنها لا تعالج الجذور العميقة للعنف ولا تضمن استقلال القضاء، في حين أنَّ العدالة الانتقالية هي مشروع شامل لإصلاح المؤسسات وكشف الحقيقة وضمان عدم تكرار الجرائم.

وعلى أهمية تلك المحاكمات، فإن الجرائم المتنقلة في مناطق ومدن عدة، خصوصاً في مدينة حمص، باتت تشكل خطراً حقيقياً ليس على أمن المجتمع؛ بل على الدولة والسلطة أيضاَ،  هذه الجرائم  يجب أن تتابع بجدية أكبر وملاحقة مرتكبيها وإحالتهم للقضاء. فالجرائم لم تنته بسقوط رأس نظام الأسد؛ بل ما زالت تتغذى على الفوضى التي تصاحب المراحل الانتقالية عادة، وتستفيد من ضعف مؤسسات الدولة وغياب الردع.  كما إن الافلات من العقاب يمنح بقايا مجرمي النظام السابق، والمجرميين الحاليين الاستفادة من هذا الواقع المنفلت، بل وحتى التنسيق بينهما. والواقع السوري اليوم يثبت ذلك بوضوح، جرائم القتل والاعتداء لم تتراجع، بل تحولت إلى خبر يومي يزرع الخوف في حياة الناس.

خلال أقل من شهر، قُتل ما لا يقل عن خمسة عشر شخصاً في حوادث متفرقة، تؤكد أن الخطر ليس ماضياً بل حاضراً يومياً. ففي بلدة أم حارتين بريف حمص الغربي، هاجم مسلحون مقهى فقتلوا أربعة مدنيين وأصابوا اثنين آخرين. ومنذ أيام قليلة، شهدت دير عطية عملية سطو مسلح أسفرت عن مقتل أربعة مدنيين وجرح اثنين. وفي درعا، أطلق ملثمون النار على امرأة كانت متجهة إلى عملها وهو ما أدى إلى مقتلها على الفور. أما الجريمة الأشد وقعاً وخطراً، وقعت على طريق زيدل في مدينة حمص، حيث قُتل رجل وحرقت زوجته، وترك المجرمون عبارات طائفية بدم الضحايا على الجدران، في محاولة متعمدة وواضحة لإشعال الفتنة بين الأهالي. وهذا ما كشفه  أول أمس الناطق باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، الذي أكد أن التحقيقات الأولية تشير إلى أن  الجريمة ارتكبت بدوافع جنائية بحتة، وأما العبارات الطائفية التي دُوّنت في مكان الحادثة كانت تهدف إلى التمويه وإثارة الفتنة في مدينة حمص.

ليس من قبيل المصادفة أن تُترك عبارات طائفية بدم الضحايا في بعض جرائم حمص، فالمجرمون يدركون أن أخطر ما يمكن أن يهدد المجتمع السوري هو إشعال الفتنة بين مكوناته. إن استهداف حمص، بما لها من رمزية تاريخية وتنوع اجتماعي، يكشف عن محاولة منهجية لتفجير النسيج الوطني من الداخل. والتجربة العراقية القريبة خير شاهد على ذلك، فحين تُركت الجرائم الطائفية بلا محاسبة، تحولت إلى حرب أهلية مزقت البلاد وأعاقت وما زالت تعيق بناء دولة العراق. وتجاهل هذا الخطر في سوريا اليوم يعني تكرار المأساة نفسها، وهو ما يجعل العدالة الانتقالية ضرورة عاجلة لا تحتمل التأجيل.

إن جريمة قتل الزوجين على طريق زيدل شرقي حمص كشفت عن الخطر الكبير لاستمرار انتشار السلاح مع الناس فهو من جهة يتيح لأي جهة تريد خلق بلبلة أن تفعل ذلك بكتابة جملة أو جملتين تحمل طابعاً طائفياً أو قومياً. فلو كتب الجناة مثلاً عبارة “نحن جنود المسيح”، لكان البعض اندفع لمهاجمة أحياء مسيحية بريئة. ولو كتبوا “نحن الأكراد أصحاب حق”، لكانوا تهجموا على كل كردي سوري. والأمر نفسه يمكن أن يتكرر بحق الإسماعيليين أو الدروز أو التركمان وغيرهم. هذا يوضح أن انفلات السلاح يجعل المجتمع كله رهينة لمغامرات خطيرة، وأن أي محاولة لتفريغ الاحتقان عبر الاعتداء على الناس وممتلكاتهم، لا تزيد إلا في تعميق الشرخ الاجتماعي.

فالتراخي في ضبط السلاح وحصر حمله واستخدامه بالقوى المكلفة قانوناً يفتح الباب أمام كل جريمة جديدة، ويجعل المجتمع رهينة لمسلحين خارج أي إطار شرعي. صحيح أن سحب السلاح في هذه المرحلة الحرجة ليس مهمة سهلة، خصوصاً مع محاولات السلطة إعادة بناء أجهزة أمنية وشرطية قادرة على فرض النظام، لكن ذلك لا يعفي الدولة من مسؤوليتها في وضع ضوابط صارمة. وأول هذه الضوابط هو تشديد العقوبات على كل من يحمل سلاحاً من دون ترخيص قانوني، مع فرض غرامات مالية كبيرة تردع المخالفين وتحد من انتشار السلاح العشوائي.

ويبقى السؤال مفتوحاً أمام كل سوري: أي مستقبل نريد أن نصنعه لأنفسنا ولأبنائنا؟ الإجابة تبدأ من إصرارنا على العدالة، لكنها لا تنتهي عندها. فالإعلام أيضاً يتحمل مسؤولية كبيرة في هذه المرحلة؛ إذ عليه أن يكون أداة لتهدئة النفوس وكشف الحقائق، لا وسيلة لنشر رسائل التحريض التي يتركها المجرمون عمداً. إن نشر مضمون العبارات الطائفية قبل التأكد من الجهة الفاعلة لا يخدم الحقيقة؛ بل ينفذ عملياً ما أراده الجناة من جرائمهم في إشعال الفتنة وتوسيع دائرة العنف. لذلك فإن العدالة الانتقالية، إلى جانب ضبط السلاح، تحتاج إلى إعلام مسؤول يضع مصلحة المجتمع فوق الإثارة، ويشارك في بناء عهد جديد يقوم على الكرامة والحرية.

المدن

————————–

محاكمات الساحل السوري… اختبار للعدالة أم إجراء صوري؟/ سامر الضيعي

25 نوفمبر 2025

مع انطلاق الجلسات العلنية لمحاكمة المتورّطين في أحداث الساحل السوري في مارس/آذار 2025، تدخل سورية مرحلة حسّاسة في مسار إعادة بناء مؤسّساتها بعد انهيار النظام السابق. فهذه المحاكمات، التي تبدو في ظاهرها مساراً جنائياً، هي في جوهرها اختبار قانوني سياسي لقدرة الدولة على التعامل مع ملف شديد التعقيد، جرى في لحظة غياب شبه كامل لسلطة الأمن والقضاء.

من منظور المعايير الدولية لمكافحة الإفلات من العقاب، أي محاكمة لجرائم واسعة النطاق تحتاج إطاراً قانونيّاً واضحاً، مستقلاً، ومكتمل العناصر؛ وهذا الشرط، مهما حاولت الدولة القول بعكسه، لا يزال محل تقييم أكثر منه محل ثقة.

ورغم الاهتمام الإعلامي بالجوانب الإجرائية للجلسات، يتقدّم سؤال مركزي على كل ما عداه: هل تمثّل هذه المحاكمات خطوة أولى نحو عدالة حقيقية؟ أم أنها محاولة شكلية لتسكين الرأي العام الداخلي وتقديم رسالة محسوبة إلى الخارج؟ الإجابة لا يمكن أن تفصل بين الوقائع والسياق، ولا بين المسار القضائي والإطار التشريعي والسياسي الذي يتحرك داخله.

