تطور الاقتصاد السوري تحديث 02 كانون الأول 2025

لمتابعة الملف اتبع الرابط التالي:
———————————-
تحديث 02 كانون الأول 2025
———————————–
سوريا: اقتصاد الشاشات وزيف الواقع/ يامن صابور
ليست العقوبات ولا تركة الحرب والفساد وحدها ما يخنق الاقتصاد السوري، بل هناك معطيات أخرى باتت تحوّل هذا الاقتصاد إلى مهرجانات إعلامية ومبادرات فردية. الاقتصاد السوري اليوم يزدهر في الفضاءات الافتراضية ويكاد ينعدم تقريبًا على أرض الواقع.
لا اقتصاد اليوم في سوريا. لقد انتقلت البلاد من اقتصاد الحرب القائم على منظومة متشابكة وهائلة من الفساد والمحاصصة والزبائنية إلى اقتصادٍ عشوائي قائم على سدّ الثغرات واستجداء الاستثمارات ومبادرات فردية وأشكال أخرى من المحاصصة وتقاسم النفوذ. كلا النموذجين فاشل، وكلاهما لا يمثلان اقتصادًا بالمعنى المستدام القادر على إقامة شبكات أمان اجتماعي وتحقيق تنمية مجتمعية ومادية ونمو متراكم.
ليس الانهيار الاقتصادي في سوريا، الذي يحتاج إصلاحه لمعجزات، مثار جدلٍ بالطبع. بعد نحو 14 عامًا من النزاع، تتفق تقارير معظم المنظمات الدولية ومراكز البحث المختصة على كارثية المشهد. تُقدّر الخسائر التراكمية في الناتج الإجمالي المحلي بنحو 800 مليار دولار أميركي، فيما يقبع نحو 90% من السكان تحت خط الفقر ويحتاج 75% منهم إلى نوع من المساعدة الإنسانية. كما تعرضت 50% من البنى التحتية للدمار، وهناك أكثر من 300,000 وحدة سكنية مدمرة بالكامل.
والبيانات لا تقف هنا، إذ فيها أيضًا ما يعرض دمار المستشفيات والمدارس وتهالك شبكات الطاقة وانفلات التضخم وضعف القوة الشرائية وخلاف ذلك. غير أننا لسنا بحاجة لأرقام البنك الدولي أو غيره من منظمات الأمم المتحدة أو المؤسسات الإنسانية لندرك المأساة. تكفينا نظرة فاحصة للشارع السوري أو حديث عابر مع أي سوري لنرى الفقر مجسدًا، ولنسمع عن المعاناة اليومية لتوفير لقمة العيش في أرض اليباب هذه التي تدعى سوريا.
ومع تسجيل عام 2025 “إخفاقات” متتالية في المجال السياسي، تمثلّت بمجازر هوياتية، ونكوصٍ للديموقراطية، وسيطرة للميليشيات على المؤسسات العسكرية والأمنية، وحصرٍ للسلطات في يد الرئيس المؤقت ومركزة للقرار ضمن حلقته الشخصية الضيقة، تجد السلطة في سوريا اليوم أن مخرجها يتمثّل في الاقتصاد. وحده تحقيق نجاح ما في المجال الاقتصادي قد يمكّنها من المحافظة على شيء من القبول، حتى داخل مجتمعاتها الموالية.
لكنّ العامل المشترك الذي يطبع معظم سياسات السلطة وتصرفاتها يتمثّل بالتركيز على الشكل أكثر من المضمون، وعلى الإعلام المخدّر أكثر من العمل المجدي. وكما بدأت حُكمها محمولةً على رافعة حملة علاقات عامة واسعة ومكثفة، تستمر السلطة اليوم في تسيير شؤون الدولة والمجتمع بالذهنية نفسها.
فوضى التفاؤل
بغطاء إعلامي تؤمنه مؤسسات محلية وإقليمية وجيوش إلكترونية على منصات التواصل الاجتماعي، يجري إغراق الفضاء العام بالفعاليات والتصريحات والإعلانات التي تجمعها عناصر الإبهار البصري والنفسي، ولكن من دون إنجازات مرافقة على الأرض تساوي ربع هذا الإبهار حتى. وهنا يكمن أحد أبرز وجوه الأزمة الاقتصادية في سوريا.
بعد فرار بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 واستيلاء “هيئة تحرير الشام” على السلطة في دمشق، تكرر ظهور بعض المسؤولين في الحكومة الجديدة على مختلف وسائل الإعلام خلال الأشهر الثلاثة الأولى للإدلاء بتصريحات ووعود حول الأوضاع الاقتصادية والمالية والخدمية على نحو خاص.
كان الحديث دومًا يدور حول شؤون تخص حياة السوريين اليومية بالفعل، قبل أن ينتقل مستوى التصريحات مع تولي الحكومة الجديدة الدفة ليتجاوز معيشة السوريين ويتناول الاستثمارات والمشاريع الضخمة. فخلال الفترة الأولى، برزت مثلًا تصريحات حكومية مبكرة حول زيادة قريبة للرواتب في القطاع العام بنسبة 400% تموّلها الخزانة العامة، وزيادة ساعات التغذية الكهربائية خلال فترة قصيرة عبر صيانة محطات التوليد وزيادة ضخ الفيول والغاز إليها، فضلًا عن استقبال سفينتي توليد للكهرباء قادمتين من قطر وتركيا.
انتظر السوريون زيادة الرواتب بنسبة 400%، فمرت الأشهر ولم تحصل. ومع نهاية حزيران/يونيو 2025، صدر مرسومان رئاسيان أقرا زيادة الرواتب والمعاشات التقاعدية بنسبة 200%. وبحسب وزير المالية، محمد يسر برنية، كانت تلك المرحلة الأولى التي ستليها مراحل زيادة نوعية تستهدف قطاعات بعينها كالقضاء والتعليم، ومرحلة ثالثة تتضمن إصلاح قانون الخدمة المدنية ووضع هيكلية مرنة للرواتب تراعي خصوصية كل وزارة.
وعلى الدرب ذاته تسير قضية الكهرباء. إذ لم تصل أي سفينة توليد كهرباء إلى الشواطئ السورية، علمًا أن واقع محطات التوليد وخطوط النقل وكميات الغاز بلغ حدًا من التدهور لا يمكن تحسينه بالتصريحات الصحفية ومنشورات “السوشال ميديا” فحسب. وبهدف تحسين الإمدادات، أعلنت وزارة الطاقة في شهر تموز/يوليو توقيع مذكرة تفاهم مع أذربيجان تقضي بتزويد سوريا بـ 3.4 مليون متر مكعب من الغاز يوميًا، عبر تركيا، ما سيساهم في رفع التغذية الكهربائية في البلاد بمعدل خمس ساعات إضافية. أيضًا انتظر السوريون تحسن التغذية الكهربائية، لكنّ أضواء منازلهم استمرت بالتذبذب والانطفاء لساعات طويلة من دون أي تغيير ملموس.
لم يفهم الوزراء – أو من يُطلب منهم الإدلاء بتصريحات مطمئنة – ضرورة تجنّب الخطاب العاطفي والحماسي والحرص عند قطع الوعود، بعد ما شهدته البلاد من تجارب خائبة. برغم المؤشرات الاقتصادية السلبية ونقص السيولة في الأسواق، فضلًا عن انتشار أخبار المبادرة السعودية القطرية الهادفة، بالشراكة مع “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي”، إلى تمويل جزء من رواتب القطاع العام في سوريا، يُصر وزير المالية، محمد يسر برنية، في جميع تصريحاته ــــ بما فيها خطبة عاطفية ألقاها في جامع الإيمان بعد صلاة الجمعة تعهّد فيها بتقليد الخليفة عمر عبد العزيز الذي قضى على الفقر بسنتين وأربعة أشهر ــــ على أننا قادرون على بناء بلدنا بأنفسنا وبمواردنا، وأننا لا نحتاج لأحد ولا لأي مساعدة. دليل برنية في هذا الأمر، بحسب مقابلة له مع قناة “TRT عربي”، أن الدولة استطاعت تمويل الزيادات الأخيرة على الرواتب “من دون أن نحصل على مساعدات من الخارج، ومن دون أن نستدين من الخارج، (بل) بجهود ذاتية”، من أموال الخزينة العامة التي يتحسّن وضعها المالي باستمرار ــــ بحسب برنية الذي لم يدعم قوله بأي بيانات أو كشوفات مالية.
ويمكن ببعض المتابعة ملاحظة كيف تسبق التصريحات الإيجابية إجراء أي مسوحات أو دراسات أو مراحل تنفيذ مبدئي وتجريب. فبعدما اضطرت وزارة الطاقة للاعتراف بأن تحسين واقع الكهرباء بشكل مستدام يتطلب الكثير من الوقت والجهد بسبب حالة منظومة التوليد والنقل والتوزيع، إضافةً إلى الضياعات والتجاوزات على الشبكة، ظهرت تسريبات تشير إلى عدم مطابقة الغاز المُستجَر من أذربيجان للمواصفات الفنية للمحطات السورية. ومع غياب الرد الرسمي الحاسم، واللجوء لتطمينات غير مباشرة عن طريق مستشارين حكوميين أو صحفيين، يبقى السوري في الظلام، فعليًا ومعنويًا.
وربما ما من أحدٍ يمثل تيار الإيجابيات المطلقة بقدر وزير الاتصالات، عبد السلام هيكل. يجسر هيكل في جميع تصريحاته الصحفية الهوّة بين تحسين واقع السوريين التواصلي والتقاني على مستوى الحياة اليومية من جهة، وتطوير البنى التحتية للاتصالات كي تصل إلى درجة انفتاحها على استثمارات ذات عائد وربحية من جهة أخرى.
عقدة الاتصالات
لا شك أن قطاع الاتصالات يمثّل أحد القطاعات الاقتصادية الأكثر توليدًا للعائدات، خصوصًا في بلد على شاكلة سوريا التي عاشت سني الحرب في شبه انقطاع عن العالم، فضلًا عن توقف الاستثمار والتطوير في البنى التحتية التي تعرضت أصلًا للتخريب والسرقة والاهتلاك. بالتالي، فإن أي استثمار في القطاع قد يعود غالبًا بهوامش ربح لا بأس بها، وذلك مع أخذ ضعف القوة الشرائية للسوريين عمومًا بالاعتبار.
يدعم هذا التوقع حقيقة أن الاتصالات بأنواعها صارت جزءًا لا يتجزأ من عالم الأعمال والمهن، بالإضافة لبعض خصوصيات الحالة السورية مثل الحاجة لتفعيل تقنيات الدفع الإلكتروني والمعاملات الإلكترونية بسبب أزمات النقد والنقل، وتوسّع قاعدة المحترفين السوريين الذين يعملون عن بعد، وضرورة تأمين قاعدة اتصالات جيدة وموثوقة تدعم تشغيل الاستثمارات المأمولة.
لكنّ هيكل يذهب أبعد من هذا في تصريحاته الإعلامية، ليقول إن سوريا ستصبح مركز اتصالات متقدم في الإقليم يربط الغرب بالشرق ويستضيف مراكز بيانات لكبرى الشركات العالمية. ولهذا، طرحت الوزارة مشروع “برق نت”، وهو شبكة اتصال ألياف ضوئية إلى المباني (Fibre to the Premises)، لبناء وتشغيل وصيانة شبكة إنترنت عالية السرعة (broadband) لتطوير بنية الاتصالات المحلية. أما هدف الوزير الثاني، فقد خصص له مشروع “وصلة الحرير Silk Link” الذي “يحول سوريا والأردن والسعودية ممرًا للكابلات، بحيث تكون سوريا هي المدخل من أوروبا، والخليج هو المخرج إلى آسيا” بحسب “المجلة”، التي أتى عنوان مقابلتها مع هيكل ليعبر تمامًا عن سياسته: “هل تنتقل سوريا من “ثلاجة العزلة” إلى “عقدة اتصالات” عالمية؟”.
يراهن هيكل لتحقيق مشروعه الطموح على أمرين: موقع سوريا الجغرافي وخنقة ممر قناة السويس ــــ البحر الأحمر. لا شك أن موقع سوريا الوسيط يعد مثاليًا في ربطه بين البحر المتوسط ودول الخليج العربي والعمق الآسيوي. لكن قد لا يكون هذا العامل وحده كافيًا، خصوصًا بوجود بدائل تربط أوروبا وأفريقيا وآسيا، من أبرزها ممر قناة السويس والبحر الأحمر. ولكن على هذا البديل بالذات يقوم رهان هيكل.
في 7 أيلول/سبتمبر الماضي، تعرضت كابلات ضوئية عدة في البحر الأحمر قرب جدة، المملكة السعودية، للانقطاع. تسبب انقطاع الكابلات هذا ببطء في حركة البيانات بين أوروبا وآسيا، فيما أعلنت خدمة “مايكروسوفت” السحابية Azure زيادة في زمن الوصول (increased latency) في الشرق الأوسط وشبه الجزيرة الهندية خصوصًا. كان هذا الحادث الثاني خلال بضعة أشهر (وقع الانقطاع الأول في آذار/مارس 2025). ومع نموّ المخاوف من حوادث مشابهة، عادت خنقة هذا الممر لتتصدر الاهتمام الدولي.
تزدحم هذه المنطقة بالكابلات الضوئية، ومن أهمها كابل (SEA-ME-WE 4) الذي يربط سنغافورة بفرنسا بطول 18,800 كلم، وكابل (IMEWE) الذي يربط الهند بالشرق الأوسط وغرب أوروبا، وكابل (AAE-1) الذي يمتد بين فرنسا وهونغ كونغ ويربط نقاطًا محورية عدة في أفريقيا وآسيا وأوروبا، فضلًا عن كابلات أخرى تمتد جميعها على قاع البحر الأحمر وتعبر باتجاه المتوسط بجانب قناة السويس ويمر عبرها بحسب تقديرات بعض المصادر 90% من مجمل حركة البيانات بين أوروبا وآسيا.
اجتماع هذا العدد الكبير من الكابلات الحيوية جعل موقع Wired يسمي المنطقة “المكان الأكثر هشاشة على سطح الإنترنت”. فبالإضافة إلى كونها أحد أكثر الممرات المائية نشاطًا في العالم، ما يزيد من مخاطر تضرر الكابلات عن طريق السفن العابرة، فإن التوترات السياسية، خصوصًا تهديدات “الحوثيين” المتكررة عند مضيق باب المندب واحتمالات النشاط الزلزالي، ترفع جميعها من درجة المخاطر في هذا الممر.
يدفع هذا الواقع العديد من الدول وكبرى شركات التكنولوجيا والاتصالات إلى البحث عن خيارات أفضل، وهنا يريد هيكل أن يطرح سوريا في سوق البدائل عبر مشروع “سيلك لينك”.
تمر البيانات عبر نوعين من كابلات الألياف الضوئية، البحرية (submarine) والأرضية (terrestrial). تشكل الكابلات البحرية العمود الفقري للإنترنت، وتمر عبرها أكثر من 95% من حركة البيانات العالمية ــــ لا المحلية أو الإقليمية فحسب. وبالإضافة إلى ربطها القارات عبر المحيطات، فهي تعد الخيار الأفضل لتفادي إشكالات عبور حدود الدول (ما عدا تلك التي لا تملك منفذًا بحريًا) ولتقصير المسافات عبر تفادي التضاريس البرية.
تتصل الكابلات الأرضية بالبحرية عبر محطات إنزال شاطئية (cable landing stations)، فتزوّد شبكات الدول المحلية بالإنترنت، وقد تمتد في بعض الحالات إلى الدول المجاورة، وهو ما سيكون عليه “سيلك لينك” بحسب وصف وزارة الاتصالات. إذ يمتد المشروع “على مسافة تقديرية تبلغ 4,500 كيلومتر من الألياف الضوئية تشمل الربط الكامل بين المدن الرئيسية… مع مراكز تحويل في تدمر وفي المنطقتين الجنوبية والشرقية بالإضافة إلى نقطة وصول الكابلات البحرية في طرطوس. ويتضمن المشروع تفعيل نقاط اتصال إقليمية مع الدول المجاورة، العراق والأردن ولبنان وتركيا، بالإضافة إلى توفير مسار بري جديد يربط أوروبا بآسيا”.
العالم بالطبع لا ينتظر الحل السوري، بل يطوّر بدوره مسارات أخرى. أحد أكبر هذه المسارات وأكثرها طموحًا هو مشروع “الربط القطبي Polar Connect”. برغم بعض الصعوبات المناخية والاستراتيجية، تطمح هذه المبادرة الإسكندنافية إلى إنشاء خط كابلات ضوئية بحرية عالية الاستطاعة لربط شمال أميركا بشمال أوروبا وشرق آسيا عبر الدائرة القطبية. تستكشف المبادرة، عبر “رؤية 2030” التي تطورها، حلّين: الأول، مسار مباشر يمر عبر جليد القطب الشمالي والثاني، مسار يعبر الممر الواقع بين كندا وغرينلاند.
يمثل “طريق الحرير الرقمي Digital Silk Road” خيارًا ثانيًا. يعد هذا المشروع جزءًا من “مبادرة الحزام والطريق” الصينية، وتشكل الكابلات الضوئية الممتدة عبر الجسر البري الأوراسي أحد أعمدته الأساسية. وعلى العكس من الخيار السابق الذي ما يزال في طور الدراسة والتخطيط، فإن هذا المشروع قائم ويعمل بالفعل، ولو أنه غير منتهٍ بسبب طبيعته المعتمدة على التطور المستمر وعلى إضافة مسارات ومراكز بيانات جديدة كلما سنحت الفرصة.
ولا يتشكل هذا الخيار من مسار كابلات واحد، بل من مشاريع متكاملة ومتفرعة عدة. تربط كابلات طريق الحرير هذا بين أوروبا وآسيا، من ألمانيا مرورًا بالقوقاز وصولًا إلى الصين ومناطق جنوب شرق آسيا، مع فروع تمتد إلى شبه الجزيرة الهندية. وهناك كابلات أخرى مخططة في أوروبا ستصل اليونان وإيطاليا بتركيا ثم تتابع طريقها لتصل أيضًا هونغ كونغ وشنغهاي.
مقارنة ممر البحر الأحمر ــــ قناة السويس وطريق الحرير الرقمي مع الممر السوري المفترض من حيث المسافة والكمون (latency) قد تعطي بعض الأفضلية لسوريا. لكنّ الأمر يعتمد على جملة من الافتراضات. فلو افترضنا أن الكابلات ستنطلق مباشرة من الساحل السوري لتعبر البادية باتجاه أقرب نقطة على الحدود العراقية، فإن المسافة ستكون نحو 500 كلم فقط بالمقارنة مع نحو 2,500 كلم لممر السويس ــــ البحر الأحمر، وما بين 4,000 و5,000 كلم للجزء من الجسر البري الأوراسي الذي يربط بين القارتين. في حالة كهذه، سيبدو الممر السوري أفضل بالكمون، حيث تزيد كل 1,000 كيلومتر من زمن الاستجابة ذهابًا وإيابًا (RTT) بمقدار 5 ميلي ثانية. وهو بالتالي أفضل أيضًا بتقصير المسافات وبالتالي بالتكلفة الإجمالية.
ولكن موضوع كابلات الإنترنت ليس بهذه المباشرة والبساطة، خصوصًا في بلد خارج من حرب مدمرة مثل سوريا، ومنطقة معقدة جيوسياسيًا مثل الشرق الأوسط. تعاني سوريا اليوم من تهالك بناها التحتية عمومًا وبنية الاتصالات خصوصًا، وهي بالتالي بحاجة إلى تطوير مكثّف لهذه البنية أولًا قبل إقامة أي وصلات عابرة للحدود. سيستغرق تطويرًا كهذا بضعة أعوام ويكلف ملايين الدولارات في بلدٍ شبه مفلس، فضلًا عن العديد من المسائل الأخرى المتعلقة بوضع العقوبات والعلاقات مع دول الممر والمدة اللازمة لتخطيط المسار ووضع الاتفاقيات الحدودية الخاصة به. كما يلعب غياب الاستقرار والأمن في نقطة معينة الدورَ الأكبر عند تخطيط مراحل المشاريع الاستراتيجية العابرة للقارات والحدود وإقرار تنفيذها. وهذا لا يجعل من سوريا الخيار “الأكثر أمنًا” بحسب الرئيس المؤقت أحمد الشرع، عندما شرح هو الآخر عن المشروع في مقابلته مع الإخبارية السورية، وخصوصًا عند مقارنته مع سائر الخيارات الأكثر أمنًا بالفعل.
إقليميًا، تمتلك إسرائيل الموقع الاستراتيجي نفسه كما سوريا، وبفضل اتفاقيات السلام والتطبيع، لم تعد ذلك البلد المعزول تمامًا عن محيطها الإقليمي كما كانت في السابق. وبالإضافة لامتلاكها علاقات استراتيجية راسخة بالشركات العالمية، وخبرات وشركات متقدمة في عالم الاتصالات والتكنولوجيا، يتوضع على سواحلها محطتي إنزال رئيستين، في حيفا وتل أبيب، لكابلات MedNautilus Submarine System وLev Submarine System على وجه الخصوص، التي تربط إسرائيل بأوروبا عبر إيطاليا.
لن يكون من الصعب تمديد هذه الكابلات لمسافة قصيرة خارج إسرائيل باتجاه عقدة عمّان. فعلى الطرف المقابل من الحدود، يتصل الأردن بشبكة كابلات أرضية مع العراق والسعودية. وتعمل الأخيرة جاهدة لتتحول إلى عقدة اتصالات إقليمية كجزء من توجهها العام بحسب “رؤية 2030”. أما العراق، فيحاول هو الآخر استغلال موقعه والاستقرار السياسي النسبي الذي يشهده كي يطور حضوره الإقليمي أيضًا.
في أيار/مايو 2024، جرى توقيع اتفاق تعاون بين العراق وتركيا بمشاركة الإمارات العربية المتحدة وقطر، يؤسس لتطوير مشروع “طريق التنمية” بقيمة 17 مليار دولار أميركي. يقوم المشروع على إنشاء ممر تجاري متعدد الوسائط يشمل سككًا حديدية وطرقات سريعة بطول 1,200 كلم تصل الخليج العربي بتركيا. وفي شق الاتصالات، سيشهد المشروع إنشاء ممر مواز لنقل البيانات عن طريق ألياف ضوئية عالية السرعة تنطلق من محطات إنزال في ميناء الفاو الكبير وتنطلق شمالًا باتجاه تركيا ومنها إلى عمق آسيا وأوروبا. سيشكل هذا المشروع عند اكتماله أحد البدائل لممر البحر الأحمر التي تتصف بسرعة استجابة أفضل وتقدم خيارات أوسع لإنشاء تفرعات على طول الطريق البرية بين القارتين.
وبهذا، إذا ما تجاوزنا التصريحات الإعلامية المعدّة لرفع المعنويات وإطالة أمد الصبر الشعبي، فإن سوريا ليست الخيار الوحيد أو الأمثل للربط بين الشرق والغرب. أما في الجانب الاقتصادي، فإن التفاصيل تصبح أقل ويزداد إبهام “سيلك لينك”، إذ من غير الواضح تمامًا كيف “ستستفيد” سوريا مباشرةً من هذا المشروع.
تُحصّل بعض الدول رسوم حق العبور (Right-of-Way fees) لقاء تمرير الكابلات في أراضيها، وكثيرًا ما يجري التخلي عن تلك الرسوم مقابل تعويضات عينية تتمثل في عقد شراكات مع مزودي الإنترنت المحليين وتطوير الشبكات الوطنية. هناك دولٌ أخرى تفرض رسومًا عالية عندما تحتكر ممرًا استراتيجيًا كما في حال ممر قناة السويس، إذ تفرض “المصرية للاتصالات” رسومًا عالية جدًا، بحسب بعض التقارير، تراها بعض الشركات أقرب للابتزاز، مما يشكّل سببًا أخر للبحث عن مسارات بديلة.
وبحسب مستندات “سيلك لينك”، سيقوم المشروع ضمن إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص وسيبقى خاضعًا للسيادة السورية، تديره وتشغله “السورية للاتصالات” تحت الوصاية التشريعية لوزارة الاتصالات والتكنولوجيا. وبالتالي، فإن المشروع لا يقوم على شركات خارجية تستأجر أراض أو منشآت سوريّة أو تدفع لقاء حق تمرير الكابلات عبرها.
تشمل فوائد المشروع، بحسب مجمل التصريحات، تحسين خدمات الإنترنت المقدمة للسوريين وتعزيز التنمية الرقمية عمومًا، فضلًا عن خلق فرص العمل عبر جذب الاستثمارات في مجالات التكنولوجيا واستضافة مراكز بيانات (data centres) وخدمات سحابية (cloud services). في بلدٍ يشهد كارثة بيئية وطاقوية، فإن الانعكاسات السلبية لهذا الهدف الأخير تفوق فوائده الاستثمارية، في حال كان قابلًا للتحقق أصلًا.
يذكر الوزير هيكل في مقابلاته أن المشروع سيفتح الباب أمام استضافة مراكز بيانات خاصة بشركات عملاقة، مثل “غوغل” و”ميتا” و”أمازون”. إقليميًا، تتوضع مراكز البيانات في الشرق الأوسط في دول الخليج وإسرائيل. لدى “غوغل” مراكز بيانات في تل أبيب والدوحة والدمام. ويجري في الأخيرة تطوير مركز ذكاء اصطناعي متقدم أيضًا بالشراكة مع صندوق الاستثمارات العامة السعودي. وتمتلك “خدمات أمازون ويب (AWS)” مراكز بيانات وحوسبة سحابية في إسرائيل والبحرين والإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى مراكز قيد الإنشاء في السعودية. أما “ميتا” فلا تملك أي مراكز بيانات في الشرق الأوسط ولا تخطط لإقامة أي مراكز في الإقليم.
على الصعيد التشغيلي، تحتاج مراكز البيانات الضخمة (hyperscale data centres)، التابعة لشركات التكنولوجيا الكبرى، إلى إمداد مستمر بكميات هائلة من الطاقة قد تصل إلى نحو 850 غيغاوات ساعي سنويًا. يمكن لهذه الكمية من الطاقة أن تنير بلدة صغيرة أو عشرات الآلاف من المنازل والمؤسسات والمستشفيات في أي من مدن سوريا التي تفتقر للكهرباء.
وبسبب عملها المستمر، تتطلب مراكز البيانات أيضًا تبريدًا مستمرًا. وفي البيئات الحارة، كما هو الحال في سوريا، تزداد الحاجة لتبريد المعالجات والمخدمات مع ارتفاع درجة حرارة المراكز. تتم عمليات التبريد عادةً عن طريق أنظمة تكييف الهواء، مما يرفع من كمية الطاقة اللازمة لتشغيل المركز، أو تبريد بالماء، مما يتطلب استخدام ملايين الليترات سنويًا، أو عبر نظام هجين من الأسلوبين. في بلدٍ يعاني من آثار التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة وشحٍ كارثي بالمياه ونقص بالطاقة، يعد مشروعاً كهذا نوعًا من الرفاهية المنطوية على جملة مفارقات سياسية وبيئية وكيانية، ويبدو أشبه بركوب على تريند من كونه استثمارًا نافعًا على المدى الطويل.
يتبدى إذًا “سيلك لينك” بكونه المشروع الحلم الذي يريد الوزير هيكل عبره ترسيخ إرثه، فيؤدي بهذا دور المثال الذي يعكس واقع معظم المشاريع المليارية التي يُحتفى بها اليوم. فما وراء الاستعراضات الإعلامية، يبدو هذا “المشروع” خطة طموحة تقوم معظم أجزائها على افتراضات وتنقصها الكثير من التفاصيل. ولكن هذه أمور ثانوية أمام شاعريّة أن “ندعو العالم للتواصل من خلالنا”، بحسب الوزير هيكل في مقابلته مع نشرة “سوريا بالأرقام”.
على هذا النسق، من الممكن تحليل وتفكيك الغالبية العظمى من المشاريع المطروحة. وعبر التدقيق بالمعلومات والتصريحات ومحاولة الوصول إلى البيانات الحقيقية، يبدو أن قسمًا معتبرًا من تلك المشاريع معدة للاستهلاك الإعلامي ــــ في الداخل والخارج ــــ وهي تأتي لتترجم خططًا ومشاريع رغب بعض الوزراء المختصين بتحقيقها طويلًا، وباتوا يشعرون اليوم بأن لديهم الحرية الكافية كي يضعوها موضع التنفيذ.
من يقرر؟
“الكل”. هذا كان جواب وزير الاقتصاد، نضال الشعار، على سؤال “من يرسم السياسة الاقتصادية في سوريا” في مقابلة أجراها معه برنامج “صالون الجمهورية” على شاشة “سوريا الآن”. فبحسب الشعار، العملية تشاركية تمامًا، حيث يقوم هو وباقي الوزراء بدور المرشد والمسير للسياسة الاقتصادية، فهم لا يصدرون الأوامر، بل يستمعون لأصحاب المصالح ويتشاورون معهم، ومن ثم يصدرون الأوامر اللازمة بناء على ما نتج من تلك العملية.
تبنّي أسلوب الإدارة هذا، بحسب الشعار، مرده الرغبة بالابتعاد عن الأسلوب “الأبوي والوصائي” الذي كان سائدًا من قبل. قد يكون هذا الشكل من الانسحاب والإدارة عن بعد جيد في اقتصاد متطور أو حتى اقتصادٍ نامٍ باستقرار. أما في اقتصاد منهار تظلله تركات ديكتاتورية طويلة ونزاع أهلي وتفكك مجتمعي، فهو غالبًا سيؤدي إلى ما نشهده من غيابٍ لرؤية تنموية مستدامة تضع خطة اقتصادية وطنية مركزية تنطوي على خطوات مدروسة وأهداف ومخرجات واضحة، وليس ردود فعل ومهرجانات وأمنيات ومفرقعات إعلامية.
تشي كل هذه المظاهر بـ”مستويات عالية من عدم الكفاءة في إدارة العديد من الملفات الاقتصادية والخدمية” بحسب مازن سلهب، كبير استشاريي الاستثمار في BAZ Capital Markets، ولو أن الأخير يرى أن الوزراء الممسكين بالملفات الاقتصادية، فضلًا عن حاكم المصرف المركزي، هم من التكنوقراط، “وهو شيء إيجابي، ولكن العبرة في التنفيذ والتطبيق، والعبرة الأهم تكمن في الهامش السياسي الممنوح لهؤلاء الوزراء، فقد اختبرنا في السابق وزراء تكنوقراط جيدين، ولكن الهوامش كانت ضيقة جدًا لأن الحكومات كانت بطبيعتها آنذاك أمنية”. يريد سلهب أن يكون منصفًا، فهو يعترف، في حديثه معي، بالحاجة لمرور ما بين ثلاثة وستة أشهر للحكم على المسار الاقتصادي، ولكنه يرى أن “الأساسات غير جيدة أبدًا”.
ما هي أبرز هذه الأساسات التي يمكن أن تعطينا ملامح المرحلة؟ مركزة القرارات الحيوية والمؤثرة بالفعل في يد الرئيس المؤقت وإخوته في الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية والصندوق السيادي وهيئة الاستثمار السورية، فضلًا عن اللجنة السرية لإعادة هيكلة الاقتصاد التي كشف عنها تحقيق “رويترز” في تموز/يوليو الماضي؛ تضارب في التصريحات حول الهوية الاقتصادية لسوريا تحت عنوان “نظام السوق الحرة” العريض؛ مهرجانات تبرع صاخبة توحي بأن الملايين تتدفق إلى البلد فيما تبقى بمعظمها معلقة على شكل تعهدات؛ وتغطيات إعلامية مكثفة لتوقيع مذكرات تفاهم بمليارات الدولارات لن يتحول منها إلى مشاريع حقيقية سوى نسبة ضئيلة وستقع غالبًا في خانة الاستثمارات العقارية.
في هذا الشق، يرى مازن سلهب مشكلة حقيقية. فبرأيه، أن تكون الكتلة النقدية الكبيرة التي قد تدخل سوق العقارات “مؤقتة، يعني أنها لا تشغل الاقتصاد ولا تدوّر عجلته. إذ تكمن الحاجة في ضخ الأموال في المشاريع المتوسطة والصغيرة” كي يتحرك الاقتصاد، ولا تبقى الفائدة محصورة بطبقة ضيقة من رجال الأعمال المستفيدين اليوم مما قد يجنونه من الاستثمارات العقارية. ومن الجدير ذكره هنا أن جلّ ما طُرح من استثمارات عقارية ــــ سواء كانت وهمية أو مجرد خطط على الورق أو قابلة للتنفيذ – تَركّز في قطاع المنشآت السياحية والأبراج التجارية ذات الربحية لمالكيها، وليس في قطاع إعادة إعمار المنازل والمرافق العامة.
لكنّ الإعلام الموالي للسلطة لا يدع مجالًا للشك أو للنقاش. فمذكرات التفاهم المبدئية ومشاريع الرفاهية العقارية هذه جميعها “استثمار” سيعود لخير البلاد والمواطنين. ولإقناع الشعب الذي أنهكته أعباء الحرب والفقر، تُقحم عبارة “خلق فرص العمل”. من الجيّد بالطبع توفير فرص العمل للسوريين بمختلف مهاراتهم وقدراتهم، ولكن هذا ليس المعيار الاقتصادي الوحيد، إذ إن التركيز عليه يوحي بأن الحل لإعادة الإعمار يكمن في إيدي السوريين وحدهم. تأتي الاستثمارات وتخلق فرص عمل برواتب ــــ نظريًا ــــ جيدة، فيعمل السوريون ويعيدون إعمار منازلهم بأنفسهم اعتمادًا على هذا الدخل. كما أن حركة الاستثمارات قد تنشّط القطاع المصرفي، فيصبح مستعدًا لتقديم قروض إعمار شخصية، فتكتمل الدائرة وتتخلص “الدولة” من هذا العبء.
في تقريره الأخير، يقدر “البنك الدولي” قيمة إعادة الإعمار في سوريا بمبلغ 216 مليار دولار أميركي، وهو ما يعتبره رقمًا متحفظًا، نظرًا إلى أنّ تقديراته تتراوح بين 140 و345 مليار دولار أميركي. فمن أين ستأتي هذه الأموال؟ من المشاريع الاستثمارية وفرص العمل؟ يؤكد أحمد الشرع في مقابلاته بأن سوريا لن تستدين، ولكنه لا يطرح خطة واضحة ومحكمة تقدّم البديل عن الاستدانة سوى في العودة للكلام بالعموميات حول فرص الاستثمار في سوريا. لكنّ شركات الاستثمار والإنشاءات ليست جمعيات خيرية، بل هي جهات ربحية تمامًا. وما من حجرٍ سيوضع على حجر من دون دفع ثمنه، وسوريا لا تملك ذلك الثمن، برغم التطمينات الإعلامية.
ظهر خلال هذا العام انفتاح المؤسسات المالية الدولية على التعاون مع سوريا في سلسلة من اللقاءات التي عُقدت بين مسؤولين في “صندوق النقد الدولي” و”البنك الدولي” ومسؤولين في الحكومة السورية والمصرف المركزي. على عكس المصالح الجيوسياسية المتشابكة التي تدفع أحيانًا نحو المزيد من التوتر، غالبًا ما تُنشد المؤسسات المالية الاستقرار بهدف ضمان المصالح المالية، وسلاسة جريان الأعمال، مكافحة غسيل الأموال وتجارة المخدرات. وهنا يرى الباحث والخبير الاقتصادي محمد علبي، في منشور له على “فيسبوك” أن هذه المؤسسات الدولية تريد “إقامة إطار تعاون أولي مُلزم يضمن الامتثال للمعايير الدولية، بينما السلطة بتهربها من الإجراءات طيلة الفترة الماضية يُظهر أن لا مصلحة لها بذلك”.
يتضح هذا الأمر مرة أخرى بملاحظة الفجوة بين التضخيم الإعلامي لهذه اللقاءات وأثرها على الأرض. فالواقع، بحسب علبي، يؤكد أن السلطة ما زالت “تضع سقفًا ضيقًا لتعاونها الدولي، متلكئة في تنفيذ الإصلاحات الحقيقية”. ترتبط القروض المقدمة من المؤسسات المالية الدولية عادةً بتنفيذ حزم إصلاحات إدارية وتطبيق لمعايير الحوكمة الرشيدة والشفافية المؤسساتية. وهذا ما قد يشكّل عقبة في سوريا، “فقطاع المصارف والنقد لم يشهد إعادة هيكلة جوهرية، والقطاعات الإنتاجية تفتقر للبنية التحتية اللازمة، بينما تظل معظم القطاعات دون خطط واضحة أو استراتيجيات قابلة للقياس” بحسب علبي، الذي يرى أيضًا أن تصريحات المسؤولين السوريين يغلب عليها “الطابع الشعري أو الإعلامي، بدلًا من تقديم معلومات مفيدة وإطلاع السوريين على حقيقة الإجراءات والخطط”.
خاتمة
ما من اقتصادٍ يُبنى بالبروباغندا، على عكس ما تدّعيه شركات العلاقات العامة، خصوصًا تلك التي باتت، على ما يبدو، تقدم خدماتها بكثافة للسلطة في سوريا. السوريون لا يأكلون التصريحات الشعبوية، ولا يعيشون على ضوء المهرجانات السياسية، ولا يتطبّبون عبر نشر السعادة والإيجابيات. ليس السوريون صانعي محتوى على “تيك توك” و”يوتيوب” ولا يسكنون صفحات “فيسبوك”.
السوريون اليوم هم أولئك الذين ذُبحوا في منازلهم، وهم الذين ما يزالون يعيشون في الخيام وأراضي النزوح، وهم الذين طردوا من وظائفهم، وهم الذين يصلون النهار بالليل في مختلف الأعمال من أجل تدبير لقمة عيشهم. السوريون يعانون شح المياه وتقنين الكهرباء وانقطاع الدواء. السوريون يعرفون حجم الخراب، ولا يحتاجون إلى وزراء يخرجون عليهم في كل حين بتصريحات تعبّر عن المفاجأة ممّا وصلت إليه البلاد، وتؤكّد على تفاؤلهم وإصرارهم على بذل الجهد.
انشغلت المعارضة السورية ــــ أو تلك التي انتحلت صفة المعارضة ــــ بالعمل على إسقاط نظام بشار الأسد الديكتاتوري، ولكن لم يلتفت أي من تشكيلاتها لوضع خطة اقتصادية بديلة محكمة. فرّ الأسد وسقط نظامه، فما هي الخطة لمرحلة الما ــــ بعد هذه؟ فلتكن مرحلة “ما بعديّة” بامتياز، إذ يمكن الركون بسهولة لمقارنة البارحة باليوم في سبيل إبراز الإنجازات. لقد وصلت الحالة الاقتصادية والمعيشية حدًا من السوء والانهيار والانعزال عند نهاية نظام الأسد، سيبدو معها أي تغيير أو تحسن طفيف أو قرار طال انتظاره كما لو كان قفزة نوعية.
بموازاة هذه المقارنات، تستمر محاولات تخدير الرأي العام عبر إغراق المجتمع وإرهاقه بأخبار المشاريع والاستثمارات، وبالمقابلات والحوارات المتلفزة المليئة بالوعود والأحلام، وبحسابات “السوشال ميديا” التي تتابع تضخيم الأخبار وتثبيت المبالغ الوهمية للاستثمارات والتبرعات. فيخلق كل هذا صورة مثالية في عالم ما بعد الحقيقة، ويغرق السوريون بنوع من فرط الواقع (hyperreality)، كما يعرّفه جان بودريار، فتصبح الصورة المزيفة هي الواقع الذي يأكل الناس فيه هامبرغر تعيسًا فيما يحدقون بصورته الإعلانية المثالية والغنية، فيقتنعون بأن هذا تمامًا ما تنهشه أسنانهم. ونحن نعرف، عن تجربة، أن الصور الإعلامية الزائفة لا تصنع اقتصادًا قادرًا على انتشال بلاد منهكة من الدرك الذي تقبع فيه.
موقع أوان
———————————–
المنحة القطرية السعودية تُعيد صرف الرواتب عبر البريد وتُسبب ازدحامًا واسعًا للموظفين/ حبيب شحادة
2 ديسمبر 2025
انتظرت ريم، وهي موظفة في مديرية تربية اللاذقية كمدرسة، لأكثر من ست ساعات في مؤسسة بريد المدينة، حتى تتمكن من قبض راتبها عن شهر تشرين الثاني/نوفمبر بطريقة يدوية، وعبر جداول ورقية تتطلب توقيعها بجانب اسمها، بعد أن كان راتبها يصل عبر تطبيق “شام كاش”.
وكانت وزارة المالية قد حوّلت تسليم الرواتب للموظفين الحكوميين من بطاقات الصرافات العائدة للمصارف الحكومية إلى تطبيق “شام كاش” في شهر أيار/مايو الفائت. و”شام كاش” هو تطبيق أُطلق في شمال سوريا قبل سقوط النظام، ويرتبط بـ”بنك شام”، وهو مؤسسة مالية مقرها إدلب.
وبعد سنوات من الاعتماد على بطاقات الصرافات الآلية في قبض الرواتب، انتظر موظفو القطاع الحكومي خطة التمويل لرواتب القطاع العام من قطر والسعودية لأشهر، حتى جرى تنفيذها في نهاية تشرين الأول/أكتوبر الفائت، إذ وقع وزير المالية، محمد يسر برنية، اتفاقية نفاذ المنحة القطرية السعودية المخصصة لدعم فاتورة الأجور والرواتب في دمشق بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP).
استلام يدوي وازدحام
تقول ريم لموقع “الترا سوريا”: “إن إعادة توزيع الرواتب عبر مؤسسة البريد خلق ازدحامًا شديدًا، وسط عدم وجود تنسيق للدور واضطرار المدرسين للانتظار لساعات طويلة، في ظل إجراءات روتينية تُطلب منهم شهريًا كورقة (إثبات) قائم على رأس العمل”.
وتضيف أنها انتظرت وصول راتبها عبر تطبيق “شام كاش” كما العادة، لكن ذلك لم يحدث، إنما جرى إخبار المدرسين بضرورة التوجه إلى مراكز مؤسسة البريد لقبض رواتبهم من دون توضيح سبب ذلك التحول المفاجئ لريم وغيرها من المعلمين والمعلمات.
هكذا تفاجأ موظفو القطاع الحكومي، وخصوصًا موظفو وزارة التربية، بتحويل رواتبهم من تطبيق “شام كاش” إلى مؤسسة البريد عبر مديرياتها ومكاتبها المنتشرة في مختلف المدن، بعدما كان هؤلاء الموظفين يقبضون عبر تطبيق “شام كاش”، الذي جرى إيداع رواتب العاملين عبره منذ أيار/مايو الفائت كوسيلة رسمية لصرف الرواتب.
مؤسسة البريد والمنحة القطرية – السعودية
يأتي صرف رواتب الموظفين عبر مؤسسة البريد نتيجة لتنفيذ المنحة القطرية – السعودية، اللتان أعلنتا عن تقديم دعم مالي مشترك بقيمة إجمالية تبلغ 89 مليون دولار أميركي لمدة ثلاثة أشهر، بهدف تغطية الرواتب والأجور للعاملين في القطاع العام في سوريا في أيلول/سبتمبر الماضي.
وقالت مصادر في وزارة المالية لـ”الترا سوريا” إن سبب تحويل رواتب هؤلاء الموظفين إلى مؤسسة البريد مرتبط بصرف المنحة القطرية والسعودية المخصصة لدعم الرواتب والأجور. وأضافت أن قطر والسعودية اشترطتا لتنفيذ المنحة المالية مرورها عبر القنوات المالية الحكومية كالبنوك، على ألا تُصرف عبر تطبيق “شام كاش”.
وأرجعت المصادر، التي رفضت الكشف عن هويتها، رفض تحويل رواتب العاملين عبر تطبيق “شام كاش” إلى أن التطبيق غير موثوق، ولمنع حدوث أي تلاعب برواتب الموظفين، وضمان شفافية المنحة وعدم تسييسها، بالإضافة إلى القدرة على معرفة طريقة صرفها عبر قنوات مالية حكومية ورسمية.
وهذا الشرط الذي يهدف لضمان شفافية المنحة وعدم تحويلها لجهات غير مستحقة ألقى بظلاله على الموظفين، حيث عادت مشاهد الازدحام في مكاتب البريد لاستلام الرواتب الشهرية، وفق ما قال عدد من موظفي وزارة التربية لـ”الترا سوريا”.
ووفق تقديرات غير رسمية تتجاوز فاتورة الرواتب الشهرية للقطاع العام 500 مليار ليرة، أي ما يعادل نحو 40 مليون دولار بسعر السوق الموازية، ما يعني أن المنحة تغطي نحو 70% من هذا العبء لثلاثة أشهر فقط.
معاناة مستمرة
بعد أشهر من معاناة الازدحام أمام كوات الصرافات الآلية استلام الرواتب، عادت مشاهد الازدحام من جديد، وفق وصف ريم، قائلةً: “بعدما كنا نقبض عبر تطبيق شام كاش عدنا للقبض اليدوي”. وفي المقابل، يُرجّح أن يستمر ذلك لعدة أشهر، نتيجة تنفيذ المنحة القطرية – السعودية، وحصر استلام الرواتب عبر مؤسسة البريد.
وريم ليست حالة فريدة، إذ هذا حال أغلب موظفي القطاع العام الذين بات يشكل تقاضي رواتبهم عبئًا يضاف إلى أعباء أخرى يعيشها أغلب السوريين.
ويرى وليد، وهو موظف حكومي، أن خطة تمويل رواتب القطاع العام رغم أهميتها، إلا أنها أعادت آلاف الموظفين إلى زمن الازدحام والإجراءات المعقدة التي تتطلبها بعض الجهات لتقاضي الراتب كورقة إثبات قائم على رأس العمل. مضيفًا في حديثه لـ”الترا سوريا” أن تطبيق المنحة يجب أن يترافق مع تسهيل قبض الرواتب وليس العكس، خصوصاً لكبار السن (المتقاعدون). وقال: “الراتب وصل، لكن طريقة قبضه بدائية”.
وفي نهاية المطاف، يتمنى وليد وريم وغيرهما من الموظفين الحكوميين أن تسهّل الحكومة أو وزارة المالية إجراءات قبض الراتب، وذلك من دون حاجتهما إلى الانتظار “يومًا كاملًا” للحصول عليه.
———————————–
التحالف السوري الأميركي: رفع عقوبات “قيصر” على جدول أعمال الكونغرس الأسبوع المقبل
2 ديسمبر 2025
أعلن عضو التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار، طارق كتيلة، أن الصيغة النهائية لتعديلات قانون “قيصر” للعقوبات على سوريا ستُنشر في وسائل الإعلام يوم الخميس المقبل.
وأوضح كتيلة أن التصويت على مشروع قانون يهدف إلى رفع تلك العقوبات مُتوقع أن يجري في الكونغرس الأمريكي خلال الأسبوع المقبل.
ووصف الخطوة بأنها “تاريخية”، مشيرًا إلى أن التطورات التشريعية الأخيرة تمهّد الطريق لرفع كامل لعقوبات “قيصر” للمرة الأولى منذ إقرارها، ما يُشكِّل – وفق وصفه – نقطة تحول في التعامل الأميركي مع الملف الاقتصادي السوري.
وشدد على أن رفع العقوبات سيمهد لإعادة تنشيط الاقتصاد السوري وفتح أبواب الاستثمار، معتبرًا أن ذلك يمثل “تقدّمًا غير مسبوق نحو استعادة التواصل السياسي والاقتصادي مع سوريا”.
وسبق أن أعلن التحالف التوصل إلى الصياغة النهائية لمشروع قانون يهدف إلى رفع كامل العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا، بما في ذلك الإلغاء الشامل لـ”قانون قيصر”.
وأكد التحالف، في بيان نشره رئيسه طارق كتيلة على صفحته الشخصية في “فيسبوك”، أن التصويت على مشروع الميزانية الذي يتضمن قرار الإلغاء سيجري في الكونغرس الأميركي خلال الأسبوعين القادمين.
واعتبر كتيلة أن “اللحظة التاريخية” ستتحقق عند توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مشروع القانون بعد إقراره من الكونغرس.
وأشار كتيلة إلى أن المعلومات الواردة من داخل الدوائر السياسية الأميركية تفيد بأن التوقيع الرئاسي على القانون متوقع في منتصف شهر كانون الأول/ديسمبر القادم. ووصف هذا التوقيع بأنه سيشكل “نهاية حقبة قيصر وبداية مرحلة اقتصادية جديدة لسوريا لأول مرة منذ عام 2011”.
———————————–
تشغيل معمل الراموسة.. حلب تبدأ مرحلة جديدة في التعامل مع الأنقاض/ خالد الخطيب
2025.12.02
بعد أيام قليلة على إعلان الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) انتهاء حملته لإزالة الأنقاض من 16 حيًا في الأحياء الشرقية لمدينة حلب في السادس من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، عادت ملفات الدمار المتراكم إلى الواجهة مجددًا، مع إطلاق مشروع جديد يهدف إلى استكمال ترحيل الركام وإعادة تدويره، في واحدة من أضخم العمليات الخدمية التي تشهدها المدينة منذ سنوات.
الحملة التي نفذها الدفاع المدني أزالت نحو 128 ألف متر مكعب من الأنقاض التي خلّفتها العمليات العسكرية لقوات النظام المخلوع، إلا أن الأحياء المدمرة لا تزال تضم كميات هائلة من الركام لم تمس بعد، الأمر الذي دفع محافظة حلب ومجلس المدينة إلى الشروع بمشروع جديد يتضمن لأول مرة خطة إعادة تدوير واسعة النطاق.
مشروع جديد
مصدر مسؤول في مجلس مدينة حلب قال لموقع تلفزيون سوريا إن أعمال مشروع ترحيل الأنقاض وإعادة تدويرها انطلقت رسميًا أواخر تشرين الثاني/نوفمبر، بحضور مسؤولين من المحافظة والمجلس ومن الأمم المتحدة.
ويهدف المشروع، وفق المصدر، إلى إعادة ترحيل الأنقاض في عدد من الأحياء الشرقية، إضافة إلى إعادة تدوير أكثر من 50 ألف متر مكعب منها، وتحويلها إلى مواد تستخدم في المرافق العامة، مثل بلاط الأرصفة والبلوك ومواد البناء.
كما يتضمن المشروع توريد معدات ثقيلة جديدة وتوسعة معمل التدوير في منطقة الراموسة جنوبي حلب، إلى جانب خطة خدمية موازية تشمل تركيب 22 محولة كهربائية لتأمين التيار لأكثر من 100 ألف نسمة، ومد شبكة كهرباء جديدة بطول يتجاوز 50 كيلومترًا، إلى جانب صيانة أجزاء من الشبكات المتضررة في الأحياء الشرقية.
معمل تدوير الأنقاض في الراموسة
قصة معمل التدوير في الراموسة تعود إلى ما بعد سيطرة قوات النظام المخلوع على الأحياء الشرقية بحلب نهاية عام 2016، حين قدمت إحدى المنظمات الدولية منحة لإنشاء المعمل وتشغيله لسنة كاملة، شملت تدريب كوادر مجلس المدينة على إدارة خطوط الإنتاج.
يقع المعمل على مساحة تقدر بـ 85 ألف متر مربع، وجرى تشغيله لاحقًا من قبل مجلس المدينة لثلاث سنوات، لكن عمله كان متقطعًا ومحاطًا بشبهات فساد طالت مسؤولين في المحافظة والمجلس، بينهم رئيس المجلس السابق معد مدلجي ومحافظ حلب الأسبق حسين دياب، وهما من أكثر الشخصيات ارتباطًا بملفات فساد خلال فترة النظام المخلوع.
كان المعمل ينتج النحاتة المخصصة لردم الأرصفة، والزرادة، والبحصة الفولية، إضافة إلى القرميد وبلاط الأرصفة بمقاسات مختلفة، ورغم ذلك، لم يتحول إلى منشأة إنتاجية مستقرة، إذ توقف بشكل شبه كامل بعد 2020، ثم طُرح للاستثمار عام 2022 عبر مزاودة علنية لم تكتمل بسبب عدم قدرة المجلس على تأمين الأنقاض اللازمة لتشغيل خطوط الإنتاج، واليوم، ومع المشروع الجديد، تعود خطط إعادة تشغيل المعمل إلى الواجهة، وربما توسعته ليستوعب الكم الهائل من الأنقاض التي من المفترض أن يتم ترحيلها من باقي الأحياء المدمرة والمتضررة، كما أن عمليات الترحيل التي أنجزها الدفاع المدني في عدد من الأحياء تم وضع الأنقاض الناتجة عنها في باحة المعمل وبحاجة لعمليات إعادة تدوير.
فوائد اقتصادية
يؤكد مصدر محلي يعمل في قطاع البناء بحلب لموقع تلفزيون سوريا أن إعادة تشغيل معمل تدوير الأنقاض في الراموسة يمكن أن تحقق تحولًا اقتصاديًا مهمًا في سوق مواد البناء داخل المدينة، إذ سيؤدي إلى توفير القرميد والبلاط والنحاتة والبحص المعاد تدويره بأسعار أقل بكثير من أسعار المواد المنتجة في المعامل الخاصة، ما يساعد بشكل مباشر في خفض تكاليف ترميم المنازل المتضررة وإعادة إعمار الأبنية السكنية.
ويضيف المصدر أن وجود خط إنتاج محلي معتمد من جهة رسمية، سيحد من احتكار معامل خاصة مسيطرة على السوق، ويمنح الأهالي وورشات البناء خيارات بديلة بأسعار معقولة، الأمر الذي يمكن أن يسهم في تسريع عمليات الترميم الفردية التي يقوم بها السكان على نفقتهم الخاصة.
ولا تقتصر الفوائد المحتملة على الأهالي فقط، إذ يمكن أن يصبح المعمل، في حال عمله بكامل طاقته، رافدًا أساسيًا لمجلس مدينة حلب في مشاريعه الخدمية، فمن المتوقع أن تستفيد البلدية من منتجات المعمل في:
. ترميم الأرصفة والطرقات من خلال استخدام بلاط الأرصفة والنحاتة المُعاد تدويرها.
. تأهيل الحدائق والساحات العامة عبر مواد البلوك والبلاط منخفضة التكلفة.
. دعم مشاريع البنى التحتية التي تتطلب كميات كبيرة من مواد الردم والبحص.
. إعادة إعمار المنشآت والمباني المتضررة التابعة للقطاع العام، بدل شراء المواد من القطاع الخاص بأسعار مرتفعة.
. كما أن توفر مواد البناء المُعاد تدويرها من داخل المدينة يقلل من تكاليف النقل التي تشكل عبئًا كبيرًا على الميزانيات المحلية، ويسهم في إعادة تدوير جزء من الركام المتراكم بدل تركه مكدسًا في الأحياء.
وبحسب خبراء محليين، فإن تشغيل المعمل يمكن أن يشكل خطوة أساسية على طريق تحويل الأنقاض من مشكلة إلى مورد اقتصادي وخدمي، في مدينة ما زالت تحتاج إلى سنوات طويلة لإزالة آثار الدمار الذي خلفته الآلة العسكرية لقوات النظام المخلوع.
كم هو حجم الأنقاض المتبقية في حلب؟
حتى اليوم، لا يوجد رقم رسمي واحد يحدد حجم الركام المتبقي في الأحياء الشرقية لحلب، بسبب تباين درجات الدمار واختلاف التركيبة العمرانية بين حي وآخر، ووجود أحياء لم تجرَ فيها أي عمليات تقييم أو قياس.
لكن الأرقام المتاحة تشير إلى التالي:
. 128 ألف متر مكعب: أزالها الدفاع المدني من 16 حيًا في الحملة الأخيرة.
. 40 ألف متر مكعب: أزيلت في حملات سابقة من أحياء مثل الشعار وقاضي عسكر وكرم حومد.
ما جرى إزالته يشكل جزءا صغيرا فقط من إجمالي الركام الموجود، إذ غالبا تركزت الحملات على الشوارع العامة والمفاصل الحيوية.
أما على مستوى مدينة حلب ككل، فتقدير بحثي دولي سابق أشار إلى أن حجم الركام قد يصل إلى نحو 14.9 مليون طن منذ منتصف العام 2012 عندما كثف النظام المخلوع من استخدام الأسلحة الجوية والبرية في قصف الأحياء، وهو رقم يعكس حجم الدمار الهائل لكنه لا يخص الأحياء الشرقية بل الضواحي القريبة، وما تمت إزالته حتى الآن لا يمثل سوى نسبة محدودة جدًا من الكميات الحقيقية المتبقية.
بين الترحيل والتدوير
رغم أهمية المشروع الجديد، إلا أن التحديات لا تزال كبيرة: كميات الأنقاض ضخمة موزعة على عشرات الأحياء، أحياء نسبة الضرر فيها كبيرة، غياب تقييم شامل، وتداخل بين الملكيات الخاصة والعامة، ومع ذلك، فإن إعادة تشغيل معمل التدوير، إن تمت فعليًا، قد يمثل خطوة مختلفة عن المشاريع السابقة، لأنه يحول الأنقاض من عبء إلى مورد إنتاجي يمكن أن يعزز جهود الإعمار ويوفر فرصًا اقتصادية.
ويبقى السؤال الأهم، هل سيستمر هذا المشروع بوتيرة ثابتة ومن دون تعطل، ويحقق الهدف الذي أُعلن عنه بترحيل ما تبقى من الأنقاض والتعامل معها بوصفها موردا يمكن الاستفادة منه، بدل أن تبقى عبئا إضافيًا يتراكم فوق مشاكل المدينة، فحلب، التي ما تزال أطلال أحيائها الشرقية شاهدة على سنوات قاسية عاشتها تحت وابل نيران النظام المخلوع، تحتاج أكثر من مجرد حملات متقطعة أو مشاريع مؤقتة، إنها بحاجة إلى استمرار العمل بمنهجية واضحة، وإرادة إدارية قادرة على تحويل الوعود إلى واقع.
فنجاح المشروع لا يقاس فقط بالكميات المرحلة أو المعاد تدويرها، بل بقدرته على إطلاق دورة إعمار حقيقية تعيد الحياة إلى الأحياء التي هجرتها آلاف العائلات، وتوفر مواد بناء ميسرة للأهالي، وتدعم خطط البلدية في تحسين البنية التحتية وإعادة تأهيل ما دمر.
——————————–
وزارة الاقتصاد السورية تحصر استيراد أجهزة التنقيب عن المعادن بالجهات الحكومية/ عبد الله السعد
02 ديسمبر 2025
أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية قرارًا يقضي بحصر استيراد أجهزة الكشف عن المعادن بالجهات الحكومية فقط، مع إلزام الجهات الراغبة في الحصول على هذه الأجهزة بالحصول على موافقة مسبقة من وزارة الداخلية. ويأتي القرار في إطار جهود الحكومة لضبط أعمال التنقيب غير المشروع عن الذهب والآثار، والتي أدت خلال السنوات الماضية إلى تدمير مواقع أثرية مهمة وفقدان موارد تاريخية لا تقدّر بثمن.
وينص القرار، الذي صدر مساء أمس الاثنين، على تعديل أحكام التجارة الخارجية لتتماشى مع هذا التقييد، على أن يُبلغ لمن يلزم لتنفيذه. وتعتبر هذه الخطوة جزءًا من استراتيجية رسمية تهدف إلى حماية التراث الأثري والحفاظ على الموارد الاقتصادية المرتبطة بهذه المواقع.
التنقيب غير القانوني
ويشير خبراء آثار إلى أن انتشار أجهزة الكشف عن المعادن بين الأفراد ساهم في زيادة عمليات التنقيب غير الشرعي في مناطق عدة، مثل دير الزور والسويداء وحمص. وتوضح المصادر أن هذه العمليات لم تقتصر على استخراج الذهب فقط، بل شملت الحفر في مواقع أثرية فريدة، ما أدى إلى تدمير هياكل أثرية ومواقع تاريخية لا تعوَّض. كما تؤثر هذه الممارسات سلبًا على السياحة والتراث الثقافي، وهما مصدران مهمان لدعم الاقتصاد الوطني، إضافة إلى خلق سوق غير رسمي للآثار المهربة.
ويشير خبير الآثار نضال الإبراهيم إلى أن القرار يعكس “ضرورة حماية التراث الوطني ووضع حد لعمليات التنقيب العشوائي”، مؤكداً أن “السماح باستخدام هذه الأجهزة خارج الإطار الرسمي يؤدي إلى فقدان السيطرة على المواقع الأثرية”. ويضيف أن “الرقابة الرسمية على أجهزة الكشف ستتيح توثيق عمليات البحث المشروع، وحماية المواقع من التدمير العشوائي، وضمان إدارة أفضل للموارد الأثرية”.
من الناحية القانونية، ينص القانون السوري على عقوبات صارمة ضد استخدام أجهزة الكشف عن المعادن للتنقيب غير المشروع عن الذهب أو الآثار، تشمل الحبس والغرامة المالية الكبيرة، بالإضافة إلى مصادرة الأجهزة والمواد المستخرجة. ويؤكد الخبير القانوني المحامي مازن كلثوم أن القرار الجديد يعزز الرقابة ويغلق الثغرات القانونية التي كانت تُستغل في عمليات التنقيب غير المشروع، موضحاً لـ “العربي الجديد” أن أي مخالفة ستخضع للمساءلة القضائية وفق قوانين حماية التراث الوطني وتنظيم التجارة الخارجية.
وينص قانون العقوبات السوري المرتبط بالآثار، مع تعديلاته، على الحبس من 15 إلى 25 سنة لكل من أقدم على تهريب الآثار أو حاول تهريبها، ومن 10 إلى 15 سنة لكل من سرق أثراً ثابتاً أو منقولاً أو ألحق به ضرراً جسيماً، أو قام بالاتجار فيه. ويعاقب بالاعتقال من خمس إلى عشر سنوات وبغرامة من 25 ألفاً إلى 500 ألف ليرة كل من خرب أو أتلف أو هدم أثراً، أو صنع قطعة أثرية تشوه الحقائق التاريخية أو أسبغ عليها الصفة الأثرية.
ويشير الخبير القانوني إلى أن قانون الآثار المعدل بمرسوم تشريعي عام 1999 اتخذ أشد العقوبات بحق من يمتهن التعامل أو التنقيب عن الآثار، بما في ذلك من قام بالتنقيب في أرض يملكها أو في أرض لا يملكها، أو من عثر مصادفة على قطعة أثرية ولم يسلمها للسلطات خلال 24 ساعة، ليصبح بذلك شريكاً في الجريمة.
—————————–
المركزي السوري يحسم الجدل: لا موعد لطرح العملة الجديد
الثلاثاء 2025/12/02
بعد تداول أكثر من موعد وتاريخ غير رسمي لقيام مصرف سورية المركزي بإصدار العملة الجديدة التي يتم العمل عليها، حسم المركزي الجدل بأنه لا موعد نهائياً لطرح العملة.
وأكد مصرف سورية المركزي أنه مستمر في تنفيذ خطته المقررة لتبديل العملة، بالتعاون مع كافة الجهات المعنية بتبديل العملة، وأن العمل جارٍ وفق المراحل الفنية والإدارية المعتمدة.
كما وشدّد المصرف على أنه الجهة الرسمية الوحيدة المخوّلة بنشر أي معلومات تتعلق بالعملة الجديدة أو مراحل إطلاقها، ويتطلع إلى إعلان تفاصيل عملية التبديل وكافة المعلومات الخاصة بها بشفافية على صفحته الرسمية.
وأشار إلى أنه لم يتم تحديد أي تاريخ نهائي لطرح العملة الجديدة، وأي تواريخ يتم تداولها عبر منصات غير رسمية لا تمتّ للواقع بصلة.
وطالب المركزي بمتابعة البيانات الصادرة حصراً عن مصرف سورية المركزي لضمان الحصول على المعلومات الدقيقة والموثوقة.
—————————-
تخفيضات كبيرة على الرسوم الجمركية في سوريا
الثلاثاء 2025/12/02
أعلنت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير السورية عن تعديل الرسوم الجمركية على دخول مختلف أصناف الثروة الحيوانية عبر المنافذ الحدودية مع البلاد.
وبموجب القرار الذي نشرته الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، تم تخفيض الرسم الجمركي على إدخال الأبقار والعجول ليصبح 7 دولارات للرأس الواحد بدلاً من 53 دولاراً، فيما جرى تخفيض الرسم الجمركي على الجمال ليصبح 7 دولارات للرأس بدلاً من 27 دولاراً.
وتم تخفيض الرسم الجمركي لإدخال الأغنام والماعز إلى دولارين للرأس الواحد بدلاً من 7 دولارات، وذلك في إطار دعم قطاع الثروة الحيوانية وتشجيع عمليات الاستيراد المنتظم، وفقاً لما نص عليه القرار.
وبحسب “وكالة الأنباء السورية” (سانا)، يلزم القرار إدارة الجمارك العامة في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك بتعميم أحكامه على جميع المراكز الجمركية في المنافذ البرية والبحرية والجوية، والعمل به اعتباراً من تاريخ صدوره، على أن يُنشر في الجريدة الرسمية ويُبلّغ من يلزم لتنفيذه
————————————
بريطانيا تحدد قواعد التجارة مع سوريا وسط تزايد شهية الاستثمار بعد تخفيف العقوبات
لندن: حددت بريطانيا اليوم الثلاثاء قواعد للشركات والبنوك التي تدرس الاستثمار في سوريا، استجابة لاهتمام متزايد من أصحاب الأعمال بعد أن خففت القوى الغربية العقوبات دعما لجهود إعادة الإعمار.
وتسعى سوريا إلى إعادة الإعمار بعد سقوط الرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وهو ما أنهى حكم عائلته الذي امتد لعقود. وشجعت الإطاحة به بريطانيا والولايات المتحدة على تخفيف العقوبات وتقديم إرشادات للشركات الراغبة في الاستثمار.
وفي توجيهات نُشرت اليوم الثلاثاء، أشارت الحكومة البريطانية إلى وجود فرص تجارية قائلة إنها تدعم “الشركات التي تستثمر وتتاجر وتعمل في سوريا، عندما يكون هذا النشاط متوافقا مع تشريعات بريطانيا، وعندما تكون الوجهة النهائية هي سوريا”.
وشددت على ضرورة الامتثال لقوانين العقوبات وضوابط التصدير وقواعد مكافحة غسل الأموال، وأوضحت آليات الترخيص المتاحة، بما في ذلك التراخيص العامة والإعفاءات لأغراض إنسانية.
إلا أن الحكومة حذرت من المخاطر العالية، بما في ذلك الفساد والتحايل على العقوبات.
ورفعت بريطانيا في أبريل نيسان العقوبات المفروضة على قطاعات الطاقة والنقل والتمويل، بينما أنهت الولايات المتحدة برنامج العقوبات على سوريا في يونيو حزيران عبر إعفاءات جديدة. وخفف الاتحاد الأوروبي بعض الإجراءات المرتبطة بإعادة الإعمار.
وتوقع البنك الدولي في تقرير أن تبلغ تكلفة إعادة إعمار سوريا 216 مليار دولار، مشيرا إلى أن هذا الرقم يمثل “أفضل تقدير متحفظ”.
(رويترز)
————————–
======================
تحديث 01 كانون الأول 2025
—————————
سوريا: أنحمي صناعتنا أم نتركها تحت رحمة المنافسة؟/ إياد الجعفري
الأحد 2025/11/30
أنحمي صناعتنا المحلية من منافسة المستوردات المماثلة؟ أم نتركها تحت رحمة تلك المنافسة، كي تتطور؟ جدل قديم، لكنه تمدد من أوساط الصناعيين والتجار والاقتصاديين، ليجتاح أوساط عامة السوريين، بعيد سقوط نظام الأسد، قبل نحو عام. وكان ذلك نتيجة فتح السوق على مصراعيه، أمام المستوردات الأجنبية، الأمر الذي أدى إلى حالة أشبه بالإغراق ببضائع تركية بصورة خاصة، تسببت بإغلاق العديد من المصانع والورش الصناعية، وخلّفت أعداداً كبيرة من العاطلين عن العمل. وذلك قبل أن تتراجع سلطات العهد الجديد عن سياسات فتح السوق بالكامل، لتحدد رسوماً جمركية على المستوردات. لكن الإجراءات الحمائية المعتمدة، لم تكن كافية في نظر الكثيرين.
قبل أيام، بث حرفيو وصناعيو الحقائب في سوق الخجا بدمشق، شكواهم من انهيار قدراتهم على منافسة البضائع المستوردة. ووفق زعمهم، فإن المُنتِج المحلي يتحمّل ضرائب وتكاليف إنتاج مرتفعة، مما يجعله عاجزاً عن مجاراة الأسعار المنخفضة للبضائع المستوردة. وقد أثارت هذه الشكوى، الجدل مجدداً، بين داعٍ لحماية الصناعة المحلية، والعاملين فيها، وصولاً إلى الحديث عن “مؤامرة” تستهدف إفقار السوريين مستقبلاً، وتحويلهم إلى سوق مستهلكة لبضائع دول “حليفة” للعهد الجديد، وبين داعين لنهضةٍ للصناعة المحلية تقوم على الابتكار واعتماد الطاقة الشمسية وتحديث أساليب الإدارة والعمل، بدل الاتكال على حمائية تاريخية للمُنتَج السوري، يعود تاريخها إلى بدايات عهد حكم البعث مطلع الستينات، بصورة خلقت طبقة صناعية اعتاشت على الاحتكار وإغلاق السوق، وفرضت على المستهلك السوري منتجاتها منخفضة الجودة ومرتفعة السعر، من دون أن تتمكن من تطوير صناعاتها بصورة قادرة على المنافسة، إلا في حالات محدودة للغاية.
ويبقى هذا الجدل معقّداً، إذ تجد كبار الاقتصاديين منخرطين فيه، بوجهات نظر متعاكسة. ولتفكيك مفردات هذا الجدل، لنركّز على أبرز المعادلات التي يقول بها المطالبون بحماية الصناعة المحلية عبر رسوم مرتفعة على المستوردات. إذ يقول هؤلاء، إن الحمائية ضرورية للحفاظ على القطاع الصناعي المحلي، وإنتاجيته، وتجنب انهياره أمام المنافسة غير العادلة مع مستوردات مدعومة من دول منتجة أقوى بمرات من سوريا على صعيد الصناعات التصديرية. والأهم، حماية العمال في القطاع الصناعي المحلي من خسارة فرص عملهم. وكذلك توفير إيرادات لخزينة الدولة من الرسوم على المستوردات. والحد من الطلب على الدولار، والذي يؤدي لخفض قيمة العملة السورية، جراء الحاجة للاستيراد. وأيضاً، الحد من عجز الميزان التجاري.
لكن، هل يعني ذلك أن الحمائية توفّر مكاسب للاقتصاد ككل، على المدى الطويل؟ هل تؤدي إلى رفع مستوى معيشة السوريين؟ أم العكس؟ بعض الإجابات الملفتة نجدها في مادة بحثية نشرها معهد “كاتو” الأميركي، في نيسان 2024، يبحث في السؤال التالي: إلى أي مدى تفيد الرسوم الجمركية في تحقيق الأهداف الاستراتيجية المرجوة منها؟ ورغم أن البحث يتعلّق بالصناعة الأميركية، لكنه يقدّم تحليلاً بحثياً شاملاً لجدوى الرسوم الجمركية، بصورة عامة. أولى النقاط التي يعالجها البحث: هل يمكن لرسم جمركي (ضريبة) أن يحقق مكاسب بعيدة المدى للاقتصاد ويرفع من مستوى معيشة الناس؟ فذلك أمر يتنافى مع قوانين العرض والطلب، نظراً لأن أي ضريبة تفرض تكاليف اقتصادية، تخفّض مستوى معيشة السكان.
وللإجابة على السؤال أعلاه، تستعرض المادة عدداً من الأبحاث النظرية والتجريبية حول من يدفع ومن يستفيد من الرسوم الجمركية، لتخلص إلى أن تلك الرسوم تفشل مراراً وتكراراً في زيادة الإنتاجية، أو خلق المزيد من فرص العمل، أو تعزيز الشركات الناجحة والمبتكرة. وعلى النقيض من ذلك، هي تؤدي إلى رفع الأسعار، وتقليص كفاءة النشاط الاقتصادي، وتشجيع ردود الفعل الانتقامية الأجنبية (رسوم مضادة). وكنتيجة عامة، تخفض الرسوم الجمركية القدرة الشرائية للسكان، وتضرّ بصورة خاصة بالأسر الأكثر فقراً، نظراً لأن إنفاقها على السلع المتداولة كنسبة من دخلها، أعلى من الأسر الأكثر ثراء. وبعيداً عن الأثر الاجتماعي السلبي، فإن الرسوم الجمركية، بالمجمل، تؤدي إلى خفض السكان لإنفاقهم، فيقلّ الطلب، مما يؤدي إلى لجم النشاط الاقتصادي وتقليصه. ووفق إحدى الأرقام الخاصة بالاقتصاد الأميركي، فإن فرض رسوم جمركية بنسبة 10%، تؤدي إلى تراجع مستوى الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.7%، جراء تقليل الحوافز للعمل والاستثمار.
تقدّم خلاصات المادة أعلاه، بعضاً من أهم المعادلات المتعلّقة بالنتائج الفعلية للرسوم الجمركية الحمائية. وهي نتائج يمكن قراءتها في التجربة السورية التي عرفت الحمائية على مدى نصف قرن. وقد يعترض الكثيرون على استشهادنا ببحث ينشره معهد “كاتو” المعروف باتجاهاته الليبرالية الحادة، لكن يبقى أن نقاش الأفكار والحجج، هو الأجدى من نقاش الخلفيات الأيديولوجية للقائلين بهذه الأفكار.
لا يعني الطرح السابق، الدعوة لفتح السوق أمام المستوردات، على مصراعيه، كما حدث بعيد سقوط الأسد. بل هي دعوة لدراسة سبل الانفتاح التدريجي، وعدم العودة إلى الإغلاق والقيود الشاملة على الاستيراد. انفتاح تحتاجه صناعتنا المحلية كي تمتلك الدافع للتجديد والابتكار والرهان على الجودة لا على الحماية. انفتاح يوازن بين “جيب” المستهلك السوري، وبين استبدال الحمائية الكلية بأخرى غير مباشرة، كخفض الضرائب على المواد الأولية، والدفع نحو تجارب دمج للشركات والمؤسسات الصناعية الخاصة، بدل مبدأ الورش الصغيرة والعائلية، ودعم التحوّل نحو الطاقة المتجددة والتطوير التقني، عبر القروض.
المدن
—————————
إطلاق مجلس الأعمال التركي السوري رسمياً في إسطنبول/ عدنان عبد الرزاق
30 نوفمبر 2025
شهدت جلسات قمة الحلال ومعرض أكسبو 2025 التي اختتمت أول من أمس الجمعة في إسطنبول، إعلان إطلاق مجلس الأعمال التركي السوري المشترك (STİK) رسمياً بعد قرار تأسيسه المشترك بين وزيري التجارة السوري محمد نضال الشعار والتركي عمر بولات، في أغسطس/ آب الماضي.
ويقول الرئيس التنفيذي لمجلس الأعمال المشترك رواد رمضان: “لو كنا نجلس هنا قبل سنة تمامًا من الآن، لكنا نتحدث عن الآلام والجراح… أما اليوم فنحن نتحدث عن الفرص والتنمية والبناء المشترك”. وأشار رمضان، خلال تصريحات حصل عليها “العربي الجديد” من المجلس، إلى أكثر من 34,600 شركة سورية بتركيا، ما يخلق أرضية قوية للتعاون والتوسّع، سواء بزيادة التبادل التجاري أو بإعمار سورية لاحقاً. وأضاف أن “المجلس، بحلته الجديدة وعلاقات البلدين بعد التحرير، سيقود دفة تطوير العلاقات الاقتصادية من جراء اعتماده محاور تعزيز القطاع الخاص محركاً أساسياً للنشاط الاقتصادي وتوفير بيئة أعمال حديثة بقوانين واضحة وإدارة شفافة، إضافة إلى فتح المسارات التجارية واللوجستية مع تركيا للوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية بعد تطوير المحاضن الاقتصادية لاستيعاب الاستثمارات وإطلاق المشاريع بسرعة”.
كذلك كشف رئيس مجلس إدارة المجلس، حسام ططري، عن مناقشات مع الجانب التركي لإطلاق مشروع مشترك ضخم في قطاع النسيج والإنتاج المشترك، بما يعزز التكامل الاقتصادي بين البلدين، لافتاً إلى توسع المجلس وتسجيل 730 طلب عضوية جدداً من شركات ورجال أعمال من مختلف القطاعات. وتأسّس المجلس الجديد نهاية أغسطس/ آب الماضي، ضمن اتفاقات عشر وقعتها تركيا وسورية خلال زيارة وزير الاقتصاد نضال الشعار بهدف “إحياء العلاقات الاقتصادية بين البلدين”، ليُشهَر المجلس بالتعاون مع مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي، لعميق الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يشمل تسهيل التجارة البينية، وتحسين البنية التحتية الجمركية، ودعم إعادة بناء الصناعة السورية.
وقال رجل الأعمال السوري، محمد أبو الفداء، إن “تفعيل دور مجلس رجال الأعمال سيتعدى الجانب التنظيمي كما كان أيام النظام المخلوع”، لتدخل مهامه تنظيم عمل اللاجئين السوريين في تركيا، وأضاف: “لدينا حتى الآن أكثر من 3 ملايين سوري في تركيا”. وأضاف أبو الفداء، الذي يعمل في مجال استيراد مواد التدفئة والبناء من تركيا، أن العلاقات المتطورة بين البلدين فرضت إعادة تفعيل المجلس، الذي سيكون برأيه “صوت السوريين مع الأتراك، خصوصاً في ما يتعلق بزيادة التبادل والتسهيلات، وحتى حماية الإنتاج المحلي من تدفق المنتجات التركية للسوق السورية وحماية الصناعات السورية الناشئة”.
وأكد لـ”العربي الجديد” أن تركيا هي الشريك الاقتصادي الأهم، بحكم الجوار ووجود اللاجئين و”آلاف الشركات السورية بتركيا”، والأهم برأيه “تصميم تركيا، بكونها دولة، على مساعدة سورية بالنهوض وإعادة الإعمار”. يذكر أن حجم التبادل التجاري بين سورية وتركيا بلغ قبل ثورة السوريين، عام 2010، بحسب وزير التجارة التركي، عمر بولات 2.5 مليار دولار، منها 1.84 مليار دولار صادرات تركية، بينما سجلت الواردات 660 مليون دولار.
لكن تلك الأرقام تراجعت خلال الثورة السورية وقطع نظام الأسد العلاقات مع تركيا، بل وتجريم التبادل بقرار من “رئيس الوزراء” حينها، لكن التبادل مع المناطق غير الخاضعة للنظام السوري المخلوع ازدهر على اعتبار تركيا المنفذ الوحيد لها، وبلغ التبادل بين 2.5 و3 مليارات دولار، ووصل عام 2024 إلى نحو 2.538 مليار دولار (2.2 مليار دولار صادرات تركية وواردات بنحو 438 مليون دولار). وكانت تركيا وسورية ترتبطان باتفاقية التجارة الحرة التي جرى توقيعها في عام 2007، لكنها علّقت بعد اندلاع الثورة في عام 2011، والأرجح أن تعود باتفاق اقتصادي شامل، بعد الزيارة المتبادلة وتأسيس مجلس رجال الأعمال.
العربي الجديد
—————————
أزمة دواجن خانقة في سورية تضرب الأمن الغذائي/ عبد الله السعد
30 نوفمبر 2025
يشهد قطاع الدواجن في سورية أزمةً غير مسبوقة تهدد استمرارية عمله، وتضع نحو مليون عامل في دائرة خطر البطالة وفقدان مصدر دخلهم. وتأتي هذه الأزمة بعد ارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل كبير، وانخفاض قدرة المنتج المحلي على المنافسة مع الفروج المستورد الذي يغرق الأسواق بأسعار أقل بكثير من المنتج الوطني. ويعاني المربّون في مزارع ريف حمص وريف حماة من ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية بنسبة تصل إلى 300%، ما يجعل تكلفة إنتاج ألف دجاجة بمتوسط وزن 2.5 كيلوغرام تصل إلى نحو 4275 دولاراً، أي ما يعادل 1.71 دولار للكيلوغرام الواحد من الفروج المحلي، بحسب رئيس لجنة الدواجن المركزية في اتحاد غرف الزراعة، نزار سعد الدين.
وأشار سعد الدين لـ”العربي الجديد” إلى أن هذه الزيادة تأتي في وقت يشهد فيه القطاع تعافياً وتنامياً ملحوظاً خلال الأشهر الماضية، محذراً من أن التكاليف الإضافية للتدفئة، مع قرب حلول فصل الشتاء، ستفاقم الأزمة. وأوضح أن تكلفة الطن الواحد من مدخلات الإنتاج تصل إلى 1700 دولار، وسعر الصوص 0.80 دولار، وطن العلف 550 دولاراً، وطن الفحم للتدفئة 300 دولار، وبرميل المازوت 180 دولاراً، فيما تبلغ تكلفة الأدوية واللقاحات للصوص الواحد 0.27 دولار، وتكلفة المحروقات 0.50 دولار. وأضاف أن تكلفة إنتاج كل ألف دجاجة بمتوسط وزن 2.5 كيلوغرام تبلغ 4275 دولاراً، ما يعني أن تكلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد من الفروج المحلي تصل إلى 1.71 دولار.
حجم الأزمة
ويشهد قطاع الدواجن تراجعاً حاداً، إذ انخفض عدد المداجن العاملة من نحو 12 ألف مدجنة قبل عام 2011 إلى حوالي 5300 حالياً. ويشير بعض المربين إلى أن عدد المداجن الفعالة انخفض بنحو 75% مقارنة بفترة ما قبل الحرب، مما انعكس مباشرة على إنتاج الفروج المحلي. ومع ذلك، هناك بوادر تعاف جزئي، إذ أفاد رئيس لجنة الدواجن المركزية بأن 76% من المداجن عادت للعمل من إجمالي نحو 13.230 مدجنة. كما أكدت وزارة الزراعة أن نسبة النفوق في الطيور تتراوح بين 3 و5%، وهي ضمن الحدود الطبيعية، لكنها تحذر من أن استمرار تراجع الإنتاج قد يؤدي إلى أضرار أكبر على مستوى الأمن الغذائي المحلي.