السياق الذي أنتج المحاكمة

لفهم المحاكمة، يجب العودة إلى الوقائع التي سبقتها، فبعد انهيار النظام السابق في ديسمبر/كانون الأول 2024، بدت المناطق الساحلية: اللاذقية وطرطوس وأجزاء من ريف حماة، أكثر حساسية بسبب تركيبتها الاجتماعية والسياسية. ورغم محاولات القوات الحكومية الوليدة ضبط الأمن بسرعة، بقيت المنطقة مكشوفة أمام تحرّكات فلول النظام. وفي 6 مارس، نفّذت تلك الفلول هجمات واسعة شملت مقرّات الجيش والأمن العام، الحواجز، الطرق الدولية والمستشفيات. ووفق تقرير اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق، أسفر ذلك عن: مقتل 238 عنصراً من الأمن والجيش، تعرّض مدنيين سنّة لاعتداءات وانتقامات على أيدي الفلول، دفن عسكريين في مقابر جماعية، انهيار السيطرة الأمنية على مساحات واسعة.

أعقب ذلك تدفق آلاف المتطوعين المحليين والفصائل إلى المنطقة في حالة فوضوية، يتداخل فيها المدنيون المسلحون مع عناصر شبه منظمة. وخلال ثلاثة أيام من الدخول العشوائي للقرى، وقعت انتهاكات واسعة ضد المدنيين، تمثلت في القتل خارج القتال، الحرق، السلب، والاعتداءات ذات الطابع الطائفي. وقد وثّقت اللجنة 1426 قتيلاً، بينهم 90 امرأة، إضافة إلى 20 مفقوداً.

يفتح السياق نفسه باب الأسئلة، فالهجوم الذي نفّذته فلول النظام السابق، بما تضمّنه من قتل منظم، إعدامات، مقابر جماعية، واعتداءات استهدفت المدنيين والعسكريين، لم يكن مجرّد حدث أمني، بل كشف انهياراً صريحاً لسيادة الدولة الوليدة. وردّ الفعل الذي أعقب الهجوم تدفق آلاف المسلحين والمتطوعين خلال ساعات كشف هشاشة بنيوية في قدرة الدولة على ضبط السلاح وعلى منع الانزلاق نحو الانتهاكات.

جرى القتل والسلب والحرق في قرى عدة في ثلاثة أيام فقط، في غياب سلطة أمنية قادرة على التدخل، ما يجعل الادّعاء اليوم بقدرة الدولة على “المحاسبة التامة” محل تساؤل: هل تحاسب الدولة فعلاً على ما لم تستطع منعه؟ أم تحاول ترميم صورتها بعد فشلها في احتواء الحدث منذ لحظته الأولى؟

بناء سردية واقعية في بيئة مرتبكة

استندت المحاكمة التي بدأت إلى التقرير النهائي للجنة الوطنية المستقلة للتحقيق، التي أُنشئت بقرار من رئيس الجمهورية، وتمتّعت بصلاحيات واسعة نسبياً مقارنة باللجان الحكومية التقليدية في سورية. وعملت اللجنة أربعة أشهر، وخلال ذلك: زارت 33 موقعاً في الساحل. استمعت إلى 938 إفادة. راجعت أدلة رقمية، صوراً، مقاطع فيديو. دقّقت قوائم رسمية من وزارات الدفاع والداخلية. قابلت مسؤولين محليين. استجوبت موقوفين. اعتمدت معيار “الشبهة المعقولة” لتحديد المشتبه بهم.

وبناء على ذلك، خلصت اللجنة إلى وجود:  265 اسماً من المرتبطين بفلول النظام. 298 اسماً من أطراف أخرى. انتهاكات لم تكن منظمة بالكامل لكنها كانت واسعة. دوافع طائفية محدودة لكنها حاضرة في بعض المواقع. مسؤولية مباشرة وغير مباشرة لجهات متعددة.

وتقرير اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق، رغم أنه أول سردية رسمية متماسكة، لا يغير جذرياً هذه الإشكالية، فاللجنة اعتمدت معيار “شبهة المعقولة”، وهو مناسب لعمل لجان تقصّي الحقائق، لكنه غير كافٍ أمام القضاء. لم تكشف اللجنة جميع مصادرها الرقمية، ولم تُخضع منهجيتها لتقييم خارجي مستقل، ولم تُنتج ملفاً قضائياً متكاملاً، بقدر ما أنتجت ملخّصاً تحليلياً ضرورياً لكنه غير نهائي.

ولم تكن الجلسة العلنية لمحاكمة المتورطين في أحداث الساحل حدثاً قضائياً عادياً. هي لحظة اختبار ثقيل تُقاس بها جدّية السلطة الجديدة في الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء منظومة عدالة، أو تُفضح فيها هشاشة هذه السلطة إذا تبيّن أن المحاكمة لا تتجاوز حدود الاستخدام السياسي.

ويدرك الشارع السوري، منذ اللحظة الأولى، أن الشكوك المحيطة بالمحاكمة ليست تفصيلاً. هناك شعور عام بأن الدولة مضطرّة للقيام بشيء “علني” في هذا الملف، لأنه لا يمكن إغلاقه سياسياً، ولأنه يتعلق بمنطقة شديدة الحساسية، ولأن المجتمع الدولي يراقب. لكن السؤال الذي يتكرّر ما إذا كانت العلنية هنا دليلاً على الشفافية، أم جزءاً من تقنية إدارة صورة الدولة، كما حدث في ملفاتٍ أخرى، أبرزها الانتهاكات الواسعة في محافظة السويداء في يوليو/ تموز 2025، والتي انتهت بلجنة تحقيق وطنية من دون أن تُستكمل مسارات المحاسبة اللاحقة. والإشارة إلى السويداء هنا ليست للمقارنة بين الجريمتين، بل لإظهار أن المشكلة بنيوية: تعدّد الملفات الجنائية في غياب إطار عدالة انتقالية شامل، يدفع الدولة إلى معالجة كل ملفٍّ بمعزل عن الآخر، ما يُنتج صورة عدالة مجزّأة أكثر منها رؤية شاملة.

وما يزيد تعقيد الصورة أن القضاء السوري، في صيغته الحالية، يعمل ضمن إطار قانوني لا يستوعب طبيعة الجرائم المرتكبة، فقانون العقوبات العام لعام 1949 لا يعرف مفاهيم، مثل الجرائم واسعة النطاق، ولا الجرائم الطائفية المنظمة، ولا الإعدامات بعد السيطرة، ولا العنف القائم على الهوية. وقانون العقوبات العسكري لعام 1950 صُمّم للتعامل مع جرائم التمرّد والانضباط العسكري، وليس لمحاسبة مدنيين شاركوا في عمليات مختلطة. ومع ذلك، تصرّ النيابة العامة على تكييف هذه الجرائم داخل هذه النصوص القديمة، في محاولةٍ لإعادة تعريف الواقع الجديد بأدوات تشريعية تعود إلى حقب مختلفة تماماً.