يقول أحمد كوكش، مربي دواجن، لـ”العربي الجديد”: “نبيع الكيلو الواحد من الفروج المحلي بما يقارب 1.7 دولار، بينما يصل سعر الفروج المستورد إلى أقل من دولار. لا يمكننا المنافسة بهذه الطريقة، والخسائر تتزايد كل يوم”. أما محمد التوني، مربٍّ من ريف حماة، فيقول إن “دورة إنتاج الفروج تستغرق 45 يوماً، وتحتاج استثمارات كبيرة في العلف واللقاحات والمحروقات، وأي انخفاض في الأسعار أو أي مرض يصيب الأفواج يعني إفلاسنا مباشرة”.ودافع الصناعي والمستشار السابق لوزير الاقتصاد والصناعة، مازن ديروان، عن قرار الوزارة بالسماح باستيراد الفروج المجمد لمعامل المرتديلا، معتبراً أن الفروج المعروض في الأسواق غالباً مهرب، وأن تحرير السوق ومعالجة ارتفاع التكاليف داخلياً أفضل من المنع الجزئي.
في المقابل، يطالب المربون الحكومة بضبط الاستيراد وتقديم دعم مباشر لمدخلات الإنتاج، إلى جانب برامج تمويلية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة لضمان استمراريتهم. ويؤكد أحمد غزال أن الفلاحين بحاجة إلى حماية مؤقتة حتى يتمكنوا من الاستمرار: “إذا لم يتحرك أحد فسنفقد كل شيء، وسيختفي الفروج السوري من الأسواق نهائياً”. ويقف القطاع الذي يشغل أكثر من مليون شخص بشكل مباشر وغير مباشر اليوم على مفترق طرق. وبين ارتفاع التكاليف، وتدفق الفروج المستورد، وغضب المربين، يبقى السؤال: هل ستنجح الحكومة في حماية الإنتاج المحلي قبل فوات الأوان، أم ستترك السوق لقوانين العرض والطلب في ظل غياب الدعم والإصلاحات الهيكلية؟
العربي الجديد
———————-
في شتاء دمشق البارد.. المازوت خيار متوسطي الدخل والحطب للفقراء/ عبد الله السعد
30 نوفمبر 2025
مع بداية فصل الشتاء، تعود برودة العاصمة دمشق لتكشف هشاشة حياة كثير من الأسر أمام تحديات البرد. في شوارع المدينة وأزقتها، تنتشر المدافئ بأنواعها المختلفة أمام المحال التجارية، كأنها شهادات صامتة على صعوبة الحصول على الدفء. مع غلاء الكهرباء وتقنينها الطويل، والارتفاع النسبي في أسعار الحطب، يبدو المازوت الخيار الأكثر اقتصادية والأسهل للحصول على دفء مستمر.
في أسواق العاصمة، مثل سوق الكهرباء الممتد بين شارع الثورة وباب سريجة، وسوق الشاغور في دمشق القديمة، تتكدس المدافئ بأنواعها: كهربائية صغيرة، وأخرى تعمل على الغاز أو المازوت، بالإضافة إلى مدافئ هجينة تجمع بين الكهرباء والمازوت، والمدافئ الحطبية التي عادت لتجد لها زبائن جدد من طبقات لم تكن تفكر في استخدامها سابقًا.
ويبلغ متوسط سعر مدفأة الكهرباء ذات الحجم الوسط هذا العام نحو 75 – 85 دولارًا، بينما تراوح سعر المدفأة الصغيرة بين 15 – 25 دولارًا. أما مدافئ المازوت الكبيرة، المعروفة باسم “الصالونات” ومن ماركة “أولمر”، فبلغ سعرها نحو 375 دولارًا. وهناك نوع جديد من المدافئ يعمل بالمازوت والكهرباء والبطارية معًا، يستهلك ليترًا واحدًا من المازوت كل خمس ساعات، وسعره نحو 100 دولار.
أسعار مدافئ المازوت تتراوح بين 285 و400 ألف ليرة بحسب الحجم، (سعر الصرف هو 11 ألف ليرة مقابل الدولار) في حين يتراوح سعر مدفأة الحطب المنزلية بين 125 و225 ألف ليرة. أما مدافئ الوقود الحيوي فأسعارها مرتفعة جدًا، بين مليون ومليوني ليرة، فيما تبدأ أسعار المدافئ المستعملة من 200 ألف ليرة.
ويشير كثير من الأهالي إلى أن مدافئ المازوت هي الخيار الأكثر عملية واقتصاداً هذا العام. يقول منصور العباس، من سكان حي المزة: “مع غلاء الكهرباء وتقنينها الطويل، المازوت أصبح الوسيلة الأكثر أمانًا للحصول على دفء مستمر، وسعره معقول مقارنة بالمدافئ الكهربائية أو الحطبية”. ويضيف أن استهلاك المازوت منخفض نسبياً، ما يجعله الخيار المفضل للعائلات التي تسعى لتأمين حرارة المنزل دون تكاليف مبالغ فيها.
وأكد مسؤول الاتصال الحكومي في شركة سادكوب لـ”العربي الجديد” أن المازوت متوفر الآن بكميات مفتوحة في جميع محطات الوقود، وبالسعر الرسمي، مشيراً إلى أن نظام الدعم السابق لم يعد قائماً. وأضاف أن هذا المعروض يضمن تلبية حاجة الأسر طوال الشتاء، مع متابعة الكميات يومياً لتجنب أي نقص، داعيًا المواطنين للالتزام بالسعر الرسمي وعدم الانجرار إلى السوق السوداء.
تتوفر المحروقات في سورية هذا الشتاء بأسعار السوق الحرة، المرتبطة بسعر الصرف والأسعار العالمية، كما هو الحال في معظم دول العالم. يبلغ سعر ليتر المازوت 10,830 ليرة سورية، والبنزين 12,540 ليرة، بينما يصل سعر البنزين أوكتان 95 إلى 14,022 ليرة، وأسطوانة الغاز المنزلي إلى 134,520 ليرة. ومع هذا التوفر، عادت صهاريج المازوت والبنزين لتنتشر في الشوارع، واختفت الطوابير ومشاهد التهريب، وأصبح الطلب على الحطب يتراجع بشكل ملحوظ بعد أن كان سعر الطن يصل إلى نحو 5 ملايين ليرة، ليباع اليوم بنحو 700 ألف ليرة حسب النوع.
ورغم وفرة المحروقات، تبقى التحديات قائمة لدى الأسر محدودة الدخل، إذ تحتاج العائلة الواحدة نحو 1.5 مليون ليرة لتغطية حاجتها هذا الشتاء، وهو مبلغ مرتفع بالنسبة للأسر من دون دخل ثابت، وكبار السن، وذوي الإعاقة. ويؤكد سكان العاصمة أن الأمر يحتاج إلى دعم مخصص يحافظ على كرامتهم عند إيصال المساعدات، خصوصًا مع استمرار التكاليف المرتفعة للتدفئة والطاقة المنزلية.
وفي حديثه عن السوق، يقول شادي السنان، موظف متقاعد، وهو يحمل كيس حطب: “عدنا لأيام أجدادنا، نضع الحطب بالمدفأة لتدفئة المنزل… يمكن أرخص شوي، بس مو عملي، كل شوي بدك تولّع وتنضف الرماد”.
وفي حي المزة – شيخ سعد، تقول عبير عبد الكريم، موظفة في إحدى الدوائر الحكومية: “كأننا نشتري المدفأة الكهربائية للعرض فقط. الكهرباء تقطع لساعات طويلة، وإذا تحسن وضع التقنين نُفاجأ بارتفاع الفاتورة”، مضيفة أنها تعتمد على بطانيات سميكة وسجاد إضافي لتأمين الدفء.
ويصف أبو حلدون، صاحب محل أدوات منزلية في الشاغور، حركة السوق قائلاً: “الحركة قوية بالنظر فقط، وليس بالبيع. الناس تسأل عن الأسعار فقط، الجميع يريد تأمين وسيلة تدفئة، لكن الأسعار فوق الاحتمال”. ويضيف أن الطلب على الإصلاح ارتفع بنسبة 60% مقارنة بالعام الماضي، فيما تراجع البيع إلى أدنى مستوياته، لافتًا إلى أن كثيرًا من العائلات تعتمد على المدافئ المستعملة أو تصنع حلولًا مؤقتة لتقليل التكاليف.
من جانبه، أكد عبد العزيز المعقالي، رئيس جمعية حماية المستهلك في دمشق وريفها لـ” العربي الجديد”، أن الأسواق المحلية شهدت هذا العام دخول أنواع جديدة من المدافئ، وأن تعدد المصادر ساعد في بقاء الأسعار ضمن حدود “مقبولة”. وأضاف أن الجمعية تتابع الأسواق بشكل دائم لضمان الالتزام بالمواصفات السورية الخاصة بالسلامة والجودة، وشدد على أهمية سماكة المعدن المستخدم في صناعة المدافئ لتفادي أي مخاطر على المستخدمين.
رغم تنوع الخيارات وارتفاع الأسعار بشكل محدود، يبقى الشتاء في دمشق صعبًا على المواطن العادي، الذي يجد نفسه مضطرًا للاختيار بين دفء محدود وتكاليف مرتفعة، في ظل غياب دعم حكومي مباشر لتخفيف العبء عن الأسر.
————————-
سورية تطلق برنامجاً لاستيعاب الأطفال المتسربين من التعليم/ عبد الله السعد
29 نوفمبر 2025
أطلقت وزارة التربية في سورية منهاج الفئة “ب”، في خطوة قالت إنها تستهدف إعادة دمج الأطفال المنقطعين عن الدراسة في المسار التعليمي الرسمي. ويسمح البرنامج الجدي بدمج عامين دراسيين في عام واحد، ويأتي استجابةً لتزايد حالات التسرّب خلال السنوات الماضية، ومحاولة لفتح نافذة عودة أمام الطلاب الذين غادروا المدرسة مبكراً أو لم يلتحقوا بها في الوقت المناسب.
ورغم الطابع الرسمي للإعلان، فإن أصداءه بدت أكثر وضوحاً لدى العائلات التي عاش أبناؤها سنوات طويلة خارج المدرسة. يقول لـ”العربي الجديد” محمد عبد الغانم، العائد مؤخراً من لبنان بعد أعوام من العمل هناك، إن اثنين من أولاده لم يتمكنا من الانتظام في المدارس بسبب تنقّل العائلة المتكرر. ويضيف: “كبروا عملياً خارج النظام التعليمي. حين حاولت إعادتهم إلى المدرسة، كان الفارق بينهم وبين أقرانهم هائلاً. برنامج يضغط الزمن ويعيد ترتيب الأساسيات قد يمنحهم فرصة لا تتكرر”.
رأي مشابه تبديه نسرين الحفيان، المعروفة بـ”أم يحيى”، والتي عاشت عائلتها تجربة مماثلة بعد إقامة طويلة في مصر. تقول لـ”العربي الجديد” إن ابنتها الكبرى فقدت اهتمامها بالدراسة بعدما ابتعدت عنها طويلاً، مضيفة: “عودة ابنتي إلى المدرسة كانت تبدو شبه مستحيلة. أشعر أن برنامجاً مثل الفئة ب يمكن أن يساعدها على تجاوز شعور الانقطاع، ويخفف خوفها من دخول صف يضم أطفالاً أصغر منها”.
ومن داخل الصفوف، يبدو المشهد أكثر تعقيداً بالنسبة للمعلمات اللواتي يتعاملن يومياً مع هذه الفئات. هناء عبد العزيز، وهي معلمة في أحد برامج الدعم التعليمي، تقول لـ”العربي الجديد” إن المشكلة الأساسية لا تكمن في المحتوى المكثف، بل في إعادة بناء الثقة لدى الأطفال. وتوضح: “الكثير منهم يعود مقتنعاً بأنه متأخر جداً أو غير قادر على اللحاق بزملائه. مهمتنا الأولى هي أن يشعر بالأمان والانتماء قبل أن نطالبه بتحصيل معرفي سريع”.
في المقابل، يقدّم مدير المركز الوطني لتطوير المناهج، عصمت رمضان، مقاربة رسمية للموضوع. إذ يوضح لـ”العربي الجديد” أن تصميم المنهاج جاء استجابة لواقع آلاف الأطفال الذين خرجوا من المدارس بفعل ظروف اجتماعية واقتصادية أو بسبب السكن في مناطق ريفية نائية. ويؤكد أن الهدف ليس فقط تعويض الفاقد التعليمي، بل إعادة بناء الثقة لدى المتعلمين ومنحهم إحساساً بأن العودة إلى المدرسة ممكنة بلا شعور متراكم بالتأخر أو الفجوة المعرفية.
ويعتمد المنهاج على تسريع العملية التعليمية من خلال دمج مضامين عامين دراسيين في فصلين مكثّفين، ينتقل عبرهما الطلاب بناءً على امتحانات دورية. ويستهدف البرنامج الفئة العمرية بين 8 و15 عاماً، ما يجعله خياراً شبه وحيد للأطفال الذين تجاوزوا العمر الطبيعي للصفوف الأساسية لكنهم لا يزالون يملكون الرغبة في متابعة تعليمهم.
ويشدّد رمضان على أن أهمية البرنامج تتجاوز البعد الأكاديمي إلى تعزيز العدالة التعليمية وتقليل الأمية، إلى جانب كسر العزلة التي يشعر بها الكثير من الأطفال المنقطعين عن الدراسة. ويصف المنهاج بأنه “فرصة ثانية” قادرة على تغيير مسار حياة طفل حُرم من التعليم في الوقت المناسب.
وترى الوزارة أن إطلاق منهاج الفئة “ب” يشكّل خطوة إضافية نحو تعليم أكثر شمولاً، في ظل الحاجة المتزايدة لبرامج تعويض قادرة على استيعاب الفاقد الذي خلّفته سنوات الأزمة وتوفير مسار واقعي للاندماج مجدداً في النظام التربوي الرسمي. وبين تطلعات الأهالي وتجارب المعلمات والدفع الحكومي لهذا المشروع، يبقى الاختبار الحقيقي في مدى قدرة البرنامج على تحويل سنوات الانقطاع إلى نقطة انطلاق جديدة، لا إلى عبء يثقل طريق العودة إلى المدرسة.
ورغم حديث وزارة التربية عن برامج لتعويض الفاقد التعليمي، يبقى حجم التسرّب أحد أكبر التحديات التي تواجه المنظومة التعليمية في سورية. فبحسب تقديرات منظمات دولية، يتراوح عدد الأطفال خارج المدرسة بين 2.4 و2.5 مليون طفل، فيما يصنَّف أكثر من 1.6 مليون على أنهم مهددون بالانقطاع في أي لحظة. وتكشف هذه الأرقام عن فجوة كبيرة بين قدرة المدارس على الاستيعاب وظروف النزوح والفقر وغياب الاستقرار التعليمي التي يعيشها الأطفال، ما يجعل أي مبادرة لإعادة دمجهم – مثل منهاج الفئة “ب” – أمام مهمة تتجاوز حدود الصف لتلامس بنية التعليم نفسها.
——————
“الاقتصاد الأخضر” في سوريا.. طموح تعوقه تكاليف التحول/ مارينا مرهج
تبحث سوريا اليوم عن مسارات جديدة لإعادة البناء وتحقيق قدر من التعافي المستدام، بعد سنوات طويلة من الحرب وما خلّفته من دمار واسع في البنية التحتية والاقتصاد.
وبين ضغوط المعيشة، وشحّ الموارد، وتراجع الخدمات الأساسية، يبرز مفهوم “الاقتصاد الأخضر” كأحد الخيارات المطروحة على طاولة النقاش الرسمي والاقتصادي، بوصفه مدخلًا للتنمية طويل الأمد، وفرصة لإعادة الإعمار وفق أسس بيئية أكثر استدامة.
غير أن هذا التحول يصطدم بجملة من التحديات الاقتصادية والتقنية والتشريعية، تفرض واقعًا مختلفًا عن الطموحات المعلنة، وتطرح تساؤلات حول القدرة على المواءمة بين متطلبات العيش اليومي ومتطلبات التنمية الخضراء.
انتقال تدريجي محفوف بالمخاطر
يؤكد معاون وزير الإدارة المحلية والبيئة لشؤون البيئة، يوسف حسان شرف، في حديث إلى عنب بلدي، أن التوجه نحو الاقتصاد الأخضر يعكس طموحًا بمستقبل أكثر استدامة، إلا أن الواقع الراهن يفرض تحديات كبيرة أمام هذا الانتقال، ما يتطلب اعتماد استراتيجية تدريجية ومدروسة لتفادي العقبات المحتملة.
ويشير إلى أن الجهود تتركز على تحقيق العدالة في الانتقال، وجذب التمويل المناخي، وتمويل المشاريع من خلال الصناديق الداعمة، إلى جانب السعي لتوطين التكنولوجيا وبناء القدرات.
ويحذر شرف من انعكاسات محتملة للتحول، تتمثل في زيادة التكاليف، وانخفاض فرص التنافسية الاقتصادية، ومخاطر الانتقال غير العادل، فضلًا عن تهديد الصادرات التقليدية، إذ تواجه سياسات “الاقتصاد الأخضر” في سوريا تحديات كبيرة، في مقدمتها الضغوط الاقتصادية، ومحدودية الموارد، وصعوبات استيراد التقنيات الخضراء بسبب العقوبات والقيود، ما ينعكس على ضعف جذب الاستثمارات.
كما تبرز الحاجة إلى اكتمال تطوير الأطر التشريعية الداعمة بالتنسيق بين الجهات المختلفة، ورفع مستوى الوعي المجتمعي في ظل الظروف المعيشية الصعبة، إضافة إلى التكاليف الباهظة المتوقعة لعملية التحول.
“الاقتصاد الأخضر” في مسار إعادة الإعمار
تعمل الحكومة السورية، على دمج مبادئ الاقتصاد الأخضر ضمن خطط التنمية وإعادة الإعمار، بحسب ما كشفه معاون الوزير، من خلال الاستثمار في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، باعتبارها جزءًا من خطة وطنية للتعافي.
كما تشمل الجهود إعادة تشجير المناطق المتضررة، وإزالة التلوث عن مصادر المياه، وتحسين إدارة النفايات، واستعادة التوازن البيئي، إضافة إلى التوجه نحو الزراعة المستدامة كخيار استراتيجي لتحقيق الأمن الغذائي.
وتطرح التنمية المستدامة كمبدأ أساسي في المحافل الدولية، ولا سيما في مؤتمرات المناخ، حيث دعت سوريا إلى تعزيز التعاون في مجالات التنمية الخضراء، مع العمل على حضور مفاهيم الاستدامة والاقتصاد الأخضر ضمن المشاريع القائمة والمستقبلية.
وتسخر وزارة الإدارة المحلية والبيئة، وفق شرف، جهودًا مؤسسية وتقنية لتعزيز الاقتصاد الدائري وكفاءة الطاقة والاستدامة، ولا سيما في مرحلة إعادة الإعمار وتأهيل البنى التحتية.
وتشمل هذه الجهود التوجه نحو الطاقة المتجددة للتخفيف من عجز الكهرباء، واعتماد إجراءات مستدامة في إدارة النفايات، ودعم الأبحاث في مجالات الطاقة المتجددة والزراعة المستدامة.
كما يجري التأكيد على تطبيق أسس تقييم الأثر البيئي للمشاريع، وإعادة توزيع النشاطات الصناعية وفق المعايير البيئية، بما يهدف إلى حماية الموارد الطبيعية وتحقيق التنمية المستدامة، لافتًا أن هذه التوجهات لا تزال بحاجة إلى مزيد من الجهود لتبني استراتيجية وطنية شاملة للاقتصاد الأخضر.
المستشار التنفيذي لشؤون التخطيط والمتابعة في وزارة الاقتصاد والصناعة، رازي محيي الدين، قال لعنب بلدي، إن الاقتصاد الأخضر يشكل فرصة استراتيجية لتعزيز التنمية المستدامة رغم التحديات، لما يوفره من استخدام أكثر كفاءة للموارد، وخفض للتكاليف على المدى الطويل، إلى جانب دعمه للشمول الاقتصادي وتقليل الضغط على البيئة.
ويؤكد أن التحول ممكن عبر خطوات تدريجية ومرنة، مع التركيز على مشاريع ذات أثر اقتصادي مباشر، مثل الطاقة الشمسية، وإدارة النفايات، والزراعة المستدامة، بما يتوافق مع أولويات إعادة الإعمار وتحسين الواقع المعيشي.
وبينما تبقى ملفات إعادة الإعمار، وتوفير فرص العمل، واستقرار الأسواق أولوية، فإن دمج مبادرات “الاقتصاد الأخضر” ضمن هذه الملفات يحقق قيمة مضافة مزدوجة تتمثل في التنمية المستدامة ورفع كفاءة الموارد.
بنى تحتية متهالكة وفرصة إعادة البناء
تعاني البنية التحتية في سوريا من تدهور واسع يشمل مختلف القطاعات الحيوية، ما يزيد من تحديات الانتقال إلى الاقتصاد الأخضر.
ففي قطاع الطاقة، أوضح شرف أن الشبكات الكهربائية تعرضت لدمار كبير، ويقل الإنتاج عن نصف الاحتياج الفعلي، رغم توافر مصادر الطاقة المتجددة.
وفي النقل، تدهورت شبكات الطرق وتَقادَمَت المركبات، مشيرًا إلى إمكانية مستقبلية للتحول إلى النقل الكهربائي وبناء شبكات مستدامة.
أما في قطاع المياه، فتعاني الشبكات من دمار واسع، وتتعرض المياه الجوفية للتلوث والاستنزاف.
في حين يفتقر قطاع النفايات إلى بنية تحتية فعالة مع انتشار المكبات العشوائية، ما يفتح المجال أمام تأسيس نظام متكامل من الصفر.
وتقوم الاستراتيجية الحالية بحسب معاون الوزير لشؤون البيئة، على التدرج في التنفيذ، والتركيز على الحلول اللامركزية والصغيرة، ودمج الاستدامة في مشاريع إعادة الإعمار، مع إعطاء أولوية لقطاعي الطاقة والمياه.
ورغم التحديات، يرى شرف أن الواقع القائم يتيح فرصة لبناء بنية تحتية خضراء جديدة بدل الاكتفاء بإصلاح النظام التقليدي.
ويشدد رازي محيي الدين على أن قطاعات الطاقة المتجددة، والزراعة المستدامة، والنقل من أكثر القطاعات قابلية لبدء التحول الأخضر، نظرًا لقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة سريعة وتحفيز الاستثمار.
كما تمثل الظروف المناخية في سوريا فرصة حقيقية للتحول، في ظل غناها بالشمس والرياح والمصادر الطبيعية، ما يجعل التحول الأخضر خيارًا اقتصاديًا وبيئيًا في آن واحد.
إجراءات عملية في ثلاثة قطاعات
عرض يوسف حسان شرف، في حديثه لعنب بلدي، عددًا من التشريعات التي صدرت لتعزيز “الاقتصاد الأخضر”، ففي قطاع الطاقة المتجددة، صدر قانون استثمار يمنح إعفاءات ضريبية وجمركية، ويسمح للقطاع الخاص ببيع الطاقة الفائضة، إلى جانب تنفيذ مشاريع نموذجية للطاقة الشمسية في المناطق الصناعية والمباني الحكومية، مع تبسيط إجراءات الترخيص والاستيراد.
بالإضافة إلى القرار رقم “154” لعام 2025 لتنظيم مشاريع الطاقة المتجددة وربطها بالشبكة العامة، ويشمل المشاريع الصغيرة باستطاعة بين 2 و10 ميغاواط، مع منح تراخيص لمدة 20 عامًا قابلة للتجديد.
وفي قطاع إدارة النفايات، يجري العمل على إعادة هيكلة القطاع، وإنشاء وحدات متخصصة في البلديات، مع إدراج مشاريع التدوير ضمن الأولويات، ومنح إعفاءات جمركية وأراضٍ بأسعار رمزية، إضافة إلى تنفيذ مشاريع تجريبية بالتعاون مع منظمات دولية.
أما في مجال الزراعة المستدامة، فقد جرى دعم الزراعة العضوية عبر إصدار شهادات وتقديم دعم فني، وتنفيذ مشاريع الري الحديث في المناطق الجافة، إلى جانب توفير تسهيلات وقروض ميسرة للمستثمرين في هذا المجال.
وبيّن شرف أن التوجهات الحكومية تعمل على تحديث الأطر التشريعية والتنظيمية لدعم المشاريع الخضراء، ولا سيما في قطاع الطاقة المتجددة، ويشمل ذلك العمل على تعديل قانون البيئة رقم “12” لعام 2012 ليضم مفاهيم الاقتصاد الأخضر، مع إدراج مواد تحفز المشاريع الصديقة للبيئة.
كما يجري العمل على تطوير قانون الاستثمار رقم “18” لعام 2021، لمنح حوافز إضافية للمشاريع الخضراء، خاصة في مجالي الطاقة المتجددة وإدارة النفايات.
كما تعمل الجهات المعنية أيضًا على تحديث المواصفات البيئية الفنية للقطاعات المختلفة، ووضع معايير للبناء الأخضر وكفاءة الطاقة، إلى جانب دراسة إعفاءات للمشاريع المستدامة ووضع أسس تشجع المنتجات الصديقة للبيئة.
بوابة محتملة للتمويل الدولي
ترى وزارة البيئة أن انخراط سوريا في العمل البيئي والمناخي العالمي، وانضمامها إلى الاتفاقيات البيئية، يشكّل مدخلًا استراتيجيًا لجذب التمويل الدولي وربط إعادة الإعمار بمبادئ الاقتصاد الأخضر.
غير أن هذا المسار، وفق شرف، يحتاج إلى دراسة دقيقة، واعتماد استراتيجية تدريجية تضمن الانتقال العادل، وتأخذ بالحسبان الفجوة بين الطموح والواقع والتحديات، وضرورة مواءمة الأنظمة الخضراء مع البنية التحتية القائمة، إلى جانب موازنة التنمية بين المناطق.
بالمقابل، يرى المستشار التنفيذي لشؤون التخطيط والمتابعة في وزارة الاقتصاد والصناعة، رازي محيي الدين، أنه يمكن للمجتمع المحلي والقطاع الخاص أن يشاركا في التحول عبر الاستثمار في مشاريع الطاقة الشمسية والزراعة الذكية، والمبادرات المجتمعية لإعادة التدوير والحفاظ على الموارد، إلى جانب عقد شراكات مع الحكومة لتطبيق معايير الاستدامة في الإنتاج والخدمات.
ويرى محيي الدين أن الاقتصاد الأخضر يشكّل مدخلًا رئيسًا لجذب التمويل الدولي لإعادة الإعمار، في ظل توجه المؤسسات الدولية نحو دعم المشاريع المستدامة والشفافة، بما يوفر رأس المال والخبرة الفنية لتحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام.
فرص تشغيلية ونمو اقتصادي
يمكن للاقتصاد الأخضر، بحسب محيي الدين، أن يسهم في خلق فرص عمل جديدة في مجالات الطاقة المستدامة والزراعة الذكية، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وخفض تكاليف الإنتاج، إلى جانب جذب الاستثمارات الدولية المهتمة بالاستدامة، بما يدعم النمو الاقتصادي ويرفع مؤشرات التنمية.
في المقابل، تبرز تحديات التمويل، والتشريعات، والبنية التحتية كعقبات رئيسة، إلا أن تجاوزها ممكن عبر الشراكات الدولية والدعم الإقليمي، ولا سيما من السعودية والمستثمرين العرب.
عنب بلدي
———————-
بريطانيا تخطط لإطلاق مشاريع استثمارية جديدة في سوريا
مجلس الأعمال السوري البريطاني يهدف إلى دعم القطاع الخاص وتطوير التعاون بين رجال الأعمال
الرياض – العربية
01 ديسمبر ,2025
أعلنت الحكومة السورية عن إطلاق مجلس الأعمال السوري البريطاني ضمن خطة لبناء شراكات عمل متبادلة المنفعة بين الشركات والجامعات والمنظمات العاملة في جميع أنحاء سوريا والمملكة المتحدة على الصعيد الدولي، والمساهمة في تنمية سوريا من خلال تحسين بيئتها التجارية والتعليمية.
وقال وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار، إن انعقاد مجلس الأعمال السوري البريطاني في دمشق يمثل انطلاقة مهمة تعكس عودة سوريا إلى المجتمع الدولي واستعادة مكانتها الاقتصادية.
وأضاف الشعار أن مثل هذه المجالس تمثل منصة لتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص وتشجيع الفرص الاستثمارية، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.
وقال وزير المالية السوري محمد يسر برنية، إن المجلس يعد منصة لتعزيز فرص العمل وتنمية العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين في ظل توفر فرص استثمارية واعدة في سوريا.
وأشار إلى ضرورة تعزيز التعاون بين رجال الأعمال السوريين والبريطانيين لضمان استقطاب الاستثمارات وحفظ رؤوس الأموال للعمل في سوريا.
وأشار مستشار مجلس الأعمال السوري البريطاني جون ويلكس إلى أهمية المجلس في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا وبريطانيا بعد سنوات من التراجع، موضحاً أن المجلس يهدف إلى دعم القطاع الخاص وتشجيع الاستثمار، وتطوير التعاون بين رجال الأعمال السوريين والبريطانيين.
وكشف ويلكس عن تنظيم مؤتمر تجاري قريب في دمشق لاستضافة رجال الأعمال وبدء مشاريع مشتركة.
———————–
===================
تحديث 29 تشرين الثاني 2025
—————————
في سوريا.. النزوح الداخلي يعيد تشكيل المجتمع والاقتصاد/ عمار عبد اللطيف
النزوح الداخلي في سوريا.. أزمة متجذّرة تعيد تشكيل المجتمع والاقتصاد
2025-11-29
تواصل أزمة النزوح الداخلي إحداث تغييرات عميقة في المجتمع السوري، بعدما تحولت إلى ظاهرة ممتدة تفرض نفسها على الحياة اليومية لملايين السكان، إذ تعيش عائلات كثيرة في ظروف شديدة الصعوبة، بين منازل مهدّمة وخيام مهترئة ومراكز إيواء مؤقتة، وتعتمد في معظم الأحيان على مساعدات غذائية أو نقدية محدودة لا تلبي سوى الحد الأدنى من احتياجاتها.
ويواجه النازحون تحديات تتصاعد مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتقلص فرص العمل، فيما يفاقم نقص المياه والكهرباء وسوء البنية التحتية معاناتهم، خاصة في المخيمات التي تفتقر لأبسط مقومات الحياة، وقد أدى تراجع المساعدات الدولية خلال السنوات الأخيرة إلى زيادة الفجوة بين الاحتياجات الحقيقية والإمكانات المتاحة.
آثار عميقة
هذا الواقع الذي يعيشه السوريون ترك آثاراً اجتماعية واقتصادية عميقة، إذ تغيّرت التركيبة السكانية في عدد من المدن، وازدادت الضغوط على الخدمات الأساسية، فيما باتت فئات واسعة تعيش حالة من عدم الاستقرار الدائم، ومع استمرار الأزمات الاقتصادية والأمنية، تبدو عودة كثير من الأسر إلى مناطقها الأصلية أمراً معقداً، ما يجعل النزوح الداخلي أزمة مستمرة ذات تداعيات طويلة الأمد على المجتمع السوري ومستقبله.
ويقول الدكتور صلاح قيراطة، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، إن موجات التهجير الداخلي في سوريا أحدثت تحولات سكانية واجتماعية عميقة ستبقى آثارها ممتدة لأجيال، وأن هذه الموجات لم تكن مجرد حركة اضطرارية بحثاً عن الأمان، بل تحولت إلى عامل يعيد رسم الخريطة الديموغرافية للبلاد.
ويضيف في حديث لـ”963+”، أن المدن السورية التي كانت نابضة بالحياة فقدت أكثر من نصف سكانها، بينما شهدت مدن أخرى تضخماً كبيراً نتيجة استقبال النازحين، ما أدى إلى تغييرات غير مسبوقة في النسيج الاجتماعي، وأن الهويات المحلية التقليدية تآكلت بعد اندماج مجموعات جديدة مع السكان الأصليين تحت ضغط الضرورة، وليس الثقة، وهو ما يخلق مجتمعات هشّة معرضة للتوترات المستمرة.
ويوضح أن النزوح أعاد توزيع مراكز النفوذ الاقتصادي والاجتماعي، إذ تراجعت أهمية بعض الحواضر الكبرى، مقابل صعود مدن صغيرة تحولت إلى مراكز مكتظة، ما يعيد تشكيل توازنات القوة ويؤثر مستقبلاً في أي تسوية سياسية أو ترتيبات للسلطة.
وتلقى الاقتصاد السوري ضربات قاسية، فالمدن التي فقدت سكانها خَسرت طاقاتها الإنتاجية ومهاراتها، فيما واجهت المدن المستقبلة ضغطاً يفوق قدرتها على الاستيعاب، ما تسبب في انهيار الأسواق المحلية وارتفاع نسب الفقر والتوتر الاجتماعي، وأن سوريا اليوم تختلف جذرياً عن سوريا ما قبل 2011 ديموغرافياً واجتماعياً واقتصادياً، وأن أي مشروع سياسي لا يأخذ هذا الواقع أساساً سيبقى “طموحاً معلّقاً”، وفق ما يذكره قيراطة.
توتر دائم
يشدد قيراطة، على أن الأسر النازحة تعيش حالة توتر دائم بين وطن فقدته وواقع مؤقت تحوّل إلى إقامة طويلة الأمد، حيث تقطن هذه الأسر مساكن مؤقتة أو مستأجرة بأسعار مرتفعة، أو تلجأ إلى مراكز إيواء غير مهيأة لاستيعاب أعداد كبيرة، ما يجعل فكرة الاستقرار شبه معدومة، وأن الضغط على الخدمات في المدن المستقبلة، من مدارس وطاقة ومياه وصحة، يفاقم معاناة النازحين ويحد من فرص وصولهم إلى سوق العمل، ما يزيد اعتمادهم على مساعدات غير مستقرة.
ويضيف أن العودة إلى المناطق الأصلية ما تزال حلماً بعيداً بالنسبة لكثيرين، بسبب الدمار الواسع والمخاطر الأمنية والتغيرات السكانية، فضلاً عن غياب ضمانات قانونية وسياسية واضحة، وأن أي عودة تحتاج إلى إطار شامل يحمي الحقوق العقارية ويضمن السلامة الشخصية وإعادة تأهيل البنية التحتية.
أما في ما يتعلق بخطوات ضمان عودة آمنة وكريمة للمهجّرين، يشير قيراطة إلى أن هذا الملف يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة والمجتمع على استعادة التوازن الوطني، ويجب توفير ضمانات سياسية وقانونية تحمي حقوق العائدين وممتلكاتهم، وتمنع أي ملاحقات أو اعتداءات، إلى جانب وضع إطار قانوني واضح لاستعادة العقارات التي استولى عليها آخرون خلال سنوات النزوح.
ويرى أن نجاح العودة يتطلب إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية، وخلق فرص عمل تساعد السكان على إعادة الاندماج، وإنشاء آليات متخصصة لمعالجة النزاعات العقارية والاجتماعية، إضافة إلى أهمية تعزيز المصالحات المحلية لمنع الاحتكاكات بين العائدين والمجتمعات المضيفة، مع مراقبة التوزيع السكاني للحيلولة دون استغلال العودة لتحقيق أهداف سياسية ضيقة.
اقرأ أيضاً: مشهد الجنوب السوري بين إعادة التموضع الروسي ورفع الجاهزية الإسرائيلية – 963+
“مجتمعات أقل تماسكاً”
يحذّر علي متولي، الاستشاري الاقتصادي في شركة “آي بي إس” للاستشارات في العاصمة البريطانية لندن، من أن موجات النزوح الواسعة في سوريا خلال العقد الأخير أنتجت مجتمعات هجينة أقل تماسكاً وخلقت طبقة كبيرة من السكان غير المستقرين مكانياً، ما ينعكس مباشرة على التعليم والصحة وفرص العمل والهوية المحلية.
ويؤكد في حديث لـ”963+”، أن استمرار غياب الحلول السياسية والخدمية المتكاملة يجعل النزوح الداخلي في سوريا يتحول من حالة مؤقتة إلى وضع دائم قد يُحدث تغييرات ديموغرافية عميقة لسنوات طويلة، وأن العودة الآمنة تتطلب منظومة شاملة تبدأ بالمسار السياسي ولا تنتهي بالخدمات، وعليه فإن الخطوة الأولى هي توفير ضمانات أمنية حقيقية عبر اتفاقات واضحة تحمي العائدين من الاعتقال والانتقام والتمييز، مع ضرورة وجود التزام دولي وإقليمي يضمن تنفيذ هذه الاتفاقات.
ويوضح أن إعادة الإعمار يجب أن تُدار عبر برنامج وطني على مراحل، يركز أولًا على المناطق التي شهدت أكبر موجات نزوح، ويشمل إصلاح البنى التحتية، وتأمين السكن منخفض التكلفة، وتأهيل المدارس والمراكز الصحية، إضافة إلى حل ملف الملكية العقارية عبر آلية شفافة تضمن استعادة الحقوق أو تعويض المتضررين، وأن هذا الملف أحد أكبر العوائق أمام العودة.
ويشير متولي إلى ضرورة توفير حوافز اقتصادية للعائدين، من خلال خلق فرص عمل وتمويل المشاريع الصغيرة وإعادة دمجهم في سوق العمل المحلي، وأن تجاهل هذه الخطوات قد يؤدي إلى تثبيت واقع التغيير الديموغرافي وما يحمله من آثار اجتماعية وسياسية واقتصادية بعيدة المدى.
أكبر التحديات
تتمثل أكبر التحديات التي تواجه الأسر النازحة اليوم في الاستقرار الاقتصادي والسكني، إذ تعتمد معظمها على أعمال موسمية أو غير ثابتة، وتعيش في مساكن مؤقتة أو مستأجرة بتكاليف مرتفعة، فيما تعاني الخدمات الأساسية في المدن المستقبلة، مثل الصحة والتعليم والمياه والكهرباء، من ضغط كبير يقلل جودتها ويجعل النازحين في نهاية أولوياتها، حسب ما يؤكده الاستشاري الاقتصادي.
ويتابع أن مدناً كبرى مثل دمشق وحلب واللاذقية وطرطوس شهدت كثافة سكانية غير مسبوقة نتيجة تدفق النازحين، ما أدى إلى ارتفاع الإيجارات وتغير سوق العمل، بينما تراجعت الكتلة السكانية الأصلية بشكل واضح في مدن أخرى مثل حمص ودير الزور ودرعا وإدلب، ما خلق فراغات ديموغرافية وأعاد تشكيل الخريطة الاجتماعية السورية.
وفي التاسع عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، قالت ليزا دوتن، مديرة قسم التمويل والتواصل في مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، إن أكثر من 16 مليون شخص في سوريا ما زالوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، مشيرة إلى أن انعدام الأمن والصدمات المناخية يفاقمان حجم هذه الاحتياجات.
وأوضحت أن أكثر من 180 ألف شخص ما زالوا نازحين في السويداء والمناطق المجاورة، مؤكدة أن المنظمة تعطي الأولوية للاستجابة في هذه المناطق، وتعمل بالتنسيق مع السلطات السورية والمجتمعات المتضررة لتأمين المساعدة والخدمات الأساسية، وفق ما أفاد به موقع أخبار الأمم المتحدة.
وأضافت دوتن أن خطر مخلفات الحرب ما زال قائماً، مشيرة إلى أنها أودت بحياة ستة أشخاص خلال الأسبوع الماضي فقط، بينهم طفل، ليرتفع إجمالي عدد القتلى إلى أكثر من 570 شخصاً منذ كانون الأول/ ديسمبر 2024.
وعلى الرغم من اتساع حجم الاحتياجات، قالت إن المرحلة الحالية ما تزال تحمل كثيراً من الأمل لملايين السوريين، ويظهر ذلك في تزايد أعداد من يعودون إلى ديارهم، حيث سجلت عودة 1.2 مليون شخص من الدول المجاورة، وأكثر من 1.9 مليون نازح داخلياً، إلا أنهم ما زالوا بحاجة إلى دعم يساعدهم على إعادة بناء حياتهم، خصوصاً مع اقتراب فصل الشتاء.
وأشارت دوتن إلى أن الأمم المتحدة، رغم انخفاض التمويل، تواصل تقديم المساعدات لما معدله 3.4 مليون شخص شهرياً، بزيادة بلغت 24% عن الفترة نفسها من العام الماضي، وذلك بفضل تحسن الوصول الإنساني والظروف التشغيلية، مشيرة إلى وجود فرصة حقيقية اليوم لإيصال مزيد من المساعدات إلى المستحقين، إلى جانب وجود مسار عملي لدعم التعافي والتنمية بما يقلل من الاعتماد على المساعدات الطارئة.
وقدمت المسؤولة الأممية ثلاثة مطالب رئيسية للمجتمع الدولي، شملت استمرار الجهود لتهدئة بؤر التوتر ومنع اندلاع أعمال عنف جديدة، وزيادة تمويل العمليات الإنسانية التي لم يُموَّل منها حتى الآن سوى 26% مع اقتراب نهاية العام، بالإضافة إلى استثمارات واسعة وملموسة في مجالي التنمية وإعادة الإعمار.