وما يزيد أهمية هذه المحاكمة، وما يستدعي قراءتها بعمق أكبر، أنها تجري في فراغٍ تشريعي لم يُردم بعد، وفي لحظة انتقالية لا تزال فيها مؤسّسات الدولة تعيد تعريف نفسها، فالقضاء الذي يتولى اليوم النظر في الانتهاكات المرتكبة في الساحل هو نفسه الذي ورث بنية ثقيلة من النظام السابق، بما فيها أدوات قانونية تقليدية، ومعايير إثبات غير مهيّأة للتعامل مع جرائم واسعة، وإجراءات تحقيق محدودة، وغياب منظومة متكاملة للطب الشرعي والتحقيقات المستقلة. ويجعل هذا الواقع أي محاكمة، مهما بلغت جديتها، محاطة بسقفٍ من القيود البنيوية يصعب تجاوزه من دون إصلاحات أوسع.

وتجري المحاكمة في ظل غياب منظور شامل لمفهوم “المساءلة الموسّعة”، الذي لا يقتصر على الأفراد المنفذين، بل يشمل السلاسل القيادية، والجهات التي وفرت الغطاء، والأطراف التي سهّلت أو امتنعت عن التدخل. لم تجد هذه النقطة، التي تشكّل محور العدالة الانتقالية في تجارب دول كثيرة، مكاناً واضحاً في مقاربة الدولة الحالية، فالمحاسبة التي لا تشمل الديناميات الأوسع، مثل فوضى السلاح، هشاشة الضبط العسكري، ازدواجية الصلاحيات بين القوات النظامية والفصائل، وتراكم إرث الجهاز الأمني السابق، تبقى محاسبة جزئية مهما حاولت أن تبدو شاملة. ومن منظور حقوقي، يمثّل الاقتصار على “مرتكبي الأفعال المباشرة” خطوة ضرورية لكنها غير كافية، لأنه يترك البنى العميقة التي سمحت بارتكاب الجرائم بلا مراجعة حقيقية.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن نجاح هذه المحاكمة، إن تحقق، قد يشكّل نقطة تحوّل في علاقة المجتمع بالدولة، خصوصاً في بيئاتٍ متضرّرة، مثل الساحل. فالعدالة العلنية، عندما تقترن بإرادة سياسية واضحة، يمكن أن تخفّف من الاستقطاب، وتعيد بناء بعض الثقة المفقودة، وتؤسّس لمرحلة تعترف فيها الدولة بمسؤولياتها لا بوصفها طرفاً في النزاع، بل بوصفها حامية للحق والقانون، غير أن هذا الطموح يظل رهناً بقدرة الدولة على الانتقال من المحاكمة بوصفها حدثاً منفصلاً إلى العدالة كأجندة وطنية مستمرّة.

ولا يمكن تجاهل البعد السياسي للمحاكمة، فالدولة تحاكم ثلاثة أطراف: فلول النظام السابق، عناصر من الفصائل التي قاتلت مع الدولة، ومدنيين تحرّكوا بدافع حماية مناطقهم أو الانتقام. هذا يعطي انطباعاً عن عدالة “غير انتقائية”، لكنه يطرح أسئلة ثقيلة: هل كل الأطراف ممثلة فعلاً في قفص الاتهام؟ هل تشمل المحاكمة القيادات، أم تكتفي بالميدانيين؟ هل تخضع الفصائل لمستوى التدقيق نفسه الذي تخضع له فلول النظام؟ وهل تُفتح الملفات المؤجلة، أم فقط الملفات القابلة للإدارة سياسياً؟

ويتصل بهذه الأسئلة بعد قانوني إضافي، يتعلق بخطاب الكراهية، فجزء من الانتهاكات في الساحل حمل مضموناً طائفياً واضحاً، وفق ما وثقته اللجنة. وهذا ليس تحليلاً اجتماعياً، بل حقيقة قانونية، لأن الدافع الجُرمي من عناصر التكييف. ومع ذلك، لا يتضمّن القانون السوري نصاً نوعياً يجرّم خطاب الكراهية أو التحريض على الكراهية واسع النطاق، وهو ما يجعل المحاسبة على الدوافع الناشئة عن الانقسام الهوياتي غير مكتملة. ومع غياب نصوص تحظر التحريض الطائفي والعنف القائم على الهوية كما تقضي المعايير الدولية تبقى المحاكمة عاجزة عن معالجة أحد أبرز جذور الانتهاكات.

والطابع العلني للمحاكمة، رغم أهميته، لا يجيب عن هذه الإشكالات، فحتى الآن لم تُنشر لوائح الاتهام، ولم تُعرض الأدلة الرقمية على خبراء مستقلين، ولم تُعلن إجراءات حماية الشهود، ولم تتضح العلاقة القانونية بين النيابة العامة واللجنة الوطنية، ولا الآلية التي تحدد الملفات المحالة وتلك التي تُركت لأسباب غير معروفة.

أما الضحايا وهم محور أي مسار عدالة انتقالية فلا يزالون خارج دائرة الإنصاف. ما جرى حتى اللحظة توثيق موسع، لكنه لم يتحول إلى جبر ضرر، ولا إلى برنامج يعيد الثقة المفقودة بين المجتمع والدولة، ولا إلى مقاربة واضحة لملفات المفقودين والمقابر الجماعية. وفي غياب هذا البعد، تظل المحاكمة خطوة مهمة لكنها غير مكتملة.

وهكذا تتشكل صورة مزدوجة: المحاكمة خطوة متقدمة من حيث الشكل، لكنها محاطة بفراغ تشريعي عميق، وبحسابات سياسية، وبثغرات إجرائية، وبغياب أدوات قانونية قادرة على التعامل مع جرائم بهذا الحجم. وهذا يطرح سؤالاً نقدياً مشروعاً: هل تسعى الدولة فعلاً إلى بناء منظومة عدالة انتقالية، أم أنها تستعيض عنها بمحاكمة واحدة تُستخدم دليلاً تمثيليّاً على “الإرادة السياسية” من دون أن تتوفر لها شروط العدالة الكاملة؟

ماذا تمثل المحاكمة للدولة ولمجتمع الساحل؟

من زاوية سياسية، يمكن القول إن المحاكمة محاولة لإعادة بناء الدولة من منطلق “سيادة القانون”، وليس من منطلق توازن القوى الذي حكم السنوات السابقة. ففي الساحل تحديداً، كانت العلاقة بين المجتمع المحلي وأجهزة الأمن، قديمها وجديدها،  مشوبة بالشك والذاكرة الثقيلة.

والمحاكمة هنا ترسل رسالة مفادها: أن الاعتداء على المدنيين غير مقبول، أن قتل العسكريين بعد الأسر جريمة، أن الانتهاكات الطائفية لن تُغلق سياسياً، أن الفوضى ليست بديلاً عن الدولة، أن الدولة الجديدة تحاول، ولو بحدود، كسر إرث الإفلات من العقاب. … ولهذا أهمية سياسية بعيدة المدى، لأنه يعيد تشكيل العلاقة بين المجتمع والدولة في منطقةٍ كانت تُعتبر “حصناً للنظام”، ثم أصبحت فجأة مسرحاً لانهياره.

اختبار الدولة بين النص والقوة

ليست المحاكمة الحالية نهاية مسار، ولا يمكن اعتبارها حلاً كاملاً. إنها خطوة ضمن عملية أكبر لإعادة بناء مؤسّسات الدولة،

لكنها خطوة ذات دلالة، والقيمة الحقيقية لهذه المحاكمة لن تُقاس بعدد المتّهمين، بل بقدرة الدولة على تحويلها إلى بداية لمسار مؤسّسي متكامل. وما لم يصدر قانون جديد للعدالة الانتقالية، وتفعيل هيئة العدالة الانتقالية ومنحها الشمولية والاستقلال، وما لم تُنشأ هيئة وطنية مستقلة لحقوق الإنسان، وما لم يُطلق برنامج جبر ضرر واضح، وما لم تُضبط العلاقة بين الفصائل والدولة، ستبقى هذه المحاكمة حدثاً رمزياً لا أكثر. ومن منظور تشريعي، يصبح إدماج الاتفاقيات الدولية، مثل اتفاقية مناهضة الاختفاء القسري ونظام روما الأساسي شرطاً ضرورياً لسدّ الفجوات القانونية التي كشفتها الأحداث.