+963
—————————
“الأمن الغذائي” في خطر.. هل سيواجه السوريون الجوع مجدداً؟/ ناظم عيد
الجمعة 2025/11/28
تتوالى ارتفاعات أسعار المنتجات الزراعية السورية بشكل متسارع، لتعود إلى المعدلات العالية “القاهرة للمستهلك” التي درجت عليها لسنوات ما قبل التحرير، ما يعني أن ثمة مشكلة بنيوية في منظومة الأمن الغذائي السوري ينظر إليها خبراء الزراعة والاقتصاد بعين القلق، خصوصاً وأن مجمل الحراك التنفيذي الجديد بدا متجهاً نحو ترميم البنى والبيئة الحاضنة للاقتصاد الريعي بالدرجة الأولى، لتظهر حصة الزراعة كأَساس لمكنة الإنتاج المحلّي الأقل عنايةً بشكل واضح ومثير للهواجس.
هذا في وقت كان يتوقع مراقبون أن يكون قطاع الزراعة “حامل الأمن الغذائي السوري” أولوية متقدمة في سياسات الإدارة الجديدة، وهو ترقّب ملحّ لمبادرات إنقاذ مفترضة بعد أن تراكمت الأخطاء، بل والارتكابات بحق قطاع الريادة الفعلية في الاقتصاد السوري، عبر سياسات يصحّ وصفها بأنها تعسفية، بدت معها الحكومات المتعاقبة على إدارة موارد البلاد كمن يلقي سلاحه الفعّال ويحارب طواحين الهواء بسيوف من خشب. إذ اتبعت الإدارات “الدونكيشوتية” خلال العقدين والنصف الأخيرين سياسات اتسمت بخصلة الانفصال القسري عن الواقع، وكأنها فعلاً تحارب ولا تدعم نقاط القوة والميزات النسبية والمطلقة في الاقتصاد السوري “الزراعة بشقيها والتصنيع الزراعي بمضماره الواسع”.
لفحات الليبرالية العمياء
الحقيقة أن أكثر ما كان يستفزنا كإعلاميين ومتابعين للشأن الاقتصادي على مدى سنوات طوال هو تلك الاجتماعات الكبرى التي كانت تصر الإدارة التنفيذية على وصفها بــ”النوعية”، والتطورات المتسارعة كزخ المطر ما بعد العام 2005، في سياق تعظيم نهج ليبرالي أجوف في غير وقته وبيئته تحت مسمّى “اقتصاد السوق الاجتماعي”، تم اختراعه في المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث الحاكم، وثبت حينها أن معظم، إن لم يكن كل مسؤولي الحزب، لم يكن لديهم إلمام ولو بشكل أولي بفحوى مصطلح اقتصاد السوق وملحقه “بدعة الاجتماعي”.
ونتيجةً لمجمل تفاصيل ذلك المشهد الكئيب، شهدت سوريا بعد العام 2005 ملامح “قهر معلن” للفلاح كما لكل العاملين والمتعيشين من قطاع الزراعة، انطوت عليه الخطة الخمسية العاشرة، وإن لم تُتح المستجدات المفاجئة في العام 2011 إعلان الخطة الخمسية الحادية عشرة التي كانت عبارة عن “سِفر رأسمالي متوحش”، فإن تطورات عجيبة ومثيرة للدهشة حصلت، كانت كلها تشي بظاهرة الشغف المريب بإلقاء “عباءة النعمة والخصوصية السورية” والوقوع في غواية تقليد الآخر، على الرغم من التباين الصارخ في المعطيات والمفردات واللغة التنموية والبيئة الكلية بين سوريا وذاك الآخر أياً يكن.
فصام وشيزوفرينيا تنفيذية
كم كان مريعاً مع ذروة الأحاديث الساخنة عن الحصار والعقوبات والخناق الاقتصادي، وعلى إيقاع صراخ الفلاحين على امتداد الجغرافيا السورية من نقص الأسمدة والمبيدات والمحروقات، وضجيج البادية من نفوق أعداد هائلة من الماشية جوعاً، أن تشهد تلك القاعة الشهيرة في مبنى رئاسة مجلس الوزراء “قاعة السياسات” المجاورة لمكتب رئيس المجلس اجتماعات عصف ذهني مفتعل هدفها المزعوم توطين مطارح ما يسمى “اقتصاد المعرفة” ومستلزماته من صناعة البرمجيات ومنتجات التكنولوجيا الذكية، ومتى؟ في يوم شتائي بارد يلجأ فيه فقراء عشوائيات كفرسوسة و”حي الإخلاص” على بعد أمتار من “مبنى الرئاسة” إلى الحطب وسكراب المنازل للتدفئة، كما معظم الريف القريب والبعيد، بسبب غياب المازوت، وغياب الوقود يعني شلل الزراعة وتشتت مئات آلاف الأسر الريفية وانعدام أسباب استمرارها.. أي كان عنوان المشهد التنفيذي العام “حدوتة مسلية عنوانها تكنولوجيا على الحطب”.
أي في المحصلة لم تُنجز أية مقاربة عملية لاقتصاد المعرفة، لكن استمرت متوالية تراجع نسبة مساهمة الزراعة في الناتج المحلي السوري بشكل صارخ، وهي متوالية بدأت أولاً بتقهقر يُجزم أصحاب ذهنية المؤامرة بأنه “مُدار ومخطط”.
تقهقر مُدار
وبالفعل مريب أن تكون نسبة تراجع مساهمة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي من 35 في المئة في العام 2005 إلى أقل من 17 في المئة في العام 2010 وفق آخر مجموعة إحصائية صدرت في البلاد، واستمر الانهيار الدراماتيكي للقطاع إلى مستويات هزيلة بعد 2011، وبات المواطن السوري يشهد في أسواقه كافة أشكال وأصناف المنتجات الزراعية المستوردة، حتى البطاطا والبصل، وجرى في بعض السنوات توزيع البصل كمقنن غذائي على البطاقة الذكية التي أمست أهم من بطاقة الهوية الشخصية في أعراف الأسر السورية، طبعاً ولا ننسى خبز المواطن والقمح المستورد “حاجة البلاد 3.5 مليون طن لزوم صناعة الخبز تنتج منها أقل من 700 ألف طن بعد أن كانت تنتج 5 ملايين طن”.
وإن كان التراجع الأخير يجد من يبرره بالظروف العامة، لكن لا أحد يملك قليلاً من ملكات التحليل يستطيع فصله عن متوالية تقهقر القطاع على خلفيات سياسات سميت “ليبرالية” تعاملت مع قطاع الأمن الغذائي السوري وكلمة السر المفتاحية في التنمية بعقلية التاجر الفاشل الذي ظن نفسه “شاطراً”. ويعلم كل متابع أن بداية مسلسل الانحدار كانت مع تحرير أسعار حوامل الطاقة وبعدها الأسمدة والمبيدات، لتظهر النتيجة بعد أول موسم من الإجراء تراجع المساحات المزروعة إلى النصف تقريباً، وقد وجدت الحكومة حينها شماعة التبرير المباشر، وضخمت نتائج موجة الجفاف التي ضربت البلاد والمنطقة بين العامين 2006 و2010 لإظهارها على أنها السبب وليست الإجراءات والقرارات الارتجالية. وهنا علينا أن نذكر ما يشبه الصراع بين تيارين في الحكومة آنذاك: الأول تيار محمد ناجي عطري رئيس مجلس الوزراء، والثاني تيار عبد الله الدردري النائب الاقتصادي “الليبرالي الذي اتهم حينها بمحاباة وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين”.
الفساد.. شعرة قصمت
يسرد أحد مسؤولي القطاع الزراعي حادثة أشبه بالنكتة في سياق حديثه عن دور الفساد في تحطيم أهم قطاع تنموي في سوريا، ففي جولة رافق الرجل فيها وزير الزراعة إلى محافظته “محافظة حماه”، وبما أن الوفد الوزاري مر في قرية المسؤول وجد الأخير أن من واجبه دعوة الوزير لاستراحة غداء في منزل والدته التي استثمرت الفرصة واشتكت للوزير من عدم حصول الأسرة على مخصصاتها من مازوت الري المدعوم حكومياً، استنفر الوزير وطلب قوائم التوزيع لتكون النتيجة الموثقة على الورق أن الأسرة استلمت المخصصات، طبعاً السيدة المضيفة نفت واستنكرت، ما استوجب أن يأمر الوزير بمزيد من التدقيق، ليظهر أن من استلم وزور محضر الاستلام هي اللجنة المحلية المعنية بالتوزيع، وهي مؤلفة من ممثلين عن الفرقة الحزبية والجمعية الفلاحية والمسؤول الأمني وآخرين.
أتينا بالحادثة لنختصر طول شرح عن وقائع فساد ومتاجرة وسمسرة واسعة الطيف في توزيع مازوت الري، المازوت نادر حينها، ومثله الأسمدة والأعلاف واللقاحات البيطرية وكل مستلزمات الإنتاج الزراعي المقننة تحت مظلة الدعم المزعوم، وكانت السوق السوداء لها بالمرصاد.
إعادة إنعاش
يطول الشرح حول “خلطة الأسباب” التي أطاحت بمنظومة إنتاج لقمة السوريين، لكن المهم اليوم هو البحث عن مخارج تعيد التوازن إلى قطاع طالما كان يشغل ما يزيد عن 20 في المئة من السوريين بشكل مباشر، إضافة إلى نسبة مقاربة من المشتغلين في فرص غير مباشرة ينتجها على مستوى التجارة والتصنيع الزراعي.. لكن ماذا عن الحلول؟
في سياق رؤية الحل بمنظور استراتيجي لا تفصيلي يسلم الخبير الاقتصادي دكتور فادي عياش بأن الزراعة هي قاطرة التعافي والتنمية في سوريا. ويلفت في حديثه مع “المدن” إلى الموقع الجغرافي والتنوع المناخي اللذين منحا سوريا مزايا تنافسية مؤثرة تتفوق وتمتاز بها، وكانت تحقق الاكتفاء الذاتي الغذائي، وهو أساس التنمية وأُس السيادة. ويؤكد عياش أن القطاع الزراعي السوري كان يساهم بقرابة 35 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي وتراجع إلى 27 في المئة حتى 2005، إلا أنه تراجع إلى 17 في المئة بسبب السياسات الخاطئة المتراكمة بالإضافة إلى ظروف طبيعية قاسية وظروف الحرب أيضاً.
رؤية من خارج الصندوق
لتعافي القطاع الزراعي واستعادة دوره وزيادة مساهمته التنموية يرى د. عياش أنه لا بد من مراعاة نقطتين جوهريتين: الأولى تتعلق بمدخلات الإنتاج الزراعي، والثانية ترتبط بمخرجاته. ويجزم بأن الزراعات التعاقدية هي شرط لازم للتنمية الزراعية لضمان استقرارها وتخفيف مخاطرها والمحافظة على استدامتها. وهذا المفهوم يتضمن اعتماد التقنيات الزراعية المتطورة على كافة المنظومة الزراعية من اختيار الأنواع الأكثر ملاءمة لمتغيرات المناخ وزيادة الإنتاجية في وحدة المساحة، والري للاستغلال الأمثل لمحدودية الموارد المائية، والحصاد الأفضل، وكذلك في التخطيط للإنتاج الزراعي للاستهلاك المحلي والمعد للتصدير وتنظيم النشاط الزراعي عبر شركات مساهمة زراعية تساعد في تجاوز عقبة صغر الحيازات والتنوع الكبير في وحدة المساحة وتأمين التمويل المناسب والتنميط في الإنتاج.
الدعم على أصوله
يورد الخبير الاقتصادي مقترحاً من شأنه كبح جماح الفساد الذي اعترى القطاع، وهو تحويل الدعم المخصص للإنتاج الزراعي من دعم مدخلات إلى دعم مخرجات، ولا سيما للمحاصيل الاستراتيجية، وكذلك للمحاصيل التصديرية بما يضمن ضبط الهدر إضافة إلى مكافحة الفساد وضمان وصول الدعم لمستحقيه وتحقيق الأهداف التنموية المرجوة منه، ويفترض أن في ذلك تحقيقاً لأبعاد تنموية كلية اقتصادية واجتماعية جغرافية وديموغرافية معروفة ولا حاجة للتفصيل فيها.
تحويل التراب إلى نقود
النقطة الثانية التي يركز عليها الخبير عياش، وهي تتكامل وتتمم الأولى، تتعلق بالصناعات الزراعية التصديرية، فهي برأيه التي تضمن تكامل سلاسل القيمة المضافة وتعظيمها، وهي الأقدر على الاستثمار الأمثل للمزايا النسبية التي تتمتع بها سوريا على مستوى القطاعات الثلاث: الزراعي والصناعي والتجارة الخارجية. مع ملاحظة أن الصناعات الزراعية شقّان: الأول يتعلق بمدخلات واحتياجات الزراعة كالبذار والأسمدة والأدوية والأعلاف والمكننة الزراعية وخطوط الإنتاج الزراعي، مع ما تتطلبه من دراسات وبحوث تخصصية وتقنيات متطورة، والثاني يتعلق بمخرجات الزراعة بشقيها النباتي والحيواني من تصنيع غذائي ونسيج وألبسة وجلديات بالإضافة إلى خدمات الأرزاق الغضة كالفرز والتوضيب والتدريج والتشميع والتبريد، بالإضافة إلى اعتماد مفهوم “العلامة التجارية الجغرافية” في التسويق للمنتجات الزراعية السورية في الأسواق الدولية للاستثمار الأمثل لخصوصية وسمعة المنتج الزراعي السوري.
مفاتيح الانتعاش
في سوريا مقومات تنوع وتكامل زراعي يتكفل بكفاية عدة دول وليس مجرد 20 أو 25 مليون إنسان، لكنها نقاط قوة تحتاج إلى إدارة حاذقة واستثمار أمثل، والأهم النظر بواقعية إلى تراتب الأولويات التنموية التي تتصدرها الزراعة كقطاع حافل بالميزات النسبية والمطلقة، عندها لن يجوع سوري واحد، وسيصفق الجميع للحكومة على التقاطها رأس خيط بداية التعافي الشامل.
المدن
——————–
الأرقام تكشف حجم تهريب المحروقات بين لبنان وسوريا/ علي نور الدين
السبت 2025/11/29
منذ سقوط نظام الأسد، كثرت التقارير الإعلاميّة والحقوقيّة التي تناولت تنامي تهريب المحروقات من لبنان إلى سوريا، بالاستناد إلى شهادات ومشاهدات وتقارير مصوّرة، ومنها ما كشفته “المدن” في عدّة محطات. في بعض الأحيان، ارتبطت الظاهرة بشح الوقود في بعض المناطق السوريّة الحدوديّة، أو بفارق الأسعار بين البلدين، وكانت وتيرة عمليّات التهريب تتفاوت في كل مرحلة زمنيّة بحسب اشتداد أو تراجع حدّة هذه العوامل. وفي الأصل، كان استمرار هذه الظاهرة مسألة متوقّعة وطبيعيّة، بالنظر إلى تداخل النسيج الاجتماعي في تلك المناطق، بين جانبي الحدود، ما يجعل هذه العمليّات بالنسبة للسكّان مجرّد تبادل للسلع بحسب ما تقتضيه الحاجة.
“المدن” حلّلت أرقام واردات المحروقات إلى لبنان، للنصف الأوّل من العام الحالي، وهو ما كشف تضخّماً كبيراً في حجم المحروقات المستوردة خلال هذا العام، مقارنة بالعامين الماضيين. وهذا ما يشير إلى أنّ ما يستورده لبنان حاليًا بات يتجاوز، وبنسبة كبيرة، الحاجة المألوفة لسوقه المحلّي. بل يمكن القول إنّ حجم استيراد المحروقات عاد إلى المستويات التي عرفها لبنان خلال الحقبة التي تفشّى فيها تهريب الوقود، قبل رفع الدعم عن البنزين والمازوت في لبنان.
لكن وبخلاف “مرحلة الدعم” التي انتهت، لم يعد التهريب اليوم يشكّل أي استنزاف لاحتياطات المصرف المركزي اللبناني، كما لم يعد يؤثّر سلباً على الأوضاع النقديّة المحليّة، بل بات يدرّ العوائد للخزينة والشركات المستوردة اللبنانيّة.
الأرقام تكشف حجم الظاهرة
تشير الأرقام التي نشرها مصرف لبنان مؤخراً إلى أنّ لبنان استورد، خلال النصف الأوّل من العام الحالي، 3.33 مليون طن متري من المشتقّات البتروليّة، وهو ما يشكّل زيادة ضخمة مقارنة بحجم الاستيراد خلال النصف الأوّل من السنوات الماضية، والبالغ 2.39 مليون متري خلال العام الماضي، و2.52 مليون طن متري خلال العام 2023. وبهذا الشكل، يكون حجم استيراد المحروقات قد ارتفع خلال هذه السنة بنحو 938 ألف طن متري، خلال النصف الأوّل من العام 2025، مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق، وبنسبة ارتفاع تقارب الـ 39%.
بطبيعة الحال، سجّل لبنان خلال العام الراهن انتعاشًا نسبيًا في العجلة الاقتصاديّة، مقارنة بالعام الفائت. غير أنّ هذه الانتعاشة، المحدودة الأثر، لا تفسّر ضخامة ونسبة الارتفاع في حجم الواردات البتروليّة، وفقاً للبيانات المُعلن عنها. ولذا، من الواضح بحسب الأرقام أنّ ما يستورده لبنان لا يرتبط حصراً بحركة الطلب الداخلي، بل بارتفاع الطلب على المحروقات اللبنانيّة من الجانب الآخر من الحدود في سوريا.
وللتأكيد على هذه النقطة، يمكن التذكير بأن حجم استيراد المحروقات الحالي، خلال العام 2025، عاد ليُماثل حجم الاستيراد في الحقبة التي شهدت اتّساعاً في عمليّات التهريب، حين بلغت واردات المشتقات البتروليّة 3.22 مليون طن متري في النصف الأوّل من 2021، و3.49 مليون طن متري في النصف الأوّل 2020. مع الإشارة إلى أنّ الدعم الذي قدّمه مصرف لبنان، في تلك المرحلة، لاستيراد المحروقات، حفّز عمليّات التهريب بسبب تنامي فارق الأسعار بين جانبي الحدود.
في تصريحاته الأخيرة، أعلن عضو نقابة أصحاب المحطّات جورج البراكس أنّ متوسّط استهلاك لبنان لمادّة البنزين، خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، بلغ نحو 8.3 مليون ليتر يومياً. مع العلم أنّ البراكس نفسه، كان قدّر هذه المتوسّط بنحو 6 مليون ليتر يومياً في تصريحات سابقة عام 2023، وهو ما يؤكّد وجود زيادة بنسبة 38% بين الفترتين. هذه النسبة، التي تدل عليها تصريحات البراكس، تشابه نسبة الزيادة التي يمكن استخلاصها من مقارنة أرقام الاستيراد، التي أفصح عنها مؤخراً مصرف لبنان.
في جميع الحالات، من المهم التنويه أنّ حجم التهريب إلى سوريا خلال العام الحالي لم يكن مستقرًّا، على امتداد أشهر السنة. إذ من المعلوم أنّ أزمة شحّ المحروقات في سوريا شهدت انفراجات تدريجيّة، مع بدء تخفيف العقوبات عن النظام الجديد، بعد سقوط النظام السابق. كما تباين حجم الفروقات في الأسعار بين البلدين، بحسب القرارات التي جرى اتخاذها في كل بلد، وهو ما أثّر على حركة التهريب الحدوديّة في كل مرحلة.
فعلى سبيل المثال، بلغ ثمن ليتر البنزين في السوق الموازية في سوريا قرابة 1.66 دولار أميركي خلال شهر كانون الثاني الماضي، بعيد سقوط نظام الأسد، مقارنة بـ 0.82 دولار أميركي في لبنان، ما عنى إمكانيّة تحقيق ربح بنسبة 102% بمجرّد نقل الوقود بين جانبي الحدود.
أمّا في الوقت الراهن، بات سعر ليتر البنزين في سوريا (95 أوكتان) يقارب الـ 0.91 دولار أميركي، أي ما يعلو مثيله في لبنان بنسبة 10% فقط. ولهذا السبب، وبحسب مصادر عاملة في قطاع المحروقات، شهدت عمليّات التهريب تراجعات ملحوظة خلال الأشهر الماضية، مقارنة بالنصف الأوّل من العام.
الأثر الاقتصادي
لطالما ارتبطت ظاهرة تهريب المحروقات، في أذهان اللبنانيين، بمدلولات شديدة السلبيّة. فهذه الظاهرة كانت أحد أسباب استنزاف احتياطات المصرف المركزي، في بدايات الأزمة، حين لجأ المصرف إلى تمويل استيراد البنزين والمازوت من دولاراته بسعر الصرف الرسمي. وخلال مقابلته الأخيرة، حاول الحاكم السابق للمصرف رياض سلامة توجيه اللوم إلى هذه الظاهرة بالتحديد، وربطها بالانهيار الحاصل، حين أشار إلى أنّ لبنان كان يموّل “صمود” النظام السوري على حساب استقراره النقدي.
لكن في الوقت الراهن، لا يمكن ربط ظاهرة التهريب بالمدلولات السلبيّة نفسها. فاستيراد المحروقات يتم تمويله من قبل الشركات المستوردة، بالدولارات الطازجة، من دون أن يؤثّر ذلك على ميزانيّة المصرف المركزي. والشركات المستوردة، تتقاضى ثمن المبيع بالدولار النقدي، مع هامش ربح، ما يعني أن بيع المحروقات إلى سوريا لا يؤثّر في حجم المعروض النقدي من العملة الصعبة، في سوق القطع. وزيادة الاستيراد، بفعل بيع المحروقات سوريا، يزيد من إيرادات الحكومة اللبنانيّة، من الرسوم المفروضة على بيع المحروقات.
ومع ذلك، تبقى المشكلة الأساسيّة هي استخدام شبكات التهريب نفسها بين البلدين لغايات أخرى، مثل الاتجار بالسلع الزراعيّة والمواد الغذائيّة، وهذا ما يضر بالسياسات الحمائيّة التي يضعها كل بلد للدفاع عن قطاعه الزراعي في كل موسم. وهذا بالتحديد ما تشير إليه نقابات وجمعيّات المزارعين اللبنانيين، التي تكرّر الحديث عن خطورة إغراق السوق المحلّي بالسلع المهرّبة من الجانب الآخر من الحدود.
المدن
———————
===================
تحديث 28 تشرين الثاني 2025
—————————
«السورية للبترول» ترِثُ قطاع النفط السوري: أسئلة وآراء بشأن المدير الحصري الجديد لثروات سوريا النفطية والغازية/ رشا النداف
27-11-2025
في الثاني من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، أصدر الرئيس في المرحلة الانتقالية أحمد الشرع المرسوم رقم (189) القاضي بإحداث الشركة السورية للبترول (SPC) كشركة عامة قابضة، لتصبح المدير الحصري لكافة الأصول والعقود المتعلقة بالنفط والغاز والتكرير في البلاد. جاء هذا التحول بعد قرار سابق بدمج ثلاث وزارات (النفط، والكهرباء، والموارد المائية) في كيان واحد تحت مسمى وزارة الطاقة. يطرح هذا التحول المؤسسي تساؤلات قانونية وسياسية واقتصادية حول ما الذي يعنيه تركيز كل ثروات البلاد النفطية والغازية تحت مظلة كيان واحد يتمتع بـ«الاستقلال المالي والإداري»، وما هي البيئة القانونية والدستورية والسياسية التي تمت فيها إعادة هيكلة قطاع الطاقة بالكامل؟
شركة قابضة تحل محل مؤسسات عامة
يحمل المرسوم تغييراً جوهرياً في هوية القطاع، إذ أن الشركة القابضة حلت محل «كل من المؤسسة العامة للنفط والشركات التابعة لها والمؤسسة العامة للتكرير والشركات التابعة لها» أينما وردت بالقرارات أو الصكوك التشريعية والالتزامات التعاقدية، وذلك حسب المادة الثالثة من المرسوم. أي إنها باتت «الوريث القانوني» لكل ما كان مملوكاً لمؤسسات النفط والتكرير: الشركة السورية للنفط، الشركة السورية للغاز، الشركة السورية لنقل النفط، مصافي حمص وبانياس، وشركة سادكوب لتخزين وتوزيع المحروقات. وبذلك، فإن الشركة القابضة الجديدة حلت محل ستة كيانات اقتصادية رئيسية في قطاع الطاقة.
يشرح الباحث محمد بوزي هذا التحول مقارناً بالماضي: «تحت حكم نظام الأسد، كان قطاع النفط يُدار بواسطة المؤسسة العامة للنفط (GPC). كانت GPC هيئة قانونية (مؤسسة عامة) مقيدة بشدة بقوانين القطاع العام، وتعمل كذراع تنظيمي للوزارة أكثر من كونها مؤسسة تجارية ربحية». أما الشركة الجديدة فهي «تحل محل المؤسسة العامة للنفط والمؤسسة العامة للتكرير وجميع الشركات التابعة لهما تحت مظلة مؤسسية واحدة».
ويرى بوزي أن هذا الفصل «يُحاكي نماذج إصلاح المؤسسات المملوكة للدولة في دول مجلس التعاون الخليجي، والمصممة لتجاوز عدم كفاءة القطاع العام التقليدي»، كاشفاً عن دافعين استراتيجيين غير معلنين: الخصخصة الجزئية: حيث يرى بوزي أنه «غالباً ما يكون هيكل الشركة القابضة مقدمة لعمليات الخصخصة الجزئية، من خلال عزل الأصول وإنشاء ميزانية عمومية للشركة، بما يجعل من السهل بيع حصصٍ لشركاء استراتيجيين، وعلى الأرجح صناديق الثروة السيادية الخليجية في المستقبل». تسهيل تجاوز العقوبات: يُشير بوزي إلى أن «قرار إدارة ترامب تعليق عقوبات قيصر وتوجهها إلى إلغاء قانون قيصر نهائياً ورفع العقوبات التنفيذية في حزيران (يونيو) 2025، أمورٌ كانت بمثابة ‘الضوء الأخضر’ لإعادة الهيكلة»، مضيفاً أن استبدال الشركة الجديدة بالمؤسسة القديمة يُقدم «فائدة الامتثال: من خلال حل ‘المؤسسة العامة للنفط’ (التي كانت مدرجة على قوائم العقوبات) وإنشاء ‘الشركة السورية للبترول’… هكذا تقدم الحكومة السورية صفحة بيضاء لأقسام الامتثال للعقوبات في البنوك الغربية والخليجية».
من جانبه، يُفسّر المستشار في تشاتام هاوس زكي محشي، وهو باحث في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (LSE)، المعنى العملي لهذا التحول، حيث يجد أن «الفرق بين الشركة القابضة والمؤسسة العامة أن مساحة الحرية أكبر في الاستثمار داخل وخارج البلاد، كما في الاقتراض والاستيراد والتصدير والتفاوض مع المستثمرين، بينما كان الاستقلال المالي والإداري ظاهرياً في السابق، ولم تكن المؤسسات تملك أسهماً ولا تستطيع أن تستثمر في الداخل والخارج. يُعطي نموذج الشركة القابضة مساحة استثمارية ومساحة للعمل الاقتصادي أكبر وأوسع من المؤسسة العامة ذات الطابع الاقتصادي».
الحوكمة المركزية وغياب الرقابة
تم إحداث الشركة بمرسوم رئاسي «بناءً على أحكام الإعلان الدستوري» وليس بناءً على عملية تشريعية مرّت عبر برلمان، كما أن النظام الأساسي للشركة وهيكلها الوظيفي يصدران بـ«مرسوم» بحسب المادتين 15 و16 من المرسوم. وعلى هذا يعلّقُ الباحث في الاقتصاد السياسي محمد العلبي أن «السلطة الانتقالية تقوم بإعادة هيكلة دائمة وواسعة للأصول الوطنية وتُصدِرُ قوانينها عبر مراسيم رئاسية، وهو تجاوز لصلاحيات السلطة التنفيذية/الرئاسية في ظل غياب سلطة تشريعية».
بحسب المادة السادسة من المرسوم، يتولى إدارة الشركة كل من مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي، والمادة السابعة تنصّ على أن يكون وزير الطاقة هو رئيس مجلس الإدارة. وبحسب المادة نفسها، يُسمَّى كافة أعضاء المجلس بمرسوم رئاسي، ويُسمى الرئيس التنفيذي أيضاً بمرسوم رئاسي منفصل بحسب المادة التاسعة.
والرئيس التنفيذي عضو مجلس الإدارة، لكن ليس له حق التصويت على القرارات، وتحدد المادة 10 من المرسوم مهام الرئيس التنفيذي بـ«تنفيذ قرارات مجلس الإدارة وضمان تطبيق السياسات والخطط الاستراتيجية المعتمدة. والإشراف على كافة العمليات الإدارية والتشغيلية والفنية والمالية للشركة. وإعداد مشروع الموازنة التقديرية، والميزانية السنوية والقوائم المالية والحسابات الختامية، ورفعها إلى مجلس الإدارة لاعتمادها. وتنفيذ استراتيجيات وإجراءات إدارة المخاطر وتطوير أنظمة الرقابة الداخلية لضمان الالتزام بالمعايير القانونية والمحاسبية المعتمدة. ومتابعة تنفيذ عقود الخدمة المصدقة بنصوص تشريعية والإشراف على الشركات التابعة والمشتركة. وتقديم تقارير دورية إلى مجلس الإدارة حول الأداء والكفاءة والامتثال للمعايير المعتمدة»، وتُشير هذه الأخيرة بوضوح إلى وجود دور رقابي لمجلس الإدارة على الرئيس التنفيذي.
هنا ينتقد العلبي بشدة تركيبة مجلس الإدارة، بداية من تلك التي تجعل الوزير رئيساً له؛ يقول: «يقوم الوزير (الرقيب) بـ رئاسة المجلس (التنفيذي) الذي يُشرف على الرئيس التنفيذي، مما يُكرس احتواء الرقابة ضمن الجهاز التنفيذي ويُفقدها استقلاليتها». ويفصّلُ العلبي هذه الإشكالية بأنه «يبقى تضارب المصالح قائماً ما دام وزير الطاقة يجمع بين دورين متعارضين: دور ‘المنظّم وصاحب الولاية السيادية’ على قطاع النفط والغاز، ودور ‘رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة’ التي تُمثل الذراع التنفيذية والتجارية للدولة… هذا الجمع يجعل وظيفةَ الوزير كمُنظِّم للقطاع (التي تضمن العدالة والمنافسة والرقابة) ثانويةً أمام دوره كمدير لأكبر مُشغّل في السوق، ويخلّ بمبدأ الفصل بين الملكية والتنظيم الذي تعتمد عليه المعايير الدولية لحوكمة الشركات الحكومية».
وفيما يتعلق بالرقابة الداخلية، يُقلل العلبي من كفايتها، مؤكداً: «حتى لو كانت الشركة تمتلك أنظمة رقابة داخلية قوية ولجان مراجعة نشطة، فإن الرقابة الخارجية تظل ضرورة حتمية… تكمن أهمية الرقابة الخارجية في كشف الأخطاء التي لا يُمكن للرقابة الداخلية كشفها بسبب القرب المؤسسي».
يُشير بوزي أيضاً إلى «غياب ذكر لهيئة رقابية مستقلة بصلاحيات حقيقية في المرسوم»، مُحذِّراً من أنه «بدون برلمان قوي يمتلك أدوات المساءلة، أو هيئة مكافحة فساد مستقلة، يمكن لشركة SPC ‘المستقلة’ أن تتحول بسهولة إلى صندوق أسود للإنفاق خارج الميزانية. المخاوف تتزايد من أن ‘السرية التجارية’ التي تتمتع بها الشركات القابضة ستُستَخدَم كغطاء لإخفاء العقود الممنوحة للمقربين من السلطة الجديدة».
وعليه يعتبر زكي محشي أن الأثر الاقتصادي لهذه الهيكلية سينعكس سلباً على «ثقة المستثمرين» بسبب المركزية الشديدة وتحكُّم الشركة بالقطاع، مشيراً إلى أولئك الذين يستثمرون على المدى المتوسط ومستثنياً شركات الاستثمار العالمية التي تبحث عن الربح السريع، خاصة وأن «الشركة وقراراتها أصبحت تؤثر على كل المجالات في القطاع»، أي على كافة عقود الاستثمار على تنوعها من الاستخراج والتكرير إلى النقل والتوزيع.
الأثر الاقتصادي
في الحديث عن الأثر المباشر على الاقتصاد، ومعنى أن قطاع الثروة النفطية والغازية بالكامل بات تحت مظلة شركة واحدة تابعة أو مرتبطة بوزارة واحدة، يعود محمد بوزي إلى التفصيل المتعلق بمرجعية «الرئيس التنفيذي»، حيث أن «تعيين الرئيس التنفيذي بمرسوم رئاسي مباشر يُشير إلى أنه بينما تضع الوزارة السياسات العامة، فإن الأموال والعمليات تخضع للمساءلة المباشرة أمام مكتب الرئيس». ويمنح هذا الاستقلالُ للرئيس التنفيذي مزايا عملية، بحسب بوزي، مثل «الإعفاء من سقف الرواتب العامة: لجذب الكفاءات الهندسية والإدارية… هذا الاستقلال يسمح للشركة بوضع جداول رواتب خاصة بها»، و«القدرة على الاحتفاظ بحسابات بالعملة الأجنبية في الخارج… للدفع مقابل الصيانة والتكنولوجيا، بدلاً من توجيه جميع العملات الصعبة عبر مصرف سوريا المركزي».
بينما يُحذر زكي محشي من الاحتكار، إذ أن الشركة المرتبطة مباشرة بالرئاسة «تعمل الآن كتاجر يحتكر قطاع النفط والغاز، دون وجود أي نوع من أنواع الرقابة الخارجية على الشركة»، وعليه تتمحور المخاوف الاقتصادية الكبرى حول الصلاحيات المالية الواسعة. إذ يلفت محشي إلى بند «خطير» (المادة 14/ب) ينصَّ على القروض بضمانة أصول الشركة، معتبراً أن البند غير مفهوم إذ أن أصول الشركة سيادية: «هل من المنطق أخذ قرض من مستثمر خليجي بضمانة مصفاة حمص مثلاً!». كما ينتقد محشي المادة 18 المتعلقة بالإعفاءات الضريبية، متسائلاً: «ماذا عن الربح الخاص بالشركة؟ هل سيتحول إلى الموازنة العامة أم الصندوق السيادي الذي هو مثل الثقب الأسود لا نعرف أين تذهب أمواله»، معتبراً أن «حوكمة الشركة لا تعكس الاستقلال المالي والإداري، بل هو استقلال عملياتي فقط في التعيين وغيره».
يتفق محمد العلبي مع هذا التحذير، مُشيراً إلى أن منح الاستقلال المالي والإداري لوزارة أو كيان تابع لها في ظل غياب رئاسة مجلس الوزراء يضعها «في منطقة رمادية بين الجهاز الحكومي والمؤسسة المستقلة»، ويَنتج عن هذا التضارب «ديون والتزامات موروثة وصعوبات قانونية»، محذراً من أن هذا التركز المالي «قد يتحوّل، في غياب آليات شفافة للرقابة والمساءلة، إلى احتكار مؤسسي جديد يُفاقم مشكلات الحوكمة بدل أن يُخففها».
في تصريح لصحيفة الثورة بتاريخ 12 تشرين الثاني (نوفمبر)، على هامش معرض الطاقة والبترول سيربترو 2025 بدمشق، قال المدير التنفيذي لـ SPC، يوسف قبلاوي، أنه «من المقرر أن تصدر الهيكلية النهائية للشركة الأسبوع المقبل، وستكون مطابقة للشركات العالمية». ونظراً لأن الهيكلية لم تصدر بعد، تواصلنا مع مكتب العلاقات العامة في وزارة الإعلام لنحصل على تصريح خاص حول الهيكلية، فأَحالَنا إلى شخص آخر من المكتب الصحفي، وعند التواصل مع المكتب الصحفي أجابنا بأن الأسئلة اختصاصية وحولنا إلى مكتب العلاقات في وزارة الطاقة. تواصلنا مع مكتب العلاقات في وزارة الطاقة، الذي أحالنا بدوره إلى مكتب العلاقات في الشركة السورية للبترول.
بتاريخ 21 تشرين الثاني (نوفمبر) تواصلنا مع مكتب العلاقات في الشركة وحصلنا على وعد بالعودة لنا بإجابات دقيقة لاحقاً، ولم نحصل عليها حتى لحظة نشر هذا التقرير.
موقع الجمهورية
—————————————-
حوار| د. أسامة قاضي: مشروع مارشال السوري بدأ فعليًا.. ونحن بحاجة لثورة تشريعية
27 نوفمبر 2025
محمد كساح
في هذا الحوار وضع المستشار الأول بوزارة الاقتصاد السورية د. أسامة قاضي عددًا من الملفات المهمة على طاولة المناقشة. ومتحدثًا عن الأداء الحكومي لفت قاضي إلى أن حكومة التكنوقراط الحالية تعمل ليل نهار، لكن بعض المسؤولين في الصف الأول والثاني لم يتخلصوا من لوثة النظام السابق، وبعضهم أهمل ترتيب بيته الداخلي إداريًا.
وبيّن قاضي أن الرئيس الشرع تبنّى مشروع مارشال السوري الذي سبق وأكّد قاضي عليه منذ سقوط النظام، مشيرًا إلى أن سوريا ستقطف أولى ثمرات هذا المشروع قريبًا.
كما أكّد أن سوريا بحاجة إلى ثورة تشريعية عاجلة تنهي حالة الفوضى التشريعية عن طريق مجلس الشعب القادم.
المزيد حول هذه الملفات، وملفات عديدة أخرى، في نص الحوار التالي:
ــ ما هو موقع الدكتور أسامة قاضي في سوريا الجديدة؟
أنا كنت وما زلت مستشارًا اقتصاديًا في وزارة الاقتصاد أقدم النصائح والاستشارات لكل الوطنيين الذين يريدون إعمار سوريا وتم تكليفي كمستشار أول في الوزارة للسياسات الاقتصادية، وهذا التكليف أقدم من خلاله استشارات مجانية بشكل تطوعي وبدون عقد وحتى الآن لا يوجد لدي مكتب أصلًا في الوزارة، بل أقدم الاستشارات عن بعد، ومنها ما يلقى آذانًا صاغية ومنها ما لا يتم الاستجابة له. مقتنع بأن مهمتي في التسديد والمقاربة في السياسات الاقتصادية وأرى أن دور المستشار في الحكومة يشبه دور المفتي الذي لا يملك أي صلاحيات تنفيذية.
أقوم من خلال شركة “سيركس هولدنكس” مع الصديق الدكتور مازن صواف بتقديم الاستشارات الاقتصادية والإدارية والمالية لرجال الأعمال حول العالم من خلال مكاتبنا في دمشق وحمص وحلب واللاذقية ونحاول جذب أكبر قدر ممكن من الشركات إلى سوريا بهدف خلق أكبر عدد من فرص العمل وارتفاع السوية المعاشية للمواطن السوري.
ــ تقوم بزيارات مكوكية هامة منذ سقوط النظام وحتى الآن، وتلتقي بفاعلين سياسيين واقتصاديين ومسؤولين في الدولة الجديدة. ما هو انطباعك عن هذه اللقاءات؟
من خلال الزيارات في أكثر من بلد والتواصل الافتراضي مع جهات عديدة وجدت أن هناك رغبة كبيرة وملحة في دخول السوق السورية. الذي يقف عائقًا أمام دخول الشركات هو بعض القوانين القديمة التي تحتاج إلى مجلس تشريعي حتى يقر إزالتها وتسهيل مهمة المستثمرين.
ورغم أن قانون الاستثمار 114 هو قانون ممتاز ومتقدم على كثير من قوانين الاستثمار في العالم لكن البيئة التشريعية تحتاج الكثير من أجل إعادة إعمار سوريا ولعل هذا سيكون مع انعقاد مجلس الشعب السوري.
البيئة المصرفية أيضًا تشكل أحد العوائق نظرًا لعدم توفر آلات سحب الأموال وأقل من الحاجة بألف مرة، وكذلك الماكينات التي تقبل الدفع الإلكتروني في مراكز البيع والتي يجب أن تكون موزعة على أكثر من مليون نقطة بيع مثل المولات والمحّال التجارية والمطاعم والفنادق وهذه آلات مهمة جدًا لتوفير بيئة مناسبة للاستثمار.
يجب ألا يقلّ عدد ماكينات سحب الأموال عن 200-500 في كل محافظة، إضافة لربط ماكينات مصارف القطاع الخاص بشبكة واحدة، المشكلة أننا اقتربنا من نهاية العام ولا يوجد تصريح واحد حول موعد توفر هذه الماكينات ضمن جدول زمني، وكذلك لا يوجد موعد محدد حول توفر ماكينات الدفع الالكتروني في المحلات.
يضاف إلى جملة العوائق جفاف السيولة التي أعتقد أنها في طريقها إلى الحل خلال أشهر قليلة من خلال طباعة العملة الجديدة التي ستكون موجودة بين أيدي السوريين قريبًا.