وبين خيار بناء منظومة عدالة حقيقية، وخيار الاكتفاء بإجراءات شكلية لترضية الداخل والخارج، ستتحدّد ملامح مستقبل العدالة في سورية: انتقال حقيقي من سلطة القوة إلى قوة القانون… أو إعادة إنتاج مراحل جديدة من الإفلات من العقاب، بوسائل مختلفة ووجوه جديدة.

—————————

هل تكفينا العدالة القادمة من الأعلى/ فدوى العبود

في كتابه “الجمهورية” يقول أفلاطون لكل من غلوكون وأديمنيتس “أنّ العدالة ليست فرديةّ، وإنّما هي عدالة مرتبطة بشكل مباشر مع العدالة العامّة”. وفي المجازر الكبرى تواجه العدالة صعوبات كثيرة ولا يخلو طريقها من تحديّات.

تجاوز تعبير “العدالة الانتقالية” الهيئات الحقوقيّة ومنظّمات المجتمع المدني إلى تفاصيل الحياة اليومية للسوريين على اختلاف توجهاتهم وتوجُّساتهم. إذ يحدثك بائع البُن واللّحام وسائق التكسي عن تصوره للعدالة التي لم تكن لتتحقّق لولا سقوط النظام السوري الذي جثم على قلوب السوريين لنصف قرن.

وفيما يخصُّ أولياء الدم فالتوقعات كبيرة والآمال كثيرة ومثلها المخاوف، وفي مقابلها تشعر فئة من السوريين أنها -بطريقة أوبأخرى- وقفت في صف الجاني أو صمتت عما جرى فحامت حولها الظنون. إذ ورّط النظام قسمًا كبيراً من السوريين أوغل بعضهم في الدم وشعر بعضهم الآخر بالعار رغم براءته من هذا الدم.

وهناك من يرى أن العدالة تتطلب وقتًا لفداحة المجزرة والعدد الهائل للضحايا، وثمة من لا يملكون الصبر غافلين عن النتائج الكارثية للانتقام، بينما يطالب قسم كبير الإدارة الحالية بتسريع تحقيق العدالة حتى لا تخرج الأمور عن السيطرة. والأخيرة –أي الإدارة-  ومع التركة الثقيلة والعدد الكبير للمنتهكين تعرف ولا شك حجم التحديّات التي تنتظرها.

لا شك، أن سرديّة الألم السوري عميقة، وعلى كافة الأصعدة فالسوريون على قناعة أن كلاً منهم تعرّض للظلم بطريقة ما، فالوعي المجتمعي ما يزال عالقًا عند سرديات اتهام متبادلة، بعضها محق والآخر خلقته أجهزة النظام السابق وإعلامها ودعايتها الرسميّة وغير الرسميّة.

وبعض هذه التحديات، لم ينشأ الآن، بل تجذًر على مدار أكثر من خمسة عقود تم خلالها شيطنة صورة الآخر فالسرديات التي تشكلت على مدى 54 عاما شكلت حاجزاً من سوء الفهم الذي ضخمته الإشاعات وبناء صورة غير واقعيّة عن الآخر، تداولها الشارع السوري كالنكتة. غافلاً عن أنها لم تكن سوى وسيلة لتعميق الشرخ. الذي ملأته الدماء في ال 13 عشرة سنة الأخيرة من حكم بشار الأسد. فقد لعبت حقبة والده في تخويف السوريين من بعضهم عبر تغذية سرديّات مناطقية أو طائفية أو إثنيّة، بعضها تشيطن الآخر وبعضها ينال من وجوده عبر السخرية أو التقليل. (حكايات يعرفها السوريون جيداً).

أن نقول الحقيقة على نحو أفضل، يعني أن نعترف باختلافنا، وهذا الاختلاف هو بالضبط ما ضخمه الطابور الخامس للسلطة، فجعله منطلق عداء لا نقطة ثراء، وقد ساعد جهل السوريين ببعضهم في خلق هذه الفجوة بين من يفترض أنهم شركاء وطن واحد وفي جولة صغيرة يمكنك أن تسمع سرديتين للظلم، -مع التأكيد أن لا ظلم يعادل ظلم الأسد ولا مجازره- لكن كل السوريين نالوا حصتهم من “سرديّات الألم”.

وإذا كانت التدابير القضائية والمصالحة الوطنيّة وتخليد الذكرى وغيرها من شروط العدالة الانتقالية فما ينتظر الإدارة الحالية كثير، لعل أحدها تفكيك هذه السرديات عبر المعرفة (أن يعرف السوريون بعضهم)؛ ما يعني أن أمامهم عمل كثير. فالظلم ليس ما يقع عليك بل ما توقعه بنفسك حين تظلم غيرك، وكي لا يتكرر ما حدث فمن أهم أولويات العدالة الانتقالية ترميم العلاقات الاجتماعية التي طالها شرخ أفقي على مستوى الحاضر وعامودي على مستوى الذاكرة.

إذ لم يخرب الأسد حاضر السوريين فقط بل عبث بذاكرتهم وشوّه ملامح ماضيهم ليستأثر بمستقبلهم ويمحوه. يقول بعض السوريين بضرورة النسيان، وفي هذه الحالة ربما علينا أن نتذكر بل من الضروري أن نتذكر وفي لغة رواندا “كيوكا” تعني في المحلية “التذكّر” ونحن الآن نتذكر أن كل من ظلمونا لا يختلفون عن “حسن نجيزي مهندس الإبادة الجماعية في رواندا الذي قال عند محاكمته أمام محكمة الجنايات إنه إنما كان “ولد شوارع”.

 لذلك فثمة حاجة عميقة لدى السوريين، ليرووا سردياتهم دون أن يعني ذلك التنازل عن تبيان حقيقة ما حدث، ومحاسبة المسؤولين وجبر الضرر للمكلومين لكن خصوصيّة الجرح السوري الغائر تضعه على المحك بين الإخفاق أو أن يكون نموذجًا مُلِهمًا مستمداً من خصوصيّة الواقع السوريّ.

ثمة تجارب كثيرة في مجال العدالة الانتقالية، بعضها كان نموذجًا يحتذى وبعضها الآخر لم يستطع أن يؤتي كامل وعوده والمتوقع منه.  (رواندا، جنوب افريقيا وتشيلي) وفي تجربة رواندا حول العدالة الانتقالية، ثلاث فئات “مَن شارَكوا في عمليات القتل الفردي والشروع فيه والأذى الجسدي. والثانية مَن تورّطوا باعتداءاتٍ على الآخَرين وممتلكاتهم دون النيّة أو التسبّب في القتل. أما الفئةُ الأخيرةُ فلجرائم النهب والتهريب. تدرّجَت العقوباتُ تنازليًّا” لكن رواندا استفادت من تاريخها القديم في محاسبة الفئة الثالثة أو الأقل جرمًا من خلال ما سمي

” الجاكاكا” وهو يعني “العشب القصير، فكانت فيها محاكمُ تقليديةٌ تعتمد على العرف وتستهدفُ تحقيقَ العدالة السريعة للتعافي المجتمعي. تشجعُ هذه المحاكمُ على المواجهة بالحوار بين الجاني وذوي الضحايا، وقُضاتُها من شيوخ القرية أو المجتمع إذ يفترش القضاةُ الأرضَ في الساحات العُشبية ويستمعون لذوي الضحايا وأقوال الجناة”