في الحقيقة ألمس الكثير من الحماس لدخول السوق السورية من قبل الشركات العالمية منها ما يتعذر دخوله لأسباب سياسية مثل انتظار افتتاح سفارة بلدانها في سوريا، ومنها من ينتظر إزالة قانون قيصر نهائيًا، ومن بينها أيضًا من يتريث لحين دخول الشركات الأميركية إلى سوريا، فضلًا عن انتظار تسهيل البنية التشريعية والمصرفية.
أعتقد أننا سنلمس ترجمة حقيقية لهذه الرغبة بالاستثمار في سوريا مع بداية العام القادم.
ــ كخبير في الاقتصاد مطلع على تجارب الدول الأخرى، هل أنت متفائل بخصوص هذا الملف في سوريا الجديدة؟
أنا متفائل جدًا بإعمار سوريا وأجد أن النصر الذي حققناه ودخول شركاء معنا في هذا الإعمار يعطيني الأمل والتفاؤل.
لدينا الشريك السعودي والقطري والتركي والأميركي وغيرهم من الدول المساندة لنهوض سوريا وكل هذه الدول تعمل جهدها لتذليل كل العقبات أمام إعطاء سوريا فرصة جديدة.
من الواضح أن هناك نية حقيقية في دفع سوريا إلى مصاف الدول الناهضة ويبقى علينا ترتيب بيتنا الداخلي وإدارة بلدنا بشكل مهني. وما قامت به الحكومة من إعادة الضباط والدبلوماسيين المنشقين ورفع رواتب الموظفين يشكل خطوات مهمة. لكن ينبغي أيضًا دفع رواتب العسكريين المتقاعدين بعد العام 2011 كي نبث روح السلم الأهلي ولا نُلجئ أهلنا في أي مكان لشذاذ الآفاق الذين يمكن أن يستغلوا حاجتهم. ومن المهم أن نفتح صفحة جديدة مع العالم وبيننا كسوريين حتى نبني سوريا الموحدة على كامل ترابها، تُدار بشكل رشيد دون سكوت عن الخطأ الذي ربما يتم ارتكابه بنوايا طيبة أو نتيجة إهمال غير مقصود، مع استمرار الرغبة في الإصلاح والتسديد والمقاربة بكل محبّة لبناء وطننا الذي استُلب منّا لمدة ستة عقود. المهم أننا حصلنا بعد ستين عامًا على وطن حقيقي نخاف عليه من أي ضرر أو تهديد.
ــ كيف تصنف شكل الاقتصاد في المرحلة الانتقالية؟ هل فعلًا نحن نسير في اتجاه اقتصاد السوق الحر كما تقول الحكومة؟
بصفتي مستشارًا أول في وزارة الاقتصاد تقدمت بمشروع حول الهوية الاقتصادية والمؤشرات والأهداف ورؤية 2030 السورية وقد سلمتها للوزارة ولم يتم تبنيها حتى الآن.
تقوم هذه المذكرة على أن هوية الاقتصاد السوري يجب أن ترتكز على الأفكار التالية: الشراكة بين القطاعين العام والخاص، منع الاحتكار، عدم تدخل الحكومة في النشاط الاقتصادي، ومهمة الحكومة وضع القوانين ومراقبة تطبيقها وتطويرها بشكل دائم بما يخدم رفع سوية المواطنين المعاشية وتأمين مناخ استثماري جاذب للرأسمال الوطني أولا ولغير الوطني كذلك الأمر. يقوم النموذج الاقتصادي على اقتصاد السوق الحر تبعًا لآليات العرض والطلب، بالتوازي مع مراقبة الحكومة لأسعار المواد الأساسية ومنع الغش وحماية الاستهلاك ومراعاة الفقراء وتحسين دخلهم وتقديم الخدمات لهم.
أما الرؤية التنموية فترتكز على: توفير التعليم المجاني، وتوفير المشافي المجانية، مع وجود نظام مختلط صحي وتعليمي، ودعم الصناعات المحلية، وتبنّي سياسات التنمية المستدامة، وإدخال التكنولوجيا إلى كل شيء في البلاد، والشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص مع منح الفرصة للأخير لقيادة قطاع التنمية، والتنمية المتوازنة بين كل المحتفظات وعدم إهمال أي محافظة وكذلك الاهتمام بكل القطاعات، وتوفير المناخ الاستثماري الجاذب لرؤوس الأموال.
وبخصوص رؤية 2035 فإنها تقوم على: تمكين الطبقة الوسطى والعمل على تكثير سواد الطبقة الوسطى بحيث تتراوح بين 60 وحتى 80%، وتأمين بنية تحتية متينة، ومعدلات تضخم أقل من 5%، ومعدلات بطالة أقل من 2%، وبنية تحتية حديثة للاتصالات، وتوفير بنية بنكية متطورة، واستقرار نقدي، وتعليم مجاني، وتشجيع الشركات لتصبح شركات مساهمة وحثها على الدخول إلى هيئة الأوراق المالية، ودعم المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر، وخدمات صحية مجانية، وتخطيط حضاري عصري للإعمار بمعايير عالمية.
ــ ما أهم الملفات التي تحتاج إلى تنشيط في المرحلة الانتقالية؟
رؤيتي التنموية التي أعلنت عنها ثاني يوم النصر تتمثل بالتاءات الثلاث: التعليم، التصنيع، والتكنولوجيا.
المقصود الأساسي بالتعليم هو التعليم المهني والفني الذي يؤهل العمالة السورية ويدفعها إلى سوق العمل خلال شهور، والتصنيع يتضمن بشكل أساسي التصنيع الزراعي بمعنى تشجيع الزراعة مستخدمين أحدث أنواع التكنولوجيا المتوفرة عالميًا، والتكنولوجيا تدخل في كل الصناعات وفي كل المؤسسات الحكومية التي تحتاج إلى رقمنة، بحيث نختصر مسار البيروقراطية التي تشكل مرتعًا للفساد وإضاعة الوقت، حيث أن تقليص البيروقراطية ومرونة القوانين تزيدان من كفاءة أي اقتصاد في العالم.
أعتقد أن هذه التاءات الثلاث هي أهم الأولويات في هذه المرحلة إضافة لتبني سياسة التنمية المتوازنة بمعنى تنمية جميع المحافظات دون إهمال أي منها كما كان يفعل الأسدان حيث تم إهمال محافظات الشمال الشرقي (دير الزور والرقة والحسكة) التي كانت تسمى بالمناطق النامية، وقد وضع النظام السابق عشر خطط خمسية على مدار 50 عامًا ولم يستطع تنمية هذه المناطق.
والحقيقة، تمثل هذه المحافظات قاطرة التنمية الاقتصادية لما تحويه من نفط وغاز وموارد زراعية ومائية، لذلك ينبغي التنبه إلى تنمية هذه المحافظات بالتوازي مع جميع المناطق السورية.
هناك تاريخ اقتصادي أسود لحكومات البعث يجب العمل على تلافيه والقطع معه.
التنمية المتوازنة تعني مثلًا أن الخدمات في درعا يجب أن تكون مماثلة للخدمات في حلب وهكذا. كما تعني تنمية جميع القطاعات الاقتصادية وعدم إهمال أي قطاع منها.
طبعًا لا يمكن قطف ثمار هذه الرؤية إلا عبر أدوات الحكم الرشيد من شفافية ومساءلة ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب ومراقبة كفاءة المؤسسات الحكومية وجودة المنتجات ودعم الصناعات الوطنية والارتقاء بها تكنولوجيًا من أجل أن تكون مناسبة.
ــ كنت أول من طرح فكرة مشروع مارشال السوري. هذا المشروع كان له صدى لدى الرئيس أحمد الشرع. هل تباحثت مع الرئيس أو أحد المسؤولين الكبار حوله؟
أنا قلت منذ اليوم الأول للنصر إن السوريين يتطلعون لمشروع الملك سلمان للتعافي السوري على نمط مشروع مارشال للتعافي الأوروبي. أرى أن هذا المشروع ضروري جدًا بسبب حجم الخراب الذي طال سوريا، وبالتالي نحتاج إلى وقفة قوية من الرياض وواشنطن، مع الدعم التركي وغيره.
كل دول العالم التي نهضت بعد الحروب كان هناك من يساندها. وبطبيعة الحال دخول الشركات الأميركية يعطي نوعًا من الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي بحيث يمرر رسالة للعالم بأنه ممنوع زعزعة استقرار هذا البلد.
ودخول الشركات العربية والأوروبية سيعطي نفس الرسالة، وكلما كان لدينا شركاء أكثر كلما ضمنّا استقرارًا أكبر وتشغيلًا أقوى للعمالة السورية مع الارتقاء بالسوية الفنية والمهنية لهذه العمالة حيث كانت أولى العقبات في العام 2011 أمام المستثمرين بحسب البنك الدولي ضعف كفاءة العمالة السورية، ليس بسبب قلة مهنيتها لكن لعدم حصولها على التدريبات وفق المعايير العالمية.
أما بما يخص أن الرئيس الشرع استمع لي شخصيًا أو لا، لم أجتمع منفردًا به ولكنني أعتقد أن حوله طاقمًا يستمع لكل مفيد وينقل بأمانة كل الأفكار المهمة والتي تنهض بسوريا ولعل ما أطرحه يروق له.
ــ هل ما يزال المشروع مطروحًا وماذا يقدم للشعب السوري؟
طبعًا باعتقادي أن مشروع مارشال السوري بدأ مع دعوة الرئيس الشرع إلى مؤتمر مستقبل الاستثمار “FII”، لأن المملكة السعودية أتاحت لسوريا أن تقدم نفسها لثمانية آلاف رجل أعمال وملياردير حول العالم، وهذا بحد ذاته إيذان ببدء مشروع مارشال لأن سوريا التي كانت مغلقة وبعيدة عن كل العالم الآن هي منفتحة على كل العالم وتغير خطابها السياسي خاصة بعد دخول أول رئيس سوري إلى البيت الأبيض منذ تأسيس الكيان السوري عام 1920 الذي يعتبر نقلة سياسية نوعية وخطابًا سوريًا غير مسبوق. فالمشروع، باعتقادي، بدأ فعليًا ولعلنا نقطف ثماره قريبًا إن شاء الله.
ــ ما أهم التحديات الاقتصادية التي تواجه المرحلة الانتقالية؟ هل الحكومة تسير باتجاه حلها أو إكسابها مزيدًا من التعقيد؟
تدهور البنية يعتبر من أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد لذلك نحتاج إلى طرقات واسعة وقطارات سريعة وهذا يقع على كاهل وزير النقل الذي من المهم أن يبدأ بتنفيذ مشاريع تخص البنى التحتية لقطاع النقل وجذب الشركات الأجنبية للاستثمار فيه. حيث نحتاج إلى أكثر من 5 شبكات طرق سريعة وإلى قطارات تصل سوريا ببعضها بكل أنواعها سواء كانت قطارات سريعة أو متوسطة أو عادية، وشبكة سكك حديدية ومترو لكل محافظة حيث يدخل داخل المحافظة وقطارات بين المحافظات.
لدينا أيضًا تحدي البنية المصرفية التي تحتاج إلى تحديث وتوفير ما لا يقل عن 50 إلى 100 آلة سحب أموال لكل مليون شخص مع ماكينات الدفع الإلكتروني التي يجب أن يتوفر منها قرابة مليون ماكينة مع طباعة العملة والتحضير لها، وللأسف لم نسمع كلمة واحدة بخصوصها وحتى سيارات نقل الأموال وطريقة نقلها للمصرف المركزي لازالت بدائية، وقد وجدت أكياس العملة توضع على درج البنك المركزي بدمشق، وتحمل على الأكتاف بأكياس شفافة بطريقة غير مهنية، وأمام الناس بدل الاستعانة بمداخل خلفية وسيارات مؤمّنة، فضلًا عن الشكوى من بعض موظفي البنوك الحكومية وسوء تعاملهم مع المراجعين.
البيئة التشريعية تشكل تحديًّا آخر، ومع انعقاد مجلس الشعب ينبغي أن تحل هذه المسألة عن طريق طرح مسودات قرارات تزيل كل العقبات التي تواجه عملية إعادة إعمار سوريا. الحقيقة أن معظم المحافظين مكبلّون بسبب تشريعات تعود إلى أيام حسني الزعيم والشيشكلي والحناوي وأمين الحافظ، وهي قوانين بائسة جدًا وقديمة. فضلًا عن سياسات البلديات التي تحتاج إلى تطوير مخططاتها التنظيمية وتطوير العلاقة بين الوحدات الإدارية التي يجب أن تكون مرنة بشكل أكبر، مع منح المحافظ صلاحيات أكبر من الصلاحيات الحالية.
ــ أخيرًا، ما أبرز التوصيات التي توجهها لكل من المسؤولين الحكوميين المعنيين، والفاعلين الاقتصاديين على السواء؟
أهم توصية تبني واضح للهوية الاقتصادية وللأدوات الحوكمية المستخدمة في إدارة الاقتصاد. والاستعجال بالتئام مجلس الشعب وانعقاد جلساته كي ينهي الفوضى التشريعية القائمة والمعيقة لحركة إعادة الإعمار، من مثل القرار رقم 186 ل . ر الصادر عام 1926 وهذا القرار يعد اللبنة الأساسية ببناء التشريع العقاري في سوريا، والقرارين رقم 188/189 ل . ر المتضمنين تنظيم السجل العقاري، وقانون عمليات التحسين العقاري الصادر بالمرسوم 153لعام 1949 (نعم 1949 !) والقانون رقم 273 الصادر في 14/8/1956 (نعم القانون يعود لعام 1956!)، والأنكى من ذلك قانون التوسع العمراني رقم 60 لعام 1960 والمعدل (بدل أن يستبدل) بالقانون رقم 26 لعام 2000، القانون رقم 44 لعام 1960!
والمرسوم 166 لعام 1967 قانون التجميل وازالة الشيوع من الأراضي الزراعية (نعم …عام 1967!)، والقانون رقم 39 لعام 1968 الخاص بشروط شراء المساكن من الجهات العامة، وقانون تنظيم المدن رقم 9 لعام 1974. تخيل أن المدن الحالية عام 2025 محكومة بقانون منذ خمسين عامًا!، وقانون إزالة الشيوع رقم 21 لعام 1986، وقانون رقم 3 لعام 1984 قانون استصلاح الأراضي الزراعية، وكذلك القانون رقم 38 تاريخ 1/5/1978 والمسمى بقانون الادخار من أجل السكن. وقد عدل هذا القانون بقرار رئيس مجلس الوزراء بتاريخ 27/2/2002 ثم عدل أيضا بقرار رئيس مجلس الوزراء بتاريخ 1/9/2003.
اختصارًا: تم إحداث ثلاث هيئات عقارية تتمتع بالشخصية المعنوية وتتضارب صلاحياتها فيما بينها. هذا فقط في العقارات وباقي القوانين ليست أفضل حالًا!
الحقيقة أن معظم المسؤولين يعملون بجدّ ليل نهار، ولكن البعض أهمل إداراته الداخلية وبيته الداخلي وهيكلة وزراته ومكاتب وزارته والعلاقة بين الموظفين ولم يلتفت لاستمرار البيروقراطية القديمة التي لازالت تمارس داخل أروقة الوزارة الواحدة! أعتقد ينبغي للمسؤول أن يستمع بشكل جدي للمقترحات والاستشارات، وأن يكون ذا عقلية منفتحة ومتطورة، وألا يشغل نفسه ببروتوكولات على حساب الاستماع لمقترحات الشعب ونخبه.
هناك بعض الوزراء الذين للأسف ما زالوا يحملون لوثة النظام السابق حيث يديرون وزارتهم أو إداراتهم بطريقة استعلائية وغير منفتحة خلاف توجه الإدارة، وهذا ينفّر الخبراء فضلًا عن المستثمرين، ومن الواضح أن البعض لم يتطهر بعد من عقلية النظام فهو يتعامل بروح بيروقراطية واستعلائية وغير منفتحة وهذا سيؤذي سوريا ويشوّه سمعة الإدارة الحالية برأيي. فأنا أتمنى من الرئيس الشرع أن يتنبه في الحكومات القادمة إلى ضرورة استبعاد كل من يحتفظ بعقلية النظام البيروقراطية والاستعلائية.
كما أن بعضهم يرفضون اللقاءات لأسباب مزاجية بالرغم من امتلاكهم الوقت، لذا وجب التنبه لهذا الأداء واستبعاد هكذا عقليات مستقبلًا من أي منصب أو مسؤولية.
ينبغي الانتباه للصف الثاني من العاملين في الحكومة والتأكد من توصيفهم الوظيفي ودورهم، وضرورة وجودهم من عدمه لأن البعض ليس لديه نفس الرغبة التي لدى الرئيس وطاقمه وبقية المناضلين في التغيير والبناء، هناك وزارات فيها فائض وتعيين ليس على أسس مهنية، وهناك وزارات ومديريات بحاجة لموظفين أكثر، وأنصح كل وزارة التعاقد مع شركة موارد بشرية خاصة لإعادة هيكلة إدارية والتأكد من استثمار المواهب والإمكانيات المتوفرة في الموارد البشرية الموجودة أصلًا، أو ربما الحاجة لتوظيف أكبر، وكذلك التأكد من مطابقة التوصيف الوظيفي لمهارات كل شخص في الوزارة.
لا شك أن من أهم التوصيات هو توفير مناخ الحكم الرشيد والشفافية والمساءلة والتأكد من عدم وجود الفساد الإداري مع إعطاء الصبغة المدنية والمهنية الخالصة في الدوائر الحكومية، ووجود لوحة على طاولة الموظف باسمه ومنصبه، فمن غير المقبول أن يكون هناك في المخفر مثلًا ألقاب للمسؤولين (أبو فلان) بل أسماء وصفات ورتب وتوضع على لوحة أمامه، والتأكد من الالتزام بتعليمات وزارة الداخلية في هذا الخصوص ومعاقبة المخالف.
ومن الأمثلة على الشفافية التي نتحدث عنها هو إبراز هيئة الاستثمار لكل المشاريع التي تم توقيعها مع توضيح إلى أين وصلت مذكرات التفاهم التي وُقعت سابقًا، بحيث لا يشكك أحد في مصداقية الشركات أو الأداء الحكومي.
من المهم العمل على إبراز رؤية تنموية واضحة وتبني حقيقي للرؤية التنموية سواء التاءات الثلاث التي ذكرتها أو أي رؤية تنموية أخرى بحيث تكون الهوية التنموية والاقتصادية لسوريا واضحة جدًا.
الترا سوريا
—————————
أسوأ موجة جفاف في سوريا تهدد بانعدام الأمن الغذائي/ شام السبسبي
دمشق – يعاني آلاف المزارعين في سوريا من واحدة من أقسى موجات الجفاف التي يشهدها البلد لأول مرة منذ نحو 4 عقود، متأثرة بتراجع حاد في معدلات هطول الأمطار، وانخفاض معدلات المياه الجوفية في معظم المحافظات، بالإضافة إلى جفاف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية التي كانت بمثابة شريان حياة ملايين السكان.
لم تعد ظاهرة الجفاف موسمية كما كانت في الماضي، إنما صارت جزءا من واقع مناخي جديد يتسم بارتفاع درجات الحرارة، وتقلّب المواسم الزراعية، ويهدد ما تبقى من قطاع زراعي يعاني أصلا من آثار الحرب وتراجع الاستثمار.
ويقول نورس بركة، وهو مزارع من مدينة عربين بريف دمشق، مشتكيا من قلة الأمطار: “لم نرَ المطر هذه السنة سوى مرّة أو اثنتين، انضرب (خرب) محصول القمح خاصتي، واضطررت إلى دفع مبالغ كبيرة لإنقاذ ما تبقى من محاصيل لدي باستجرار مياه الصهاريج”.
ويضيف في حديث للجزيرة نت: “التهم الجفاف أرضي، والزراعة بالري أصبحت مكلفة للغاية، ولا أعلم كيف سنتعامل مع هذه المشكلة في حال استمرت خلال المواسم القادمة”.
وتأثرت الزراعة البعلية (المعتمدة على مياه الأمطار) وهي الأكثر انتشارا في سوريا بهذا التغير المناخي، بينما تراجعت إنتاجية الأراضي المروية (المعتمدة على الري الصناعي) بسبب انخفاض منسوب الينابيع، إلى جانب جفاف بعض الأنهار والبحيرات بشكل كامل كنهر العاصي وبحيرة زرزر، وتراجع المياه الجوفية من الاستنزاف العشوائي وحفر الآبار غير المنتظم، ما جعل العديد من أهالي القرى يواجهون عجزا متزايدا في تأمين الغذاء والمياه.
حجم الجفاف
ويوضح المدير العام لمديرية دعم الإنتاج الزراعي في وزارة الزراعة السورية، الدكتور محمد صيلين، أن مساحات واسعة من الأراضي الزراعية خرجت من دورة الإنتاج خلال الموسم الفائت، وخاصة المحاصيل البعلية.
ويشير صيلين، في حديث للجزيرة نت، إلى أن حجم الضرر يختلف من محافظة إلى أخرى، وحتى من منطقة إلى أخرى داخل المحافظة الواحدة تبعا لمستويات الهطل المطري، موضحا أن كميات الأمطار تقلّ تدريجيا كلما كان الاتجاه نحو الداخل.
ويبيّن صيلين أن إنتاج القمح انخفض بصورة حادة هذا العام نتيجة تراجع الأمطار وارتفاع درجات الحرارة واستمرار موجات الجفاف، حيث تقدّر الوزارة حجم الخسائر بنحو 40% خلال موسم 2025، وهو ما خفض الإنتاج المحلي إلى قرابة 1.2 مليون طن مقابل حاجة سنوية تقارب 4 ملايين طن.
ويضيف أن المحاصيل المروية، وعلى رأسها القطن، لم تكن بمنأى عن التأثر بهذه التغيرات المناخية؛ ﻷن نقص المياه في شمال شرقي البلاد أدى إلى تقليص عدد مرات الري وارتفاع تكاليف تشغيل المضخات ما أثر على الإنتاج ونوعيته.
ويؤكد صيلين أن الأمر لم يقتصر على الكم وإنما شمل جودة الحبوب أيضاً نتيجة “تسارع نمو النباتات واختصار المراحل الحساسة كالإزهار وتكوّن الحبوب مما أدى إلى حبوب أقل امتلاء وأقل في الجودة النهائية”.
وفي تفسيره ﻷسباب تفاقم الأزمة، يوضح صيلين، أن التغيّر المناخي وقلة نسب الهطل المطري هما العاملان الأساسيان، لافتا في الوقت نفسه إلى أن العمليات العشوائية في حفر الآبار واستنزاف المياه الجوفية أسهمت بدورها في تعميق آثار الجفاف على الأمد الطويل.
إجراءات حكومية
يرى صيلين أن مواجهة الجفاف تتطلب تنسيقا وتعاونا واسعا بين الوزارة والمنظمات الدولية، مؤكدا على وجود تعاون عالي المستوى بين وزارة الزراعة ومنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) لإيجاد مخارج لهذه الأزمة.
ويذكر صيلين أن “فاو” عقدت، خلال الأشهر القليلة الماضية، عدة ورشات عمل في سوريا لدعم القطاع الزراعي، وتعويض النقص الناجم عن الجفاف وتدهور البنية التحتية، ولا سيما قنوات الري التي تضررت خلال سنوات الحرب.
ويشير المسؤول الحكومي إلى أن المنظمة أطلقت عددا من المشاريع في محافظات مختلفة كمشروع “حصاد نبات زهر النيل” الذي يستنزف مياه الأنهار، إضافة إلى تقديم الدعم المادي والسلل الغذائية لمجموعة من المزارعين المتضررين في عدد من المناطق.
وعن الخطوات التي تتخذها الوزارة لمواجهة الجفاف، يقول صيلين، إنهم يعملون حاليا على تأهيل شبكات الري السطحية، والتوسع في تطبيق “الزراعة الحافظة” التي تقلل من فقدان المياه، وتعتمد على البحوث العلمية الزراعية الحديثة.
وعن الإجراءات بعيدة الأمد، يوضح أن الوزارة تسعى إلى إنتاج أصناف زراعية متأقلمة مع التغيرات المناخية بالاستفادة من مراكز البحوث الوطنية، والتشجيع على إدخال أنماط الزراعة المستدامة التي تستهلك موارد أقل من المياه.
ويشير إلى أن الوزارة تنفذ على الجهة اﻷخرى برامج تدريب للمزارعين لتمكينهم من تبني ممارسات أكثر كفاءة في استخدام المياه، وتحويل جزء من الأراضي إلى محاصيل مقاومة للجفاف بدعم من منظمات دولية وعربية.
أزمة زراعية
وتواجه سوريا هذا العام أزمة زراعية حادة بفعل موجة جفاف تعد الأسوأ منذ عقود، ما يهدد محصول القمح تهديدا خطرا ويزيد من احتمالات انعدام الأمن الغذائي لنحو 16 مليون شخص، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.
وتضرر نحو 2.5 مليون هكتار من الأراضي المزروعة بالقمح جراء ظروف مناخية قاسية، وفق فاو.
وتشير بيانات المنظمة إلى أن 95% من القمح البعل تضرر بشكل شبه كلي، في وقت يتوقع أن يكون إنتاج القمح المروي أقل بـ30% إلى 40% من المعتاد، مما يُنذر بفجوة تتراوح بين 2.5 و2.7 مليون طن من الإنتاج المحلي.
المصدر: الجزيرة
—————————
المنحة السعودية من المحروقات.. هل تُشكل منعطفاً أم مجرد شمعة في نفق الأزمة السورية؟/ مازن الشاهين
المنحة السعودية للنفط رغم أهميتها السياسية والاقتصادية تشكل دعماً عاجلًا قصير الأمد لسوريا المنهكة
2025-11-28
تلقت سوريا مؤخراً شحنتها الثانية والأخيرة من المنحة السعودية للنفط الخام، ليصل إجمالي الكمية إلى 1.65 مليون برميل، لتشكل ما يشبه “حقنة أوكسجين” عاجلة لجسد منهك اقتصادياً، هذه الشحنة، التي استُقبلت بترحيب رسمي وارتياح شعبي حذر، وسط تساؤلات حول مستقبل الطاقة في البلاد، فهل تشكل هذه المنحة بداية عهد جديد من التعافي الطاقي؟ أم أنها مجرد تهدئة لأزمة هيكلية؟ وكيف ستتعامل الحكومة السورية مع فترة “ما بعد المنحة”؟ وهل تتجه للاكتفاء الذاتي أم ستستمر المنح؟ وهل نحن أمام تحول استراتيجي يعيد دمشق إلى حاضنة “الدعم النفطي العربي”، أم أنها مجرد “مسكّن” مؤقت لألم مزمن؟ وكيف سينعكس ذلك على أسعار المحروقات؟ وماهي البدائل الحكومية المتاحة؟
تفاصيل المنحة السعودية وأبعادها
وقّع الصندوق السعودي للتنمية ووزارة الطاقة السورية مذكرة لتقديم منحة نفطية قدرها 1.65 مليون برميل، وصلت على دفعتين إلى بانياس في 17 و23 نوفمبر 2025، بهدف دعم قطاعي الطاقة والاقتصاد وتعزيز التعاون بين الرياض ودمشق، في إطار مسار سعودي لإعادة ترميم العلاقات مع سوريا بعد العزلة، خصوصاً مع توقف إمدادات المحروقات التي كانت تأتي سابقاً من إيران عقب سقوط نظام الأسد.
المهندس محمد الخليل مدير سابق في وزارة النفط، يوضح في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن لدى سوريا مصفاتان رئيسيتان: مصفاة بانياس بطاقة تصميمية تصل إلى حوالي 120,000 برميل يومياً، ومصفاة حمص بحوالي 100,000 برميل يومياً، لكن التكرير الفعلي قد تأثر بسبب تلف البنية التحتية وسوء توفر الخام، خاصة مع توقف بعض الواردات، وهذه البنية التحتية التكريرية معرضة للخطر حتى مع المنحة، فهناك تحدي تشغيل المصافي بكفاءة إذا لم يكن هناك تدفق خام منتظم ومستقر، إذا توقفت المنح، فإن المصافي قد تعود لتواجه الصعوبات.
وحتى الآن لم تُعلن جهات سعودية عن أن المنحة ستكون متكررة، ويبدو أنها دفعة أولى تحت إشراف الصندوق السعودي للتنمية ومراقبة من وزارة الطاقة السعودية، إلا أن تحركاً جديداً من الحقول في الشمال الشرقي حيث تم نقل النفط من (المناطق التي تسيطر عليها قوات قسد) إلى الحكومة المركزية، والذي تم استئنافه مؤخراً، ما يوفر شرياناً داخلياً مهماً، وهذا التحرك يسمح لدمشق أن تحصل على بعض الخام المحلي من هذه المناطق ويقلل من الاعتماد على الخارج، بحسب الخليل.
لغة الأرقام.. ماذا تعني المنحة في “ميزان العجز”؟
لفهم تأثير الشحنة السعودية، يجب أولاً تشريح الواقع الرقمي لاحتياجات سوريا النفطية، بلغة الأعمال وبعيداً عن العواطف، كما يرى خليل، ووفقاً لأحدث البيانات من وزارة الطاقة السورية، حول الإنتاج المحلي في مناطق سيطرت الحكومة السورية حالياً ما يقارب 20,000 إلى 25,000 برميل يومياً فقط، بينما تقع أغلب الآبار النفطية ذات الإنتاجية العالية (شرق الفرات) خارج سيطرتها، والتي كانت تنتج قبل الحرب ما يزيد عن 380,000 برميل، أما الاحتياج الفعلي لكي تدور عجلة الاقتصاد السوري (صناعة، نقل، كهرباء) بالحد الأدنى المقبول، تحتاج البلاد إلى ما يقارب 100,000 إلى 125,000 برميل يومياً، أي أن الفجوة اليومية تشير إلى عجز يتراوح بين 80,000 إلى 100,000 برميل، أمام هذا “الرقم” ماذا تفعل المنحة؟
ويضيف: إن عملية حسابية بسيطة تخبرنا بالحقيقة الصادمة: “هذه الشحنة، رغم أهميتها السياسية والمعنوية، لا تغطي سوى حاجة سوريا لمدة حوالي بين 30 و45 يوماً فقط في حال تم ضخها لتغطية كافة القطاعات” إذاً اقتصادياً، المنحة ليست حلاً، بل هي “جسر” قصير جداً للعبور من شهر إلى آخر، فماذا ما بعد الشحنة، وماهي احتمالات “اليوم التالي”، فالسؤال المنطقي هنا: كيف ستعوض دمشق احتياجاتها بعد استهلاك هذه الشحنة؟
ويؤكد خليل: نحن أمام مفترق طرق تحكمه ثلاثة احتمالات، أما “استئناف المنح” (التفاؤل السياسي) ومن الصعب توقع “نهر نفطي” دائم، فالاستمرار في طلب المنح الخارجية حسب التصريحات الرسمية التي تعول على أهمية الدعم الخليجي -خاصة السعودية- في تحقيق استقرار إمدادات الطاقة، غير أن المنحة الحالية وصفت بأنها استثنائية وليست بداية لسلسلة منح دورية، ومن غير المؤكد حتى الآن وجود خطط فورية لمنح لاحقة، وسط دعوات رسمية وشعبية لتمديد أو تكرار المنح، أو تحقيق “الاكتفاء الذاتي” وهذا يتطلب استعادة حقول الشرق (الرميلان والعمر)، وهو أمر مرهون بتوافقات سياسية محلية
وإقليمية ودولية، أما الرهان على الآبار الصغيرة المتاحة حالياً لن يغطي سوى 25% من العجز في أحسن الأحوال، إذاً تعزيز الإنتاج المحلي.
وبحسب ما تظهر البيانات الرسمية فإن إمكانية رفع الإنتاج المحلي محدودة في الأمد المنظور دون استثمارات كبيرة أو استعادة لمناطق غنية بالنفط خارج السيطرة الحكومية حالياً، بحسب خليل، مضيفاً: “الاحتمال الثالث والأخير هو طرق أبواب الحلفاء الجدد، لكن بشروط مالية أقسى (الدفع النقدي أو المقايضة بالسلع والاستثمارات السيادية)، وخاصة بعد توقف الخط الائتماني الإيراني ومحدودية مصادر أخرى بسبب العقوبات والصعوبات اللوجستية”.
وأمام هذا الواقع يقترح خليل أن تدرس الحكومة الانتقالية “تشجيع الاستثمار في التنقيب وإعادة تأهيل الحقول النفطية القائمة، والحفاظ على المخزون الاستراتيجي من المحروقات، وترشيد توزيعها على القطاعات الأكثر حيوية كالكهرباء والنقل، وتكثيف الحملات الحكومية لمكافحة تهريب المشتقات وبيعها في السوق السوداء، وتعزيز برامج ترشيد الاستهلاك والطاقة البديلة وتسريع توسيع مشاريع الطاقة المتجددة (شمسية، ريحية) وتشجيع الترشيد في الاستهلاك العام والمنزلي، كما يجب منح ملف الطاقة أولوية قصوى في برامج الإعمار، وتخصيص موارد استثنائية لمشاريع الإنتاج المحلي، والانفتاح على مزيد من الاتفاقيات الخارجية لبناء منظومة أمن طاقي أكثر استدامة”.
انعكاسات المنحة على الأسعار.. هدوء مؤقت قبل العاصفة:
يرى الخبير علي فلوح أن المنحة النفطية خفّضت ضغط الأسعار مؤقتاً، مع استقرار رسمي وهدوء في السوق السوداء بسبب توفر المادة، وتراجع فوري بأسعار المحروقات بعد الإعلان عن وصول الشحنات، فيما يُتوقع لاحقاً—بعد نفادها—اتجاه حكومي لرفع الأسعار تدريجياً لمجاراة التكاليف العالمية وسعر الصرف، حتى مع استمرار الإمدادات.
لكن فلوح يحذر في حديثه لـ “963+” من أن هذا الانخفاض هو “فقاعة مؤقتة” والسوق تعمل بمنطق العرض والطلب، والمنحة زادت العرض بشكل مفاجئ، فانخفض السعر، لكن بمجرد أن يبدأ مخزون المنحة بالنضوب، ومع عدم وجود مصدر دائم بديل، ستعود الأسعار للارتفاع، وإذا لم يكن هناك إدارة جيدة للتكرير، أو إذا الكميات غير كافية لتلبية الطلب الأساسي، قد لا تنخفض الأسعار كثيراً أو لفترة طويلة، وهناك أيضاً احتمال أن يكون جزء من النفط الممنوح مخصص للاستعمال الصناعي أو قطاع الكهرباء، وليس بالضرورة لتلبية الطلب في السوق، مما قد يقلل من الأثر المباشر على أسعار التجزئة، ولكن الطلب على المحروقات مرتبط دائماً بالسياسة، وإذا استمرت الحكومة في الاعتماد على المنح، قد يكون هناك ضغط سياسي للحفاظ على الأسعار ضمن نطاق معين، لكن إذا تحول الاعتماد إلى استيراد تجاري خاضع لسوق دولي، قد تتقلب الأسعار حسب أسواق النفط العالمية.
ويختم فلوح بالقول: انتهت شحنات المنحة السعودية، ومعها دخلت سوريا اختباراً جديداً في ملف المحروقات، والحاجة ماسة لاختيارات استراتيجية بعيداً عن حلول الإسعاف الطارئة، عبر مزيج من دعم الحلفاء، وتفعيل البدائل الوطنية، وخفض الهدر والترشيد. ويبقى مستقبل الأسعار رهن توفر موارد الطاقة والظروف الإقليمية والدولية.
+963
—————————
===================
تحديث 27 تشرين الثاني 2025
———————————
الكهرباء تنير سوريا بعد سنين الظلمات… خطة مستدامة أم تجربة؟/ طارق علي
فرحة ممزوجة ببعض الحزن والخشية من الفواتير الضخمة المتوقعة
الخميس 27 نوفمبر 2025
تعلم السلطة السورية، وأي سلطة أخرى في العالم، أن الجيوش تزحف على بطونها، وهي جملة نابليون الشهيرة، لكن يمكن إضافة والجماهير تزحف على بطونها أيضاً، لذلك، يمكن غالباً إخماد أي تذمر بتوفير الدواء والمستشفيات والمال المعقول والغذاء، فكيف لو أضيف إليهم ما كان من المنسيات لعقد من الزمن على الأقل، إما لصعوبة تأمينه الفائقة، أو عدم وجوده أساساً، والحديث هنا عن الوقود والكهرباء.
“مرّ يومان بكهرباء متواصلة، كنتُ مستغرباً جداً، شعرت أن القصة مجرد عطل ولكن لمصلحة الناس هذه المرة”، يقول ممدوح شاكر صاحب أحد معارض السيارات في مدينة طرطوس لـ “اندبندنت عربية” بعد سؤاله عن التحسن الكبير والمفاجئ الذي طرأ على واقع الشبكة الكهربائية في كثير من المحافظات السورية. وأضاف “الأمر يشبه الصدمة من توافر شيء نسيت الناس ما هو فعلاً، كهرباء مستمرة، الأمر غريب تماماً وغير منطقي بصراحة، البلد غارقة في العتمة منذ أكثر من عقد، أعتقد أن كل السوريين لديهم اليوم مشكلة في أعينهم بسبب بدائل الضوء التي كنا نلجأ إليها”. وتابع “فعلياً قبل انقضاء اليوم الأول من الكهرباء المتواصلة، حاولت تفقد قواطع المنزل وسألت الجوار، الجميع كان لديهم كهرباء، فعدت إلى منزلي وأطفأت الأنوار، السعادة الصادمة غير ملائمة لنا”، يقول ضاحكاً.
يتشارك مع ممدوح في استغرابه شريحة سورية كبيرة، وصل إليها موقع “اندبندنت عربية” بالسؤال المباشر، أو تمكن من رصد تفاعلاتها عبر صفحات التواصل الاجتماعي التي غصّت بأخبار الكهرباء خلال الأيام الماضية، وهو فعلياً حدث غير معهود في يوميات الناس الذين كادوا أن ينسوا وجودها على مدى سنين طويلة كانت تصل فيها ساعات التقنين اليومي إلى أكثر من 20 ساعة.
الصدمة المقبلة
يرى المقاول عزّام إسماعيل أن المواطن سيأخذ الكهرباء من هنا ويدفع ضريبة تعجزه من هناك، ويعيد ذلك لأسباب موضوعية يشرحها معتبراً أن الفرحة الحالية بالكهرباء، ووصولها إلى بعض المدن كحلب ودمشق وحمص وطرطوس وغيرها، بمعدل 20 ساعة تغذية يومياً، سيكون وبالاً جماعياً خلال شهرين على أبعد تقدير، أي مع أول دورة فوترة مقبلة. وأضاف، “سابقاً بغض النظر عن عدد ساعات الكهرباء، ولكن كانت أسعارها مدعومة من الدولة بنسبة عظمى، الشهر الماضي رفعت الحكومة سعر استهلاك الكهرباء 6 آلاف في المئة، أي بفرض ما كان سيُدفع وهي في حالة حضور دائم، وكان سيكلف بضعة دولارات في الشهر، أما الآن على الأسعار الجديدة فستكلف مئات الدولارات في الشهر، أي ما يفوق دخل أي سوري، بل بما سيزعج الأغنياء حتى، وما سيدفع مصالح ومنشآت ومصانع ومطاعم وغيرهم إلى الإغلاق. سنوات طويلة مرت وليس هناك فولت واحد في شبكة الكهرباء، وفجأة ترتفع الأسعار للسماء وتصبح الكهرباء بمتناول الجميع، هذه صارت جباية، وإعادة إنتاج نظام اقتصادي قديم في حقب سوداء على السوريين، الارتفاع مقابل التوفير، هذه هي القاعدة”.
المعادلة الكهربائية الأسرية
بدوره يرى طبيب الأسنان بشار خضر أنه وزوجته الآن أمام مهمة جديدة وشاقة، وهي إيجاد آلية لاستخدام الأدوات الكهربائية، مبيناً أن السوريين سريعاً أجروا حسابات تكلفة ساعية لكل قطعة كهربائية مستخدمة، “الآن وكوننا في الشتاء، وفجأة كهرباء كثيرة جداً، بتنا نوصل البراد بالكهرباء لساعة ونفصله ثلاثاً، الغسالة قلصنا أيام تشغيلها، السخّان المائي، الفرن الكهربائي، إلخ… الأزمة بروح الكوميديا السوداء السورية الخالصة، صارت اليوم أن الحكومة ستأخذ مالاً كثيراً، ولن تكتفي بذلك، بل ستغرق السوريين بعمليات رياضية وحسابية لمعرفة متى وأين وكيف يجب استخدام الكهرباء، فمثلاً الآن سيتم تسخين مياه الاستحمام ليستحم الجميع تباعاً، لئلا يظل هناك مياه ساخنة مهدورة، لم يعد مسموحاً أن يستحم كل واحد في يوم مختلف وساعة مختلفة”.