 إنّ تضميد الجراح الاجتماعية يحتاج إلى أن يفترش السوريون هذا العشب القصير، مع التأكيد على محاسبة الجناة وتعويض ذوي الضحايا، لكن على المستوى الاجتماعي فالطريق طويل. إذ يقع على عاتق السوريون وحدهم تحقيق عدالتهم، مع التأكيد أن ضريبة تأخر العدالة الانتقالية باهظ الثمن لكن ثمة تحديات كثيرة وأسئلة يطرحها–السوريون، منها ما يتعلق بضرورة أن يخضع الجميع للعدالة ومنها مخاوف أن تقتصر على الأضعف بين الجناة؟  ماهو النموذج الأنسب. هل سنترك للمجتمع الدولي أن يتولى ذلك؟ وهل ستكون عدالة تصالحيّة أم عقابيّة؟ هل سيكون العدل شاملاً. هل يمكننا أن نتعلم مما حدث وألا نسمح له بتدمير حياتنا وأخذنا إلى دائرة الثأر والانتقام؟

تتأرجح السردية السورية بين قميص يوسف الذي أرسله إلى يعقوب –عليهما السلام- من الجنة، وهذا هو السر أن يعقوب ارتد بصيرا من ساعته. وقميص عثمان الذي كان يعرض على رؤوس الأشهاد للتحريض على الأخذ بالثأر.

 وفي كل حال تصوّر العدالة بامرأة معصوبة العينين، لأنّها تقتضي المساواة بين الخصوم دون تمييز، أما الميزان الذي تحمله فهو إحقاق الحق وفق القانون دون أن يميل إلى كفة ما، بينما السيف هو العقوبة الرادعة والقصاص من الجاني الذي أخلّ بميزان الوجود والعقوبة هي إعادة كفتي الميزان لتكونا متساويتين. ويواجه السوريون اليوم طريقا محفوفًا بالتحديات أحدها ألا نترك جراحًا غائرة ومظلوميّات جديدة في طريقنا لتحقيق العدالة.

كاتبة سورية

إحالة: رحلة رواندا من آلام الإبادة الجماعية إلى تجربة المصالحة ولعدالة الانتقالية، عماد ناصف.

—————–

 محاكمات مخيم اليرموك بين أوروبا وسوريا.. خطوة نحو بناء منظومة العدالة الانتقالية/ فضل عبد الغني

2025.12.02

تُمثِّل المحاكمات الجارية في ألمانيا والسويد بشأن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة خلال حصار مخيم اليرموك فرصةً يمكن البناء عليها للمضي قدماً في مسار العدالة الانتقالية في سوريا. تُتيح هذه الإجراءات، التي تتناول سياسة التجويع المتعمَّد للمدنيين وأنماط العنف الممنهج المرتكبة بين عامي 2012 و2014، دروساً عمليةً لسوريا لتعزيز آليات المساءلة وإرساء سوابق قانونية راسخة.

أُنشئ مخيم اليرموك عام 1957 كمخيم للاجئين الفلسطينيين، ثم تطور ليصبح ما يُسمِّيه الفلسطينيون “عاصمة الشتات الفلسطيني”، وكان يضم ما بين 160 ألفاً و180 ألف لاجئ فلسطيني، إلى جانب مئات الآلاف من السوريين قبل اندلاع الصراع. وعندما فرضت قوات الحكومة السورية حصاراً في تموز/ يوليو 2013، قاطعةً سبل الوصول إلى الغذاء والماء والإمدادات الطبية والمساعدات الإنسانية، توفي ما لا يقل عن 194 شخصاً بين تموز/ يوليو 2013 وشباط/ فبراير 2014، منهم 128 حالة وفاة تُعزى مباشرةً إلى الجوع، وفقاً للشَّبكة السورية لحقوق الإنسان.

تُجسِّد الإجراءات الألمانية أمام محكمة كوبلنز الإقليمية العليا، المقرَّر انعقادها خلال الفترة الممتدة من 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 إلى 25 حزيران/ يونيو 2026، والمتوقَّع أن تشمل أكثر من أربعين يوماً من جلسات المحاكمة، إلى جانب المحاكمة السويدية أمام محكمة سولنا الجزئية، التي بدأت في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2024 والمتوقَّع استمرارها حتى آذار/ مارس 2026، الكيفية التي يمكن بها للولاية القضائية العالمية أن تُشكِّل جسراً بين حالة الإفلات من العقاب الراهنة وآليات المساءلة المحلية المستقبلية. ومن خلال توثيق الجرائم الممنهجة، وتحديد مسؤولية القيادة، والتحقق من صحة شهادات الضحايا، تُشكِّل هذه المحاكمات ركائز أساسية لبناء منظومة العدالة الانتقالية في سوريا.

السوابق القانونية والتطور الفقهي

تُمثِّل محاكمة كوبلنز أول ملاحقة قضائية على مستوى الولاية القضائية العالمية تُحقِّق في التجويع المتعمَّد للمدنيين السوريين كجريمة حرب، بالاستناد إلى قانون الجرائم المخالفة للقانون الدولي المعدَّل في ألمانيا، وتحديداً المادة 11(1)(5) من قانون العقوبات الألماني، التي جرَّمت التجويع في النزاعات المسلحة غير الدولية بعد تصديق ألمانيا عام 2021 على تعديل نظام روما الأساسي لعام 2019.

وانطلاقاً من هذا التطور القضائي اللافت تبرز قضية محمود أ. المتهم بالانخراط في العزل المنهجي للمدنيين الذين يعيشون في منطقة اليرموك، وبالتالي حرمانهم عمداً من الإمدادات الأساسية من غذاء وماء ورعاية طبية. إذ من الممكن أن تمثل هذه القضية إطاراً قانونياً يمكن للمحاكم السورية اعتماده عند مقاضاة جرائم حرب الحصار التي اتسم بها جزء كبير من الصراع السوري.

من جهة أخرى، فإنَّ محاكمة خمسة متهمين في ألمانيا – جهاد أ.، ومحمود أ.، وسمير س.، ووائل س. (جميعهم فلسطينيون سوريون عديمو الجنسية)، ومظهر ج. (مواطن سوري وعضو في فرع المخابرات العسكرية السورية 235)؛ إلى جانب المواطن السويدي من أصل فلسطيني سوري الذي يُحاكم في سولنا، تُرسِي أسساً قانونيةً لأشكال متعددة من الجرائم الدولية. تشمل لوائح الاتهام الألمانية

جرائم ضد الإنسانية من خلال القتل والشروع في القتل والتعذيب والحرمان من الحرية المؤدي إلى الوفاة، بالإضافة إلى جرائم حرب من خلال القتل والشروع في القتل والتعذيب. وتُوفِّر هذه التهم المتنوعة لآليات العدالة الانتقالية في سوريا نظرياتٍ قانونيةً مُجرَّبةً ومعاييرَ إثباتيةً يمكن الاستناد إليها في مقاضاة مختلف الانتهاكات المرتكبة خلال النزاع.

وإلى جانب المسؤولية الجنائية الفردية، تُحدِّد هذه الإجراءات هياكل القيادة ومسؤولية التنظيم لكلٍّ من الجهات الحكومية والميليشيات الموالية للنظام، مُعالجةً الشبكات المُعقدة للجناة التي ميَّزت نمط الانتهاكات في سوريا. يُظهِر الادعاء كيف عملت حركة فلسطين الحرة والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة كميليشيات موالية للنظام سيطرت على مخيم اليرموك نيابةً عن الحكومة السورية، متعاونةً بشكل وثيق مع فرقتي المخابرات العسكرية السورية 227 و235. ويُوفِّر هذا التصور الشامل لمسؤولية القيادة، بما في ذلك دور مظهر ج. كعضو فاعل في الفرع 235، لآليات العدالة الانتقالية السورية منهجياتٍ مُثبتةً لإسناد المسؤولية الجنائية عبر شبكاتٍ مُعقدة من الجهات الحكومية وغير الحكومية التي عملت بتنسيق وثيق لتنفيذ سياساتٍ قمعيةٍ ممنهجة.

إنَّ إدانة المحكمة الألمانية السابقة لموفق د. في 23 شباط/ فبراير 2023، وحكمها عليه بالسجن المؤبَّد المشدَّد لإطلاقه قذيفة صاروخية على حشد من المدنيين الذين كانوا ينتظرون الحصول على مساعدات إنسانية من الأونروا في 23 آذار/ مارس 2014، تُرسِي سابقةً قانونيةً مهمةً فيما يتعلق بمقاضاة مرتكبي الهجمات على العمليات الإنسانية. وإنَّ استنتاج المحكمة بأنَّ موفق د. ارتكب الجريمة “بدوافع خبيثة”، وقرارها بعدم أهليته للإفراج المشروط قبل قضاء خمسة عشر عاماً على الأقل نظراً لخطورة جرائمه الاستثنائية، يُنشئان اجتهاداً قانونياً في معايير إصدار الأحكام يمكن للمحاكم السورية الرجوع إليه عند تحديد العقوبات المناسبة لانتهاكات مماثلة.

البنية التحتية للتوثيق وآليات حفظ الأدلة.

يُشكِّل التوثيق المنهجي الناتج عن هذه المحاكمات أساساً قيِّماً للأدلة يتجاوز القضايا الفردية ليُسهم في إنشاء سجلات مرجعية لعمليات العدالة الانتقالية السورية؛ فمن خلال إجراءات قضائية دقيقة امتدت لسنوات عديدة واشتملت على شهادات شهود مكثَّفة، تُنتج المحاكم الأوروبية سجلات موثقة لجرائم كان من الممكن أن تبقى محل نزاع أو إنكار في روايات ما بعد الصراع. وتُفضي هذه المحاكمات إلى نتائج قضائية مفصلة بشأن حوادث محددة تُحوِّل الأحداث المتنازع عليها إلى حقائق قانونية راسخة، مثل القمع العنيف للاحتجاجات السلمية المناهضة للحكومة في مخيم اليرموك في 13 تموز/ يوليو 2012، حيث يُعتقد أنَّ المتهمين استهدفوا المتظاهرين المدنيين بالأسلحة النارية، مما أسفر عن مقتل ستة أشخاص على الأقل، بينهم طفل في الرابعة عشرة من عمره، وإصابة آخرين بجروح خطيرة.

يُظهر التعاون بين المحاكم الوطنية الأوروبية، ومنظمات المجتمع المدني السورية، والآلية الدولية المحايدة والمستقلة التابعة للأمم المتحدة وجود أنظمة متطورة لإدارة الأدلة يمكن لسوريا الاستفادة منها وتكييفها. فالولاية الممنوحة للآلية الدولية المحايدة والمستقلة بجمع وتوحيد وحفظ الأدلة المتعلقة بانتهاكات القانون الإنساني الدولي وانتهاكات حقوق الإنسان في سوريا منذ آذار/ مارس 2011، بالإضافة إلى صلاحياتها في إعداد ملفات تحقيقية لتيسير إجراءات جنائية عادلة ومستقلة، تُنشئ مستودعاً مركزياً يحفظ الأدلة التي قد تُفقَد أو تُتلَف لولا ذلك. وتضمن قدرة الآلية على تبادل المعلومات والأدلة مع المحاكم الوطنية والإقليمية والدولية بقاء هذه الوثائق متاحةً لعمليات العدالة الانتقالية السورية، بصرف النظر عن الظروف السياسية التي قد تؤخِّر أو تُقيِّد إطلاق جهود المساءلة المحلية الشاملة.

التنسيق والتعاون بين السلطات الألمانية والسويدية

تُوفِّر أطر التعاون الدولي الشاملة التي جرى تطويرها من خلال هذه المحاكمات لسوريا نماذج مُجرَّبة للتعاون القضائي متعدد الأطراف، وهو أمرٌ أساسي للتصدِّي للجرائم التي تتجاوز الحدود الوطنية. ولعبت منظمات المجتمع المدني السورية المشاركة في هذه القضية دوراً تنسيقاً هاماً بين السلطات الألمانية والسويدية، إذ سهَّل تنفيذ مداهمات متزامنة في 3 تموز/ يوليو 2024 أسفرت عن اعتقالات في برلين وفرانكنثال وبالقرب من بويزنبورغ في ألمانيا، إلى جانب اعتقالات منسَّقة في السويد. ويُتيح هذا التنسيق العملياتي، المدعوم بالخبرة الفنية ليوروجست وقدرات يوروبول على تبادل المعلومات الاستخباراتية، لسوريا نماذج عملية لآليات إشراك الشركاء الدوليين في تحقيقاتٍ مُعقَّدة تتطلَّب جمع أدلة عبر الحدود، وحماية الشهود، واعتقال المشتبه بهم عبر ولايات قضائية متعددة.

إنَّ مشاركة دول أوروبية عدة في دعم هذه الملاحقات القضائية تُنشئ شبكات من الخبرات يمكن لسوريا الإفادة منها في جهودها لتحقيق العدالة الانتقالية. ويُظهر التعاون المكثَّف الذي وصفته المدعية العامة أولريكا بنتليوس إيغلرود، والذي شمل مقابلات مع أفراد في السويد ودول أخرى، كيفية جمع شهادات الشهود بشكل منهجي من مجتمعات الشتات مع الحفاظ على معايير الأدلة اللازمة للملاحقة الجنائية. ويُقدِّم فريق التحقيق المشترك الألماني الفرنسي المعني بسوريا، الذي شُكِّل عام 2018 بدعم من يوروجست، نماذج إضافية للتعاون الثنائي يمكن لسوريا محاكاتها مع الدول الشريكة الراغبة في ذلك، والتي تستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين السوريين الذين قد يكونون شهوداً أو يمتلكون وثائق ذات صلة.

تُظهِر هذه المحاكمات كيف يمكن للولاية القضائية العالمية أن تُكمِّل آليات المساءلة المحلية بدلاً من أن تُحِلَّ محلها، مُحافظةً على خيارات الملاحقات القضائية السورية مع إرساء الأسس اللازمة لها في آن واحد. إنَّ التطبيق الواسع للولاية القضائية العالمية في ألمانيا بموجب قانون الإجراءات الجنائية الشعبية، الذي يسمح بمقاضاة جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم العدوان من دون اشتراط أي صلة إقليمية أو شخصية بألمانيا، يُنشئ سوابق قانونية تُبرِّر حق سوريا في مقاضاة هذه الجرائم محلياً. أما نهج السويد، الذي يشترط وجود المشتبه به في السويد أو حمله الجنسية السويدية في أثناء إجراء تحقيقات هيكلية لحفظ الأدلة، فيُظهر كيف يمكن للدول الموازنة بين اعتبارات السيادة وضرورات المساءلة، مُوفِّرةً لسوريا نماذج لإشراك الشركاء الدوليين مع الحفاظ على السلطة السيادية الكاملة على عملية العدالة الانتقالية.ويتجاوز بناء القدرات من خلال هذه المحاكمات الخبرة القانونية ليشمل الكفاءات التقنية الأساسية اللازمة للملاحقات القضائية المعقَّدة. فقد طوَّر المحققون الألمان والسويديون قدرات متخصصة في تفسير الهياكل العسكرية والاستخباراتية السورية، وفهم العلاقات العملياتية بين فروع أمن الدولة والميليشيات التابعة لها، وتجاوز التعقيدات اللغوية والثقافية في شهادات الشهود. وتُسهم مشاركة المحامين السوريين ومنظمات المجتمع المدني السورية في هذه القضايا في إنشاء كوادر من السوريين المدرَّبين قانونياً وذوي خبرة مباشرة في إجراءات القانون الجنائي الدولي، يمكنهم في المستقبل قيادة الملاحقات القضائية المحلية.