بين التقديرات المحلية والدولية
منذ تولي السلطات الجديدة الحكم في سوريا أواخر العام الفائت عقب الإطاحة بنظام الأسد، قدمت خطة اقتصادية وإصلاحية واسعة شملت جوانب عدة من معيشة المواطن، اقتصادياً واجتماعياً وتعليمياً وثقافياً، فشلت في أحيان كثيرة، وتراوحت أسباب ذلك الفشل بين العقوبات الغربية المشددة والتي أزيل بعضها تباعاً، وجُمِّد بعضها الآخر، مع وعود بإيقاف فاعلية ما تبقى، إضافة إلى وقوع السلطة في فخ فضيحة الاستثمارات المليارية الوهمية، والتي كان يعوَّل عليها لرفد حركة عجلة إعادة الإعمار، رفقة حملات تبرعات المدن خلال الأشهر الماضية، والتي حملت أيضاً جانباً وهمياً كبيراً، علماً أن الرئيس السوري أحمد الشرع أكد في لقاء صحافي أخيراً أن سوريا ستركز لإعادة الإعمار على الاستثمار والتبرعات، فيما رأى مراقبون حينها أن هذين الجانبين لا يكفيان، بخاصة أن الشرع تحدث عن حاجة سوريا لمبلغ يتراوح ما بين 600 و900 مليار دولار، ليؤكد صندوق النقد الدولي لاحقاً أن تكلفة إعادة إعمار سوريا هو 200 مليار دولار.
فخ الأيديولوجية
إلى جانب ذلك، وقعت السلطة في فخ الأيديولوجية القاتلة التي جاءت محملةً معها من إدلب لتظهر من خلال تعديل المناهج بشكل لا يواكب الثقافة السورية العامة وصولاً إلى التدليس وزج معلومات غير صحيحة، وذلك بدواعٍ غير معلنة تندرج تحت إطار الشرعية الثورية أولاً، والشعار الذي حملته السلطات مع بدايتها بالقول “مَن يحرر يقرر”. وقد يكون الحديث عن هفواتها كثيراً، وضمناً استعداء مكونات سورية عسكرياً واجتماعياً، بشكل صريح، أو أكثر تنميقاً على لسان وزراء في حكومتها، وتلك الهفوات طاولت وزارتي الخارجية والثقافة على وجه التحديد، فضلاً عن ملفات الاعتقال والسجون والتعذيب والتغييب القسري والإخفاء المتعمد للحقائق، حتى راح سوريون يرون أن كثيراً من اليوم هو إعادة تدوير للأمس، وفي حالات أخرى رأى بعضهم أن الشرع وفريقه في وادٍ إصلاحي، وما دونه من مستويات، من دون تعميم، في وادٍ متيبس. فالرئيس الذي قال: “نصرٌ بلا ثأر” و”انتهت الثورة وبدأ بناء الدولة”، كان يعني ما يقول، لكن آخرين لم يفهموا المراد من قوله، وهذا حقٌ في شارع مكلوم ومضطهد سنوات طويلة، لكنه ليس حقاً في مؤسسات دولة، ظلت تصطبغ حتى صار الداخل والخارج يصف بفعلها سوريا بـ “دولة الشيوخ”.
بين الداخل والخارج
على رغم ذلك نجحت السلطات في إدارة ملفات كثيرة ومركبة، وبمعزل عن هفوات وزارية لكنها لم تكن إلا كلامية ذات ارتداد داخلي، لا سيما مؤتمر وزارة الداخلية الأخير والشهير الذي نفى وقوع إلا حالة خطف واحدة في سوريا.
ولكن حين ننظر إلى البلاد كاملةً كمشروع يتخطى المحلية الفردية نحو أبعاد أعمق، يتضح أن هذه السلطة نجحت في زيادة مرتبات الموظفين لأضعاف، ونجحت دبلوماسياً وخارجياً بشكل منقطع النظير، وانضمت إلى تحالفات دولية، وحضرت قروض مانحين ومنتديات عالمية، تلقت وعوداً وقدمت أخرى، وحملت على ظهرها شأن إصلاح الداخل من الخارج والخارج من الداخل. وإن كان هناك تفاوت كبير بين المعنيين، ففي هذه المعادلة ما زالت مشكلات الداخل تصدر نفسها للخارج كمؤثر، فيما تنعكس نجاحات الخارج ارتياحاً مقابلاً في الداخل.
الجماهير تزحف على بطونها
تعلم السلطة السورية، وأي سلطة عالمية أخرى، أن الجيوش تزحف على بطونها، وهي جملة نابليون الشهيرة، لكن يمكن إضافة والجماهير تزحف على بطونها أيضاً، لذلك، يمكن غالباً إخماد أي تذمر بتوفير الدواء والمستشفيات والمال المعقول والغذاء، فكيف لو أضيف إليهم ما كان من المنسيات لعقد من الزمن على الأقل، إما لصعوبة تأمينه الفائقة، أو عدم وجوده أساساً، والحديث هنا عن الوقود والكهرباء، الوقود حالياً ليس منخفض السعر على مستوى الإقليم، لكنه متوافر، وهنا يتذكر السوريون أياماً كانوا يقضونها في طوابير الانتظار. أما التحدي الأعقد فكان عودة الكهرباء دفعة واحدة، وأهل سوريا منذ عام 2012، مع اشتداد المعارك وخروج محطات التوليد عن الخدمة وشبه انعدام الإنتاج والتوريدات، كانوا استبدلوها بالشموع، ثم ببطاريات الإنارة المنزلية الصغيرة مع ما يُعرف بأشرطة ضوء “الليد” (LED)، وذلك قبل التوجه شبه الجماعي نحو الطاقة البديلة، عبر تركيب منظومات طاقات شمسية على أسطح المباني، ضمن سلسلة قروض كانت ميسرة جداً حينها من البنوك.
السوريون الذين ذاقوا مرارة المجاعة الفعلية مع عام 2020 وجائحة كورونا وإقرار “قانون قيصر” واختفاء كل شيء كان شبه موجود سابقاً رويداً رويداً، باتوا اليوم يتنفسون كهرباءً وسياراتٍ رخيصة بالجملة، ودخاناً وأجهزة خلوية وغذائية من دون جمارك الفرقة الرابعة.
على الأرض
خلال الأيام الماضية بحث موقع “اندبندنت عربية” في الواقع الدقيق والنسبي لتوزيع الكهرباء، بعض الأهالي في أحياء متعددة بين حلب وحماة ومصياف وطرطوس ودمشق وحمص أجمعوا أنها وصلت إليهم في المتوسط بحدود 20 ساعة تغذية يومية، فيما قال سكان أحياء أخرى في تلك المدن إنها استمرت أكثر من ذلك، البعض تحدث عن يومين متواصلين، وهي رواية تمّ التأكد منها، ولكن على الأقل في اليومين الماضيين عادت الشبكة نسبياً لتقلل الحمولات عبر خفض ساعات التغذية. لا يمكن القول إنه يوجد برنامج موحد للتقنين أو التغذية، فثمة مناطق عادت لتنقطع فيها ما بين 6 إلى 8 ساعات متواصلة ثم تأتي بذات المقدار أو أكثر، وهو ما يكشف عن محاولات جدية لضمان إدارة ديمومة التيار المنزلي والصناعي.
أحد سكان ضاحية قدسيا في ريف دمشق قال، “منذ الأمس لم تنقطع، أعتقد حتى الآن أكثر من 22 ساعة”، فيما أفادت فتاة تسكن في منطقة برزة – حاميش بالعاصمة دمشق بأنهم يعيشون حتى الآن على وقع تقنين، 4 ساعات قطع مقابل ساعة ونصف وصل، آخر يقطن في حمص قال: “منذ أيام قليلة كان التقنين في ذروته، لكن ساعات وصل الكهرباء فجأة تغيّرت للأفضل بكثير، ثم عادت تقطع وتجيء”. ومن استبيان آراء أناس وأهال داخل أحياء في مدن واحدة يتبين أن التغذية الكهربائية حتى الآن غير مستقرة وغير متساوية تماماً.
المهندس الكهربائي جاد الله مسعف قال، “بغض النظر عن طريقة استجرار الكهرباء، لكن توافرها لا يعني إمكانية إيصالها لكل حي، حتى ضمن الحي الواحد قد نرى خطين متقابلين أحدهما مضاء والآخر مظلم، الأمر يعود لسلسلة الشبكات نفسها والتمديدات والمحولات ومدى تضررها وما وقع عليها خلال الحرب. إذاً، عملية توفير الكهرباء أمر مذهل وعظيم في هذه الظروف، لكن التحدي يكمن في إتمام الصيانة، وهذا يجب أن يرتبط بما نسميه مشاريع التعافي المبكر، ومن الخطأ ربطه بكامل عملية إعادة الإعمار، والآن أكثر ما يُخشى منه هو كيفية الحفاظ على توازن الشبكة مع الارتفاع المهول الذي سيقع عليها بسبب الحمولات الشتوية”.
أما بالنسبة للمنطقة الشرقية فقد تواصل موقع “اندبندنت عربية” مع عدد من الأهالي هناك لسؤالهم إذا كان واقع التحسن قد شمل مناطقهم، تحديداً دير الزور وجوارها، فكان الجواب بأن التقنين الذي ما زال معتمداً حتى الآن هو 5 ساعات قطع مقابل أقل من ساعة وصل، وهو ما برره الأهالي بأنه وبحسب ما قيل لهم من قبل مسؤولين حكوميين محليين في المنطقة إنه ناجم عن مشكلات تقنية يجري العمل على إصلاحها ضمن الشبكة.
الفضيحة المشتركة
على رغم أن السوريين تجاوزوا على مضض فضيحة الخط الغازي من أذربيجان إلى سوريا عبر تركيا بتمويل قطري قبل أشهر، وهو كان أحد أوائل مشاريع السلطة، وانتظر الناس كثيراً قبل أشهر الكهرباء التي سيتم توليدها مع انتظام وصول الغاز، لكن شيئاً لم يتغير، إذ سرعان ما اتضح أن الغاز الأذري غير مطابق لمواصفات محطات التوليد السورية، في فضيحة يمكن إلى حدٍّ ما اعتبارها دولية، لأنها لم تكن مجرد اتفاقيةً مبرمة وفقط، بل اشتملت على أنابيب عابرة للحدود، وبنية تحتية، ومدفوعات مليارية، وصفقة كبرى.
تلك القضية تحدث عنها باقتضاب الأستاذ الجامعي في الاقتصاد معن يوسف قائلاً، “لو أردنا الحديث بلغة الاقتصاد ورموزها سيكون الأمر معقداً جداً، بل إنه يستحق دراسة مطولة، ولكن سأطرح مثلاً بسيطاً جداً لأوضح: نحن حصل معنا كمن يمتلك سيارة كورية قديمة واشترى لها محرك سيارة ألمانية حديثة ثم تفاجأ لماذا لم تعمل! هذا بالضبط ما حصل، أربع دول تشاركت بمشروع ملياري ولم تعرف مسبقاً أن الغاز الأذري لا يلائم طبيعة محطاتنا؟ في الاقتصاد البسيط نصف هذا الأمر ضمن مصطلحي ‘استهلاك غير فعّال وتصرفات غير رشيدة'”.
المهم أن تصل… ولكن!
مصادر رسمية سورية تحدثت لـ “اندبندنت عربية” عن قرب توقيع اتفاق مع شركات ألمانية وأميركية لمصلحة توريد توربينات ومعدات وبنى ولوازم كهربائية إلى سوريا ضمن عقود قد تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات، وحالياً يجري التفاوض على الآلية والتفاصيل وخلافه، خصوصاً مع وجود دعم سعودي لافت في مجالات متنوعة من بينها الطاقة.
أخيراً، لا يهم السوريين كثيراً كيف تصل الكهرباء، المهم أن تصل، لكن في الوقت ذاته يتحاملون على أنفسهم بين فرحةٍ وحزنٍ بحاجة أساسية عادت وهي ليست رفاهية أو كمالية، لكن ذهاب نشوة عودتها سيكون سريعاً ومقترناً بأول فاتورة كهربائية مقبلة، تلك الفاتورة التي أياً تكن فهي ستتجاوز دخلهم المحدود، في بلد ما زالت الأمم المتحدة تقول إن أكثر من 90 في المئة من أهله تحت خط الفقر، وهؤلاء الفقراء مرّوا على خبر الارتفاع التاريخي في سعر الكهرباء من دون وجود أحد ليسمع صوتهم، فلم يجدوا إلا أن يناشدوا الرئيس ليتدخل. وخلال منتصف نوفمبر الجاري وجهت لهم شركتا الاتصالات الوحيدتان في سوريا ضربة بذات القسوة، عبر رفع أسعارهما إلى حدود غير منطقية أمام الدخل المتهاوي.
—————————————
خطوة إصلاحية أم تركيز للسلطة.. ما دلالات مرسوم إحداث هيئة المنافذ والجمارك؟/ خالد الخطيب
2025.11.27
أثار المرسوم الجمهوري القاضي بإنشاء الهيئة العامة للمنافذ والجمارك موجة واسعة من الجدل في الأوساط الاقتصادية والإدارية في سوريا، إذ ينشئ المرسوم هيئة مركزية ترتبط مباشرة برئيس الجمهورية، تتولى إدارة الجمارك والمرافئ والمنافذ البرية والمناطق الحرة.
وفي حين يسوق لهذه الخطوة على أنها تأتي في إطار “الإصلاح وتوحيد الجهود”، يرى فريق من الخبراء أن المرسوم يحمل مخاوف خطيرة تتعلق بتركيز السلطة وإضعاف الوزارات، كما يعتبره آخرون فرصة لتعزيز الكفاءة والتحديث.
تركيز السلطة وإضعاف الوزارات؟
يرى الباحث الاقتصادي أحمد عزوز أن إحدى أبرز سلبيات المرسوم تتمثل في التركيز الشديد للسلطة، إذ يجمع تحت مظلة واحدة قطاعات متباعدة بطبيعتها مثل الجمارك والموانئ والحدود والمناطق الحرة والنقل البحري.
ويشير عزوز في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إلى أن مثل هذه القطاعات، في الدول الحديثة، توزع بين وزارات مختلفة لضمان التوازن المؤسسي والرقابة المتبادلة، في حين تسحب في النموذج الجديد من وزارات المالية والنقل والاقتصاد والداخلية لتخضع لهيئة واحدة تتبع للرئاسة مباشرة، ما يعني، وفق تعبيره، إنشاء “جهاز فوق حكومي”.
ويؤكد عزوز أن المرسوم يضعف دور الحكومة، ويحول الوزارات إلى جهات تنفيذية محدودة الصلاحيات، إذ تخسر المالية أحد أهم مصادر نفوذها (الجمارك)، ويفقد النقل إشرافه على الموانئ، وتُجرَّد وزارة الاقتصاد من سلطة إدارة المناطق الحرة. ويرى أن هذا النموذج يعيد البلاد إلى مركزية شديدة تتعارض مع مبادئ الإدارة الحديثة.
ويضيف أن دمج القطاعات الأكثر ربحية وحساسية، مثل المنافذ والجمارك، في كيان واحد دون رقابة برلمانية فعّالة يفتح الباب واسعاً أمام غياب الشفافية، واحتكار القرار الاقتصادي، وتوقيع اتفاقيات بعيدة المدى من دون تدقيق أو مساءلة.
ويستشهد بخبرات دولية ناجحة تعتمد على فصل الوظائف لا دمجها؛ فالجمارك تُدار عبر المالية، والموانئ ضمن قطاع النقل، والمناطق الحرة في إطار الاستثمار، في حين تبقى الحدود جزءاً من اختصاص الداخلية.
ويرى عزوز أن المرسوم 244/2025 يعيد تشكيل واحد من أهم القطاعات الاقتصادية والأمنية في سوريا على نحو يركز السلطة في هيئة مركزية فوق حكومية، تتجاوز البنية الوزارية التقليدية، وتخلق نموذجاً قد يؤدي إلى ازدواج القوانين وضعف الرقابة وترسيخ المركزية.
ويرى أن هذا الهيكل الجديد يحمل مخاطر حقيقية تتعلق بالشفافية وإدارة الموارد، وقد يفضي إلى جهاز إداري ضخم يصعب تشغيله بكفاءة أو إخضاعه للرقابة.
خطوة إصلاحية؟
على الجانب الآخر، يرى المدافعون عن إنشاء الهيئة أن المرسوم يشكل خطوة تنظيمية ضرورية لتحسين الأداء الإداري والجمركي.
وفي هذا السياق، يقول الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر إن الهدف المعلن يتمثل في توحيد الجهود وتعزيز كفاءة إدارة المنافذ، وهي خطوة، برأيه، قد تحدث فرقاً حقيقياً في تسريع الإجراءات ورفع مستوى التنسيق بين الجهات المختلفة.
ويشير السيد عمر في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إلى أن القطاع الجمركي يعاني منذ سنوات من تعدد الجهات المسؤولة واختلاف الإجراءات بين الوزارات والمرافئ، ما يؤدي إلى ازدواجية وتباطؤ في حركة التجارة، ويرى أن وجود هيئة مركزية تضع معايير موحدة وإجراءات واضحة يمكن أن يحد من البيروقراطية ويسهم في تسريع الإفراج عن البضائع، بما ينعكس إيجاباً على قطاعات حيوية مثل الغذاء والطاقة والمواد الخام.
ويشدد السيد عمر على أن تقليل عدد الجهات الإدارية قد يسهم في تعزيز الشفافية، إذ تصبح المسؤوليات أوضح وأسهل في المتابعة والرقابة، كما قد يشجع هذا النموذج المستثمرين عبر تقليل المخاطر الإدارية المرتبطة بإجراءات الاستيراد والتصدير.
ويضيف أن الإدارة المركزية للموارد قد تتيح تطوير البنية التحتية للمنافذ والمناطق الحرة، وربطها بأنظمة حديثة للتجارة الإلكترونية والرقابة الجمركية، وهو ما يسهم في تحديث العملية التشغيلية ورفع مستويات الكفاءة.
تحديات يجب مراعاتها
يرى مختصون أن المرسوم يحمل أيضاً تحديات طبيعية ينبغي إدارتها بحذر، أبرزها ضرورة وضع آليات دقيقة للتنسيق بين الهيئة المستحدثة والوزارات الأخرى، وتحديد الصلاحيات بوضوح لتجنب تضارب القرارات خلال مرحلة الانتقال. كما يجب ضمان توزيع عادل للموارد والإيرادات كي لا تتأثر الخدمات العامة أو الأداء المالي للمرافق المحلية.
ويؤكد يحيى السيد عمر أن نجاح التجربة يعتمد على وضوح القوانين التنفيذية، وكفاءة القيادات الإدارية التي ستتولى الإشراف على الهيئة، وقدرتها على دمج مختلف الجهات ضمن منظومة مركزية متوازنة تحقق أهداف الإصلاح دون المساس بسلاسة العمل اليومي.
يعكس مرسوم إنشاء الهيئة العامة للمنافذ والجمارك توجهاً واضحاً نحو إعادة هيكلة قطاع شديد الحساسية والاستراتيجية في سوريا، وفي حين يراه بعضهم خطوة إصلاحية تهدف إلى تحسين الأداء وتعزيز الكفاءة، ينظر إليه آخرون كآلية جديدة لتركيز السلطة على حساب الوزارات والرقابة، ويبقى السؤال مفتوحاً حول مدى توافق هذه الخطوة مع الإطار الدستوري، وقدرتها على تحقيق توازن بين الإدارة المركزية والشفافية والفعالية، وفي ظل غياب تفاصيل اللوائح التنفيذية، ستتضح ملامح تأثير هذا المرسوم خلال المرحلة المقبلة، سواء اتجه نحو إصلاح فعلي أم نحو تعميق المركزية وتوسيع نطاق السلطة التنفيذية.
تلفزيون سوريا
—————————
بعد نجاتها من الحرب.. مزارع الفستق تعاني بسبب التغيير المناخي في سوريا
ربى خدام الجامع
2025.11.26
في شرفة بيته، جلس عماد سرميني المعروف بلقب أبو عبدو، وهو فلاح من مدينة خان شيخون الواقعة جنوبي محافظة إدلب، وأخذ يرتشف القهوة وهو ينظر إلى الحقل الذي ازدان بالخضرة، وأخذت عناقيد الفستق تتدلى من أشجاره.
شعر أبو عبدو براحة بالغة تجاه ما بذله من مجهود طوال سنة كاملة قام خلالها بحراثة الأرض وسقاية الأشجار ومكافحة الحشرات التي غزت المنطقة خلال السنوات الماضية.
أخذ أبو عبدو يسابق الوقت ليتحضر لموسم الحصاد، الذي يعرف بموسم الحواش في منطقته، والذي يقوم خلاله بقطف الثمار من حقله، حيث جهز ما يلزمه من أدوات واكترى ما يحتاج إليه من عمال، وقبل كل ذلك، نشر النواطير ليحرسوا الأرض وليمنعوا عنها أي متطفل أو لص، وهذا الأمر ليس بمستغرب بالنسبة لتلك الأشجار التي تحمل فوق أغصانها ما يعرف بـ”الذهب الأحمر”.
تمسك هذا الفلاح الذي أصبح في الستينيات من عمره بأرضه، وخاصة خلال أسوأ أيام الحرب التي امتدت في سوريا لعقد ونيف من الزمن، وعن ذلك يقول: “لم ولن أتخل عن أرضي”، ويتحدث بعزيمة شخص جذوره متأصلة في تلك الأرض، مثلها مثل أشجار الحور والفستق والجوز العتيقة التي تحيط به.
يتابع أبو عبدو سرد قصته فيقول: “سافرت خارج البلد مع اشتداد الحرب، لكني عدت سريعاً، لأني لا أتخلى عن بلدي أبداً”، وفي الوقت الذي سمح لأولاده بالدراسة والعمل في بلدان أخرى من الشرق الأوسط وفي ألمانيا، بقي أبو عبدو في أرضه ليزرعها بما يصفه بالكنز.
بيد أن الأمور اختلفت في هذه السنة، بعد أن أثر الجفاف على المحصول بشكل بالغ.
جال معنا أبو عبدو في أرضه مترامية الأطراف، وحدثنا عن المصاعب التي واجهها بسبب قرب أرضه من المناطق التي كان النظام البائد يسيطر عليها، ما يعني حدوث مواجهات مستمرة مع ميليشيات الشبيحة المنفلتة. كما انتشرت نقاط التفتيش في تلك المنطقة، لاسيما تلك التي كانت تتبع للفرقة الرابعة مدرعات، والتي شاركت بعمليات سرقة ونهب وابتزاز كبيرة ضد الفلاحين هناك.
غير أن الوضع اختلف بعد سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول لعام 2024، إذ أصبح بوسع السيارات أن تتحرك بحرية لتنقل المنتجات إلى الأسواق الكبرى في دمشق وحلب وغيرها من المدن السورية.
الحشرة القاتلة
في سوق الفستق بمدينة حلب، يحدثنا المشرف عبد الباسط دليل عن الهبوط غير المسبوق في عمليات البيع والشراء مقارنة بالعام المنصرم، إذ تتفاوت الأسعار بحسب نوع الفستق، غير أن جميع الأنواع أصبحت تباع اليوم بسعر ستة دولارات للكيلو الواحد.
يتشوق الفلاحون والتجار لتصدير منتوجاتهم إلى الأسواق الأجنبية، حيث يمكنهم أن يحصلوا ما بين عشرين إلى ثلاثين دولاراً للكيلو الواحد من الفستق.
عند وصولنا إلى سوق الفستق، أخبرنا مزارع وتاجر التقينا به هنا بمعاناة الفلاحين من الجفاف الذي أصاب سوريا، وتضرر أشجار الفستق بسبب ذلك بشكل بالغ، ولهذا بدأ الناس بالبحث عن حلول.
كما ذكر هذا الرجل أيضاً بأن من حفروا آباراً استطاعوا سقاية محاصيلهم، وأضاف: “إن انتشار الأمراض بسبب خنافس التين الكبيرة وتفشي حشرات القشور البيضاء (البق) أضعف الإنتاج بنسبة تراوحت ما بين 20-30% مقارنة بالإنتاج خلال السنوات الماضية، وبالرغم من ذلك، فإن الكميات المتوفرة تكفي السوق المحلي، إلا أن سوريا تصدر الفستق الحلبي أيضاً، ولهذا نتمنى أن نحصل على تسهيلات في مجال التسويق والجمارك والمبيعات”.
تظهر خنفساء التين الكبيرة خلال الفترة ما بين نيسان وآب، أما في الشتاء فتدخل في مرحلة سبات داخل الغطاء النباتي الكثيف أو تحت ما تساقط من أوراق الشجر، وتبيض نحو ثلاثين بيضة وسطياً في قاعدة جذوع الشجر أو في الشقوق بين الأغصان، وبعد شهرين تفقس البيوض وتخرج اليرقات لتحفر جذوع أشجار الفستق وجذورها.
يشرح المزارع محمد سعيد من مدينة صوران بريف حماة كيف أضر الجفاف بمدينته، فيقول: “تضررت أشجار الفستق بسبب هذه المشكلة لدرجة أنها ذوت وذبلت، كما انتشرت الحشرات مثل خنفساء التين الكبيرة أثناء غياب الفلاحين عن أراضيهم أيام حكم النظام البائد”.
من جانبه، قدم محمد قشطو رئيس اتحاد غرفة الزراعة السورية تطمينات للفلاحين بناء على تقديراته حول زيادة الإنتاج، وخاصة مع استمرار فترة الحصاد حتى منتصف أيلول، وأكد بأن الجفاف أضر بالمحصول في سوريا، ومن بين تلك المحاصيل محصول الفستق الحلبي، إلا أنه شرح كيف يخضع الفستق لدورة حمل بالتناوب، إذ ينتج محصولاً وفيراً في أول سنة ثم قليلاً أو معدوماً في السنة التالية، بعد ذلك يرجع لمرحلة الإنتاج الطبيعية خلال المواسم اللاحقة، وأضاف هذا الرجل: “من المتوقع زيادة الإنتاج بنسبة تتراوح ما بين 50-55%، بما أن هذا المحصول مهم للاقتصاد كونه يصدّر ويدخل في صناعة الحلويات، ويزرع بشكل رئيسي في الريف الشمالي لحماة والريف الجنوبي لإدلب، كما يزرع في ريف حلب، وضمن مساحات أصغر في حمص والسويداء، بما أن الظروف المناخية هي من يحدد أماكن زراعته”.
وعلى الرغم من ذلك، يأمل الفلاحون والتجار بتصدير الفستق الحلبي لتعويض الخسائر التي تكبدوها بسبب تراجع المحصول وارتفاع أسعار الأسمدة والكهرباء والوقود، غير أنهم يخشون من هبوط الإنتاج مجدداً خلال العام القادم بسبب استمرار الجفاف.
أمسك أبو عبدو بغصن شجرة وقال: “إنها أشجار الفستق، لكنها لن تطرح ثمارها خلال العام القادم لأن الجفاف تسبب بسقوط الثمر عن الشجر، إذ عادة يبقى ما بين 5-10% من الثمار على الشجر، لكن جميعها ذبل، ولهذا نتوقع أن يكون الحصاد ضعيفاً في السنة القادمة”.
حكاية الفستق السوري
تعد شجرة الفستق من أهم الأشجار في منطقة حوض المتوسط، إذ تعود أصولها لآلاف السنين، وتزرع في مختلف أنحاء منطقة البحر المتوسط المعروفة بتربتها الخصبة ومناخها المتنوع المناسب للزراعة.
ذكرت المصادر التاريخية بأن أصول الفستق تعود لشمالي سوريا، وخاصة في شمالي ووسط محافظات حلب وحماة وإدلب، ولقد احتل الفستق الحلبي مكانة مميزة في الثقافات والحضارات القديمة على مر العصور.
وأولى الأدلة على استخدام الفستق الحلبي ترجع للعصر البرونزي في حوض المتوسط، وعلى الأخص في حلب، ثم وصل الفستق إلى أوروبا في القرن الأول الميلادي على يد الرومان الذين حملوه من سوريا.
ولهذا بقيت شجرة “الذهب الأحمر” تمثل شريان حياة اقتصادي كونها تحقق مكاسب تدعم الدخل الوطني والمجتمعات الريفية من خلال التصدير والعائدات التي تحققها بالعملة الصعبة.
ويدخل الفستق الحلبي في الصناعات الغذائية بشكل كبير، وخاصة في صناعة الحلويات وغيرها من المنتجات الغذائية، كونه يضفي على الأطباق نكهة مميزة، وإلى جانب استخداماته في مجال الأغذية، يتمتع الفستق الحلبي بقيمة كبيرة نظراً لفوائده الصحية، ولهذا يدخل في صناعة الأدوية التقليدية.
المصدر: The Independent
تلفزيون سوريا
————————-
سوريا: إطار لإحياء علاقات المراسلة المصرفية
الخميس 2025/11/27
أكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية أنَّ المصرف يعمل في ضوء التطورات الإيجابية الأخيرة المتعلقة برفع العقوبات عن سوريا، وعودة الاتصال عبر نظام “سويفت”، على إعداد إطار تنظيمي ورقابي جديد يهدف إلى إعادة تفعيل علاقات المراسلة المصرفية وتطويرها، بين المصارف السورية والأجنبية.
وأشار في منشور عبر قناة المصرف على “تلغرام” إلى أنَّ الإطار الجديد يأتي في سياق الخطوات الرامية إلى إعادة دمج القطاع المصرفي السوري، ضمن النظام المالي العالمي، ويستند إلى تعزيز الامتثال للمعايير الدولية الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب (AML/CFT)، إلى جانب دعم الشفافية وبناء الثقة مع الشركاء الدوليين، وتطوير أنظمة الدفع والبنية التشغيلية للمصارف بما يضمن تنفيذ تحويلات مالية آمنة وفعّالة.
وبحسب الحصرية، سيقود مصرف سوريا المركزي جهود القطاع المصرفي بشكل منهجي ومدروس نحو الانفتاح والاندماج الدولي، من خلال وضع المعايير المناسبة وتنسيق العمل بين المصارف المحلية، بما يمكّنها من إقامة شراكات مصرفية موثوقة مع الخارج، وتعزيز قدرتها على الالتزام بالممارسات المصرفية المتقدمة.
وأوضح أن الإطار التنظيمي والرقابي الذي يجري العمل عليه يمثل خطوة استراتيجية تعزز موقع القطاع المصرفي السوري ضمن المنظومة المالية الدولية، وتسهم في ضمان جاهزية المصارف للمعايير العالمية، ودعم الاستقرار الاقتصادي، والارتقاء بدور النظام المصرفي في مرحلة التعافي
————————
سوريا تسعى لتطوير القطاع الزراعي بالتعاون مع روسيا
زيادة فرص تصدير المنتجات الزراعية السورية إلى روسيا
الرياض – العربية
27 نوفمبر ,2025
بحث نائب وزير الزراعة السوري باسل السويدان مع وفد روسي آفاق التعاون الزراعي المشترك وسبل تطويره بما ينسجم مع أولويات سوريا في مرحلة البناء وإعادة الإعمار.
وتناول اللقاء عدة ملفات، أبرزها تدريب الكوادر السورية، وتوسيع فرص تصدير المنتجات الزراعية السورية إلى روسيا وتنمية هذه الصادرات، إضافة إلى تطوير البذور المحسنة واستيراد المحاصيل العلفية من روسيا.
واستعرض السويدان احتياجات القطاع الزراعي من المستلزمات الزراعية ولا سيما الآليات والمعدات وإمكانية إقامة شراكات لتأمينها، إلى جانب بحث التعاون في مجال مصانع الأسمدة وتطوير خطوط الإنتاج، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.
لتجنب إغلاق السوق.. سوريا تحسم الخلاف حول رسم الإنفاق الاستهلاكي على الذهب
اقتصاد اقتصاد سوريا لتجنب إغلاق السوق.. سوريا تحسم الخلاف حول رسم الإنفاق الاستهلاكي على الذهب
من جانبه، أبدى الوفد الروسي استعداده لدعم الزراعة السورية وتعزيز العلاقات الزراعية المشتركة، مشدداً على أهمية عقد اجتماعات لتحقيق نتائج عملية تدعم تطور القطاع الزراعي وتسهم في التنمية الزراعية والصناعية في البلدين.
واجتمع وزير الزراعة السوري أمجد بدر، خلال الشهر الماضي، مع وفد من اللجنة السورية الروسية المشتركة للتعاون التجاري والاقتصادي والتكنولوجي، بهدف تعزيز التعاون الزراعي وتحديث الاتفاقيات الموقعة بين البلدين.
————————–
مشروع لترحيل 85 ألف متر مكعب من الأنقاض في دوما وداريا
أعلن الدفاع المدني السوري التابع لوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، في 26 من تشرين الثاني، عن إطلاق مشروع إزالة الأنقاض في مدينتي داريا ودوما بريف دمشق، بتمويل ودعم من مركز الملك سلمان السعودي للإغاثة والأعمال الإنسانية.
مدير مشروع ترحيل الأنقاض في مدينتي دوما وداريا، علي حاميش، قال لعنب بلدي اليوم، الخميس 27 من تشرين الثاني، إن الهدف الرئيسي من المشروع هو تنفيذ خطة متكاملة لإزالة الأنقاض بطرق آمنة ومستدامة، مع التركيز على إعادة تدوير المخلفات القابلة للاستخدام في مشاريع إعادة الأعمار.
وأضاف حاميش أنه يتفرع من الهدف الرئيسي، ثلاثة أهداف فرعية وهي:
تغيير حجم الأنقاض على مستوى محافظة دمشق وريفها بالكامل.
إزالة وترحيل الأنقاض من المناطق المتضررة، مع المحافظة على حقوق الملكية للأراضي.
تشكيل وحدة متكاملة لإعادة تدوير الأنقاض، وإعادة استخدام المواد المعاد تدويرها في مشاريع إعادة الأعمار، بهدف تخفيف من الأثر البيئي السلبي للأنقاض، في حال بقيت دون إعادة تدوير.
وأوضح حاميش أنه جرى تحديد المناطق الأكثر أولوية عبر عمليات مسح ميداني، وبالتعاون مع الجهات المعنية مثل المجالس المحلية ومجالس المدن، ومديريات الصحة، وبالتنسيق مع منظمة الأمم المتحدة.
وحددت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، المواقع الأكثر حاجة لعمليات إزالة وترحيل الأنقاض، بالاعتماد على خريطة تفاعلية، لتبدأ المرحلة الحالية في مدينتي دوما وداريا.
وتقوم المعايير الأساسية لاختيار المناطق، وفق حاميش، على احتياجات السكان المهجرين للعودة إلى منازلهم، إذ تشكل الأنقاض عائقًا يمنع الأهالي من الوصول إلى بيوتهم أو الشروع بترميمها.
ويرتبط المعيار الثاني بترحيل الأنقاض من المنشآت التعليمية والطبية، بهدف إعادة تأهيلها في حال كان ذلك ممكنًا، بينما يعتمد المعيار الثالث على عدد السكان في المنطقة وعدد المستفيدين من عمليات الترحيل، إذ تكتسب المناطق ذات الكثافة السكانية الأكبر، أولوية أعلى.
وأشار حاميش إلى أن مدة المشروع تمتد لعام كامل، ابتداء من 1 تشرين الأول الماضي، وحتى 1 تشرين الأول من عام 2026، مع إمكانية تمديده، منوهًا لوضع خطة وبرنامج زمني مفصل، لتنفيذ الأنشطة خلال الفترة المحددة.
تحديات تنفيذ المشروع
تحدث مدير مشروع ترحيل الأنقاض في مدينة دوما وداريا، علي حاميش، عن التحديات التي تواجه تنفيذ المشروع، أبرزها انتشار الذخائر غير المنفجرة، ويجري التعامل معها بالتنسيق مع الجهات المختصة، ولا سيما فريق متخصص ضمن فرق الدفاع المدني.
ومن التحديات الأخرى، عودة الأهالي تدريجيًا إلى أحيائهم ومنازلهم، ما قد يؤدي إلى ظهور كميات جديدة من الأنقاض بعد إزالتها سابقًا، نتيجة قيام السكان بإخراج أنقاض منازلهم إلى الطرقات، وهو ما يستدعي ترحيلها مجددًا إلى المواقع المخصصة.
كما تواجه فرق المشروع صعوبات مرتبطة ببعد المكبات التي تُرحل إليها الأنقاض، إلى جانب سوء حالة الطرق بين مناطق تجمع الأنقاض ونقاط الترحيل، الأمر الذي يؤثر على وتيرة العمل.
ويقتصر المشروع الحالي على منطقتي دوما وداريا في ريف دمشق، بحسب حاميش، مبينًا أن الدفاع المدني السوري نفذ مشاريع مشابهة في مناطق أخرى، منها حلب التي نفذ فيها ترحيل الأنقاض على مرحلتين، وفي ريف إدلب تم ترحيل الأنقاض من مدينة معرة النعمان.
وأكد حاميش استمرار عمليات المسح الميداني، لتوسيع نطاق ترحيل الأنقاض في مختلف المناطق السورية.
ترحيل “85 متر مكعب” من الأنقاض
قال مدير الدفاع المدني السوري، باسم منير مصطفى، لعنب بلدي، إن المشروع يستهدف رفع ما لا يقل عن 85,500 متر مكعب من الأنقاض، منها 46,500 متر مكعب في دوما، و39,000 متر مكعب في داريا، وفق معايير مهنية وقانونية تضمن سلامة العمل وحقوق الملكية.
كما سيتم تشكيل وحدة متخصصة لإعادة التدوير، لتحويل نحو 30,000 متر مكعب من الركام إلى مواد بناء قابلة للاستخدام، وفقًا لمصطفى.
وأوضح مصطفى أن الخطة تتضمن إجراءات دقيقة لضمان السلامة، إذ تنفذ فرق إزالة الذخائر غير المنفجرة التابعة للدفاع المدني، أعمال المسح التقني قبل بدء الإزالة، إلى جانب حملات توعية للمجتمعات المحلية حول مخاطر المخلفات الحربية وآليات الإبلاغ عنها.
ونفذ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، العديد من المشاريع في سوريا شملت المساعدات الإغاثية والغذائية، والمشاريع الطبية، وقام بإجراء عدد من العمليات الجراحية، ونفذ مشاريع إعادة تأهيل المدارس، وشبكات الصرف الصحي، وتأهيل الآبار، و33 مخبزاً، إضافة إلى برامج دعم الأسر مثل الكفالات النقدية للأيتام.
2370 عملية لإزالة المخلفات
أعلن الدفاع المدني في 17 من تشرين الثاني، تنفيذ 2370 عملية إزالة لمخلفات الحرب في سوريا، منذ بداية عام 2025 إلى 15 من تشرين الأول الماضي.
وحددت فرق المسح التقني 900 موقعًا ملوثًا بمخلفات الحرب، وقدمت أكثر من 10 آلاف جلسة توعية للسكان، استفاد منها نحو 23 ألف مواطن بينهم 20 ألف طفل.
وحذر الدفاع المدني في بيان من مخاطر الاقتراب من الأجسام الغريبة أو الذخائر غير المنفجرة، مشددًا على تجنب المناطق التي شهدت اشتباكات مؤخرًا أو تحوي مواقع عسكرية وحقول ألغام.
ونوه إلى ضرورة إبلاغ الفرق العاملة في قطاع مكافحة مخلفات الحرب فورًا، وعدم محاولة الاقتراب أو تحريك أي جسم مشبوه، مشيرًا إلى أن فرق الدفاع المدني السوري ضمن وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، تعمل على إزالة هذا الخطر القاتل، عبر عمليات المسح والإزالة.
الدفاع المدني قال إنه “يسعى لحماية المدنيين وضمان سلامتهم في منازلهم ومزارعهم وطرق عودتهم إلى قراهم، وتنبع جهوده من إيمانه بحق السوريين في حياة آمنة ومستقبل خالٍ من المخاطر”.
وأوضح أن مخلفات الحرب تشكل، خطرًا كبيرًا يلاحق السوريين ومستقبلهم لسنوات طويلة، ويحول حياتهم اليومية إلى موت مؤجل، مبينًا أن مئات الآلاف من الألغام الأرضية والقنابل العنقودية والذخائر غير المنفجرة، منتشرة في المدن والبلدات والمزارع، كإرث قاتل خلفته سنوات “القصف العنيف والهجمات الوحشية لنظام الأسد وحلفائه”.
—————————————-
===================
تحديث 26 تشرين الثاني 2025
—————————
هل مستقبل الصناعة السورية في دائرة الخطر؟/ جوزيف ضاهر
الصناعيون السوريون يطالبون بدعم الكهرباء والحماية من المنافسة التركية والأجنبية
24 نوفمبر 2025
يعد القطاع الصناعي الخاص في سوريا من أكثر القطاعات تضررا بفعل الحرب. فإلى جانب ابتعاده الكبير عن استعادة مستويات الإنتاج التي كان يحققها قبل عام 2011، لا يزال يعاني من تحديات شتى.
لاقى قرار الحكومة في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، القاضي برفع أسعار الكهرباء، اعتراضا واسعا من المواطنين. ويتوقع أن يؤدي هذا الإجراء إلى زيادة ملموسة في تكاليف المعيشة الشهرية، المرتفعة أصلا، في ظل استمرار تدني مستويات الأجور والرواتب. كما عبر الصناعيون عن استيائهم من القرار، لما سيتسبب به من ارتفاع إضافي في تكاليف الإنتاج، وهو ما يزيد من أعباء الصناعة التحويلية المحلية. وقد شكل القرار مفاجأة غير سارة للقطاع الصناعي، خصوصا أن السلطات كانت قد اتخذت خلال شهري أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول المنصرمين خطوات محدودة لخفض أسعار الكهرباء.
صرح رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها، المهندس محمد أيمن مولوي، بأنه لم يستشر في قرار رفع سعر الكهرباء مجددا من 1500 إلى 1700 ليرة سورية للكيلوواط/الساعة (نحو 0,15 سنت أميركي). وأكد أن تكلفة الكهرباء في سوريا لا تزال الأعلى مقارنة بالدول المجاورة، إذ يتراوح سعر الكيلوواط/الساعة في مصر بين 2,5 و5 سنتات تقريبا، وفي الأردن نحو 9,5 سنتات، وفي تركيا بين 9 و10 سنتات، بينما يبلغ في العراق نحو 4 سنتات.
وأشار مولوي إلى أن الغرفة ستعد خطابا رسميا للاعتراض على هذه الزيادة، آملا أن يعاد النظر في القرار والتراجع عنه. في الوقت نفسه، أكد نائب رئيس قطاع الكيماويات في غرفة التجارة محمود المفتي، أن هذا القرار يمثل عبئا جديدا على الصناعة التحويلية، مشددا على ضرورة التشاور بين الحكومة والقطاع الخاص.
الصناعيون يطالبون بحماية الصناعة الوطنية
ونفذ عدد من الصناعيين اعتصاما أمام مقر اتحاد غرف الصناعة السورية في دمشق، طالبوا خلاله باتخاذ إجراءات فاعلة لدعم الصناعات التحويلية الوطنية وتشديد الرقابة على الواردات التي شهدت ارتفاعا ملحوظا منذ بداية العام. ووجه المشاركون رسالة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، عرضوا فيها أمثلة لسياسات اتخذتها حكومات عربية وأجنبية لدعم صناعاتها المحلية، داعين إلى تبني خطوات مماثلة في سوريا.
وقبل هذه التظاهرة في دمشق، أعلن نصف أعضاء مجلس إدارة غرفة صناعة حلب، في 21 سبتمبر/أيلول، استقالتهم احتجاجا على ما وصفوه بالتهميش وعدم استجابة الوزارة لمطالبهم. غير أن وزير الاقتصاد والصناعة محمد نضال الشعار، رفض قبول الاستقالة ودعا إلى مواصلة الحوار. وبعد أيام قليلة، في 27 سبتمبر/أيلول، زار الرئيس الشرع مدينة حلب والتقى بعدد من الصناعيين فيها وناقش معهم التحديات التي تواجه الصناعة التحويلية والبحث في الحلول الممكنة.
كما يعاني الصناعيون من تقلبات في إمدادات الطاقة، وفرض تعريفات جمركية جديدة، ونقص السيولة في السوق بسبب القيود المصرفية، فضلا عن النقص في الأيدي العاملة الماهرة وغيرها من المشكلات الهيكلية.
في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، خفضت وزارة الطاقة أسعار المشتقات النفطية بشكل طفيف، سعيا منها لتخفيف وطأة ارتفاع تكلفة المعيشة على السكان ودعم القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد. إلا أن تثبيت الأسعار بالدولار الأميركي سيؤدي إلى تداعيات سلبية على قيمة الليرة السورية وسعر الصرف، بما في ذلك ارتفاع أسعار السلع والنقل.
تداعيات سلبية لتحرير التجارة
من المهم الاشارة الى أن القطاع الصناعي السوري يتألف في معظمه من شركات متناهية الصغر وصغيرة ومتوسطة، مما يجعل قدرتها على منافسة المنتجات الأجنبية محدودة للغاية. ولا يزال هذا القطاع في حاجة ماسة إلى التحديث وتحسين الإنتاجية وإعادة الإعمار، بعد أكثر من ثلاثة عشر عاما من الحرب والدمار. كما يعاني الصناعيون من ضعف الدعم المالي، سواء من الدولة ومؤسساتها أو من النظام المصرفي المحلي. وفي الوقت نفسه، لا تلوح في الأفق مؤشرات الى عودة كبار الصناعيين السوريين المقيمين في الخارج، ولا سيما في مصر، في المدى القريب.
في هذا السياق، تؤثر سياسة الحكومة الرامية الى تسريع تحرير التجارة سلبا على القطاعات الإنتاجية، لا سيما الصناعة التحويلية. فقد اتسع العجز التجاري بشكل ملحوظ، إذ أصبحت الواردات السورية تفوق الصادرات بما يتراوح من سبعة إلى عشرة أضعاف. وكان من بين أبرز المستفيدين من هذا التوجه المنتجات التركية المستوردة. وكانت دمشق خفضت في أواخر يناير/كانون الثاني 2025، الرسوم الجمركية على أكثر من 260 منتجا تركيا، الأمر الذي ساهم في زيادة تدفق البضائع التركية إلى السوق المحلية. ووفقا لرئيس لجنة سوريا في جمعية المصدرين الأتراك جلال كادو أوغلو، بلغت صادرات تركيا إلى سوريا أكثر من 1,2 مليار دولار في الأشهر السبعة الأولى من عام 2025، بزيادة قدرها نحو 49,3 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.
كما اتفق المسؤولون السوريون والأتراك على استئناف المفاوضات بشأن اتفاقية التجارة الحرة الموقعة عام 2005، والمعلقة منذ عام 2011، في إطار خطط لإقامة شراكة اقتصادية أوسع. غير أن هذا المسار ينذر بتعريض الإنتاج الوطني السوري لمزيد من الأخطار، خصوصا في قطاعي الصناعة والزراعة، اللذين يواجهان صعوبة متزايدة في منافسة الواردات التركية.
وكانت اتفاقية التجارة الحرة الأصلية لعام 2005 قد تركت آثارا سلبية على الصناعات المحلية، وأدت إلى إغلاق عدد كبير من المصانع، ولا سيما في ضواحي المدن الكبرى مثل حلب ودمشق.
عودة مربكة للشركات الصناعية
يؤثر هذا الواقع على نحو مباشر في القطاع الصناعي السوري. ففي العاصمة دمشق، من أصل 3888 شركة صناعية مسجلة، لم تستأنف نشاطها سوى 1112 شركة، بينما لا تزال 1215 شركة أخرى قيد التأهيل، في حين تبقى آلاف الشركات مغلقة أو خارج الخدمة. أما في مدينة عدرا الصناعية وحدها، فقد سُجلت 3757 رخصة صناعية، لكن نحو 1068 منشأة فقط منها تعمل فعليا. وخلال الأشهر التسعة الأولى من السنة الجارية، بدأت 562 منشأة صناعية وحرفية جديدة الإنتاج، برأس مال إجمالي يقدر بـ13 مليار ليرة سورية (نحو 1,2 مليون دولار أميركي)، الأمر الذي وفر نحو 2776 فرصة عمل جديدة.
وبالمثل، في محافظة حلب، هناك نحو 20 ألف منشأة صناعية وحرفية مسجلة، وأكثر من 1900 مصنع في مدينة الشيخ نجار الصناعية، مع أن العديد منها لا يعمل بكامل طاقته. ومنذ سقوط النظام السابق، أُنشئ نحو 500 مصنع ومؤسسة حرفية جديدة في الشيخ نجار، وهو ما وفر أكثر من 5800 فرصة عمل، بالإضافة إلى أكثر من 1000 فرصة عمل على مستوى محافظة حلب.
على الصعيد الوطني، أفادت مديرية الاستثمار الصناعي والحرفي بوزارة الاقتصاد والصناعة بأن عدد المشاريع الصناعية المرخص لها بلغ 2225 مشروعا بين يناير/كانون الثاني وسبتمبر/أيلول 2025، نفذ 218 منها فعليا. ومع ذلك، لم تقدم أي بيانات حول رأس المال المستثمر أو فرص العمل الناتجة من هذه المشاريع، وهو ما كان من شأنه أن يوفر فهما أوضح لطبيعة ونطاق الاستثمارات في القطاع.
لا يزال قطاع التصنيع السوري بعيدا تماما عن مستويات ما قبل عام 2011 وعن الانتعاش الكبير الذي شهده في تلك الفترة. على الصعيد الوطني، انخفض عدد المنشآت الصناعية إلى نحو 80 ألف منشأة، مقارنة بنحو 130 ألف منشأة قبل عام 2011، فيما تراجعت القيمة الإجمالية للصادرات من 12,3 مليار دولار إلى نحو مليار دولار. كما كانت مدينتا عدرا والشيخ نجار الصناعيتان تضمان في عام 2010 نحو 3000 و2700 منشأة عاملة على التوالي، توظف نحو 36 ألفا و30 ألف عامل.
نحو نظام استثماري جديد
روجت الحكومة السورية في منتصف يونيو/حزيران لنظام استثماري جديد للمدن الصناعية في سوريا يهدف إلى تعزيز بيئة الاستثمار الصناعي وتشجيع الاستثمارات الوطنية والأجنبية. ويقر مشروع قانون ضريبة الدخل، المقرر تطبيقه في عام 2026، فرض ضريبة دخل ثابتة منخفضة نسبيا على الشركات بنسبة 10 في المئة، إلى جانب تقديم إعفاءات ضريبية على رأس المال. كما يخطط لتخصيص ربع الإيرادات الضريبة الإجمالية من المبيعات لصندوق خاص لدعم قطاعي الصناعة والتصدير، بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد والصناعة والجهات العامة ذات الصلة. ومع ذلك، فإن هذه الإجراءات لا تعالج التحديات الهيكلية التي تواجه الغالبية العظمى من قطاع الصناعات التحويلية، ولا سيما الشركات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة.
تعكس السياسات الراهنة التوجه الاقتصادي والسياسي للحكومة التي تميل إلى نموذج اقتصادي تجاري يركز على تحقيق الربح على المدى القصير، على حساب القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد، بما في ذلك الصناعة التحويلية. ويتجلى ذلك بشكل واضح أيضا في طبيعة وعود الاستثمار في سوريا، إذ تركز السلطات في دمشق على جذب الاستثمارات الأجنبية إلى قطاعات مثل السياحة والعقارات والخدمات المالية، التي غالبا ما توفر عوائد قصيرة الأجل. وفي الواقع، أعلن عدد محدود من الاستثمارات في قطاع التصنيع، باستثناء إعلان شركة المهيدب السعودية في الصيف استثمارا بقيمة 200 مليون دولار في مجال الصناعات الثقيلة.
وخلافا لرؤية بعض الاقتصاديين الذين يعارضون دعم القطاعات الإنتاجية ويتجاهلون أن الاقتصادات المتقدمة عادة ما تدعم إنتاجها الوطني، ينتظر القطاع الصناعي تعزيز السياسات التي تحمي المشاريع الصغيرة والمتوسطة والمتناهية الصغر، ويشمل ذلك دعم الكهرباء ومشتقات النفط، وتشجيع استخدام الطاقة الشمسية وغيرها من البدائل البيئية لمواجهة نقص الكهرباء، وتسهيل الخدمات المالية لتحسين وصول المصانع إلى التمويل، وتوسيع فرص التجارة لمعالجة محدودية الوصول إلى الأسواق، وتسهيل استيراد مواد خام معينة لخفض تكلفة الإنتاج.
المجلة
——————————–
حاكم “سوريا المركزي” يشرح للجزيرة نت أهمية العودة لنظام سويفت
شام السبسبي
تحديث 26 تشرين الثاني 2025
دمشق – قال حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر حصرية في حديث مع الجزيرة نت إن عودة المصارف السورية إلى العمل بشكل كامل وعملي ضمن شبكة سويفت تمثل خطوة محورية تحمل انعكاسات اقتصادية ومالية واسعة، سواء على مستوى انسيابية المدفوعات أو على صعيد إعادة بناء الثقة مع المؤسسات الدولية.
كان حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية، أعلن الخميس الماضي بدء استخدام نظام سويفت (SWIFT) وربط المصارف العاملة في سوريا بالنظام المالي الدولي.
وأضاف أن المصرف أرسل أول رسالة “سويفت” إلى بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك.
ورأى خبراء أن عودة سوريا إلى نظام المدفوعات الدولي (سويفت) خطوة أساسية على طريق تعافي اقتصاد دمرته الحرب، وأنهكته عزلة مالية واقتصادية فرضتها العقوبات الدولية على نظام الأسد لمدة 14 عاما على خلفية اتهامات بارتكابه جرائم حرب.
في هذا التقرير تطرح الجزيرة نت 4 أسئلة وأجوبة تكشف أهمية عودة سوريا إلى نظام سويفت العالمي للمدفوعات.
1- ما الذي يعنيه تفعيل نظام سويفت في سوريا؟
قال حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر حصرية في تصريح للجزيرة نت، إن عودة المصارف السورية إلى العمل بشكل كامل وعملي ضمن شبكة سويفت تمثل خطوة محورية تحمل انعكاسات اقتصادية ومالية واسعة، سواء على مستوى انسيابية المدفوعات أو على صعيد إعادة بناء الثقة مع المؤسسات الدولية.
وأشار حصرية إلى أن الربط مع الشبكة العالمية سيساهم في تسريع المدفوعات الخارجية، لا سيما التحويلات التجارية ورسائل الدفع، وهو ما يخفف الاعتماد على قنوات بديلة غالبا ما تكون بطيئة أو مرتفعة الكلفة.
حاكم مصرف سورية المركزي، الدكتور “عبد القادر الحصرية”، يرسل أول رسالة رسمية عبر نظام “SWIFT – سويفت الدولي”. (حساب مصرف سوريا المركزي على تلغرام)
حاكم مصرف سوريا المركزي، الدكتور عبد القادر حصرية خلال إرسال أول رسالة رسمية عبر نظام SWIFT (مواقع التواصل)
ووفق تقديراته، فإن هذا التطور يدعم خفض تكاليف الواردات والصادرات، الأمر الذي ينعكس إيجابا على النشاط الاقتصادي الداخلي.
ولفت حصرية إلى أن الارتباط بسويفت لا يعني بالضرورة زيادة حجم الاحتياطيات الأجنبية، لكنه يوفر للمصارف السورية إدارة أكثر فعالية للأرصدة الموجودة في الخارج، إلى جانب إمكانية أوسع لاستخدام أدوات التحوّط والسيولة وتعدد القنوات المالية الرسمية، ما يعدّ عاملا مساندا لاستقرار العملة الوطنية.
وأوضح أن توسيع قنوات التحويل النظامية يرفع من مستوى الشفافية والثقة مع المراسلين الدوليين، ويمنح المصرف المركزي قدرة أكبر على تتبع حركة النقد الأجنبي، وهو ما يساعد بشكل غير مباشر على تعزيز استقرار سعر الصرف، مع تأكيده أن الربط بسويفت ليس العامل الوحيد المؤثر في ذلك.
2- ما أبعاد تفعيل نظام سويفت في سوريا؟
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور فراس شعبو أن خروج الاقتصاد السوري من نظام سويفت، خلال السنوات الماضية، تسبَّب لسوريا بعزلة كاملة عن الشبكة المالية العالمية، وأدى إلى مشكلات واسعة في الحركة الاقتصادية، معتبرا أن عودة سوريا الكاملة لسويفت سيكون لها العديد من الأبعاد الإيجابية.
فعلى مستوى الأفراد، كما يشير شعبو في حديث مع الجزيرة نت سيصبح بالإمكان تلقي الحوالات بشكل مباشر، ما يؤدي إلى خفض عمولات التحويل بشكل واضح، وبالتالي يسمح بتدفق النقد الأجنبي بصورة مباشرة إلى القنوات الرسمية بدل ذهابه إلى الشركات أو سماسرة السوق السوداء.
أما على مستوى الاقتصاد، فيتوقع شعبو أن تسهم عودة سوريا إلى سويفت بتشجيع الشركات والاستثمارات والمنظمات بالدخول إلى البلاد، ما يؤدي إلى زيادة الاحتياطي من العملات الأجنبية في المصرف المركزي، ويحسّن من سعر صرف الليرة، ويسهّل التجارة الخارجية، بالإضافة إلى جعل عمليات الاستيراد تتم عبر المصارف بشكل مباشر؛ وهو ما يشجع شركات التأمين والشركات الأجنبية على التعامل مع السوق السورية نتيجة انخفاض كلفة التحويل.
ويتفق الباحث أسعد العشي مع شعبو، قائلا إن تفعيل نظام سويفت في سوريا ينعكس مباشرة على عمل المصارف، لا سيما في تنفيذ عمليات التحويل من وإلى البلاد، ما يساهم في تشجيع المستثمرين الأجانب وجذب استثمارات جديدة.
ويوضح العشي، في حديث مع الجزيرة نت، أن زيادة حجم الاستثمارات وتدفق القطع الأجنبي يمكن أن ينعكس إيجابا على قيمة الليرة السورية، وقد يفتح المجال أمام اعتمادها في عمليات التداول المرتبطة بالحوالات.
ويرى الخبير الاقتصادي أدهم قضيماتي أن تفعيل سويفت في سوريا له أهمية رمزية كبيرة بالنسبة لعودة سوريا إلى المنظومة المالية الدولية، مشيرا إلى أن هذه الخطوة تمثل إشارة واضحة إلى بدء ترميم الثقة بالنظام المصرفي السوري وإعادة فتح قنوات الاتصال مع البنوك العالمية، كما تعكس استعداد البلاد للدخول في مرحلة أكثر انفتاحا وشفافية في تدفق الأموال والتحويلات الرسمية.
حاكم مصرف سورية المركزي، الدكتور “عبد القادر الحصرية”، يرسل أول رسالة رسمية عبر نظام “SWIFT – سويفت الدولي”. (حساب مصرف سوريا المركزي على تلغرام)
صورة من داخل مصرف سوريا المركزي لشعار نظام سويفت (مواقع التواصل)
3- من المستفيدون من إعادة تفعيل سويفت في سوريا وكيف؟
وفي معرض إجابته عن هذا السؤال، يشير قضيماتي إلى أن الجميع يستفيدون من هذه الخطوة ابتداء بالحكومة والمستثمرين وصولا إلى المودعين والأشخاص العاديين، إذ سيجري فتح المجال للتعامل مع البنوك السورية بصورة أسهل، ما سينعكس على حجم الإيداعات بالعملة الأجنبية داخل النظام المصرفي، كما أن الحوالات الفردية للمغتربين -وهي بمليارات الدولارات- كانت تصل غالبا عبر قنوات غير رسمية، بينما ستنتقل الآن إلى القنوات الرسمية، ما يعزز احتياطي البلاد من العملات الأجنبية.
وفيما يخص المستثمرين، يرى الخبير أنه لم يعد بالإمكان الاعتماد على السوق الموازية (السوداء) لتحويل الأموال، بل يجب أن يصبح التحويل عبر القنوات الرسمية والبنوك، الأمر الذي يمنح العملية المالية قدرا أكبر من الشفافية.
وبينما يؤكد خبراء أن الفائدة من هذه الخطوة ستشمل كذلك المودعين والمتعاملين مع البنوك والمصارف السورية، إذ ستصبح الحوالات القادمة من الخارج أسرع وأكثر أمانا.
ومع انخراط البنوك السورية مجددا في النظام المالي العالمي من المتوقع أن تزيد ثقة المودعين بالنظام المصرفي، وهو ما يشجع على بقاء الودائع أو زيادتها، كما تتيح هذه الخطوة للبنوك تقديم خدمات لم تكن متاحة سابقا مثل فتح حسابات المراسلة والبطاقات الدولية وهو ما ينعكس مباشرة على المودعين.
4- ما علاقة سويفت بإعادة الإعمار في سوريا؟
يعتقد خبراء أن إعادة تفعيل نظام سويفت في سوريا يمهد للانخراط بشكل أكثر فعالية في عملية إعادة الإعمار، والتي تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن تكلفتها تتراوح بين 250 و400 مليار دولار.
ويرى حاكم مصرف سوريا المركزي، في تصريح للجزيرة نت، أن توسيع استخدام الشبكة العالمية قد يفتح الباب أمام تدفقات تمويلية قانونية، تشمل القروض التنموية والاستثمارات المشتركة وتمويل واردات معدات ومواد البناء، نظرا لسهولة تتبع المدفوعات وارتفاع مستوى الشفافية.
وأشار إلى أن تحسين بيئة المدفوعات الدولية من شأنه تعزيز ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية، وزيادة قدرة البنوك السورية على استقبال التحويلات، ما يطمئن الشركات الأجنبية الراغبة بالعمل داخل البلاد، معتبرا أن الثقة بحد ذاتها تعدّ موردا تمويليا مهما في مرحلة إعادة الإعمار.
من جهته، يؤكد أسعد العشي أن عودة سوريا إلى نظام سويفت تحمل أهمية خاصة في سياق إعادة الإعمار، إذ إن السياسة الاقتصادية للحكومة السورية تركز على جذب الاستثمار، وهو ما يتطلب وجود بيئة مصرفية صحية ومتوافقة مع المعايير الدولية الخاصة بالتحويلات المالية.
ورأى أن توفير مثل هذه البيئة، إلى جانب تفعيل نظام سويفت، يشكل عامل جذب للمستثمرين الأجانب، ما يساهم في تحريك عجلة إعادة الإعمار بشكل عام.
الأمر نفسه يذهب إليه فراس شعبو، الذي أوضح أن البلاد تدخل حاليا مرحلة إعادة إعمار، ما يجعل تفعيل النظام المصرفي ضرورة، لكنه يؤكد أن المصارف بوضعها الحالي غير صالحة للقيام بأدوارها وتحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة.
ويشير شعبو إلى أن إعادة فتح السويفت يفرض على المصرف المركزي والمصارف الأخرى رفع مستوى الامتثال، وتعزيز الحوكمة، وتطبيق معايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهي عناصر أساسية بالنسبة للمؤسسات المالية الأجنبية وغيرها من الجهات المانحة، وهنا تكمن أهمية هذه الخطوة لعملية إعادة الإعمار.
المصدر: الجزيرة
—————————
قانون قيصر.. من تشريع عقابي إلى أداة لضبط السلوك السياسي/ د. ياسين العلي
نوفمبر 25, 2025
في 20 ديسمبر 2024، أي بعد اثني عشر يوماً فقط من سقوط النظام السوري، انتهت المدة الأصلية لقانون قيصر، بعدما حُدِّدت بخمس سنوات من تاريخ دخوله حيّز التنفيذ.
كان من المنطقي، سياسياً وقانونياً، أن يُنظر إلى هذا التاريخ بوصفه لحظة مفصلية تُفتح فيها صفحة جديدة؛ فالقانون صيغ أساساً لمعاقبة سلطة بعينها، وهذه السلطة لم تعد قائمة؛ غير أنّ ما حدث كان عكس ذلك تماماً؛ إذ سارعت واشنطن إلى تجديد العمل بقانون قيصر لخمس سنوات إضافية، حتى عام 2029، في خطوةٍ تحمل معنىً سياسيّاً أعمق من مجرد إجراء تشريعي شكلي.
بهذا التمديد، بدا واضحاً أنّ قيصر لم يعد قانوناً عقابياً موجهاً إلى نظامٍ راحل فحسب، بل تحوّل إلى أداةٍ لضبط السلوك السياسي للدولة السورية في ثوبها الجديد؛ أداة تُبقي القرار الاقتصادي والسيادي محكوماً بسقفٍ تشريعي خارجي، وتربط هامش حركة الإدارة الانتقالية بمدى توافقها مع اشتراطات السياسة الأميركية ومعاييرها.
بنية عقابية قديمة
منذ تلك اللحظة، اتّضح أنّ سورية، رغم تغيّر بنيتها السياسية، ما زالت تشتغل داخل بنية عقابية قديمة لم تُمسّ جوهرياً. لم تُجْرِ واشنطن مراجعة شاملة لملف العقوبات بعد سقوط النظام، ولم تُطرَح خارطة طريق واضحة لرفعٍ تدريجي مشروط، ولم يُفتح في الكونغرس نقاش جدي حول الانتقال من منطق “معاقبة النظام” إلى منطق “مساندة الدولة في طور التحوّل”. وهكذا وجدت القيادة الجديدة نفسها تتحرّك في فضاء مقيد بقوانين وقرارات وقيود صِيغت لمرحلة سابقة، بينما الخطاب السياسي الدولي يتحدّث بثقة عن “فرصة تاريخية” و“بداية مختلفة” و“دعمٍ لمسارٍ انتقالي”.
في الأسابيع التالية، بدأت وزارة الخزانة الأميركية إصدار تراخيص عامة، مثل GL24 وGL25، قُدِّمت في البيانات الرسمية بوصفها إشارات حسن نيّة وانفراج اقتصادي وإنساني. غير أنّ التدقيق في مضمون هذه التراخيص يكشف أنها لم تكن سوى استثناءات محدودة داخل منظومة قائمة بكاملها؛ فهي لا تُلغي العقوبات، ولا تُفكِّك بناها العميقة، بل تعلِّق جزءاً من آثارها زمنياً وتحت شروطٍ قابلةٍ للمراجعة والرجوع عنها في أي لحظة.
المستثمرون والمصارف لا يقرؤون لغة “حسن النية”، بل يقرؤون النصوص الملزِمة؛ لذلك ظلّ الخطر القانوني قائماً، وبقي “امتثال” المؤسسات المالية الدولية متشدداً، لأن القانون الأصل، وفي قلبه قيصر، لم يتغيّر. وتحوّلت التراخيص عملياً إلى أدوات إدارة تفصيلية للعقوبات، لا إلى مدخل حقيقي لتحرير الاقتصاد السوري من أسرها.
الخطاب الدولي والواقع الاقتصادي
على الجانب الأوروبي، لم يختلف المشهد كثيراً. فقد أعلن الاتحاد الأوروبي، في أكثر من محطة، عن “تعليق جزئي” لبعض العقوبات، و”توسيعٍ للاستثناءات الإنسانية”، و”تسهيلٍ للمعاملات المتعلقة بإعادة الإعمار المبكر”، لكن الواقع الفعلي ظلّ ثابتاً في خطوطه العريضة: البنك المركزي السوري بقي على قوائم العقوبات، آلاف الأفراد والكيانات ظلّوا خاضعين لتدابير التجميد والمنع دون مراجعة جديّة، المصارف الأوروبية تجنّبت المخاطرة بالتعامل المباشر، والاستثمار بقي شبه غائب. وهكذا، بدا أنّ أوروبا تعيد تسويق سياسة العقوبات بلغةٍ أكثر ليونة، من دون أن تُقدِم على تغيير معماري في بنيتها وآليات عملها.
مع مرور الشهور، أخذ التناقض بين الخطاب الدولي والواقع الاقتصادي يتّضح أكثر فأكثر. فبرغم الحديث المتكرر عن “دعم سورية الجديدة” و“تخفيف معاناة الشعب” و“تيسير إعادة الإعمار”، لم يدخل البلاد استثمار خارجي من الوزن الثقيل، ولم تُستأنف القنوات المصرفية الطبيعية، ولم يُفعَّل التمويل الدولي بالزخم الذي يتناسب مع حجم الدمار والحاجة. ظلّ الاقتصاد السوري يتحرك في منطقة رمادية: لا هو اقتصاد محاصَر رسمياً بالصيغة القديمة، ولا هو اقتصاد محرَّر قادر على استعادة الثقة والانخراط الطبيعي في النظام المالي العالمي.
في هذا السياق، تكرّست وظيفة جديدة لقانون قيصر؛ لم يعد تشريعاً عقابياً مرتبطاً بمرحلة الأسد وحدها، بل تحول إلى إطار تحكم سياسي يُستخدم لقياس وضبط سلوك الإدارة الجديدة. التراخيص الجزئية والمحدودة توحي بمرونة شكلية، لكنها تُبقي السقف القانوني مرفوعاً فوق رأس الدولة؛ والتمديد لخمس سنوات إضافية يضمن بقاء “زر العقوبة” في متناول اليد الأميركية؛ والخطاب عن “التخفيف” لا يخفي حقيقة أنّ البنية العقابية نفسها لم تُستبدل بمنظومة مختلفة، بل أعيد تدويرها لخدمة أهداف أخرى في مرحلة أخرى.
وهكذا، بات قيصر اليوم أقلّ شبهاً بقانونٍ أُقرَّ لمعاقبة جريمة سياسية مكتملة الأركان، وأكثر شبهاً بأداةٍ من أدوات إدارة النفوذ في بلدٍ يخرج من الحرب وهو في حاجة إلى إعادة بناء ذاته ومؤسساته. العقوبات لم تعد مجرد ردّ فعل على سلوكٍ ماضٍ، بل تحوّلت إلى عاملٍ بنيويٍّ من عوامل صناعة السلوك الحاضر، وإلى جزءٍ من معادلة “من يملك حقّ منح الانفراج، ومتى، وبأي ثمن سياسي”.
بعد عامٍ على التغيير السياسي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من كل الروايات المبسّطة: سورية تغيّرت في رأس هرم السلطة، لكن منظومة العقوبات لم تتغيّر في جوهرها؛ سقط النظام السابق، لكن لم يسقط معه “منطق معاقبة سورية”؛ وافتُتحت مرحلة انتقالية، لكن بقواعد مالية وقانونية تعود في كثير من تفاصيلها إلى مناخ ما قبل التحول، لا إلى حاجات ما بعده.
حالة “تعليق مؤسسي”
في هذا الفراغ بين ما يقال وما يجري، يعيش الاقتصاد السوري تحت وطأة حالة “تعليق مؤسسي”: دولة تريد أن تنطلق، لكن حركتها مقيدة بمنظومة تشريعية خارجية لا تزال تنظر إليها بعين الشك؛ وإدارة تحاول أن تبني شرعية جديدة في الداخل، فيما تُقاس أهليتها في الخارج بمدى استعدادها للتكيّف مع شروطٍ وضعتها قوانين سابقة لواقعٍ لم يعد قائماً.
من هنا، لا يعود السؤال الجوهري: هل رُفعت العقوبات أم خُفِّفت؟، فهذه صيغة تقنية تخفي أكثر مما تكشف؛ بل يصبح السؤال الأعمق: لماذا مُدِّد لقانون قيصر بعد سقوط النظام الذي استهدفه؟ ولماذا أُبقي الاقتصاد السوري معلَّقاً في منطقة وسطى بين الحصار والانفراج؟ وهل يُراد للعقوبات أن تكون جسراً نحو تسوية عادلة، أم قيداً دائماً يُبقي القرار السوري مرتهناً لميزان المصالح الخارجية؟
الإجابة عن هذه الأسئلة لا تتعلق بسورية وحدها، بل بطبيعة النظام الدولي نفسه: هل يتعامل مع التحوّلات السياسية بوصفها فرصة لمساعدة المجتمعات على استعادة سيادتها، أم بوصفها لحظة مواتية لإعادة هندسة الدول من الخارج عبر أدوات القانون والمال؟ وفي قلب هذا الامتحان، يقف السوريون اليوم أمام معادلة صعبة: أن يبنوا دولة جديدة تحت سقف قوانين لم تُكتَب بأيديهم، وأن يخوضوا معركة التعافي الاقتصادي في ميدانٍ ما تزال قواعده تُرسم خارج حدودهم.
—————————
لفتح أبواب سوريا أمام المشاريع.. تسعة جوانب لابد من مراعاتها في العقود
ربى خدام الجامع
2025.11.26
مع رفع العقوبات الدولية ووجود حاجة ماسة لإعادة الإعمار بعد الحرب، أصبحت سوريا تقدم فرصاً جديدة أمام الاستثمارات الأجنبية في مجال المشاريع، غير أن المستثمرين الأجانب يرون بأن سوريا تتعرض لتحديات من بينها تقلب الأمور على المستوى السياسي، تدمر البنية التحتية، والمخاوف الأمنية، ولذلك يتعين عليهم أن يعطوا الأولوية لأمور تحميهم بقوة في العقود ضمن نهج شامل لإدارة المخاطر.
هنالك تسعة أمور يتعين على المتعهد الأجنبي مراعاتها عند تفاوضه على وثائق التعاقد من أجل تنفيذ مشاريع في سوريا، وفق موقع “فريش فيلدز”.
تحديات تتصل بالعمليات والبنية التحتية
على الرغم من وجود بشائر، ماتزال سوريا تواجه حالة غموض على المستوى السياسي ناهيك عن التحديات الأمنية، ففي الداخل ماتزال هنالك جهات تتنافس بين الفرقاء السياسيين، ما يهدد بتجدد العنف. أما على المستوى الدولي، فقد بقيت سوريا تتأثر بالنزاع الدائر في المنطقة، ما يهدد بتعرضها لغارات جوية وهجمات.
ثم إن سنوات النزاع الطويلة خلفت بنية تحتية في وضع حرج (وتشمل الطرقات وشبكات الكهرباء، ونظم المياه)، والتي تراجعت بشكل حاد، إذ تقدر الأمم المتحدة بأن 50% من البنية التحتية السورية دمرت أو خرجت عن الخدمة.
وفي حين يقدم ذلك فرصة للاستثمار في قطاع الطاقة والبنية التحتية بسوريا، تزيد تلك التحديات من الخطر على المشاريع وتعقد أمورها، ما يجعل من الضرورة بمكان توفير عناصر حماية مشددة في العقود أمام المتعهدين الأجانب، أما تطبيق تلك الأمور فيعتمد على ظروف كل مشروع، والتي تشمل مصدر التمويل.
تسعة أمور لابد من مراعاتها في وثائق المشاريع
بنية المشروع التجاري وحالة التعاون فيه
يجب على المتعهدين الأجانب اختيار بنية المشروع التجاري بعناية، ويمكن للشراكة مع الكيانات المحلية، من خلال المشاريع المشتركة أو ما شابهها من ترتيبات، أن تسهم في تقاسم المخاطر وأن تسمح باستقطاب الخبرات الموجودة على الأرض وذلك فيما يتصل بالثقافة المحلية والأوضاع الأمنية. وغالباً ما يكون للشركاء المحليين دور بالغ الأهمية في تجاوز تعقيدات الأنظمة والقوانين. غير أن توقيع عقود مع شركاء سوريين (وبشكل خاص مع الجهات الحكومية) قد ينطوي على منع من ممارسة النشاط التجاري مع أي دولة “في حالة حرب” مع سوريا أو ما شابه ذلك من قيود غير معهودة. ولهذا من الضروري توضيح تلك القيود وضمان الامتثال لها منذ البداية.
وبعيداً عن الأطر القانونية، فإن نهج التعاقد المشترك بين جميع الأطراف (والتي تشمل صاحب العمل) قد تكون أكثر فعالية عند التنقل بين بيئات المشاريع غير المتوقعة، بدلاً من الاعتماد على بنود تعاقدية أقل مرونة. كما يمكن لنماذج التحالفات أن تعزز عملية حل المشكلات بشكل مشترك وتقاسم المخاطر، ثم إن التعامل المبكر مع أصحاب المصلحة المحليين، ومن بينهم الحكومة والبيئات المحلية، والمنظمات غير الحكومية، يمكن أن يسهم أيضاً في تخفيف المخاطر التي تحيط بالمشاريع وتأمين الدعم اللازم لها.
2- ظروف الموقع وتأمينه والبروتوكولات اللازمة للوصول إليه
تضررت معظم المواقع السورية بالدمار الذي خلفته الحرب، ولهذا من المهم أن تتطرق العقود بشكل واضح لمسؤولية التقييم وإزالة الردم وإدارة الظروف السلبية للموقع، إذ مثلاً يقوم الكتاب الأحمر لأحد العقود القياسية الصادرة عن الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين والذي يعرف بشروط التعاقد على البناء (وهذا العقد معتمد بشكل واسع في الشرق الأوسط) بتحميل المتعهد مسؤولية وجود خطر تسببه الظروف المادية المتوقعة. في حين يتحمل صاحب العمل مسؤولية الخطر الذي تسببه الظروف المادية غير المتوقعة، ومن الضروري بذل العناية الواجبة لتحديد المخاطر المعلومة مع ضمان تحديد القيمة المناسبة للمشروع.
كما لابد من معالجة الأمور الأمنية التي تتصل بالوصول إلى الموقع بشكل خاص، إذ يمكن للعقود أن تحدد “الحوادث الأمنية” مثل تجدد العنف أو إغلاق الطرق المؤدية للمشروع، إلى جانب السماح للمتعهدين بتعليق العمل عند الضرورة من دون أن يترتب عليهم أي شرط جزائي. ويجب على أي مشروع مراعاة البروتوكولات المحددة والمعنية بالتحكم بعملية الوصول إلى الموقع ومراقبته، وذلك عبر اتخاذ إجراءات مثل توفير مساحات آمنة، ومراقبة إلكترونية أو عناصر أمنية إن اقتضى الأمر وذلك لحماية العمال والمعدات والمواد.
3- اللوجستيات والمرونة في سلاسل التوريد
إن البنية التحتية المدمرة في سوريا والقيود المفروضة على الحدود تخلق مخاطر كبيرة أمام عملية تسليم المواد والمعدات في الموعد المحدد، ولهذا يمكن للعقود أن تسمح للمتعهدين بشراء المواد عبر موردين بدلاء، وإرسال الشحنات عبر طرق أخرى، إلى جانب إمكانية تمديد المدة الزمنية المحددة بشكل معقول ومنطقي وذلك لتجاوز الظروف الصعبة مثل التأخير بسبب الجمارك أو تعطل عمليات النقل، ويمكن أن تشتمل تلك العقود على بنود عملية تتصل بالتخزين والمعالجة، وخاصة في المناطق التي لا تتوفر فيها مستودعات كافية أو تلك التي تشهد تحديات أمنية.
4- وضع جدول زمني مع تحديد الأسعار والقيمة
نظراً لاحتمال وقوع تأخير أو انقطاع، لابد أن تتم عملية وضع البرامج الزمنية بصورة براغماتية عملية، إذ بدلاً من الاعتماد على فقرات وبنود الظروف القاهرة أو مفهوم الإعسار الطارئ في القانون المدني (أي الضائقة الاقتصادية) لإدارة المخاطر التي يمكن أن تؤخر عمليات استكمال المشروع، يمكن للمتعهدين أن يرسموا خطة طوارئ ملائمة في جداولهم الزمنية، إذ في المواضع التي يؤثر النزاع فيها مثلاً على موقع المشروع، يمكن للمتعهدين أن يمددوا المهلة الزمنية بشكل صريح مع استعادة المتعهد للتكاليف المعنية بالمشروع، أو إضفاء حالة من المرونة ضمن البنود المتعلقة بغرامات التأخير المتفق عليها سلفاً.
كما أن تحديد السعر بشكل مؤكد قد يمثل تحدياً هو الآخر، ولهذا السبب، يجوز للأطراف المتعاقدة مراعاة فكرة طرح بدائل للعقود التي تحدد مبالغ إجمالية، مثل وضع ترتيبات للزيادة على التكاليف، إلى جانب خلق حالة شفافية مناسبة وضمانات لإدارة التكاليف، ويمكن للبنود المتصلة بزيادة الأسعار أن تساعد المتعهدين أيضاً على تجاوز أمور أخرى مثل التضخم وانخفاض قيمة العملة وتغيير الحكم والكوارث الطبيعية.
5- التعليق وحق الفسخ
عندما تكون السلطة القضائية تنطوي على مخاطر شديدة، كما هي الحال في سوريا، قد تتحول القدرة على إيقاف المشروع بشكل مؤقت أو الخروج منه إلى مسألة حساسة بالنسبة للمتعهد.
من الجائز للعقود أن تمنح المتعهدين حقوقاً واضحة بالنسبة لتعليق العمل عند الاستجابة لأحداث معينة مثل التهديدات الأمنية أو تعطل البنية التحتية. ويتعين على المتعهدين تقييم الحدث وهل تغطيه بنود الظرف القاهر أم لا، وهل يجب أن يكون ذلك الحدث غير متوقع عند التعاقد، وهل تستحيل معه عملية تنفيذ بنود العقد، وذلك لأن اعتماد حقائق معينة مثل الأعمال الإرهابية والاضطرابات المدنية قد يعتبر من الأمور المتوقعة في سوريا، ولذلك قد لا يتوفر أي إعفاء عندما تكون عدم القدرة على التوقع شرطاً، وبالطريقة ذاتها، يمكن القول بإن الإعسار لن يعفي المتعهد إلا عندما يحول حدث استثنائي وغير متوقع عملية التنفيذ إلى شيء مرهق للغاية. ولسد تلك الثغرات، يجوز أن تشتمل العقود على بنود صريحة تسمح بعملية التعليق (أو تمديد الفترة الزمنية) بسبب أخطار متوقعة لكنها شديدة وخارجة عن سيطرة المتعهد.
ومن الملائم أيضاً إضافة حق الفسخ عند تأجيل العمل لفترة طويلة، إذ يجوز للعقود أن تسمح لكلا الطرفين بفسخ العقد في حال تجاوزت عملية التعليق الفترة المتفق عليها (ثلاثة أو أربعة أشهر مثلاً)، مع تحديد إجراءات محددة للإشعار، وتوقف الأعمال والتعويض، ونقل معدات المتعهد، وإعادة المواد والمعدات لصاحب العمل.
6- تغيرات في الأنظمة والقوانين
على الرغم من وجود حكومة انتقالية في سوريا، يرجح كثيرون لسوريا أن تشهد فترة طويلة من الغموض على مستوى الأمور القانونية، إذ قد تدخل قوانين جديدة حيز التنفيذ فتؤثر على كلفة المشروع وجدوله الزمني والجدوى المرجوة منه، ولهذا يجب أن يواكب المستثمرون أي تغيير يحصل في القوانين مع ضمان مراعاة العقود لتلك التغييرات قدر الإمكان، وللحد من أي خطر مجهول، يمكن للعقود أن تشتمل على تغيير مناسب في البنود القانونية التي تبيح إجراء تعديلات في حال كان أثر التغيير في القوانين هائلاً.
7- معايير الصحة والسلامة والبيئة
نظراً للضغط الكبير الذي تعاني منه البنية التحتية الصحية في سوريا، يجوز للعقود أن تشترط على المتعهدين الأجانب الالتزام بمعايير الصحة والسلامة والبيئة الدولية، مثل القواعد البيئية والصحية وقواعد السلامة التي تتبناها مؤسسة التمويل الدولية، لأن وجود خطط شاملة لمعايير الصحة والسلامة والبيئة أمر واجب، بما أن ذلك يشمل أموراً تتعلق بإجراءات الإخلاء الطبية في حالات الطوارئ، والبروتوكولات المرعية عند تفشي مرض معين، فضلاً عن الفحوصات الصحية التي يخضع لها العاملون. هذا ويمكن أن يحدد العقد التزامات صاحب العمل المتصل بتوفير تلك الإجراءات بشكل معقول، مثل تأمين الدخول إلى المرافق الطبية أو التكفل بدفع التأمينات.
8- التأمينات
تعتبر التأمينات أداة مهمة للحد من المخاطر، ولهذا من الضروري التعامل مع مستشار في مجال التأمينات عند صياغة وثائق المشروع، ويجب على العقود تحديد أنواع التأمينات اللازمة والحد الأدنى لما تغطيه وتشمله، كما يمكن أن تفرض على المتعهد تقديم إثبات عن وجود تأمين قبل نقل المعدات والقوى العاملة، حيث يمكن أن يطلب من المتعهد استخراج بوليصات تأمين مع جهات تأمين دولية معروفة.
9- التعاقد مع الحكومة؟
تتصل كثير من العقود المعنية بإعادة بناء البنية التحتية الأساسية في سوريا بالصالح العام ولهذا قد تقوم السلطات السورية بالاستحواذ على تلك المشاريع، ولو حصل ذلك، يجب على المتعهدين الأجانب أن يراعوا وبكل دقة مسألة تطبيق النظام القانوني على هذه العقود المبرمة مع الحكومة، لأن ذلك من شأنه تغيير مسألة مراعاة عملية توزيع المخاطر (وذلك لأن القوانين الخاصة بعمليات الشراء التي تجريها الدولة قد تشمل فترات التأخير، والقوة القاهرة، وخرق أحد البنود).
أمام الاستثمار في سوريا فرصة كبيرة على المدى البعيد، غير أن ذلك يحتاج لإدارة المخاطر بشكل دقيق وواع، ولهذا من الضروري صياغة بنود العقد بشكل جيد لحماية الاستثمارات وتسليم مشاريع ناجحة، ما يستدعي وجوب تعامل المتعهدين مع مستشارين قانونيين من البداية وقبل التوقيع على أي عقد.
المصدر: The Freshfields
تلفزيون سوريا
————————————–
“تعب العمر” لا ينتهي بالتقاعد.. المتقاعدون يلاحقون رواتبهم في دمشق/ وفاء عبيدو
2025.11.26
تتجدد مشاهد الازدحام أمام الصرافات الآلية في مختلف المدن السورية في مطلع كل شهر، حيث يقف المتقاعدون لساعات طويلة منذ الصباح الباكر منهكين بعد أعوام طويلة قضوها في خدمة مؤسسات الدولة.
وعلى الرغم من الزيادة الأخيرة في الرواتب، التي كان من المفترض أن تخفف جزءاً من أعباء المعيشة، فإن هذه الخطوة كشفت عن هشاشة منظومة الصرف وعدم جاهزية البنية المصرفية لاستيعاب حجم الطلب، لتتحول عملية استلام الراتب إلى رحلة مرهقة ومملوءة بالعوائق، وتتجلى هذه المعاناة بشكل أشد في دمشق وريفها، حيث تقتصر الصرافات العاملة على نقاط قليلة غالبًا ما تتوقف بسبب نقص السيولة أو الأعطال التقنية، ومع سقوف السحب المحدودة وعدم انتظام توفر النقود يضطر المتقاعد إلى التنقل بين عدة أجهزة بحثاً عن صراف يعمل، ما يزيد من طول ساعات الانتظار ويضاعف الإجهاد الجسدي والنفسي.
وفي كل شهر تتكرر هذه المأساة من خلال طوابير مكتظة، نقص مستمر في السيولة، وتأثير مباشر على صحة كبار السن الذين لا يملكون بدائل أخرى.
وبين الوعود الرسمية بتوسيع شبكة الصرافات وتحسين الخدمات، والواقع الذي يعيشه المستفيدون على الأرض، تبقى الفجوة واسعة، إذ لم تعد المشكلة مقتصرة على قيمة الراتب فقط، بل امتدت إلى الآلية التي تُدار بها عملية الصرف.
المتقاعدون.. تعب العمر لا ينتهي
بين ازدحام الصرافات وصعوبة الوصول إلى الراتب الشهري، تتشابه قصص المتقاعدين السوريين في تفاصيلها اليومية، لكن لكلٍ منهم معاناته الخاصة التي تعبر عن واقع واحد، تعب العمر لا ينتهي بالتقاعد.
أبو خالد (64 عاماً)، موظف متقاعد من وزارة الصحة منذ عام 2017، أوضح لموقع تلفزيون سوريا أنه يقف منذ ساعات الصباح في طابور طويل أمام أحد الصرافات في المصرف العقاري لدمشق.
وقال “المسموح إلنا نسحب مرتين بالشهر، ما كانت الأزمة بهالحجم لأن الرواتب كانت قليلة ما بتكفي يوم وما بتحتاج زحمة، كنا نسحب 200 ألف مرة وحدة، أما اليوم صار الراتب حوالي 800 ألف وعلى دفعتين، وهون صار الضغط الكبير ببداية الشهر”.
وتابع قائلًا “منجي من آخر الدنيا، ونحنا يادوب صحتنا بتساعدنا الراتب زاد كتر خير الله، بس والله عم نموت لنقبضه بهالعجقة، لازم يفتحوا صرافات بأماكن تانية أو يخلّوا البطاقة مفتوحة للسحب بأي وقت، هيك بيخف الضغط علينا”.
ويختم أبو خالد حديثه “منطلع من الصبح، ومنرجع بعد العصر، ومنستلم الراتب بطلوع الروح”.
أما سعيد الكيلاني (61 عاماً)، وهو مدرس متقاعد منذ عام 2020، فيصف المشهد أمام الصرافات بأنه “مرهق وغير إنساني”، قائلاً “العدد كبير ومعظمنا كبار، المريض بالقلب أو الربو أو المفاصل واقف بالساعات وكله بحاجة يكون بالحسبان.”
ويشير الكيلاني إلى أن الاكتظاظ يتركز عادة بين العاشر والخامس عشر من كل شهر، “لأن الدفعات محددة بأوقات متباعدة”، موضحًا أن وجود أجهزة “الكاش” الخاصة بالموظفين العاملين، ساهمت في تخفيف الضغط عنهم، وقال “لكن المتقاعدين ما عندهم نفس الخيار”.
ويقترح حلاً يساعد بتخفيف الضغط “لو حددوا مواعيد للقبض حسب أرقام البطاقات، أو قسمونا على أيام معينة، بيخف الضغط وبيصير التنظيم أفضل نحنا اشتكينا كتير بس ما حدا سمعنا”.
معاناة عمرها سنوات
تتكرر المعاناة ذاتها مع عماد الدبس (67 عاماً)، المتقاعد من وزارة الزراعة منذ أكثر من عشر سنوات، الذي يضطر كل شهر إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى أحد الصرافات القليلة العاملة.
يصف عماد يوم القبض لموقع تلفزيون سوريا بأنه أشبه بـ “معاناة شاقة”، قائلاً “أحياناً منوقف ساعتين أو تلاتة بتفضى الحصالة ومنرجع نوقف بدور جديد بصراف تاني، نحنا كبار بالعمر ومناطقنا بعيدة وأوقات منركب سرفيسين أو أكتر بس لنقدر نوصل.”
ويتابع مناشدًا الجهات المسؤولة عن هذا القطاع “بدنا حل لازم يعزّزوا الصرافات بالسيولة ويشغلوا صرافات خارجية، أو ينظموا المواعيد حسب أرقام البطاقات أو الفئات، الوقفة بهالعمر وبهالظروف، ومع أمراض كبيرة وصعوبة الحركة أمر غير سهل علينا”.
وبالقرب منه يقف أبو محمود (68 عاماً)، وهو متقاعد آخر ينتظر دوره وسط الازدحام ذاته، يروي معاناته التي لا تختلف كثيراً عن غيره، ويضيف مشكلة إضافية تتعلق بتراكم الرصيد في بطاقته دون أن يتمكن من سحبه.
“أنا داخل بطاقتي في أكتر من 450 ألف من شهور، وما عم أقدر اسحبهن لأن مسموح بس دفعتين بالشهر، كل وحدة 600 ألف، وأنا راتبي أعلى يعني كل شهر بيضل قسم من الراتب محجوز بالبطاقة شو الحل؟ والله ما بعرف”.
ويشير أبو محمود إلى أن الظروف الصحية تزيد الوضع تعقيدًا وقال “أنا مركّب شبكة بالقلب، وفي معنا نسوان ورجال كبار بالعمر واقفين بالساعات لا في كراسي نقعد عليها، ولا في شاشة رقمية تنظّم الدور، منتمنى يوصل صوتنا للمعنيين ويكون في حل.”
هذه الشهادات وغيرها كثير تكشف حجم الضغوط التي يعيشها المتقاعدون شهريًا، وتبرز الحاجة الملحّة لإيجاد آلية صرف أكثر عدالة وإنسانية تراعي عمرهم وصحتهم وظروفهم المعيشية.
في هذا السياق تشير بيانات حديثة صادرة عن موقع B2B-SY إلى أنّ الزيادة الأخيرة على معاشات المتقاعدين رفعت الكتلة الشهرية المخصّصة لهم في المصرف العقاري إلى نحو 126 مليار ليرة، أي ثلاثة أضعاف ما كانت عليه سابقاً، ما أدى إلى تضاعف الضغط على الصرافات الآلية ونقص السيولة بشكل متكرر.
كما لفت التقرير إلى وجود تحويلات يقوم بها بعض التجار إلى حسابات المتقاعدين، تسحب لاحقاً من الصرافات ما يزيد من حدّة الازدحام.
ورغم تثبيت مواعيد الصرف بين الأول والخامس من كل شهر، ما تزال الطوابير الطويلة هي المشهد الغالب مع غياب حلول تقنية وتنظيمية واضحة حتى الآن.
تحسينات خجولة “لا تكسر” الطابور
تتنوع الشكاوى التي يعبّر عنها المتقاعدون لكن جوهرها واحد، نظام الصرافات الحالي غير قادر على تلبية احتياجات فئة تعدّ من الأكثر هشاشة في المجتمع، ومع غياب التنظيم وضعف البنية التحتية المصرفية، تبقى طوابير الانتظار الطويل والتعب المتكرر مشهداً ثابتاً لأزمة لم تجد طريقها إلى الحل بعد.
وفي إطار الخطوات المعلنة للتخفيف من هذا الضغط، أُطلقت مؤخراً خدمة جديدة بالتعاون بين المصرف العقاري والمؤسسة السورية للبريد، تتيح للمتقاعدين الموَطَّنة رواتبهم في المصرف استلام مستحقاتهم من الصالة المركزية في الحجاز بدمشق، ورغم أنها خطوة إيجابية فإنها محدودة ولا تعالج المشكلة من جذورها.
وسعيًا للحصول على معلومات أوضح حول آلية هذه الخدمة وإمكانية توسيعها، تواصل موقع تلفزيون سوريا مع وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات الجهة المشرفة على المؤسسة السورية للبريد لكن لم يصل أي رد حتى الآن.
كما وجهنا استفسارات إلى وزارة المالية وإدارة المصرف العقاري بشأن الأسباب المستمرة لأزمة الصرافات، غير أنّه لم يرد أي توضيح رسمي حتى لحظة إعداد هذا التقرير، ما يترك المتقاعدين أمام معاناة شهرية متكررة بلا حلول ملموسة.
تلفزيون سوريا
——————————
مجالس الأعمال المشتركة… كيف يمكن أن تؤثر على الاقتصاد السوري؟/ عبد العظيم المغربل
2025.11.26
شكّل سقوط نظام الأسد لحظةً مفصلية في التاريخ السياسي والاقتصادي لسوريا، ليس فقط لأنه أنهى حقبة من الاستبداد، بل لأنه فتح الباب أمام سؤال أكبر: كيف يمكن إعادة بناء منظومة اقتصادية أُنهكت بالحرب والفساد والاحتكار، وتحويلها إلى اقتصاد أكثر عدالة وشفافية وانفتاحاً؟
في الأسابيع الأولى من بعد السقوط، بدا واضحاً أن التحدي ليس في ضخ أموال جديدة فحسب، بل في تفكيك البُنى المؤسسية التي كرّست لعقود سيطرة أقلية من رجال الأعمال المقرّبين على مفاصل التجارة والاستثمار، وإعادة صياغة قواعد اللعبة الاقتصادية من جديد.
ضمن هذا السياق، برز قرار الحكومة الانتقالية الصادر عبر وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية آنذاك بحلّ جميع مجالس الأعمال السورية المشتركة مع الدول العربية والأجنبية كأحد أوّل وأهم القرارات ذات الطابع الرمزي والعملي في آن واحد. فهذا القرار لم يتعامل مع مجالس الأعمال بوصفها أطر تعاون اقتصادي محايدة، بل كأدوات ارتبطت في الوعي العام بشبكات النفوذ والمحسوبيات، وباستبعاد كثير من الفاعلين الاقتصاديين الحقيقيين داخل سوريا وخارجها.
ولذلك جاء قرار الحل شاملاً، ليُنهي الدورة القانونية والمالية للمجالس القديمة، ويجمّد أرصدتها، ويفتح الباب أمام إعادة هيكلتها في إطار جديد. ورغم أن التفاصيل الفنية للقرار من رقمٍ وتاريخٍ وصياغة قانونية تخصّصية تُركت للنصوص الرسمية، فإن مضمونه العام كان واضحاً: طيّ صفحة منظومة مجالس الأعمال القديمة بالكامل.
لكن المهم في هذا القرار أنه لم يكن إعلاناً عن موت فكرة مجالس الأعمال، بل تمهيداً لولادة جديدة لها. فسرعان ما أعقب قرار الحل صدور سلسلة من قرارات التأسيس لمجالس أعمال مشتركة بصيغتها الجديدة، مع عدد من الدول العربية والأجنبية، وبالاستناد إلى نظام أساسي موحّد يُعيد تعريف مهام هذه المجالس وطبيعتها وحدود علاقتها بالدولة والقطاع الخاص. هكذا ظهرت مجالس أعمال سورية جديدة مع دول مثل كندا، والسعودية، وتركيا، والصين، والولايات المتحدة، وفرنسا، وغيرها، في محاولة لتحويل هذه الأطر من منصّات نفوذ مغلقة إلى جسور حقيقية للتجارة والاستثمار وإعادة الإعمار.
أولاً: خريطة مجالس الأعمال الجديدة وأسباب إعادة هيكلتها
بعد سقوط النظام وبداية عمل الحكومة الانتقالية، جاء قرار وزارة الاقتصاد بحلّ مجالس الأعمال السورية المشتركة كأول إشارة عملية إلى أن الدولة لا تريد الاكتفاء بتغيير الأسماء في رأس السلطة، بل تتجه إلى تفكيك البُنى التي شكّلت عماد الاقتصاد السياسي القديم. قرار الحل، بما تضمّنه من إنهاء قانوني ومالي لجميع المجالس القائمة وتحويل أرصدتها إلى حساب خاضع لإشراف الدولة، كان بمنزلة إعلان صريح بأن تلك المجالس لم تعد تُعدّ أدوات صالحة لتمثيل الاقتصاد السوري في الخارج، لأنها كانت مرتبطة في الوعي العام بشبكات احتكار ونفوذ أكثر مما كانت تعبّر عن مجتمع أعمال حقيقي ومتنوّع.
في هذا الإطار يقول الخبير الاقتصادي الدكتور خالد تركاوي: “سابقاً كان دور مجالس الأعمال وجاهي أكثر من كونه دور حقيقي لكون لم تلعب دور حقيقي على أرض الواقع حالياً؛ حيث أنه لم تنشر تقارير أو مؤشرات أهداف وأعمال حقيقية سابقاً”.
لكن هذا القرار لم يُغلق الباب أمام فكرة مجالس الأعمال ذاتها، بل مهّد لإعادة بنائها على أسس جديدة. ففي الأشهر التالية، بدأنا نرى خريطة مختلفة لمجالس الأعمال السورية تتشكّل تدريجياً. على المستوى الإقليمي، أُعيد تأسيس مجالس مع دول الجوار والمحيط العربي، مثل مجلس الأعمال السوري–السعودي، والسوري–التركي، والسوري–الأردني، في محاولة لاستعادة موقع سوريا في شبكة التجارة والاستثمار الإقليمية، وربط إعادة الإعمار بالممرات اللوجستية، وأسواق الخليج، وتركيا، والأردن. وعلى الضفة الأخرى، ظهر جيل جديد من المجالس مع شركاء غربيين كفرنسا وألمانيا وكندا والولايات المتحدة، ومع قوى صاعدة كالصين، بما يعكس توجهاً واضحاً لتنويع الشركاء وعدم حصر علاقات سوريا الاقتصادية بمحاور محدودة كما كان الحال في السابق.
هذه المجالس الجديدة لم تُنشأ بقرارات متفرقة بلا إطار، بل رُبطت بنظام أساسي موحّد ينظّم عمل مجالس الأعمال السورية المشتركة، يحدّد طبيعتها القانونية، وكيفية اختيار أعضائها، ومدة ولايتها، وآليات علاقتها بوزارات الاقتصاد والاستثمار والغرف التجارية. بهذا المعنى، انتقلت المجالس من كونها في كثير من الأحيان “نادياً مغلقاً” لرجال أعمال مقرّبين من السلطة، إلى بنية تخضع لمعايير أكثر وضوحاً وشفافية في التمثيل والإدارة والرقابة.
ومن ناحية أسباب إعادة الهيكلة يمكن تلخيصها في ثلاثة أبعاد متداخلة. أولاً، بُعد سياسي- رمزي يتمثل في قطع الصلة مع نموذج رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق، مع الإبقاء على الفكرة ذاتها كأداة من أدوات الدبلوماسية الاقتصادية. ثانياً، بُعد اقتصادي-عملي يقوم على الحاجة إلى منصّات متخصّصة قادرة على جذب الاستثمارات الخارجية، والتفاوض على الفرص، وتسهيل الشراكات بين الشركات السورية ونظيراتها في الدول الشريكة. وثالثاً، بُعد مؤسسي-حوكمي يطمح إلى إعادة توزيع النفوذ داخل الطبقات الاقتصادية السورية، وإدخال لاعبين جدد من الداخل والمهجر، بحيث تتحول المجالس إلى شبكة أوسع تمثيلاً وأكثر التصاقاً بمصالح الاقتصاد الوطني، لا بمصالح مجموعة ضيقة مهما كانت قوتها. بهذه الخلفية، يمكن فهم ما سيأتي لاحقاً من تحليل للإطار النظري لمجالس الأعمال، ثم تقييم أثرها الفعلي على مسار تعافي الاقتصاد السوري.
ثانياً: الإطار النظري لمجالس الأعمال
لكي نفهم الدور المتوقع من مجالس الأعمال السورية الجديدة، لا بد أولاً من وضع هذه المجالس في إطارها النظري والعملي العام. فمجلس الأعمال المشترك، في جوهره، هو منصة مؤسسية تجمع ممثلين عن مجتمع الأعمال في بلدين أو أكثر، بهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية بينهما، من تجارة واستثمار وخدمات وتعاون تقني. هو ليس مؤسسة حكومية بالكامل، ولا كياناً خاصاً حراً بلا ضوابط، بل كيان هجين يقف عند تقاطع القطاعين العام والخاص؛ حيث يستند إلى مظلة رسمية تمنحه الاعتراف والقدرة على التواصل مع الحكومات، لكنه يعتمد في فعاليته على دينامية رجال الأعمال وخبراتهم وشبكاتهم.
عند المقارنة مع مؤسسات اقتصادية أخرى، يتبيّن موقع مجالس الأعمال بوضوح أكبر. فالغرف التجارية والصناعية هي مؤسسات تمثيلية واسعة القاعدة داخل كل بلد، تعنى بشؤون أعضائها في السوق المحلي وتنظيم المهن والتنسيق مع الدولة. أما الملحقيات التجارية في السفارات، فهي ذراع رسمية بحتة تعمل وفق أجندة الحكومة وأولوياتها. في المقابل، يأتي مجلس الأعمال المشترك كأداة أكثر تركيزاً ومرونة، فعضويته أقل عدداً وأكثر انتقائية، واهتمامه منصبّ على العلاقة مع بلد محدد أو مجموعة محددة من الدول، مع مساحة أوسع للحركة غير البيروقراطية ولصياغة المبادرات المشتركة بين الشركات من الجانبين.
من الناحية الوظيفية، تؤدي مجالس الأعمال أدواراً يمكن تلخيصها في ثلاث مجموعات أساسية وهي:
دور ترويجي–تعريفي يتمثل في تقديم صورة منظمة عن البيئة الاستثمارية والتجارية في كل بلد، وتجميع الفرص في سلاسل واضحة، وترجمتها إلى ملفات قابلة للعرض على المستثمرين والشركاء.
دور تواصلي-تيسيري، يقوم على تنظيم لقاءات الأعمال والمنتديات والزيارات المتبادلة، وتوفير قناة مباشرة بين الشركات والجهات الرسمية في كلا البلدين لحل الإشكالات العملية، من إجراءات وترخيص وتمويل، ونقل وتخليص جمركي وغيرها.
دور تفاوضي–تمثيلي غير رسمي، حيث يستطيع المجلس أن ينقل للحكومات انطباعات ومطالب مجتمع الأعمال، وأن يسهم في صياغة تفاهمات ثنائية تسهّل التجارة والاستثمار، من دون أن يحل محل القنوات الحكومية الرسمية.
كما يمكن النظر إلى مجالس الأعمال من زاوية تصنيفها إلى مستويات وأنماط مختلفة. فهناك المجالس الثنائية التقليدية التي تربط سوريا بدولة واحدة محددة، مثل المجلس السوري–السعودي أو السوري–الفرنسي، وهذه تركّز على تعميق العلاقة مع شريك بعينه. وهناك إمكانية لتطوير صيغ أوسع مستقبلاً، كأن تتشكل مجالس إقليمية أو متعددة الأطراف تربط سوريا بمجموعة من الدول ضمن إطار واحد (مجلس سوري–أوروبي، أو سوري–آسيوي مثلاً)، بما يسمح بالتعامل مع كتل اقتصادية كبرى. وداخل كل مجلس ثنائي أو إقليمي، يمكن أن تنشأ لجان قطاعية متخصصة في مجالات بعينها، كقطاع الطاقة، أو الزراعة، أو التكنولوجيا، أو الخدمات المالية، بحيث لا تبقى العلاقة الاقتصادية في مستوى العموميات، بل تُدار وفق احتياجات كل قطاع وفرصه.
انطلاقاً من هذا الإطار النظري، يتضح أن مجالس الأعمال لا تعتبر مجرد واجهات بروتوكولية أو عناوين عامة في نشرات الأخبار، بل يمكن – إذا صممت وأديرت بشكل سليم – أن تتحول إلى أدوات عملية مؤثرة في رسم ملامح السياسة الاقتصادية الخارجية لسوريا، وفي إعادة دمج الاقتصاد السوري في محيطه الإقليمي والدولي. وهذه النقطة بالتحديد هي ما يجعل تقييم أثر هذه المجالس على الاقتصاد السوري، في المرحلة الراهنة، مسألة محورية سننتقل إليها في المحور الثالث من هذا المقال.
يضيف الدكتور خالد التركاوي: “تحتاج المجالس الحالية لحوكمة احترافية بأن يكون لها أمانة عامة وهذه الأمانة تعمل على مخطط للمجالس ووضع مؤشرات للنجاح لمعرفة حجم الاستثمارات أو التجارة التي جذبتها هذه المجالس إضافة لعدد الفعاليات والمعارض التي قامت بها والتوسيع في عدد المنضمين إلى هذه المجالس بحيث تؤثر فعلياً في البلد”.
ثالثاً: أثر مجالس الأعمال على الاقتصاد السوري
أثر مجالس الأعمال في الاقتصاد السوري يمكن اختصاره في ثلاثة مسارات رئيسية، وهي الاستثمار، والتجارة، وإعادة الإعمار بما يرافقها من فرص عمل ونقل للمعرفة. على مستوى الاستثمار، تشكّل هذه المجالس بوابة منظَّمة بين رأس المال الأجنبي والبيئة الاقتصادية في سوريا، فهي تقلّل فجوة عدم اليقين لدى المستثمر، عبر تقديم معلومات أوضح عن القوانين والفرص والشركاء المحليين، وعبر تنظيم لقاءات الأعمال والمنتديات التي تتحول فيها المشاريع من أفكار عامة إلى ملفات جاهزة للتفاوض والتنفيذ. وكلما كانت المجالس أكثر مهنية وفاعلية، زادت قدرتها على تحويل الاهتمام النظري بسوريا إلى تعاقدات واستثمارات فعلية.
في التجارة الخارجية، تساعد مجالس الأعمال على تسهيل دخول السلع والخدمات السورية إلى أسواق الدول الشريكة، من خلال تيسير التواصل بين المصدّرين والمستوردين، ورفع المشكلات الإجرائية والجمركية إلى الجهات الرسمية في البلدين، والدفع نحو حلول عملية كتسهيل التأشيرات، وتنظيم المعارض، وتشجيع اتفاقيات ثنائية تخفف العوائق أمام بعض القطاعات. وهذا الدور ينعكس مباشرة على تنويع الأسواق وزيادة الصادرات، وهو أمر حيوي لاقتصاد يسعى للخروج من أزمته وتقليل اعتماده على عدد محدود من المنافذ.
أما في ملف إعادة الإعمار، فإن القيمة المضافة لمجالس الأعمال تظهر في قدرتها على بناء شراكات متوازنة بين الشركات السورية والأجنبية في مشاريع البنية التحتية، والطاقة، والإسكان، والخدمات. فبدلاً من عقود عابرة ومجزأة، يمكن للمجالس أن تسهم في هندسة مشاريع مشتركة طويلة الأمد، وتنسيق احتياجات الدولة مع عروض الشركات، وربط التمويل بالتنفيذ والتشغيل، ومع كل مشروع من هذا النوع تتولد فرص عمل جديدة، وتتدفق تقنيات وخبرات إدارية حديثة إلى السوق السورية. وعندما تُحسن هذه المجالس استثمار علاقاتها مع الدول الأكثر تقدماً، يمكن أن تتحول إلى قناة مهمة لنقل المعرفة والتكنولوجيا، لا إلى مجرد وسيط تجاري، وبذلك يصبح تأثيرها جزءاً من عملية إعادة بناء الاقتصاد السوري نفسه، لا مجرد إضافة هامشية لأرقامه.
رابعاً: شروط تفعيل مجالس الأعمال وتحقيق الاستفادة الكبرى
حتى تؤدي مجالس الأعمال السورية دوراً حقيقياً يتناسب مع حجم التحديات، لا يكفي وجودها شكلياً أو صدور قرارات بتأسيسها، بل لا بد من توافر مجموعة من الشروط العملية. في المقدمة يأتي شرط الحوكمة والشفافية؛ إذ يجب أن تُبنى هذه المجالس على معايير واضحة للعضوية، تقوم على الكفاءة والخبرة والسمعة المهنية، لا على القرب السياسي أو الشخصي. كما ينبغي إعلان تركيبة كل مجلس، ومهامه، ومدد دوراته، ونشر تقارير دورية عن نشاطه ونتائجه تتضمن حجم الاستثمارات التي ساهم في جذبها، الصفقات أو الشراكات التي رعاها، والملفات التي عمل عليها مع الشريك الخارجي. من دون هذا الحد الأدنى من الشفافية، ستجد المجالس نفسها تعيد إنتاج صورة “نادي المصالح الضيق”، ولو بأسماء جديدة.
الشرط الثاني هو التكامل مع السياسات الاقتصادية العامة للدولة، لا العمل في جزر معزولة.
فمجلس الأعمال لا يجب أن يتحرك وفق أجندة أعضائه فقط، بل ضمن رؤية وطنية واضحة للاستثمار والتجارة وإعادة الإعمار، وهذا يعني وجود قنوات تنسيق منتظمة بين المجالس ووزارة الاقتصاد، وهيئات الاستثمار، والوزارات القطاعية، بحيث تتحول المجالس إلى أذرع تنفيذية وميدانية لهذه السياسات في علاقاتها مع الدول الشريكة. كما يفترض أن تُربط أولويات كل مجلس بميزات الشريك: فمجلس مع دولة تملك تفوقاً تقنياً يجب أن يركز على نقل التكنولوجيا وبناء القدرات، في حين مجلس مع دولة خليجية مثلاً قد يميل أكثر إلى تعبئة التمويل والاستثمار طويل الأجل.
أما الشرط الثالث فيتعلق بتوسيع قاعدة الاستفادة، عبر إشراك الجاليات السورية ورأس المال المغترب، وبناء قدرات مؤسسية حقيقية داخل المجالس.
فمن جهة، تمتلك الجاليات خبرة وسوقاً وعلاقات يمكن أن تجعل مجالس الأعمال جسراً بين الداخل والخارج، إذا أُعطيت مساحة منظمة للمشاركة في اللجان والبرامج. ومن جهة أخرى، تحتاج المجالس إلى فرق عمل محترفة في إعداد ملفات الفرص الاستثمارية، والتسويق الدولي، وإدارة التفاوض والشراكات، لا أن تبقى مجرد عناوين تُستخدم في المناسبات الرسمية. عند تحقق هذه الشروط مجتمعة – حوكمة شفافة، وتكامل مع السياسات الوطنية، وتوسيع لقاعدة الفاعلين، وبناء للقدرات – يمكن لمجالس الأعمال أن تتحول من إطار شكلي إلى رافعة حقيقية لاستقطاب الاستثمار، وتنشيط التجارة، وتسريع مسار تعافي الاقتصاد السوري.
يضيف التركاوي إلى هذه الفقرة “أنه يجب التركيز على فعالية المجالس عبر وضع هيكلية صحيحة وتضم رجال أعمال بارزين ويمتلكون قدرات واسعة على الوصول لمستثمرين وتجار جدد بما يخدم القطاع الاقتصادي الذي يعملون به، وأن لا تكون هذه المجالس للاستثمار الشخص بل لفائدة البلد”.
بشكل عام، يعتبر إعادة تأسيس مجالس الأعمال الجديدة خطوة لطيّ نموذج ربط الاقتصاد بشبكات ضيقة من النفوذ، وفتح الباب أمام استخدام مجالس الأعمال كأداة منظمة للدبلوماسية الاقتصادية، وجذب الاستثمار، وتنشيط التجارة، ودعم إعادة الإعمار. وخريطة المجالس الجديدة مع دول عربية وإقليمية وغربية وصاعدة تعكس رغبة واضحة في تنويع الشركاء، وربط سوريا من جديد بالاقتصاد الإقليمي والدولي ضمن إطار مؤسسي أكثر وضوحاً.
مع ذلك، يبقى وزن هذه المجالس الحقيقي مرهوناً بقدرتها على إنتاج نتائج ملموسة عبر جذب استثمارات جديدة، وتنمية الصادرات، وخلق فرص عمل ونقل معرفة، لا مجرد مؤتمرات وتصريحات. وتحقيق ذلك يتطلّب حوكمة شفافة، وعضوية قائمة على الكفاءة، وتكاملاً صريحاً مع السياسات الاقتصادية الوطنية، وانخراطاً فعلياً لرأس المال المحلي والمغترب.
تلفزيون سوريا
—————————
فساد بالمليارات.. سوريا تكشف عن مخالفات كبيرة في مؤسسة الحبوب
المخالفات تضمنت اختلاساً مالياً ونقصاً في كميات القمح والمازوت
الرياض – العربية
26 نوفمبر ,2025
كشفت تحقيقات أجراها الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا عن تجاوزات حدثت خلال حكم النظام السابق بعدد من فروع المؤسسة السورية للحبوب ألحقت خسائر بالمال العام بقيمة تجاوزت 6.1 مليار ليرة.
وقال الجهاز، في بيان اليوم الأربعاء، إن التحقيقات أظهرت قيام فرع المؤسسة السورية للحبوب في حلب باستيفاء أجور ورسوم عتالة بشكل مخالف لقرارات وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك آنذاك، والتي كانت قد رفعت تلك الأجور في حين استمرت المؤسسة بتطبيق الأجور القديمة ما أدى إلى خسائر مالية بقيمة 1.1 مليار ليرة.
وأظهرت تحقيقات الجهاز أيضاً وجود نقص في كمية الأقماح الطرية لدى فرع السورية للحبوب في محافظة القامشلي بلغ 870 ألف طن بقيمة وصلت إلى 5 مليارات ليرة، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.
سوريا تعلن عن ضوابط جديدة لترخيص محطات الوقود
طاقة اقتصاد سوريا سوريا تعلن عن ضوابط جديدة لترخيص محطات الوقود
كما كشفت التحقيقات وجود مخالفات في فرن السقيلبية بمحافظة حماة تمثلت بنقص كبير في كميات مادة الخميرة إضافة إلى نقص 1300 لتر من مادة المازوت ما أدى إلى خسائر مالية بقيمة 54 مليون ليرة.
وأكد الجهاز المركزي للرقابة المالية مواصلة جهوده لاسترداد حقوق الدولة والمواطنين وحماية المال العام وتسليط الضوء على قضايا الفساد الذي كان مستشرياً بعهد النظام السابق.
—————————
أزمة المياه – دفاعاً عن دمشق/ فيصل العطري
1- واقع الأزمة الحالية وخطورتها
تشهد سورية، وخاصة العاصمة دمشق، أزمة مائية حادة وغير مسبوقة، حيث انخفض منسوب المياه الجوفية في غوطة دمشق إلى أكثر من خمسين متراً في بعض المناطق، مما أدى إلى جفاف معظم الآبار.
بالمقابل يعمل سد الفرات بأقل من 30% من طاقته التصميمية، مع تدفق مائي لا يتجاوز 300 متر مكعب في الثانية، مما يخفض إنتاج الكهرباء إلى 800 ميغاواط فقط بدلاً من 3200 ميغاواط المصممة.
وفقاً لتقارير منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (FAO) ومنظمة العمل الإنساني لعام 2025، أدى هذا الجفاف إلى خسائر تراكمية في المياه تصل إلى 2.2 مليار متر مكعب حتى عام 2022، وتفاقمت في 2025 بسبب انخفاض هطول أمطار أقل من المتوسط، مما يهدد الأمن المائي والغذائي لملايين السكان ويزيد من معدلات الأمراض المرتبطة بالمياه غير الآمنة، حيث يعتمد 70% من السكان الريفيين على مصادر غير آمنة.
تزداد خطورة هذه الأزمة مع زيادة السكان وانخفاض منسوب نبع عين الفيجة “المصدر الرئيسي لمياه دمشق” إلى مستويات حرجة، بالإضافة إلى صعوبة الاستفادة من المياه الجوفية في جبل الشيخ.
هذا الواقع يشبه إلى حد كبير ما يحدث في دول مثل إيران، حيث أدى الجفاف التاريخي “الأسوأ في 60 عاماً” إلى جفاف غير مسبوق في طهران، مما دفع الرئيس مسعود بزشكيان في نوفمبر 2025 إلى الإعلان عن ضرورة نقل العاصمة إلى منطقة مكران الساحلية لتجنب كارثة بيئية تهدد 12 مليون نسمة.
هذا المثال يبرز كيف يمكن لأزمة المياه أن تتحول إلى هجرة جماعية وانهيار حضري، ونحذيراً لدمشق من مصير مشابه إذا لم تتخذ إجراءات فورية.
2- أسباب الأزمة
أزمة المياه في سورية هي تفاعل عوامل متعددة:
أ- تغير المناخ: ارتفاع حرارة الجو حوالي درجة مئوية مقارنة بالقرن الماضي مع انخفاض معدلات الهطول بنسبة وصلت لـ 20% في بعض المناطق، وأفادت تقارير منظمة الطقس العالمية (WMO) لعام 2025.
ب- سوء الإدارة المحلية: يستهلك القطاع الزراعي 85% من المياه بطريقة الغمر وهي طريقة تؤدي لهدر يتراوح بين 50-60%، مع معالجة بدائية لأقل من 10% من مياه الصرف الصحي واستخدامها بالري، مما يؤدي لتلوث التربة والمصادر المائية.
ت- العوامل الجيوسياسية: تحتجر تركيا أكثر من 70% من مياه الفرات في سدودها، مما ينتهك اتفاقية 1987 التي تضمن تدفقاً لا يقل عن 500متر مكعب في الثانية، كما وثقت دراسات مركز كارنيغي لعام 2025.
ث- الزيادة السكانية والحفر العشوائي للآبار، الذي أدى لاستنزاف المياه الجوفية.
3- الحلول المقترحة:
أ- الاستمطار: بناء برنامج وطني يعتمد على حقن السحب بيوديد الفضة أو كلوريد الصوديوم لزيادة الهطول بنسبة 10-20%، بتكلفة تقريبية 1-3 ملايين دولار سنوياً، وكما في تجارب الدول المجاورة يمكن البدء بطائرات مُسيرة ومولدات أرضية في جبال الساحل والقلمون.
ب- توفير المياه: ترشيد الاستهلاك عبر حملات توعية وفواتير تصاعدية، وإصلاح التسرب في الشبكات لتوفير 40% من المياه المفقودة، بالإضافة لتجميع مياه الأمطار في المباني العامة لاستخدامات غير الشرب.
ج- الاستفادة من المياه الجوفية: تنفيذ مراقبة هيدرولوجية باستخدام أجهزة استشعار لمنع الاستنزاف، مع حظر الحفر غير المرخص وإعادة شحن الخزانات الجوفية بمياه معالجة.
د- تكرير المياه: إنشاء محطات لامركزية لمعالجة مياه الصرف الصحي، لإعادة استخدام 50% منها في الري والصناعة، مما يقلل الضغط على المصادر الطبيعية.
هـ- إقامة شبكتي مياه: فصل الشبكة إلى واحدة لمياه الشرب النقية (من الينابيع والسدود) وأخرى للاستخدامات غير الشرب (من المياه المعاد تدويرها أو المعالجة)، مع استخدام أنابيب ذكية تكتشف التسرب فوراً لتقليل الهدر.
4- الاستفادة من التقنية الصينية بالاستمطار وتكرير المياه الجوفية وجر مياه الينابيع القريبة من دمشق وتحلية مياه البحر
يمكن لسوريا الاستفادة من الخبرة الصينية الرائدة لمعالجة الجفاف وذلك في مجالات:
أ- الاستمطار: زادت الصين عملياتها بنسبة 20% في 2025، مستخدمة طائرات مُسيرة مثل Ganlin-1 مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحديد السحب المثالية، مما أدى لتوليد 60 مليار متر مكعب سنوياً بتكلفة 0.004-0.012 دولار للمتر المكعب.
يمكن تبني هذا النموذج عبر شراكات مع إدارة الأرصاد الجوية الصينية لتدريب الكوادر ونقل التكنولوجيا.
ب- تكرير المياه الجوفية: تستهدف الصين الحصول على 15 مليون متر مكعب يومياً من المياه المعاد تدويرها بحلول 2025، باستخدام تقنيات متقدمة لإعادة شحن الخزانات الجوفية.
يمكن تطبيق ذلك في سورية لإعادة تأهيل آبار الغوطة.
ج- جر مياه الينابيع القريبة من دمشق (مثل عين الفيجة): يشبه ذلك مشروع نقل المياه جنوب-شمال في الصين، الذي ينقل 44 مليار متر مكعب سنوياً.
يمكن إنشاء أقنية حديثة من جبل الشيخ إلى دمشق بتكلفة معقولة، مدعومة بتكنولوجيا صينية للكشف عن التسرب.
د- تحلية مياه البحر: ينمو سوق تحلية المياه في الصين باستخدام الطاقة الشمسية بنسبة 10.88% حيث وصل إلى 4.66 مليار دولار بحلول 2023.
يمكن لسوريا بناء محطات على الساحل السوري لتزويد دمشق، مع نقل التقنية من خلال اتفاقيات “الحزام والطريق”.
5- سن قوانين صارمة لحل مشاكل المياه:
أ- قانون يحظر الحفر غير المرخص مع عقوبات رادعة وغرامات ضخمة وحظر المصالحة.
ب- تشريعات لفواتير مياه تصاعدية تشمل الجهات الحكومية، مع إجراءات لمعاقبة الهدر.
ج-قانون لإلزام المباني العامة بتجميع مياه الأمطار وإعادة تدويرها.
د- إطار قانوني للشراكات الدولية في التقنيات المائية، مع تخصيص صناديق للمشاريع.
هـ- دمج التعليم البيئي في المناهج لتعزيز الوعي، مما يجعل المياه أولوية أمن قومي.
علينا أن ندرك أن هذه الأزمة ليست كباقي الأزمات لأنها تهدد سورية ككل وتهدد بالقضاء على مدينة دمشق التي استمرت مأهولة لأكثر من عشرة آلاف سنة.
———————
=======================