خاتمة

تُمثِّل محاكمات مخيم اليرموك في ألمانيا والسويد مساهماتٍ محورية في بنية العدالة الانتقالية المستقبلية في سوريا، تتجاوز بكثير حدود المساءلة الفردية عن جرائم محددة. إنَّ بناء القدرات من خلال هذه المحاكمات، ولا سيما تطوير الخبرة القانونية السورية عبر المشاركة المباشرة في إجراءات جنائية دولية معقَّدة، وتعزيز قدرات المجتمع المدني على التوثيق من خلال التوثيق القضائي للأدلة، يضمن الحفاظ على المعارف والمهارات الأساسية وتطويرها.

ومع تقدم هذه المحاكمات نحو نتائجها المتوقَّعة في عام 2026، يُسهم كل ابتكار إجرائي، وكل تحديد دقيق للأدلة، وكل نتيجة قانونية تصدر عنها في توسيع نطاق الموارد التي يمكن لسوريا تكييفها مع احتياجاتها الخاصة في مجال العدالة الانتقالية. والرسالة التي تُنقَل من خلال هذه الإجراءات – وهي أنَّ التجويع المنهجي للمدنيين، والتعذيب، والقتل الجماعي جرائم ستُلاحَق قضائياً بغضِّ النظر عن هوية الجاني أو حمايته السياسية – تُحدث آثاراً ردعيةً تُؤثِّر في الجهات الفاعلة الراهنة، وتمنح في الوقت ذاته الضحايا أملاً بأنَّ العدالة لا تزال ممكنة وإن تأخرت.

إنَّ الطبيعة الشاملة لهذه الملاحقات القضائية، التي تتناول الجرائم التي ارتكبتها كلٌّ من الجهات الحكومية والميليشيات التابعة لها، مع توثيق هياكل القيادة والسياسات المنهجية، تُوفِّر لسوريا مناهج مُجرَّبة لمعالجة تعقيد الانتهاكات المرتكبة على الأراضي السورية خلال النزاع المسلح، بما يضمن أنَّ جهود العدالة الانتقالية المستقبلية يمكن أن تُحقِّق مستوى الشمولية الضروري من أجل سلامٍ ومصالحةٍ مستدامين.

تلفزيون سوريا

—————————–

وثائق إعدام فلسطينيي سوريا .. من يملك ذاكرة موتنا؟/ حاتم علي

الثلاثاء 2 ديسمبر 2025

استيقظت عائلات فلسطينية سورية على صدمة نشر وثائق يُقال إنها تتعلق بأحكام إعدام صادرة بحق أبنائها المعتقلين في سجن صيدنايا، وذلك عبر “مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا”.

بعدما نشرت في 28 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي منشوراً “ترويجياً” تعلن فيها “إطلاق” سلسلة من الوثائق التي حصلت عليها من منصة أرشيف الثورة السورية، وهي منصة يديرها مؤثرون في وسائل التواصل الاجتماعي، وقالت إنها حصلت على 275 وثيقة وستنشر منها كل يوم ثلاث وثائق فقط، ما يعني أنّ الآلاف من ذوي المفقودين سيتسمرون لثلاثة أشهر في صفحة فيسبوك بانتظار خبر عن أحبائهم، قد لا يأتي بالضرورة، ولا يوجد ما يضمن صحته في حال أتى.

الانتظار على طابور الوثائق

فُرض على العائلات أن تتابع، يوماً بعد يوم، نشر دفعات من الوثائق كما لو أنها نشرات إدارية لا تخصّ حياة أبنائهم، بل قوائم بلا مبالاة “ننشر اليوم الوثائق من الرقم كذا إلى الرقم كذا”، تُظهر جميع معلوماتهم الشخصية والتّهم المُكالة إليهم، وطريقة تنفيذ أحكام الإعدام، من دون أي تواصل مسبق أو مراعاة لمشاعر الأسر التي ما زالت تعيش الانتظار منذ سنوات طويلة، ومن دون المرور عبر هيئة المفقودين التي يفترض أنها الجهة المخوّلة رسمياً بإدارة هذا الملف الحساس.

وتوجّهت انتقادات إلى ناشطين ومؤثرين مقربين من السلطة، يمتلكون وصولاً إلى أرشيف يتضمن وثائق عن ضحايا سجون النظام، ينشرونها على صفحاتهم الشخصية مع وضع شعاراتهم الخاصة عليها، وهو ما يطرح أسئلة جدّية حول احترام كرامة الضحايا، وتحويل الوثيقة إلى أداة تأثير رقمي لا تراعي حساسية الملف ولا وزن الذاكرة المرتبطة به.

هذه الانتقادات، لم تُقابل باعتذار عن الخطأ أو محاولة إصلاحه، وإنما بمجموعة من التهديدات المباشرة لمن ينتقد، ولمن يعلق على منشور الانتقاد.

وثيقة إعدام باسم أبوي

وتكشف تعليقات ذوي المعتقلين عمق الصدمة التي تصنعها هذه الممارسات “عرفت خبر اعتقال بابا عالفيسبوك، وبتمنى ما أعرف ولا خبر عنه بالصدفة عالفيسبوك”، و”للي بعرفه إنه ما بدي صادف عالفيسبوك بوجهي وثيقة حكم إعدام باسم أبوي”.

هنا تنهار كل أدبيات وبروتوكولات إبلاغ ذوي الضحايا بوفاة أبنائهم، ويتم اختصارها بإشعار في فيسبوك أو منشورات تفرض على الأهالي البحث بلهفة وحرقة، ثم الانتظار من جديد.

وهو انتهاك مزدوج؛ لم يُمنحوا الحق في المعرفة بطريقة مسؤولة، واستُنزفوا عاطفياً في دورة متكررة من الترقب وعدم اليقين، يُضاف إلى الجريمة الأساسية التي ارتكبها النظام الأسدي “الإخفاء القسري”.

ماذا يفعل القانون أمام المؤثر؟

لاحقاً لما سبق نشرت الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا بياناً تحذر فيه من انتشار وثائق ومعلومات “غير رسمية وغير دقيقة وغير صحيحة” تتعلق بالمفقودين، واعتبرته “استغلالاً مؤلماً لمعاناة ذوي المفقودين” نتيجة رصدها محاولات احتيال تطلب بدلاً مالياً مقابل معلومات زائفة عن المختفين، وكأنّ الاتجار بجروح السوريين وآمال ذوي المفقودين لم ينتهِ بهروب الأسد؛ سوق بشكل جديد ومضمون قديم.

وأكدت الهيئة أنها ستنسق مع وزارتي الداخلية والعدل لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتورطين. كما أعلنت أنّها ستطلق منصة إلكترونية رسمية للتحقق من صحة أي وثيقة تخص المفقودين، بما يضمن حماية العائلات ومنع استغلالها وابتزازها.

لكنّ الرد المتأخر لهيئة المفقودين وعدم اتخاذ إجراء حقيقي حتى اللحظة، يطرح أسئلة كثيرة حول الصلاحيات المتاحة لها وفاعلية أدواتها في مواجهة منصات ومؤثرين تستقطب مئات الآلاف بخطاب رغبوي شعبوي، يهتم بالنشر السريع على حساب تحري الدقة بما يتناسب مع حساسية القضايا.

الناشط ليس مؤسسة حقوقية

جانب آخر من الإشكال يتعلّق بطريقة استخدام الناشطين أنفسهم لهذه الوثائق. فالوصول الكبير الذي يحقّقه أي منشور مرتبط بالمفقودين -بحكم حساسية الملف وشحنة الألم التي يحمله- يغري البعض بتوظيف الوثائق في سياقات لا تخدم القضية بالضرورة. وربما تُستخدم أحياناً لتمرير رسائل سياسية، أو لتصفية حسابات شخصية، أو لبناء حضور رقمي سريع، كل ذلك بافتراض حسن النية.

فالناشط، ليس جهة قضائية أو مؤسسة حقوقية تملك معايير واضحة للتوثيق وحماية الخصوصية وضمان سلامة المعلومات. يخطئ ويصيب، ينشر بدافع الحماسة أو الاستنفار، وقد لا يدرك أنه يتحوّل، بقصد أو بدون قصد، إلى طرف يتدخل في سردية تتجاوز حدود دوره. وتصبح “وثيقة الإعدام” معرضة للابتذال، خصوصاً إذا انتشرت على نطاق واسع ثم ثبت أنها غير دقيقة، ويجعلها عرضة للاستخدام في سياقات لا تليق بوزنها الإنساني، ويخلق تشويشاً على العمل الحقوقي المنهجي، ويضاعف المسافة بين الضحايا والعدالة.

وقد رأينا بالصوت والصورة إعلامياً يدخل إلى مسرح جريمة مكتملة الأركان؛ مجزرة التضامن، برفقة قوى الأمن وأحد المتهمين، يلتقط جزءاً من رفات بشرية يرفعها في وجه القاتل، ويسأله عن شعوره، هنا لا يبدو الاهتمام مركزاً حول ما حدث، كيف ومتى وماذا ومن المسؤول، كلها ذابت في خلفية مشهدٍ يجري فيه تحويل مستندات الجريمة وأدواتها إلى عنصر درامي، والصحافي إلى مخرجٍ لمشهد المواجهة بين القاتل وضحيته.

لأدوات الجريمة.. ملكية فكرية!

وثائق رسمية كثيرة شديدة الحساسية تم تسريبها، يُوضع عليها لوغو المنصة، مثل الأخيرة حملت لوغو “أرشيف الثورة السورية” و”مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا” كما لو كانت ملكية فكرية أو إنجازاً حصرياً، كل ذلك أمام أعين السلطة، وبأيدي الإعلام غير الرسمي الموالي لها، ولعلّ آخرها، كان عرضاً لأداة جريمة حقيقية من سجن صيدنايا في صندوق من الخشب بواجهة زجاجية، يكون مغطّى في البداية، وبعد انتهاء الخطاب الحماسي يُرفع الغطاء عن الصندوق ويُعرض على الملأ، وللمفاجأة فقد كتب بوضوح اسم المجلة “غير الرسمية” التي حصلت على أداة مأخوذة من مسرح الجريمة وتذيل “حبل إعدام أصلي”، ما يطرح سؤالاً مؤلماً حول إمكانية تحوّل ما كان يقضّ مضاجع السوريين إلى مادة دعائية أو علامة حصرية تُكتب في سجل إنجازات منصة أو مؤثر.

سوق الذاكرة

هذا المشهد على بشاعته ليس بعيداً من السياق، فبعد سقوط أي نظام سلطوي، يتوقع الناس أن ينفتح المجال أمام الحقيقة والعدالة وكشف مصير المفقودين ضمن إطار قانوني، لكن ما يحدث في حالات متعددة، ومنها سوريا، هو ظهور فراغ في إدارة الذاكرة؛ فالجهة التي كانت تحتكر المعلومات والسرديات اختفت، بينما السلطة الجديدة التي أصبحت تملك جميع الوثائق والبيانات والمستندات ليست مؤهلة بعد أو ربما غير مهتمة في حماية التوثيق.

هنا يولد سوق الذاكرة ما بعد الديكتاتورية، إذ تتحول فيها المعرفة المرتبطة بالماضي (القتل، الاختفاء، الإعدام، السجون) إلى مادة قابلة للتداول خارج المؤسسات القانونية والرسمية، ويصبح الوصول إلى الوثائق، أو القدرة على نشرها، أو ادّعاء امتلاك “الحقيقة” مصدر قوة ورأسمال رمزي، لصحافي أو مؤثر أو منظمة أو منصة إعلامية.

هذا السوق يعتبر الموت بأدواته ووثائقه مادة للتداول والنشر في ظل فضاء رقمي مفتوح، فقد وجد أبناء الساحل والسويداء أنفسهم أمام قسوة مشابهة، حين جرى إبلاغهم بخبر مقتل ذويهم عبر مقاطع تُظهر التعذيب والقتل والتنكيل، وفي جميع الأحوال يُسلب حق العائلات في تلقي المعلومات عبر قنوات رسمية، وبطريقة تحميهم من الصدمة وإعادة الإيذاء النفسي.

من المستفيد؟

بعد كل ذلك لا تظهر أي نتائج ملموسة على صعيد كشف مصير المفقودين أو دعم العائلات، ولا يتشكل مسار قانوني واضح يسلك طريق جبر الضرر معنوياً ومادياً ووطنياً. كل ما يحدث أنّ المنصّات التي نشرت الوثائق أو عرضت الأدوات الجنائية تعود لاحقاً لتنشر مخططات تثبت زيادة كبيرة في عدد المشاهدات، وتعتبر ذلك مؤشراً على ثقة الجمهور، وتشكر المتابعين، في مشهد يختصر التحوّل العميق من صحافة إلى محتوى، ومن ألم إلى رقم.

وهنا كذلك، تلقي السلطة عن ظهرها مسؤولية استخدام الوثائق بطريقة خاطئة، فـ “الناشط” هو من نشر تلك المعلومات، أما كيف وصل إليها؟ فيمكن التهرب منه ببساطة “الفوضى.. بلد مدمر بعد الحرب.. تحدث أخطاء”، وأنها لا تستطيع بعد الإمساك بجميع مفاصل البلاد، لكنها في الوقت نفسه ترفض أي مشاركة حقيقية في إدارة الدولة، ونرى بشكل يومي أنها مهتمة بتفاصيل أخرى قد تبدو غريبة، مثل التفتيش في حقائب السوريين العائدين إلى سوريا لمنع دخول أي أداة موسيقية والتدخل في الحياة الخاصة للمواطنين، والتفتيش تحت الملابس الداخلية لسائح برتغالي بحثاً عن وشم يدل على أنه موالٍ للأسد.

وما دامت الصورة التي يرسمها الناشط/ الإعلامي/ المنصة تخدم سردية السلطة فلا مشكلة لدى الأخيرة، وكأنها تستغل بشكل غير مباشر الرصيد الإجرامي للنظام الأسدي، وتحوله إلى رصيدها في النصر والتحرير، بمعنى آخر فهي تعيد التذكير من خلال الوثائق والمستندات برداءة السابق، بما يوحي بأنّ الحالي أفضل، من دون أن يفعل الأخير شيئاً أفضل بالضرورة، ويهرب من تقييم أدائه وقراراته وسياساته إلى الاستثمار في شناعة من سبقه.

فكل وثيقة إعدام بحق معتقل سابق هي تذكير بنصرها “ما بكفي حررناكم!”، فهي “المخلّص” الوحيد من أوامر الإعدام وحبال المشانق، دون اهتمام كافٍ بشفاء الجرح السوري أو التعامل معه بأدنى درجات العقامة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

رصيف 22

———————————–

=======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى