عام على انتصار الثورة في سوريا مقالات وتحليلات مختارة

—————————-
“ردع العدوان”… معركة مكتملة الأركان/ عبسي سميسم
30 نوفمبر 2025
في مثل هذا اليوم من السنة الماضية استعاد السوريون الثقة بإدارة العمليات العسكرية لمعركة ردع العدوان، بعد أن سيطرت على مدينة حلب من دون أي مقاومة تذكر، وأصبحوا على يقين بأن فتح أبواب دمشق أصبح مسألة وقت، بعد أن انطلقت المعركة باتجاه ريف إدلب الجنوبي وبات واضحاً من سيرها أنها لن تتوقف حتى إكمال السيطرة على كل المناطق التي كان يسيطر عليها نظام بشار الأسد.
مهما يكن من ظروف وتفاهمات دولية أدت إلى انهيار كامل لقوات النظام، إلا أن انتزاع المدينة تلو الأخرى من تلك القوات جعل من معركة ردع العدوان حدثاً تاريخياً استثنائياً أسس لمرحلة جديدة كلياً من تاريخ سورية. في المقابل أثبتت “ردع العدوان” أنها معركة استثنائية، ليس لأنها دحرت قوات النظام فقط، بل لأن تلك المعركة استطاعت أن تجمع لأول مرة كل الفصائل المعارضة للنظام تحت إدارة واحدة، فمن لم يلتحق بها منذ انطلاقتها التحق بها بعد أول انتصار حققته، لتنجح تلك المعركة لأول مرة منذ بداية الثورة السورية في توحيد جميع القوى المعارضة للأسد على هدف إسقاطه بغض النظر عن انتمائها العقائدي أو الديني. كما استعادت تلك المعركة كل مقاتل سابق ترك القتال، سواء بسبب يأسه من نجاح أي عمل عسكري أو بسبب التقدم في السن أو لأي سبب آخر، فهبّ للمشاركة فيها كل قادر على ذلك في مجاله، باستثناء خلايا تنظيم داعش النائمة.
وإلى جانب هذا النجاح في توحيد الهدف، حققت إدارة المعركة نجاحات في الجانب التكتيكي والجانب الإنساني، سواء لناحية التعامل مع جانب الإمداد للمعركة أو لناحية التعامل مع سكان المناطق التي كانت تسيطر عليها تباعاً، ففي الجانب التكتيكي استطاعت إدارة العمليات الحفاظ على سرية سير عمل المعركة وتمكنت من تمويه أماكن انتشار الآليات، واستطاعت خداع قوات النظام مرات عدة استعداداً للمعركة، كل هذا من دون أن تُكشف من الطرف الآخر وداعميه، وفي مقدمتهم روسيا، رغم الرقابة الشديدة التي تمارس عليها. كما استطاعت استخدام طائرات الشاهين المسيّرة، لأول مرة في المعركة وبكفاءة عالية، واستطاعت استخدام عنصر المفاجأة في عديد من المواضع، ما ساعد في انهيار قوات النظام السابق.
ولعل أهم عناصر الكفاءة التي تميّزت بها إدارة عمليات المعركة هو طريقة تعاطيها مع قوات النظام بعد انتصارها، وطريقة تعاطيها مع المدنيين في المناطق التي كانت تسيطر عليها، سواء لناحية ترك كل من يلقي سلاحه، من المقاتلين، وإفساح المجال أمام المنسحبين، الأمر الذي خفف عدد القتلى إلى حدود أقل من الحد المتوقع في معارك كهذه. كما أن الخطاب الذي وجهته إدارة العمليات للسكان حدّ كثيراً من مخاوف السكان من عمليات انتقامية، إذ لم يُسجّل أي نوع من هذه العمليات طوال فترة المعركة، الأمر الذي يجعل من “ردع العدوان” معركة استثنائية يمكن أن تُدرّس في الكليات العسكرية.
العربي الجديد
————————–
هل من صحوة سوريةٍ بعد الاحتفال بذكرى النصر؟/ عمر قدور
السبت 2025/11/29
دعا الشرع السوريين للنزول إلى الشوارع احتفالاً بالذكرى الأولى لانطلاق معركة “ردع العدوان”، التي أُعلنت في حينه كمعركة دفاعية، ثم سرعان ما وصلت “هيئة تحرير الشام”، التي قادت العملية انطلاقاً من إدلب، إلى سدّة الحكم في دمشق. ومن المتوقّع أن المشاعر الاحتفالية تتجاوز أولئك الذين نزلوا إلى الشوارع، وفي الوقت نفسه لن تنتاب هذه المشاعر فئات من السوريين احتفلت بإسقاط الأسد، ثم خُذِلت من السلطة البديلة.
وإذا استعرضنا وقائع السنة الفائتة لا تصعب ملاحظة وجود فئة واسعة ممّن حافظوا على الزخم الاحتفالي لأيام ردع العدوان ثم السقوط، بحيث لا يريدون أي كلام ينغّص عليهم هناءتهم. اعتراضهم لم يكن فقط على أية خصومة مع السلطة الجديدة، بل كانوا ضد أي نقد من أي نوع، تطبيقاً لمقولة “أعطوهم فرصة” التي شاعت بعد أيام من إسقاط الأسد، وبقيت سارية بكلمات وصياغات مختلفة تؤدي الغرض نفسه. على سبيل التأكيد، كانت هذه المقولة موجَّهة إلى أصحاب رأيٍ ليس إلا، بينما استنكف أصحابها عن الخوض في استحقاقات المرحلة الجديدة.
الاستقالة من التفكير في اليوم التالي على حقبة الأسد بدأت من رواية السقوط، إذ تبنّى هؤلاء أنفسهم تلك الحكاية المبسَّطة عن آلاف المقاتلين الذين انطلقوا من إدلب، وتمكّنوا بلمح البصر من هزيمة الأسد وحلفائه. هكذا صار للنصر طابع لاهوتي يعلو على النقاش والتمحيص، ويكتسب قداسة بحيث يُنظَر إلى أي كلام واقعي، أو متشكك، على أنه تجديف. الرواية المبسَّطة لا تقول شيئاً عن تداعيات “طوفان الأقصى” على الملف السوري، وتغفل عن أن عملية ردع العدوان بدأت تماماً مع سريان وقف إطلاق النار في لبنان. وتتعامى عن أن الوجود الإيراني تبخّر (فجأة) في سوريا، فلم تكن هناك أخبار عن قتال بين قوات ردع العدوان وميليشيات إيرانية، لم يكن هناك أسرى إيرانيين من العاملين مع الحرس الثوري، ولم تُهاجَم السفارة الإيرانية في دمشق من قبل غاضبين صبيحة السقوط، مع تأكيدنا على أن هذه ليست إطلاقاً دعوة لمهاجمة أية سفارة في دمشق.
التفكير في المعطيات الخارجية التي ساعدت على إسقاط الأسد لا ينتقص من أحقيّة السقوط، بل يُكمل ما واظب السوريون على قوله أو فهمه لجهة أن بقاءه كان قراراً دولياً. والأمر لا ينصرف إلى فهم الماضي فحسب، بل إلى فهم الحاضر أيضاً بما أن التدخل الدولي لا يزال سارياً. وطالما بقي الوجود الدولي على هذا الحال فهو سيُترجَم بضعف الداخل السوري، والعكس يصحّ بمعنى أن التدخل في تفاصيل الشأن السوري سينخفض متى تمكّن أصحاب الشأن من إدارة شؤونهم بتشاركية حقيقية لا تهمّش ولا تستثني أحداً، إلا أولئك المُدانين على نحو يجرّدهم من حقوقهم كمواطنين.
وكما رأينا سارت السلطة في اتجاه مغاير كلياً على الصعيد الداخلي، فاضطرت إلى الاعتراف بالمسؤولية عن مجازر الساحل ثم مجازر السويداء، ولو أن الاعتراف أتى مواربة بتشكيل لجان تحقيق حكومية. بالتوازي منحت السلطة لنفسها حق احتكار الدولة من خلال الإعلان الدستوري وتبعاته، وأيضاً بالاستحواذ على المفاصل الحكومية المؤثرة لصالح شخصيات من هيئة تحرير الشام ليس لديها الخبرة والمؤهلات الكافيتين، بما في ذلك الاستحواذ على كافة المفاصل المتحكّمة بالاقتصاد السوري.
لقد حدث ذلك كله أولاً تحت مقولة “مَنْ يحرر يقرر”، وهي تعني بالضبط إعطاء السلطة لحملة السلاح، بصرف النظر عن مؤهلاتهم الأخرى، ومن دون إخضاعهم لإعادة تأهيل تتناسب مع مناصبهم. الاعتراف على مضض بمجمل نضالات السوريين وتضحياتهم بقي عند الضرورة، وفي إطار الشعارات التي تنطوي على التكاذب، بينما قوبِل كل رأي ناقد لسيطرة العسكر ولتجاوزاتهم وانتهاكاتهم بأنهم هم مَن حرر البلد، ولولاهم لبقي الأسد… إلى ما هنالك من أساليب تتوخى كتم أصوات أصحاب الرأي. إن ما كان يُقال عن إقامة الدولة المدنية، على علاته، بات بعيد المنال بعدما مُنحت الفرصة والقرار كاملين لتحالف العسكر والمشايخ.
النجاح الذي سجّلته السلطة على الصعيد الخارجي منفصل عن الداخل، ولا يخفى أنه أتى أساساً بوساطات وإشراف من قوى إقليمية اجتمعت مصالحها على دعم الحكم الجديد. هناك قوى وازنة إقليمياً دعمت التغيير لأنه يضعف النفوذ الإيراني في المنطقة، وهناك قوى أخرى تريد الاستقرار وإغلاق البؤرة السورية التي كانت تهدد المنطقة ككل عبر الجريمة المنظّمة وصناعة الكبتاغون، تنضم إليها دول أوروبية تريد إغلاق ملف اللجوء. وبالتأكيد هناك قوى أتى التغيير لصالحها، إذ وجدت الفرصة بأن تحلّ ولو نسبياً مكان النفوذ الإيراني في سوريا. تلاقي مصالح القوى الإقليمية مع الإرادات الدولية هو لحظة نادرة لعبت دوراً شديد الإيجابية لصالح السلطة الجديدة، أما استغلالها لصالح البلد فشأن مختلف يتوقف على السلطة.
في كل الأحوال نفترض أن مدة سنة كافية لإظهار نوع التغيير الذي حدث في سوريا، ولإظهار التركة التي خلّفتها عقود من حكم عائلة الأسد، وأيضاً لتبيان التوجّهات الأساسية للحكم الجديد، كما هي فعلياً من خلال مفاصل السلطة. وإذا توخّينا حسن النية والمحاباة، يجوز القول إن السنة الأولى يمكن احتسابها سنة انتقالية ضمن المرحلة الانتقالية، وأن أولئك الذين تسلّموا السلطة اكتسبوا الخبرة اللازمة بالبلد، أو أنهم لن يكتسبوها أبداً، هذا مع التغاضي على رداءة المنطق الذي يطالب بالانتظار حتى يتعرّف هؤلاء جيداً على البلد الذي يحكمونه.
لا نعرف تجربة مثيلة في العالم، استُبعد فيها النقاش العام لمدة سنة احتفالاً بالتغيير. كثر برروا هذا الاستثناء بأن البلد يخرج من الاستثناء والاستعصاء الأسديين، ومن حق المحتفلين أن يفرحوا بقدر ما تأذوا وعانوا. لكننا نفترض أن مدة السنة كافية للاحتفال، فلا يُعقَل أن يبقى الاحتفال باقياً إلى الأبد، ونعني تحديداً الاحتفال الذي يمنع التفكير، ونعني بالمحتفلين تحديداً الذين يرون أنفسهم أنصاراً للسلطة الحالية (بتدرجاتهم)، إذ يُفترض أن “مَن حرر قرر فعلاً” و”أُعطي الكثير من الفرص”، وحان الوقت للنظر إليه كمسؤول راشد.
بعد سنة على إسقاط الأسد تستحق الثورة قليلاً من الوفاء، وهو يبدأ فعلياً بأن يمسك السوريون زمام بلدهم، فقد دُفِع ثمن باهظ لاستعادة سوريا وامتلاكها من قبَل السوريين، لا من أجل نقلها من سلطة لأخرى. استعادة سوريا هي الترجمة الحرفية للقول “الحرية مسؤولية”، وإلا تكون الحرية غير مستحقة، ويكون هؤلاء تحديداً قد تنازلوا عن حقوق أبنائهم في بلدهم. إن لم يكن ما بعد الاحتفال ليس كما قبله، فذلك سيكون أسوأ بكثير من صحوة متأخرة.
المدن
—————–
سوريا بعد عام على “ردع العدوان”: حمص وإشكالية “اللحظة الفاشية”!/ موريس عايق
01.12.2025
تمثّل حمص بؤرة شديدة الخصوصية في سوريا لجهة الاصطفاف الطائفي وخطوط النزاع. هي برميل بارود يمكن أن يفجّر البلد بكامله. فحوادث المدينة لم تهدأ منذ أشهر عديدة وأيّ حدث يمكن أن يُشعلها مثلما ظهر أخيراً.
مضى عام على انطلاق عمليّة “ردع العدوان” وسقوط نظام الأسد، وخلال هذا العام جرت مياه كثيرة في سوريا، من الدهشة والأمل بالمستحيل، إلى المجازر والقتل الطائفي ودعوات الإبادة.
وفي الأيام الماضية حصل في حمص ما يشبه “بروفة” مصغّرة لما حصل في الساحل والسويداء، عبر “فزعة” استهدفت أحياء العلويين وأحرقت ممتلكاتهم، ولولا ضبط الوضع في اللحظات الأخيرة عبر الأمن العامّ والوجهاء، لربما شهدنا مذبحة مروّعة في مدينة حمص.
هذا الهجوم على العلويين دفعهم أخيراً إلى الخروج في مظاهرات في مدن الساحل، بدعوة من الشيخ غزال غزال، وقد نجح خروجهم هذا في كسر حاجز الخوف بشكل نسبي.
تمثّل حمص بؤرة شديدة الخصوصية في سوريا لجهة الاصطفاف الطائفي وخطوط النزاع. هي برميل بارود يمكن أن يفجّر البلد بكامله. فحوادث المدينة لم تهدأ منذ أشهر عديدة، وأيّ حدث يمكن أن يُشعلها مثلما ظهر أخيراً.
فحمص تشهد طوال هذا الوقت قتلاً مداوماً للعلويين، إهانات واعتداءات بما يشي برغبة في طردهم من المدينة، والخلاص منهم على المستوى الشعبي، الشأن الذي يتجلّى في الشعارات المرفوعة، في حين أن المستوى الرسمي يؤكّد في خطابه على “السلم الأهلي”.
ربما تقدّم حمص مزية مهمّة للنظر في أحوال سوريا عامّة. فكيف لنا أن نفهم ما يحصل هناك؟
شارع ضدّ شارع!
خلال سنوات الثورة والحرب الأهلية أصاب حمص تدمير هائل، وتحديداً أصاب مناطق وأحياء بعينها، وهي الأحياء التي انتفضت ضدّ نظام الأسد، هذه الأحياء كانت بالطبع أحياء سنّية.
لكن ومنذ البداية عرفت حمص أيضاً مواجهة أهلية حقيقية. بحسب الشهادات المتوفّرة، وبعضها سمعته مباشرة من أشخاص عاينوها ومنهم علويون، خلال أحداث اعتصام الساعة في السنة الأولى للثورة، قامت الأجهزة الأمنية التابعة لنظام الأسد، بتعبئة أهلية من الأحياء العلوية في المدينة لتطويق الاعتصام، وحتى خلال فضّه تعمّد عدد من الضبّاط توجيه أوامرهم إلى المجموعات انطلاقاً من أسماء الأحياء التي أتوا منها، لينقضّوا على المعتصمين.
لم يكتفِ النظام وقتها بهذا الأمر، بل كان يأخذ المعتقلين من الاعتصامات والمظاهرات، بمن فيهم الجرحى، إلى الأحياء العلوية، ويطلب من الأهالي تربيتهم في حفلة من الإهانة والضرب والتنكيل على أيديهم.
تلاه حصار الأحياء المتمرّدة (السنّية) وتجويعها. شارع ضدّ شارع، أهالٍ ضدّ أهالٍ، ومواجهة على خطوط الانقسام الطائفي في المدينة، هذه كانت سياسة النظام الواعية، التي لم تقتصر نتائجها على استقطاب العلويين وضمان تمترسهم وراءه فحسب، إنما فخّخت المجتمع بشكل كامل.
لم تقتصر التعبئة الطائفية على وجهة واحدة، أيضاً المنتفضون- أو الكثير منهم- رأوا منذ البداية، أن المواجهة مواجهة مع “النظام العلوي”، والتعبير الأخير عنى تلقائياً العلويين “جميعاً” باعتبارهم أهل النظام.
هكذا حصلت عمليّات اغتيال طائفية في أحياء حمص، استهدفت علويين أو من اعتُقد أنهم علويون. “المسيحيين ع بيروت، والعلويين ع التابوت” كان شعاراً حاضراً مبكراً، وهو شعار لا يستطيع المرء- وعلى ضوء تطوّر الأحداث لاحقاً- أن يقطع إن كان دُسّ من قِبل النظام أو من الفطرة الثائرة، ولكن بالتأكيد اجتمع الاثنان في النهاية لرسم ملامح المواجهة في مدينة حمص.
السنوات التالية عرفت تنكيلاً وقتلاً مروّعاً وشديداً في الأحياء المنتفضة، وهي أيضاً الأحياء الأفقر في المدينة، ووقع عليها تدمير هائل وشديد الوطأة، بالترافق مع البعد الطائفي لسياسة شارع ضدّ شارع التي اتّبعها نظام الأسد.
عاش الكثير من سنّة حمص هذه القسوة والتنكيل، القتل والاعتقال والاغتصاب والإذلال، وهنا كان الأمر على امتداد خطوط طائفية شديدة الوضوح لدرجة الفجاجة حقّاً.
صعود الراديكالية الإسلاموية
تأسلمت الثورة السورية وبسرعة شديدة، وازدادت راديكاليتها الإسلامية أيضاً مع ازدياد عنف المواجهة وقسوتها. والأسلمة، مثل الطائفية، أشياء موجودة بشكل مسبق، وتطبع المسألة السورية حتى قبل الثورة، لكنّ الثورة أعطتها عمقاً وامتداداً وجذرية، لم يكن لها أن تحقّقها دونها.
وفي النهاية، ومع سقوط الأسد وتولّي “هيئة تحرير الشام” والفصائل المتحالفة معها زمام الأمور في سوريا، بدأت ترتسم ملامح “لحظة فاشية” في البلاد، متمحورة حول الهويّة السنّية.
إشكالية “اللحظة الفاشية”
لا يمكن فهم ما يحصل اليوم في حمص دون أخذ العاملين معاً بعين الاعتبار، ما وقع في حمص من قتل ورعب خلال سنوات الحرب، وأيضاً “اللحظة الفاشية” المؤسّسة على الإسلام السلفي الجهادي والهويّة السنّية، ولا يمكن أيضاً ردّ أيّ من هذين العاملين إلى الآخر واختزالها فيه.
العديد ممّن يهوّنون من “اللحظة الفاشية”، يحاولون أن يختزلوا الصورة في بعدها الأول، ما حصل من مجازر وقتل مروّع أطلقهما نظام الأسد على السوريين منذ 2011، متجاهلين العنف الضمني بسماته الإبادية في مضمون الصورة، التي يحملها الإسلام الجهادي، أو خطاب “سنّي” شائع.
في المقابل، يسعى آخرون في مواجهة هذه الفاشية- لا سيّما شرائح واسعة بين العلويين والدروز على إثر ما وقع عليهم خلال الأشهر الماضية- إلى اختزال كلّ ما يحصل في الفاشية، وإنكار ما حصل من عنف مروّع وتطهير عرقي وجرائم حرب خلال السنوات الأربعة عشرة الماضية والبعد الطائفي فيها والتنكّر له، ممّا يعطي ميزة نوعية للجريمة لا يمكن نكرانها، أو وضعها في خانة قمع المنتفضين فقط.
ما يحصل اليوم في سوريا لا يمكن التعامل معه دون النظر في هذين العاملين، وعدم اختزال أحدهما في الآخر. هما عاملان يتمتّعان باستقلال نسبي، وإن تأثّرت شدّتهما بالطبع، بالتفاعل بينهما في سياق الحرب الأهلية.
العدالة الانتقالية كاستراتيجية سياسية
تزداد المعضلة السورية وطأة في ما يتعلّق أيضاً باستراتيجيات تفكيك هذين العاملين والتعامل معها. ففي ما يخصّ عامل العنف والقمع خلال الحرب، فإن العدالة هي الوسيلة الناجعة لتفكيك الحقد الأهلي والضغائن.
لكنّ مطلب العدالة أهملته السلطة الحالية وقفزت فوقه، بل قامت بتحويل العدالة الانتقالية إلى استراتيجية سياسية لتعزيز سلطتها وتشديد قبضتها. وما يزيد الأمر سوءاً، هو أن هذه السلطة اعتمدت تكتيكات نظام الأسد السابق ذاتها، عبر استخدام شارع ضدّ شارع، جماعة ضدّ جماعة، بدءاً من الفزعات الأهلية المنطلقة من الجوامع في آذار/ مارس الماضي، أو البدو والحورانة والعشائر في مواجهة الدروز، والدعوات الأهلية للتظاهر من أجل الحكومة.
هذه الاستراتيجية تقوم على ورقة القوّة الوحيدة التي تملكها السلطة حالياً، إضافة إلى الإجماع الدولي حولها سياسياً، وهي العصبية السنّية وقدرتها على التعبئة على هذا الأساس في غياب أيّ قدرات واقعية أخرى، فالبلاد مدمّرة، وليس لها بنية تحتية، أو قوّة اقتصادية، أو مالية، أو رأسمال اجتماعي، فعلياً لا تحوز السلطة حقّاً على مصادر للقوّة عدا السلاح والعصبية السنّية لتحتمي بهما في الداخل.
“النظام” لا يساوي الطائفة
يُضاف إلى ذلك “علونة” نظام الأسد السابق بشكل تامّ وحصري، وهو أيضاً ما شهدناه قبل عقود مع نظام صدّام، الذي تمّ حصره في سنّيته. نظام صدّام، ورغم بنائه على نواة سنّية صلبة، لم يكن نظاماً سنّياً بشكل حصري، فالشيعة حضروا في جهازه البيروقراطي- وإلى حدّ ما العسكري والأمني- مثلما حضروا في ذراعه الاقتصادية والمالية.
كانوا بعثيين وعسكريين وتجّاراً وبيروقراطيين في النظام، والنظام تبنّى علانية لغة وطنية تتجاوز الأهلي وتنكره، وفي هذا، كان نظام الأسد صورة مماثلة عن نظام صدّام.
المعارضة ضدّ نظام صدّام والمرتكزة على أحزاب شيعية، اعتبرت نظام صدّام نظاماً سنّياً!
لاحقاً، ومع السقوط، كانت سنّية صدّام مسألة مفيدة جدّاً للجماعات الشيعية التي كانت تعيش تحت ظلّ هذا النظام. تسنين النظام كان تبرئة مباشرة لهم، وبهذا صار نزع البعثية عن الدولة هو نزع للسنّية عنها.
نجا الشيعة وبشكل تلقائي عبر هذه العمليّة، وقدّموا أنفسهم بوصفهم مجرّد ضحايا. وبهذا، كانت استراتيجية المماهاة بين النظام والسنّة، مسألة مفيدة للشيعة أنفسهم الذين عملوا مع نظام صدّام.
اليوم، يحصل الأمر ذاته مع نظام الأسد. فالشرائح السنّية التي كانت مع النظام وفي خدمته، من بيروقراطيين وعسكر وتجّار، يحصلون على صكّ براءتهم عبر “العلونة” التامّة لهذا النظام. العلويون فقط هم “حاضنة النظام،” وكونك سنّياً فأنت تلقائياً بريء، براءة لا تتحقّق إلا إذا صار كلّ علوي تلقائياً شبّيحاً!
هناك دوافع ومصالح مختلفة للفاعلين، من تحت أو من فوق، للدفع في اتجاه هذه الخيارات الكارثية، فالموضوع ليس مؤامرة على السوريين، بما فيها مؤامرة من طرف السلطة. امتلاك مكان في النظام الذي يتشكّل، أو حفظ قدر من القوّة والأمان لمن سيكونون خارج السلطة يدفعهم إلى خيارات تبدو انتحارية، لكنّها الأكثر عقلانية ويسراً من وجهة نظر هؤلاء الفاعلين.
سوريا تبدو مثالاً لحالة أن يختار كلّ فاعل أفضل خياراته، لكنّ المحصّلة تكون الوضعية الأسوأ على مستوى “النظام” نفسه، وهذه مفارقة لا يمكن تجاوزها إلا عبر امتلاك الثقة، التي تسمح للفاعلين بأخذ مخاطرة مبنية على الثقة بشركائهم، وهذا الشرط تحديداً غير متحقّق في سوريا، ولن يتحقّق!
الصورة التي أمامنا لا تدعو للتفاؤل، والخبرات المشرقية، ومنها العراقية، لا تُبشّر بخير!
درج
——————————
“ردع العدوان”… خفايا المعركة التي أنهت حكم آل الأسد/ عبسي سميسم
27 نوفمبر 2025
لم تكن معركة “ردع العدوان” التي يصادف اليوم الخميس ذكرى انطلاقها قبل عام، مجرد معركة رابحة لـ”هيئة تحرير الشام” وفصائل المعارضة السورية، بل كانت انتصاراً تاريخياً أسقط نظاماً مستبداً دام لأكثر من خمسة عقود وأسس لحقبة جديدة من تاريخ سورية الحديث. تلك المعركة لم يكن أحد من السوريين على اختلاف مشاربهم يتوقع انطلاقها في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أو النتائج التي آلت إليها، بمن فيهم العناصر الذين شاركوا في المعركة، رغم التخطيط الطويل لها، ورغم إطلاق شائعات بين الحين والآخر عن قرب انطلاق عمل عسكري لم يصدقه الكثيرون، بسبب المواعيد الكثيرة غير الصحيحة التي سرّبتها بشكل مقصود إدارة عمليات المعركة.
ومما زاد من غموض توقيت المعركة، الظرف السياسي المعقّد الذي انطلقت فيه، فمن ناحية جاءت بعد فترة من محاولة إعادة تعويم نظام بشار الأسد عربياً، وتوجّه حلفاء المعارضة الإقليميين خصوصاً تركيا نحو التطبيع معه، وتغيير لهجة الغرب وتحديداً الولايات المتحدة تجاهه، إذ بدأ الحديث عن خطط تغيير سلوك النظام وسياسة الخطوة بخطوة نحو التطبيع معه، ومن ناحية أخرى كانت إيران وأذرعها في سورية قد تلقت صفعة قوية من الاحتلال الإسرائيلي تسبّبت بشبه انهيار لحزب الله اللبناني الداعم الأكبر لنظام الأسد، فيما كانت روسيا غارقة بحربها مع أوكرانيا.
معركة مفاجئة
وجاءت المعركة مفاجئة لسكان المناطق التي كانت تحت سيطرة فصائل المعارضة قبل غيرهم، والذين بدأ كل منهم بالتفكير بالوجهة التي سينزح إليها في حال اشتداد القصف الروسي، فيما لم يكن أشد المتفائلين منهم ليتصور بأن هذه المعركة ستقضي على نظام الأسد. ويقول محمد مرعياني المقيم في مدينة بنش لـ”العربي الجديد”: “انتابتنا لحظة إعلان المعركة مشاعر متناقضة، فمن جهة جاءت المعركة التي كنا نطالب في تظاهراتنا ضد هيئة تحرير الشام القيام بها، ومن جهة أخرى عدم علمنا بموعدها سبّب لنا حالة إرباك مما ستؤول إليه الأمور، فلم نعلم إلى أي وجهة سنرسل عائلاتنا تفادياً لقصف محتمل للطيران الروسي وطيران نظام الأسد، الذي لم يكن يتردد في قصفنا في حالات السلم فكيف وقد أعلنت معركة ضده”. ويضيف مرعياني: “لكن مع أول تقدّم حققته المعركة لم نعد نفكر سوى بتحقيق المزيد من التقدّم رغم القصف الروسي الذي تعرضت له مدينة إدلب، كما لم يبقَ قادر على حمل السلاح إلا والتحق بالمعركة التي كانت بالنسبة لكل السكان معركة موت أو حياة”.
اسم “ردع العدوان” الذي اتخذته قيادة العمليات عنواناً للمعركة، كان يعبّر عن هدف المعركة والدافع لها، وهو وضع حد للعدوان من قوات النظام والمليشات الإيرانية التي تدعمه، معززة بدعم جوي روسي، على مناطق مدنية تكتظ بملايين السكان والنازحين في شمال غرب البلاد.
ويرى الباحث في الشأن العسكري وائل علوان، في حديث مع “العربي الجديد”، أن قرار المعركة كان متخذاً قبل بدء المعركة بأكثر من عامين، موضحاً أن قرار بدئها كان سورياً ـ سورياً، رغم الخوف والتردد في البداية، ورغم التحديات وما تحمله من خشية فعلية من أن تواجه إدلب مصير غزة، كما كان يقول الدبلوماسيون في دول صديقة أو السوريون أنفسهم. ويضيف: “كما كانت هناك خشية من ردة فعل روسية كبيرة جداً قد تؤدي إلى تدمير إدلب من خلال الطيران والقصف، لكن كان هناك أمران مهمان: الأول أن قيادة المعركة أدركت أن هناك قراراً لا بد من اتخاذه في النهاية. والثاني أن هناك مراقبة دقيقة كانت تقوم بها الجهات السياسية في شمال غرب سورية غير الفصائل المسلحة، ولاحظت تلك الجهات وجود فرصة تاريخية للانطلاق والعمل بعد الضربات التي تلقّاها النظام البائد ضمن تموضعه في محور أصبح مُحارباً من كل الأطراف”.
ويشير علوان إلى أنه “مع انطلاق المعركة كانت المفاجأة أن الانهيار في صفوف النظام كان أسرع من المتوقع، والتقدم تلو التقدم أدى إلى تحرير حلب ثم سورية بالكامل”، مبيناً أنه كانت هناك فرصة تاريخية لا بد من اغتنامها، وحالة من التوجّه نحو التقدّم بدل البقاء في دائرة الاستنزاف، خصوصاً أن النظام كان قد بدأ يفقد كل العوامل التي عزّزت سيطرته على الأرض بعد عام 2015”. وفي رأي علوان، فإن القرار السوري ـ السوري بعدم الانتظار والخضوع للاستنزاف الداخلي والخارجي، وعدم الاستماع للدول التي كانت إما تخشى على مصالحها أو لا تثق بقدرة الثوار على الانطلاق، هو ما جعل تلك الفرصة التاريخية ممكنة.
أما الرائد الطيار المنشق عن جيش النظام يوسف حمود، فيشير في حديث لـ”العربي الجديد” إلى أنه “لم يتم تحييد الجانب الروسي بشكل تام، فقد ظل الطيران الروسي ينفذ غارات جوية في مرحلة من مراحل المعركة ومن ثم شاهدنا حدوث مفاوضات مع الجانب الروسي والإيراني سواء في أنطاليا التركية، أو في الدوحة حضرها ممثلون عن تركيا وقطر والولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية”. وفيما يخص الجانب التكتيكي للمعركة، يوضح حمود أن قيادة العمليات نجحت في جانبين، التحضير وإدارة المعركة، والجانب الإنساني المتعلق بتأمين المدنيين في المناطق التي تمت السيطرة عليها. ويضيف: “في الجانب العسكري يجمع المحللون العسكريون على أن ما حققته إدارة العمليات، التي يُنظر لها قوةً غير منضبطة وغير مؤهلة، من تمكّنها من إدارة معركة منظّمة وأن تسيطر على كل المناطق التي كانت تحت سيطرة النظام السابق مدعوماً بمليشيات إيرانية وغطاء جوي روسي، كان إنجازاً تعجز عنه أعتى الجيوش المنظّمة”. ويشير إلى أن سلاح الطائرات المسيّرة كان حاسماً في المعركة، كما أن سير المعركة كشف عن إمكانات كبيرة لدى جهاز الاستخبارات العسكرية لناحية معرفة مواقع القوات المعادية وإمكاناتها وأماكن انتشارها ونقاط الضعف وكيفية التعامل معها، بالإضافة إلى تحديد أولويات الأهداف، معتبراً أن أحد أهم أسباب النجاح في المعركة كان سرية العمل العسكري واستغلال عنصر المفاجأة وضرب الأهداف الحيوية وعمليات التمويه الناجحة سواء للعتاد أو لناحية استدراج الطرف الآخر، وهذه النجاحات كانت نتيجة التحضير الطويل والسري للمعركة.
تخطيط طويل لـ”ردع العدوان”
من جهته، يوضح القيادي في معركة “ردع العدوان” منير الشيخ، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن التخطيط للمعركة بدأ بعد خسارة عام 2020، موضحاً أن “من كان في الشمال المحرر كان يعلم أن الحل مع نظام الأسد المجرم هو حل عسكري ولو تأجل قليلاً، لكن تحويل هذه الخطط إلى واقع حصل مع ازدياد وتيرة القصف المدفعي والصاروخي، وغارات الطيران الحربي، والاستهدافات المتكررة للطيران المسيّر الانتحاري للمناطق المدنية وخطوط التماس، ونحو عمق الداخل المحرر في مدينة إدلب، ما زاد في وتيرة النزوح ليصل العدد إلى أكثر من 1500 عائلة خلال أسابيع، إضافة إلى تضرر كبير في البنية التحتية والمرافق العامة”، مبيناً أن هذا التصعيد شكّل المدخل الأساسي في عملية اتخاذ القرار في المعركة. ويضيف أن التخطيط للعملية بدأ بشكل سري وفي دائرة ضيقة جداً، عملت على إعداد جدوى تكتيكية واستعرضت خيارات العمل (محاور عدة في حماة وحلب)، مبيناً أن كل ذلك بدأ في بداية شهر أكتوبر/تشرين الأول 2024، وتبعته خطوات عملية على مستوى التنظيم والإعداد اللوجستي والميداني.
وفيما يتعلق بالقرارات والتحضير للعملية وإطلاقها، وهل تمت بالتنسيق مع أطراف دولية، يشدد على أن القرارات جاءت داخلية بعد اجتماعات قادة المستوى الأول بشكل سري، وكان لسرعة التنفيذ والعمل الخاطف دور حاسم في فرض أمر واقع، حيث التقدم السريع والانهيار التام لقوات النظام والمليشيات المساندة له. وعن الطريقة التي تم خلالها تحييد كل من إيران وروسيا عن المعركة، يقول إن “تقدّم قواتنا السريع والانهيار الواضح لقوات النظام ومليشياته في خطوطهم الأولى شديدة التحصين، جعلا تدخّل روسيا وإيران أمراً لا فائدة منه، فقد حاولا في عدة أماكن، لكن الانهيار فعلياً قد حصل، والتقدّم السريع أنهى أي أمل في إنعاش وإنقاذ جيش النظام ومليشياته”.
وعن طريقة تعامل إدارة العمليات مع الانهيار السريع للنظام، وفيما إذا كانت طريقة التعاطي مع عناصر النظام القائمة على عدم التعرّض لمن يلقي السلاح جزءاً من استراتيجية المعركة، أم كانت بتنسيق دولي أو تفاهمات ما مقابل تسهيل العملية، يقول: “لم نكن يوماً من دعاة الانتقام عند المقدرة، وقضينا سنوات الثورة مطالبين بحق شعبنا المشروع في العيش بحرية وكرامة. وكانت تعليماتنا واضحة لجميع مقاتلينا وقواتنا التي حررت المدن: لا تتعرضوا لمن يلقي السلاح ولا لمن يطلب الأمان والاستسلام”. ويضيف: “كانت هذه التعليمات جزءاً أساسياً من الخطة الموضوعة منذ البداية. وظهرت نتائج هذه التعليمات فيما بعد بشكل واقعي، إذ شكّل إعطاء الأمان لجنود النظام في مدينة حلب أولاً، وحماة تالياً، دافعاً للجنود في باقي المدن لإلقاء أسلحتهم والتسليم بالأمر الواقع، وهو سقوط النظام”.
دوافع إطلاق المعركة
في السياق، يؤكد الباحث والخبير العسكري رشيد حوراني أن التخطيط للمعركة بدأ بشكل جدي قبل نحو عامين من انطلاقتها، موضحاً في حديث مع “العربي الجديد” أن عملية التحضير تجلّت من خلال تصاعد وتيرة العمليات خلف الخطوط وعلى خطوط التماس مع النظام وحلفائه، حيث تم تنفيذ عمليات في منطقة الملاجة جنوب إدلب ودير سمعان وجبل الأكراد تم خلالها جس نبض دفاع النظام وجاهزيته. ويضيف أن هذه العمليات وغيرها كُلّلت بالنجاح ولم يتم الإعلان عنها كي لا يتدارك النظام جوانب قصوره، وتبيّن من خلال هذه العمليات أن قوات النظام لا تمتلك إرادة القتال رغم التحصين العسكري الكبير وإنشاء ثلاثة خطوط دفاع لصد أي محاولة تقدم للمعارضة.
وعن أبرز أسباب المعركة، يشير حوراني إلى الضغط الإنساني الكبير وتصاعد القصف الروسي على مناطق المعارضة انتقاماً من تلك العمليات المذكورة أعلاه، وما سبّبه من نزوح متكرر للعائلات، موضحاً أن النزوح يضغط بدوره على القوة المسيطرة، لدرجة أن التظاهرات التي خرجت ضد “هيئة تحرير الشام” في العام 2024 طالبتها بفتح الجبهات. ويشدد على أن قرار المعركة كان ذاتياً بامتياز بناء على أمرين، الأول ما تم تحضيره عسكرياً وتعاون فصائل متعددة مع الهيئة في عمليتها سراً، والثاني المناخ الإقليمي الذي أضعف النظام وإيران وروسيا أيضاً، مبيناً أن موقف تركيا كان داعماً حذراً، فيما موقف “هيئة تحرير الشام” من تركيا ودعمها كان موقف الواثق الذي لن يترك حليفه وأقل ما يمكن وضع حد لتقدم النظام إن حدث، كما فعلت في العام 2019.
أما عن أهداف المعركة، فيرى حوراني أن هدفها كان في البداية تحرير قسم كبير من الأراضي وإعادة المهجرين إليها، وتشكيل ردع وميزان قوى يمنع روسيا والنظام من مواصلة القصف، فحملة القصف الأخيرة قبل المعركة لولا عمليات التمويه والإخفاء لكثير من المقرات العسكرية ومستودعات العتاد لدمرتها بالكامل. ويضيف أن تحييد الروس عن المعركة جاء نتيجة إصدار بيان تم توجيهه إلى الروس بأن إدارة العمليات العسكرية ستحافظ على مصالحهم الاستراتيجية، موضحاً أن الروس هم من حيّدوا إيران لأن لا طاقة لمليشياتها للعمل بدون الدعم الجوي الروسي لها، بمعنى تلقت أمر الانسحاب من روسيا ونفذته ولم يتم التفاوض معها لتحييدها. كما يعتقد أن العفو كان من ضمن التفاهمات لكن فرض نفسه بسبب الفرح الشعبي الذي رافق دخول حلب، وكانت رسالة لأهالي المدن الأخرى أن يطمئنوا لأن القوات المتقدمة ستؤمنهم في بيوتهم وأرزاقهم، إضافة إلى انهيار قوات النظام وهروبها، وبالتالي كان القرار بعدم تكليف السوريين على اختلاف مواقفهم أعباء جديدة.
وعن أسباب السقوط السريع للنظام السابق، يلفت حوراني إلى أن عملية “ردع العدوان” أديرت بطريقة مشابهة إلى حد كبير لطريقة المعارك التي حصلت في التاريخ العربي كاليرموك وحطين، والاعتماد على العامل المعنوي بنفس القدر في الاعتماد على العتاد، وكان اختيار اتجاه التقدّم صحيحاً وموفقاً لأنه ضمن مناطق ثائرة من قبل، وفيه حاضنة مقيمة، وحاضنة مهجرة تم توظيفها في صفوف القوات المهاجمة، وفيه مخازن ومقرات عسكرية وأدى انهيارها السريع وقدرة قوى المعارضة على حفظ الأمن فيها إلى انهيار قوات النظام معنوياً ومن ثم هروبهم.
العربي الجديد
——————————
بعد عام: هل نقف مع الشرع أم ضده؟/ شعبان عبود
خلال المراحل أو الأشهر الأولى من الثورة السورية، أكثر ما لفت نظري من مواقف، وذهب عميقا وبعيدا في قلبي ووجداني، هي المواقف التي أطلقها كل من المفكر الراحل “صادق جلال العظم”، والفنانة الراحلة “مي سكاف”.
المفكر صادق جلال العظم، وهو اليساري والعلماني والليبرالي حسم موقفه بدون تردد أو تأخير وبشكل حاسم قال :
«الثورة السورية هي ثورة، سواء تأسلمت أو “تعلمنت” ….. هي من أعمق ما قامت به جماعة بشرية في منطقة جغرافية على امتداد العالم.. و أنا العبد الفقير لله سأبقى معها… حتى لو التهمتني، حتى لو كنت من ضحاياها … حتى لو دفعت الثمن غالياً جداً ».
بدورها ، وفي موقف لا يختلف كثيرا، قالت الراحلة مي سكاف : “لا أخاف من الإسلاميين، كنت في معاقل الإسلاميين ، في حماه أربعين ألف هتفوا باسمي لأني قلت كلمة حق.
أريد الإسلاميين أن يحكموننا لأنهم هم من يُقتلون ومن حقهم أن يحكموا ثم يذهبوا بعد الانتخابات”..
أوردت هذين المثالين نظراً لما يمثل صاحبهما، فالأول هو مفكر سوري كبير معروف بيساريته وعلمانيته، والموقف الثاني صادر عن فنانة سورية تنتمي مذهبياً لإحدى الأقليات.
لكن لماذا أوردت هذين المثالين في موضوع له علاقة بمرور عام تقريبا على سقوط النظام السابق ووصول إسلاميين إلى السلطة برئاسة أحمد الشرع ؟
السبب هو عدم التردد والوضوح الفكري والسياسي في الدعم التام لتيارات وقوى إسلامية سورية من قبل شخصين كان من المتوقع أن يعبّرا عن خشية وقلق وخوف من هذه التيارات والقوى الإسلامية، لكنهما على ما يبدو أدركا في وقت مبكر وفي لحظة من المصالحة مع الذات ، أن لا شيء يمثل خطرا على سوريا ومستقبلها ومجتمعها مثل بقاء نظام الأسد.
لم يشكّل الإسلاميون “بعبعا” لهما ، لم يكونا ضحايا “فوبيا” من الإسلام والإسلاميين في وقت كان يجب أن يكونا كذلك، لكنهما كانا أكبر من ذلك بكثير. كانا يمتلكان وعياً متقدماً وعقل نظيف. كانا سوريان بكل معنى الكلمة.
بعد سقوط النظام السابق ، وبعد مرور ما يقرب العام على حكم الرئيس أحمد الشرع ، ها نحن نرى الإسلاميين في السلطة بعد ستين عاماً من حكم نظام استبدادي حديدي، وأكثر من خمسين عاماً من حكم عائلي طائفي إجرامي ، وبعد أربعة عشر عاما من حرب مدمرة، راح ضحيتها مئات الآلاف وهجّرت ملايين منهم.
نختلف أو نتفق معهم، فهؤلاء الإسلاميون هم من قادوا معركة تحرير سوريا من نظام الأسد، وهم من كانوا على الأرض خلال سنوات الحرب، فيما بقية التيارات السياسية والحزبية كانت غائبة أو تبخرت تماماً. وعليه: من الطبيعي جداً أن الفئة أو التيارات والقوى المرشحة لمسك زمام الأمور في سوريا بعد سقوط النظام هي تيارات وقوى إسلامية، هذا هو منطق الأمور، هذه السلطة لم تهبط من السماء، لم يأت بها أحد إلى السلطة، هذه القوى هي من كانت قد بقيت على الأرض ، وهي من صمدت ، وهي من قاتلت، وهي من انتصرت. نحن لا نقول ذلك لتبرير مقولة “من يحرر يقرر”. نحن نقول ذلك لأنه منطق الأشياء . وهذا ما حصل بالفعل.
وطالما نحن نتحدث عن إسلاميين ، لا بد هنا، أو لنقل من الضروري هنا، التوقف عند شخص الرئيس أحمد الشرع ، فبعد مرور نحو عام ، وخلال متابعتي كصحافي لكل المواقف التي أطلقها ، وبعد متابعة لكل أحاديثه ومقابلاته الصحافية ، منذ اليوم الأول لسقوط النظام وحتى اليوم ، لم ألحظ أي كلمة أو جملة أو عبارة تشي أن الرجل يتحدث منطلقاً من خلفية دينية أو إسلاميّة متشددة ، كل مواقفه وكلماته تتسم بالوطنية، يتحدث كرجل دولة مسؤول، يتحدث باسم السوريين جميعاً ، يتحدث عن محنة السوريين خلال الحرب، يتحدث عن تجربته في ادلب ، يتحدث عن رؤيته لمستقبل سوريا وما يجب أن تكون عليه، يتحدث عن السلام مع كل دول الجوار، السلام مع الجميع بوصفه ضرورة لعملية إعادة بناء بلد دمرتها الحرب، يتحدث بطموح كبير عن رؤيته لسوريا في المستقبل ، وكيف ستكون عليه ..إضافة إلى ذلك، لم نلحظ أن قرارات أو سياسات قد اتخذت وتم اعتمادها بهدف أسلمة البلاد.
بكل تأكيد هذا ليس له علاقة بممارسات وتصرفات نراها على الأرض يقوم بها مؤيدون أو داعمون للسلطات الجديدة أو للرئيس الشرع ، فمثلاً: هل يمكننا الحكم أن من قام بالتهجم على نادي ليلي، أو مسرح اعتلاه مطرب ما، أو شخص ما كتب عبارات ما على جدران كنيسة، هل يمكننا الحكم والقول إن الرئيس الشرع يقف وراء ذلك، أو يؤيده ويدعمه؟ هذا ينطبق إلى حد كبير على بعض أحداث العنف التي جرت في بعض المناطق ، هل كان لمن قال : “لا ثأر ولا انتقام” مصلحة سياسية في ارتكاب مجازر هنا وهناك؟ أليس من مصلحته جذب كل الطوائف وكسب تعاطفها وتأييدها في إطار سعيه لكسب الشرعية العربية والدولية ؟ ثم هل أتت المجازر من الفراغ ولم تسبقها أحداث أو وقائع على الأرض؟ ألا يوجد في البيئة السورية اليوم حيث مناخ الاستقطاب الطائفي والكراهية في أعلى مستوياته، ألا يوجد ما يجعل هذه البيئة معرضة في أي لحظة لهزات وأحداث أمنية كبيرة مثل ما حصل؟
ثم ماذا عن المجتمع، أو المجتمعات السورية المدججة بالسلاح ، كل الطوائف السورية مدججة بالسلاح اليوم، الكل يده على الزناد، سواء أكانوا أكثرية أو أقلية، هذا كان قائماً قبل المجازر وما زال مستمرا بعدها.
ثم ماذا عن القوى والدول الأخرى والجماعات الداخلية التي خسرت من سقوط نظام الأسد، أليس لها يدّ أو دور ما ، ألا تتحمل مسؤولية في الانزلاقات التي حصلت نحو العنف؟ هنا قد يكون الجميع ضحايا وأهدافاً سواء عن معرفة أو عن جهل منهم. وسواء كانوا قَتَلَة أم قتلى.
السلطات الحالية اعترفت بارتكاب أخطاء خلال معالجتها للحالة الأمنية في بعض المناطق، عبرت عن انفتاح لمنظمات وهيئات دولية للتحقيق بكل نزاهة وحرية في المجازر التي حصلت. هذا بحد ذاته موقف مسؤول من أعلى سلطة في الدولة السورية اليوم، يجب أن نأخذه بعين الإعتبار حين الحديث عن الرئيس أحمد الشرع.
اليوم ، وبعد نحو عام، يمكن القول إن السوريين يتوزعون على عدة مواقف من الرئيس الشرع :
– من يقف معه دائما مهما قال وفعل .
– من يقف ضده مهما قال وفعل.
– من يقف معه لمصلحة اقتصادية أو سياسية أو جراء صفقة .
– من يقف ضده لمصلحة أو لانخراطه في مشروع ما، أو جراء تنسيق مع جهات خارجية.
– وهناك فئة واسعة من السوريين هي من تقف مع الدولة السورية ، بغض النظر عن طبيعة نظام الحكم وبغض النظر عن هوية وشخص الحاكم، هذه الفئة تريد الاستقرار والسلام وتجاوز محنة الحرب. تعتبر ذلك أولوية . هذه الفئة اقترابها وتأييدها للسلطات الحالية يرتبط بما تنجزه على الأرض وما تفي به من وعود، على صعيد إعادة البناء، تحسين الكهرباء، خلق فرص العمل، المساواة، العدالة وحكم القانون ، إعادة ترميم البنية التحتية ، الحفاظ على وحدة وسيادة سوريا، عدم الإقصاء ، الحريات… وغيرها الكثير . هذه فئة لا يمكن الاستهانة بها وبحجمها. هذه الفئة ستقترب من الشرع أو ستبتعد عنه بناء على التقدم في هذه الملفات.
————————————-
تشارلز ليستر: دولتان فقط لا تغتنمان الفرصة في سوريا
قراءة موسعة بعد عام على سقوط الأسد
قدّم مدير برنامج سوريا بـ”معهد الشرق الأوسط”، تشارلز ليستر، قراءة موسعة للواقع السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، معتبرًا أن التحول السياسي الذي شهدته البلاد خلال العام الأخير فتح الباب أمام “فرصة تاريخية” لإعادة بناء سوريا، بينما تواجه هذه العملية تحديين أساسيين من إيران وإسرائيل.
وأوضح ليستر في التدوينة التي نشرتها صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” الإسرائيلية، في 25 من تشرين الثاني، أن سوريا كانت لأكثر من 50 عامًا “الجوهرة في تاج المشروع الإيراني”، قبل أن تخسرها طهران “في غضون عشرة أيام” فقط مع انهيار النظام. وخلال الأسابيع التي سبقت سقوط الأسد، تكبدت إيران وميليشيا “حزب الله” خسائر كبيرة، قبل أن يسحبا قواتهما إلى لبنان والعراق وإيران.
وقال ليستر إن إيران، بعد فقدان نفوذها المباشر، تحاول اليوم تقويض الحكومة الانتقالية الجديدة عبر دعم “تمرد” يعتمد على بقايا شبكات مرتبطة بالفرقة الرابعة، معتبرًا أن هذا التحرك يأتي “كمحاولة لإنقاذ ما تبقى من نفوذها”.
وبحسب ليستر، فإن العالم بأسره، من الولايات المتحدة إلى روسيا والصين، يتعامل مع التغيير في سوريا كفرصة استراتيجية، باستثناء دولتين فقط: إيران وإسرائيل.
وقال إن موقف إيران مفهوم بحكم خسارتها لنفوذها السابق، إلا أن الموقف الإسرائيلي يبدو “مربكًا ومثيرًا للإحباط”، خاصة في ظل ما تصفه القيادة السورية الجديدة برغبتها في فتح صفحة مختلفة مع تل أبيب.
ووصف ليستر موقف إسرائيل تجاه سوريا الجديدة بأنه “غير منطقي”. فمنذ كانون الأول 2024، سيطرت إسرائيل على 200 كيلومتر مربع داخل الأراضي السورية، ونفذت ما يقارب 1000 غارة جوية و 600 عملية توغل بري، بينما اقتصر الرد السوري على “شكاوى رمزية في مجلس الأمن”.
ويرى أن القيادة السورية الحالية “مدت غصن الزيتون” لإسرائيل، ووصل الأمر إلى طرح تطبيق اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 كأساس لعلاقة جديدة، مع ضمانات أمريكية متبادلة.
حكومة انتقالية ذات ثقل تقني ودبلوماسي
أشار ليستر إلى أن الحكومة الانتقالية في سوريا، التي يقودها تيار من “الجهاديين الإصلاحيين”، تضم في 80% من وزاراتها شخصيات تكنوقراط من أبناء الشتات السوري في الولايات المتحدة وأوروبا والخليج.
واستقبلت دمشق خلال أقل من عام، عددًا من الوفود الرسمية “يفوق ما استقبلته خلال 53 عامًا من حكم عائلة الأسد”، بحسب ليستر، فيما حصلت سوريا على إعفاءات من العقوبات “بسرعة قياسية لم يشهدها أي بلد يخرج من صراع مشابه”.
ويرى الباحث أن هذا الإقبال الدولي يعود لقناعة بأن “ما يحدث في سوريا لن يبقى فيها”، ولكن هذه المرة “بشكل إيجابي”، مع احتمال انعكاس الاستقرار في سوريا على المنطقة بأسرها.
تعاون أمني متسارع مع واشنطن
قدم ليستر أرقامًا مفصلة لعمليات مصادرة أسلحة مرتبطة بإيران خلال الأشهر العشرة الماضية، تجاوزت 4 آلاف قطعة وسلاح نوعي، بينها:
910 قذائف هاون.
721 لغمًا.
496 صاروخ “غراد”.
280 صاروخًا مضادًا للدروع.
99 رشاشًا ثقيلًا.
11 منظومة دفاع جوي محمولة.
وقال إن معظم هذه العمليات اعتمد على معلومات من الاستخبارات السورية، فيما جاءت عمليات أخرى بناءً على مجموعة معلومات قدمتها الولايات المتحدة.
وكشف أن التعاون الأمني بين دمشق وواشنطن شهد تطورًا كبيرًا، مشيرًا إلى عملية “حاسمة”، عندما قدمت واشنطن معلومات عن شبكة أنفاق ومخازن أسلحة للحرس الثوري في البوكمال، قبل أن تقتحمها قوات وزارة الداخلية السورية وتعتقل كل العاملين فيها.
وكانت وزارة الداخلية السورية نفذت بالتعاون مع وزارة الدفاع عملية أمنية واسعة في 20 من أيار الماضي، استهدفت شبكة تهريب متورطة في تجارة الأسلحة والمخدرات، وذلك في منطقة الهري الواقعة على الحدود السورية العراقية شرقي محافظة دير الزور.
وتركزت العملية على مداهمة منازل ومستودعات يستخدمها تجار السلاح والمخدرات، وأسفرت عن مصادرة ترسانة من الأسلحة النوعية، بينها صواريخ ثقيلة وموجهة مضادة للدروع من طراز “كورنيت” ومضاد دروع، إضافة إلى رشاشات متوسطة وثقيلة، بينها قناصات ومسدسات وكميات ضخمة من الذخائر المتنوعة.
واستغرقت العملية أكثر من 3 ساعات بمشاركة نحو 400 عنصر أمني ومن قوات الدفاع السورية واعتقل خلالها 9 سوريين لهم علاقات وثيقة مع مليشيا الحشد الشعبي العراقي، وكانوا يديرون شبكة واسعة النطاق تنشط في تهريب الأسلحة والمخدرات عبر الحدود السورية العراقية.
كما أشار ليستر إلى تنفيذ ستة هجمات مشتركة على أهداف لتنظيم “الدولة الإسلامية” وأخرى مرتبطة بإيران، بينها عملية أسفرت عن مقتل “أرفع قائد للتنظيم في سوريا”.
دعوة إلى “منح سوريا فرصة”
يخلص ليستر إلى أن تجاهل إسرائيل لهذه المرحلة قد يشكّل “خطأ تاريخيًا”، معتبرًا أن دعم الاستقرار في سوريا سيعود بمكاسب أمنية كبيرة، وأن الطريق نحو السلام يبدأ باتفاقيات أمنية، في ظل استعداد دمشق لفتح قنوات تفاوض.
وقال، “منذ سنوات طويلة كان يُقال إن ما يحدث في سوريا لا يبقى في سوريا. اليوم، ولأول مرة، يمكن لهذا القول أن يحمل معنى إيجابيًا.”
ويرى أن الفرصة الحالية قد لا تتكرر، وأن خسارتها ستكون “إضاعة للحظة غير مسبوقة في تاريخ المنطقة”.
وكان الباحث تشارلز ليستر التقى بالرئيس السوري، أحمد الشرع، خلال ندوة نظمها معهد الشرق الأوسط في نيويورك، في 23 من أيلول الماضي، بحضور مئات الدبلوماسيين والإعلاميين ورجال الأعمال.
وقال الشرع حينها “فعّلنا جهودنا الدبلوماسية للحوار مع إسرائيل، ولسنا من يسبب المشاكل، نحن نخاف من إسرائيل وليس العكس”، وحذر من أن استمرار الانتهاكات الجوية والتوغلات البرية يعرقل المفاوضات ويهدد الاستقرار.
عنب بلدي
————————-
سوريا بين الداخل والخارج.. اصطفافات “ما بعد الأسد”/ مالك داغستاني
2025.11.27
ثمة فجوةٌ لا يمكن تجاهلها بين مواقف السوريين داخل البلاد والمزاج خارجها، فجوةٌ يمكن تفسيرها بالجغرافيا، وعلاقة الأمر بدرجة الاحتكاك اليومي بواقع سوريا ما بعد زوال الأسد، وطبعاً دون إهمال وزن الألم وعمق التجربة الشخصية.
المعارضون السوريون للأسد، وأنا أتحدث عن هؤلاء حصراً في كامل مادتي هنا، الذين عاشوا سنوات الانهيار، فكانوا شهوداً على دوّامة العنف، معظمهم دفعوا أثمانها من أمنهم ورزقهم وأحياناً من حياة أفراد عائلاتهم، تحوّلوا تدريجياً لرؤية الأمور وقياسها بميزانٍ مختلف تماماً عن السوريين الذي صاروا يتنفسون السياسة بحرّية تامّة من وراء الحدود.
الأخيرون، موالون ومعارضون للحكم الجديد، يحلمون اليوم بالتغيير من دون دفع كلفته، ونراهم، بتكرار مستميت، يستهلكون خطاباً متوتراً دون إدراكٍ بأن لغتهم المتشنجة تلك هي نتيجة المنفى، ونادراً ما تتواءم مع ما يتطلّبه الواقع السوري الجديد.
يمكن وصف ما يفكّر به أهل الداخل، أستثني هنا المنفيين ذاتياً لأسباب إيديولوجية، بأنه واقعية ما بعد الانهيار.
من يتجوّل اليوم في أي مدينة سورية، تحت سيطرة السلطات الجديدة، سوف يقابل مزاجاً عاماً يميل نحو شيء واحد، الاستقرار، وليس دافع هذا لا حباً بنظامٍ جديد ولا كرها بآخر، بل خوفاً من أن تنزلق البلاد مجدداً إلى هاوية جديدة لن يخرج منها أحد سالماً.
يمكن القول: إن معظم السوريين في الداخل، المعارضين للأسد بمختلف أطيافهم، تحوّلوا إلى مدرسة سياسية واقعية، يقيسون المواقف بالنتائج، ويفضّلون تسوية غير كاملة على حربٍ كاملة، ويقبلون بحكمٍ لا يؤيدونه إذا كان البديل هو انفلات السلاح وانتقام الجماعات وهشاشة الدولة.
لقد اختبروا كل الاحتمالات القاتمة طوال سنوات، وخرجوا بقناعةٍ بسيطة “أي استقرار يحفظ كرامة وأمن السوريين أفضل من استعادة الفوضى”.
سيقول البعض إن هذا ليس موقفاً سياسياً بقدر ما هو قناعة وجودية، طبعاً لا أقصد هنا المعنى الفلسفي للوجودية، نعم هذا صحيح، فهم يرون أن المواطن، في هذه المرحلة على الأقل، يريد الكهرباء، والوظيفة، ومدرسة قريبة لأبنائه، وشارعاً آمناً، وهو لا يملك رفاهية الانخراط في سجالات نظرية حول “شرعية الشرع” أو “البديل المثالي” كما يراه كلٌّ من وجهة نظره.
هل أدعو للتواطؤ مع واقع محمول على توقعات بعضها قد يكون كارثياً، فيما لو استمرت السلطات بالإقصاء والاستئثار؟ بالطبع لا، فالعمل السياسي المعارض حقٌّ لا يجب التنازل عنه، لكن جلّ ما أحاول إيصاله هو الواقع كما عايشته مع أصدقاء على الأرض، وكي أصل إلى نتيجة هامة سياسياً حسبما أرى، وهو أن القراءة الواقعية الصحيحة هي التي توصل إلى الاتجاه الصحيح سياسياً، وسيّان هنا إن كنت موالياً أو معارضاً.
في المقابل، يبدو جزءٌ واسع من السوريين في الخارج وكأنهم يعيشون داخل فقاعة خطابية، لا يقلّ انغلاقها عن الفقاعات الإيديولوجية التي عرفها السوريون طوال نصف قرن، فالموالي الجديد الفرح بما يجده “نصر” شخصي، يريد تفصيل سوريا على مقاسه، وغالباً على مقاس انتمائه، ما يعطي صورة مشوّهة عن مستقبل البلد فيما لو تحققت أمنياته.
والمعارض للحكم الجديد لا يكتفي بانتقاد الشرع وسياساته، وهذا حقٌّ لا شك، لكنّه يذهب إلى أقصى درجات الشيطنة، هناك من يصف الحكم الجديد بأنه نسخة ثانية من حكمٍ طائفي جديد سيمتلك قريباً جداً كامل مواصفات حكم الأسد، فيبدو بهذا الرأي كمن يعيش على حلمٍ معلّق وهو إسقاط الحكم الجديد، ولدى البعض، لا بأس من إسقاط الدولة نفسها، طبعاً لا أقصد هنا عموم معارضي الخارج، بل تياراً يرفع سقف الصراع إلى حدّ تجاهل كلفة الانهيار على المجتمع، وكأن الظروف الإقليمية والدولية، أو الخراب الذي عاشته سوريا، كلها مجرد تفاصيل قابلة للتجاوز.
هذا التشدد، من الجانبين، ليس مجرد موقف سياسي، إنه هروب نفسي، هروب من الاعتراف بأن المعادلة الدولية تغيّرت، وأن الداخل السوري لا يشبه المنفى، وأن القوى التي حسمت الصراع، إن كنّا معها أو ضدّها، لن تتراجع بسبب تغريدة ما طالبت بذلك، أو لأن ناشطاً صرخ في مؤتمرٍ ما.
بعد زياراتي لسوريا، بدا لي أن السوريين في الخارج يعيشون أحياناً وفق تاريخ يمكن وصفه بالمُجمَّد، توقّف هؤلاء عند لحظة إسقاط الأسد، بعضهم كما يبدو لي أنهم، على سبيل الطرافة، صحيح كانوا مع إسقاط الأسد لكن ليس إلى هذه الدرجة! بينما أهل الداخل اندفعوا بسرعة إلى ما بعدها، البحث عن التعافي والمطالبة بإعادة ترتيب المؤسسات، بمعنى أن الحوار يتركّز على الخلافات الواقعية والأولويات اليومية.
في الداخل يعاني الناس من إرهاقٍ جماعي، فيحتاجون بشدّة للأمان، ويرغبون بإلحاح في طيّ صفحة الدم، الاصطفاف هنا يقوم على سؤال بسيط، هل سيعيدنا هذا السياسي، موالياً أو معارضاً، إلى الفوضى أم سيُبقي البلد واقفاً؟ أما أهل الخارج فكثيرون يحملون ذاكرة صدماتهم وهزائمهم السياسية الشخصية، ويقيسون المشهد من خلال صراعهم مع الأسد لا من خلال مستقبل سوريا، فيطلبون الثأر أحياناً غير آبهين بالنجاة، وآخرون ما زالوا يعيشون الحالة الراهنة كموقف من الجهاد السلفي، دون أدنى التفاتة للتغيرات الدراماتيكية في الخطاب والسلوك. لذا يتحول كل موقف للجانبين إلى معركة ثأرية مع الماضي.
في سوريا، يبحث الناس عن الواقعيّ، حتى إن لم يكن مثاليّاً، جزء من مؤيدي الشرع ليسوا مؤيدين له بقدر ما هم مؤيدون لفكرة “الدولة”، طبعاً لا يعني ذلك أن الداخل كتلة واحدة متناغمة، لكنهم أقرب إلى الواقعية بحكم العيش على الأرض، وجزء من معارضيه يعارض أداءه السياسي لا وجوده في الحكم.
أما أهل الخارج فاصطفافهم غالباً إيديولوجي، واختزالاً، من مع الشرع ومن ضده؟ حيث لا وسطيّات، ولا درجات، كما لو أنهم مشغولون بالتعبئة من أجل لحظة انقلابية قادمة، لكن ضمن عالمهم الخاص الذي تحكمه الشعارات لا الوقائع.
ما يدعو للتفاؤل النسبي، رغم ما يحدث من صدامات أحياناً، أن الاختلاط اليومي في الداخل بين طوائف ومناطق مختلفة، بعد كل ما جرى، يفرض واقعية جديدة، فالجميع مضطر للتعامل مع الجميع.
وهذا يقلّل من النزعات القصوى، ويخلق حاجة للتعايش، وهنا يظهر الاقتصاد كأولوية وكأنه أكبر محرّك للمواقف السياسية، بينما يبدو أهل الخارج وكأنهم أفراد افتراضيين ضمن مجموعات الرأي فيعيشون بين أمثالهم داخل غرف الصدى.
مجموعات تتشكل حول الطائفة أو المنطقة وفي أحيان قليلة حول الإيديولوجيا، فتبدو تلك المجموعات وكأنها تعيد إنتاج خطابها لنفسها، أحياناً خارج أي سياق وطني جامع، والأهم دون أدنى شعورٍ بكلفة الفوضى اقتصادياً ومعيشياً على الناس.
منذ وصول الشرع وجماعته إلى حكم دمشق، تشكلت اصطفافات جديدة تختلف تماماً عن اصطفافات ما قبل سقوط الأسد، فنرى أن المؤيدين داخل سوريا ليسوا كتلة واحدة، بعضهم يرى في الشرع فرصة لإعادة بناء الدولة بلا فساد منهجي، بعضهم دعمه خوفاً من بديلٍ قد يكون للأسد حصّة فيه، وآخرون وجدوا فيه الرجل المقبول دولياً، مما سينقل سوريا إلى مكان آخر.
لكن القاسم المشترك بينهم هو الرغبة في الخروج من الحرب نهائياً، أما المعارضون فهم، بغالبيتهم، واقعيون، ينتقدون كل خلل بوضوح، إن كان في السياسات الاقتصادية وحتى في المواقف الوطنية العامة، طبعاً إضافة للتركيز على كل أخطاء المرحلة الانتقالية، لكنهم بالتأكيد يرفضون انهيار الدولة مجدداً.
المؤيدون في الخارج لا يختلفون كثيراً عن مؤيدي الداخل فهم يرون في الحال الراهن قطْعٌ مع إرث الأسد وربما الفرصة الأخيرة لإنقاذ سوريا، وهذا التأييد يبقى بارداً بكل الأحوال غير مرتبط بحياتهم اليومية، إلا حين يواجهون خصماً (عدواً) فيتحولون إلى خطاب إقصائي سام ذا منحى ثأري وإقصائي.
بينما معارضو الخارج، وهم الأعلى صوتاً، فيريدون تغييرات جذرية بخطاب المراحل الثورية الأولى، يتعاملون مع الحكم الجديد على أنه لا يتوافق مع أحلامهم القديمة والمؤجلة. دون إدراكهم لأمر بالغ البساطة والواقعية، وهو أن الناس اليوم ما عادوا يحتملون رفاهية الأحلام الكبيرة.
شخصياً أميل أكثر لرؤية أن الفارق بين الداخل والخارج ليس في الوطنية ولا في النوايا، بل في درجة ملامسة الواقع، فمن يعيشون داخل سوريا يتعاملون مع السياسة كخيار حياة أو موت، بينما من يعيشون خارجها فإنما يتعاملون معها كمشروع أخلاقي أو فكري.
لهذا لا يحدث هذا التوافق بين النظرتين بسهولة، مع أن سوريا الناجية اليوم تحتاج إلى مزيج جديد من واقعية الداخل وخبرة الخارج، فالبلد الذي خرج من أعمق جرح في تاريخه لا يحتاج إلى مزيد من الهدم، بقدر ما هو بأمسّ الحاجة إلى عقد اجتماعي يُعيد للناس ما فقدوه، وهو القدرة على العيش بأمانٍ وكرامة دون انتظار معجزة لن تأتي.
—————————-
ما قبل “ردع العدوان”.. كيف كان اليأس يخيم على مناطق الشمال المحرر؟/ خالد الخطيب
2025.11.27
تحل الذكرى السنوية الأولى لانطلاق عملية “ردع العدوان”، وتليها بأيام ذكرى تحرير سوريا، لا بوصفهما مجرد مناسبتين للاحتفال بالنصر أو طي صفحة أربعة عشر عاماً من العذاب في الثورة السورية ضد نظام وصف بالفاشي، ولا باعتبارهما فرصة لاستعراض ما تحقق خلال عام كامل من إنجازات على مختلف الصعد، بل تأتيان قبل كل شيء كمحطة لاستحضار تلك اللحظات الثقيلة التي سبقت العملية العسكرية الكبرى، تلك التي انطلقت في 27 من تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وكانت نقطة تحول فارقة في تاريخ الشمال المحرر وسوريا بأكملها.
في ذلك الوقت، كان السوريون محاصرين في بقعة جغرافية صغيرة في أقصى الشمال الغربي، في المناطق التي يصفها أهلها والثوار بأنها “الشمال المحرر” والتي تضم ريف حلب الشمالي وأجزاء واسعة من محافظة إدلب، بينما كانت المنطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها قتامة منذ انطلاق الثورة في عام 2011.
يأس يتسلل وصورة قاتمة للمستقبل
قبيل المعركة، سيطر شعور باليأس على الناس مع كل يوم يمر بلا تغيير، في ظل تصاعد الخطوات الخارجية الهادفة للتطبيع مع النظام المخلوع، ثقة الأهالي بالفصائل والإدارات المحلية، والحكومتين المؤقتة والإنقاذ، كانت في حدودها الدنيا، بعدما بدت عاجزة عن حماية المدنيين أو تحسين واقعهم اليومي، أو على الأقل التعالي عن خلافاتها البينية المستمرة والانخراط في جسم معارض موحد.
كانت القرى والبلدات تتلقى الضربات بين الحين والآخر، في حين تطوق خطوط اشتباك طويلة مناطق الشمال المحرر بحشود ضخمة من قوات النظام والمليشيات، بالتوازي، كانت دعاية النظام وحلفائه تروج لانتصاره وقرب القضاء على الثورة، وتسوّق لمعركة “أخيرة” تنهي حلم التحرر بالكامل.
الأشهر التي سبقت “ردع العدوان” كانت مليئة بإشارات تؤكد أن الشمال المحرر ذاهب نحو المجهول، هذا أقل ما كان يشعر به الأهالي، كانوا يحاولون التأقلم مع الاحتمالات القاتمة، في لحظة بدا فيها الشمال على مفترق طرق يبحث عن بارقة أمل تعيد ترتيب موازين القوى وتخفف وطأة الخوف الذي خيّم على يوميات الناس، حتى جاءت المعركة التي كانت صدمة ومفاجأة، غيرت ملامح الشمال برمته.
شهادات من الميدان.. استرجاع أيام اليأس
استطلع موقع تلفزيون سوريا آراء ناشطين وصحفيين وثوار من اختصاصات مختلفة كانوا في مناطق الشمال المحرر، لاسترجاع تفاصيل تلك الفترة السوداء السابقة للتحرير، وكيف كان اليأس سيد الموقف قبل أن تنقلب المعادلات.
الأشهر الثقيلة، قلق وضبابية وخوف من الانهيار هكذا وصف أبو الحكم شعوره قبيل انطلاق معركة التحرير بأشهر قليلة، قال لموقع تلفزيون سوريا: “مع اقتراب الذكرى الأولى لمعركة ردع العدوان، ومن ثم مناسبة التحرير وسقوط النظام المخلوع، يعود بنا الزمن إلى تلك الأشهر الثقيلة التي سبقتها، حين كان الشمال المحرر يعيش حالة من القلق والضبابية، وكأن المستقبل قد أُغلق في وجهه، المعركة لم تكن مجرد حدث عسكري، بل نقطة تحول في الوعي الجمعي، إذ نقلت الناس من شعور بالخذلان إلى يقين بأن الثورة محقة، وعظيمة، وأن إرادة الصمود قادرة على قلب الموازين”.
ويضيف: “النظام وحلفاؤه كانوا يلوحون بالتصعيد، ومع كل قصف كانت المخاوف تتجدد من انهيار خطوط الدفاع، كثير من الأهالي كانوا يتهيؤون لسيناريو نزوح جديد، وكأن مأساة أخرى تلوح في الأفق”.
يتابع أبو الحكم: “محاولات التطبيع مع النظام في بعض الدول خلقت شعوراً عميقاً بالخذلان، وكأن العالم قرر طي صفحة الثورة، في المجالس، كان سؤال موجع يتكرر: هل انتهت الثورة؟ هل سيُفرض علينا القبول بالنظام؟ كانت هذه الكلمات تعكس حالة نفسية جماعية مثقلة بالهم”.
وأوضح أبو الحكم أنه وبرغم المناخ القاتم، بدأت تظهر بوادر خفية تشير إلى أن شيئاً ما يُحضر، يقول: “التحركات العسكرية، الخطاب المتصاعد عن ضرورة الرد، والهمسات في المجالس بأن الميدان سيتكلم قريبا، كلها بثت شرارة أمل وسط الظلام”. يضيف: “الناس شعروا أن الشمال لن يسلم، وأن معركة قادمة ستعيد التوازن، وحين اندلعت المعركة، لم تكن مواجهة عسكرية فقط، بل إعلاناً بأن الشمال قادر على الدفاع عن نفسه”. ويختم: “كثيرون لم يتوقعوا أن تكون نتائج المعركة بهذا الحجم، لقد أعادت للناس شعور الانتماء والثقة بأن الثورة لم تنتهِ”.
الصحفي السوري محمد هنداوي قال لموقع تلفزيون سوريا إن الأشهر القليلة التي سبقت معركة التحرير كانت “ثقيلة جداً” على السوريين في الشمال المحرر، من شمال حلب حتى إدلب، بسبب محاولات تعويم النظام عربياً ودولياً، “الشعور العام كان شعوراً بالخذلان، وكأن نهاية الثورة اقتربت”، يقول هنداوي: “المهجرون شعروا بأنهم قد لا يرون منازلهم مرة أخرى، وأن النظام الوحشي باق، وأن تضحياتهم عبر 14 عاماً ذهبت أدراج الرياح”.
يضيف هنداوي: “الحالة التي عاشها الناس كانت طبيعية، فهي نتيجة سلسلة خسارات لم تكن في صالح الثورة، بل في صالح النظام وحلفائه”. ومع ذلك، يشير إلى أن شريحة واسعة من مقاتلي الفصائل كانت تؤمن بالنصر وتعمل لتغيير المعادلة، رغم كل الظروف.
يقول هنداوي إن الفترة التي سبقت المعركة شهدت اجتماعات عديدة بين القادة وفعاليات المجتمع المدني “القلق كان سيد الموقف، كانت هناك خشية من أن أي معركة قد تقابل برد عنيف من النظام يخلف مجازر مروعة، خاصة مع الاكتظاظ السكاني في الشمال”. ويضيف: “الحرب الإسرائيلية على غزة آنذاك عمّقت مخاوف الناس من احتمال تكرار توحش مشابه في سوريا”.
رغم كل ذلك، كان هناك تيار واسع يرى أن المبادرة بالهجوم خيار لا بد منه، في ظل حالة اليأس وانعدام الخيارات، وكان رأياً صائباً، وفق هنداوي، إذ غير وجه سوريا إلى الأبد، ووضع حداً لواحدة من أبشع الجرائم في العصر الحديث، المذبحة الممتدة لأربعة عشر عاماً ضد السوريين.
قال المحامي عثمان الخضر ظننا أننا وصلنا إلى آخر الطريق، جمود طويل ويأس متراكم، يضيف في حديثه لموقع تلفزيون سوريا: “شعرنا في الشمال المحرر أننا وصلنا إلى آخر المطاف عام 2024، منذ الحملة الكبيرة للنظام المخلوع وحلفائه عام 2019، التي سيطر فيها على ريف حماة الشمالي وإدلب الجنوبي وريف حلب الجنوبي حتى حدود الأتارب، لم نعش معارك كبرى بعدها، بل عمليات محدودة هنا وهناك”. ويضيف: “هذا الركود الطويل أصابنا باليأس وجعلنا نشعر أن التحرير بعيد، وأن الأيام تمضي بلا أمل”.
يتابع الخضر: “عندما بدأ الحديث عن معركة جديدة، اعتقدنا أنها ستكون محدودة كالعادة، وربما نخسرها، ما يعني سنوات أخرى دون التفكير بأي عمل عسكري، كثيرون كانوا يرجحون أن تكون وجهة العمليات نحو حلب فقط، ولم يكن أحد يتخيل أن تمتد إلى دمشق، وأن ينهار النظام بهذه السرعة”.
ويواصل: “استمر الحديث عن المعركة شهوراً، بين تأجيل وانتظار للوقت المناسب، حتى دقت ساعة الصفر، انطلق الشمال المحرر بحماس هائل، وكان فتح حلب بداية السلسلة التي وصلت بنا إلى حماة وحمص ثم إلى دمشق العاصمة”.
يقول الخضر: “ما زلنا في حالة صدمة حتى الآن، كأنه حلم بعد سنوات من المعاناة والتهجير، أثبتنا للعالم أن إرادة الشعب لا تكسر، وأن القدر يستجيب لمن صبر وناضل، ومع اقتراب الذكرى الأولى للتحرير، تعود تلك اللحظات وكأنها حدثت أمس، بفرحها وسرورها، نأمل تعافي الوطن الجريح وانضواء كل مكوناته تحت ظله”.
من قلب اليأس ولدت المعركة
قبل “ردع العدوان”، كان الشمال المحرر يعيش على أنفاسه الأخيرة، محاصراً بالخوف، محاطاً بخذلان العالم، ومثقلًا بالهجمات والتطبيع والآلام، لكن خلف تلك الصورة القاتمة، كانت روح الثورة تختبئ تحت الرماد، تنتظر لحظة اشتعال جديدة، وحين دقت ساعة الصفر، انقلبت المعادلة، وتحول اليأس إلى قوة دافعة، والخوف إلى جرأة، والضباب إلى يقين بأن الثورة ما زالت تنبض، لقد كانت معركة غيرت خريطة سوريا ومسار تاريخها، وأعادت للأهالي ثقتهم بأنفسهم وبثورتهم وبقدرتهم على صناعة مستقبل لا يمليه عليهم أحد.
قالت الباحثة الاقتصادية علياء الأحمد لموقع تلفزيون سوريا: “في مثل هذا اليوم قبل عام، كانت أمي تتحدث إلي وهي قلقة من إشاعة قوية تفيد بأن النظام سيهاجم ريف حلب الغربي، كان أهلي وأعمامي وأخوالي جميعهم في حالة استنفار، يستعدون للمبيت خارج منازلهم، في حين بدأت حركات نزوح جديدة تعيد إلى الذاكرة مشاهد الفوضى والخوف، كنت أحاول طمأنة أمي بأن الأمر مجرد إشاعات، وأن شيئاً لن يحدث بإذن الله، لكن قلبي كان يشتعل قلقاً، فالنزوح الكبير عام 2019 لم يكن سهلاً على أحد، كان بمثابة ثوب من النار ارتداه كل نازح ومهجر من ريف حلب الغربي إلى ريف حلب الشمالي”.
وتضيف: “قبل أن تُنهي أمي الاتصال، قالت جملة ما زالت ترنّ في أذني حتى اليوم: نحن بالتفكير، ورب العالمين بالتدبير؛ كانت كلماتها بمثابة ما تبقى لنا من طمأنينة وسط العاصفة”.
وتتابع الأحمد: “دعوات العالم للمصالحة مع نظام الأسد، وحجم الضغط الدولي على أهل المحرر لإبرام صفقة تعيد تدوير النظام وتعويمه، كانت صادمة، لكن رد الثوار جاء سريعاً وقوياً عبر مظاهرات عارمة في أكثر من منطقة، وتأكيد جماعي على الاستمرار في النضال، كان شعور الناس مزيجاً غريباً من اليأس والإحباط من جهة، والأمل والإصرار من جهة أخرى، كنا حرفياً في مواجهة المجهول”.
وتختم الأحمد شهادتها بقولها: “عندما بدأ الثوار معركة التحرير وسيطروا على قبتان الجبل، كنت أتابع فيديوهات التقدم ولم أصدق ما أراه، شعرت بأنني في حلم لا أريد الاستيقاظ منه، أيقنت حينها أن العناية الإلهية قد نزلت، وأن رحمة الله شملت الشمال المحرر، وأن ذلك المجهول الذي كنا نخافه تحول إلى نصر وتحرير وانهيار مذل للنظام المجرم”.
ومع اقتراب الذكرى الأولى للتحرير، يعود السوريون إلى تلك اللحظات التي سبقت معركة ردع العدوان، ليسترجعوا مقدار الهوة التي فصلت بين مرحلة اليأس التي خيمت على الشمال المحرر حينها، ومرحلة التحول الجذري التي أحدثتها المعركة لاحقاً، فما كان قبلها يعد بحق إحدى أكثر الفترات قتامة منذ انطلاق الثورة، إذ تزامنت الضغوط الدولية للتطبيع مع النظام، وانسداد الأفق السياسي، وتراجع ثقة الناس بقدرة الفصائل والإدارات على حماية ما تبقى من الأرض والناس، كان كل شيء يشير إلى أن الثورة تقترب من نهايتها، وأن الشمال يمضي نحو مصير مجهول.
لكن ما حدث بعد ذلك قلب المعادلة كاملة، فقد أثبتت المعركة أن الثورة لم تكن جثة تنتظر الدفن كما روج النظام وحلفاؤه، بل كانت قوة كامنة تنتظر لحظة الاشتعال، أثبتت أن الإرادة الشعبية حين تتلاقى مع العمل المنظم تستطيع أن تغير الموازين، وأن ما يعتقده بعضهم مستحيلاً قد يتحقق في يوم واحد، ولعل هذا ما يجعل ذكرى التحرير اليوم أكثر من مجرد حدث، إنها تذكير بأن الخوف ليس قدراً، وأن الشعوب التي تتمسك بحقها في الحياة قادرة على صناعة مفاجآت تتجاوز حدود التوقعات.
وهنا يبرز سؤال لا بد من طرحه: إن كان ما قبل “ردع العدوان” يمثل أسوأ لحظات الثورة وأكثرها قسوة وظلمة، فماذا يمكن أن ينجزه السوريون حين يجتمع الأمل بالإرادة، وحين تتلاقى رغبة التحرر مع قدرة الفعل؟ ما الذي قد يحدث حين يكتب الميدان فصله الجديد، ليس بانتظار العالم ولا بإذن أحد، بل بقرار شعب يرفض أن تمحى ثورته أو يطوى تاريخه؟ قد تحمل السنوات المقبلة الإجابة، لكن ما أثبته يوم المعركة وصولاً إلى التحرير، هو أن السوريين، حين يقررون، قادرون على قلب الصفحة، وتغيير المشهد، وإعادة رسم مستقبل يليق بتضحياتهم ودمائهم.
تلفزيون سوريا
—————————-
سوريا الجديدة بين مشروع الدولة الموحدة ومخططات التقسيم/ عبد الحكيم علاء الدين عطية
تحول الصراع في سوريا من ثورة ضد الدكتاتورية إلى معركة وجودية بين مشروعين متناقضين. فالأكثرية السورية، التي دفعت ثمنا باهظا تجاوز مليون شهيد في مواجهة نظام الأسد، تتمسك بمشروع “سوريا الجديدة” الموحدة، وتعد نفسها الحارس الأمين للهوية الوطنية الجامعة وأمانة دماء الشهداء.
انطلقت الثورة في جوهرها حركة وطنية تطالب بالحرية والكرامة للجميع. ومنذ البدايات، عبّرت الساحات عن ذلك بوضوح في الهتاف الجامع: “واحد واحد واحد… الشعب السوري واحد”. وقد تحملت الأكثرية العبء الأكبر في مواجهة آلة القتل الأسدية، لا دفاعا عن هويتها فحسب، بل دفاعا عن فكرة الدولة السورية الموحدة.
هذا التمسك بالوحدة نابع من إدراك عميق أن قوة سوريا تكمن في وحدتها الجغرافية والبشرية، وأن أي مشروع تقسيم هو خيانة صريحة لدماء الشهداء ولحلم الدولة المدنية القائمة على المواطنة المتساوية.
لقد كان نظام الأسد، القائم على سلطة أقلوية، ينظر إلى الأكثرية بوصفها “هوية صامتة” تُهمَش سياسيا، مع الإبقاء على دورها الاجتماعي والثقافي في أدنى حدوده.
وعندما ثارت هذه الأكثرية، كان هدفها استعادة دورها الطبيعي في بناء وطن لا يقوم على الغلبة الطائفية، بل على مفهوم الدولة الجامعة. لذلك ترفض، بشكل قاطع، أي محاولة لتفتيت البلاد إلى دويلات طائفية أو عرقية متناحرة، وتعد نفسها حارسة الهيكل السوري في مواجهة مشاريع التشرذم، الداخلية والخارجية.
الأقليات الانتهازية: عقدة فقدان الامتيازات ورفض المواطنة
في المقابل، تجسد بعض الأقليات المتحالفة مع السلطة دور “زوجة الأب” أو “الخالة الانتهازية”. فهذه النخب، التي ارتبطت مصالحها ببنية نظام الأسد، فقدت امتيازاتها في نهب الثروات والاستحواذ على السلطة، فسارعت إلى التحالف مع قوى خارجية لضمان استمرار نفوذها عبر اقتطاع أجزاء من الجسد السوري.
هذا التحالف لم يكن نابعا من خوف وجودي حقيقي، بقدر ما كان مدفوعا بمصلحة مباشرة في استمرار نظام يضمن لهذه النخب نفوذا وسلطة وثروة لا تستحقها ديمغرافيا أو سياسيا في أي نظام ديمقراطي حقيقي.
جوهر الإشكال يكمن في رفض فكرة “المواطن الطبيعي”؛ فهم لا يريدون أن يكونوا مواطنين متساوين ضمن دولة قانون، بل يصرون على موقع “الشريك الحاكم بالقوة”، مستغلين هشاشة الدولة لفرض وقائع تخدم مصالحهم الضيقة على حساب وحدة الوطن.
يتجلى هذا الرفض للمواطنة في بناء مليشيات على أسس طائفية، تضمن ولاءها للطائفة لا للوطن، وفي صعود أمراء حرب ورجال أعمال وتجار ممنوعات جدد، سيطروا على مفاصل اقتصاد الحرب، محولين مناطق نفوذهم إلى إقطاعيات خاصة تُدار بمنطق الغلبة والقوة، بعيدا عن أي قانون أو شرعية وطنية.
رجال الدين: ورثة فكر البعث البائد وتبرير التقسيم
يزداد المشهد قتامة مع دخول بعض رجال الدين على خط الصراع، حيث يتحول الدين إلى أداة للتحريض والتقسيم، لا للهداية ولم الشمل. فخطاباتهم تخلو من أي تصور للوطن الجامع؛ إذ يصبح الوطن عندهم حدود الطائفة، والغاية حكم هذه الطائفة بالحديد والنار.
هؤلاء يمارسون، عمليا، دور ورثة فكر حزب البعث البائد في الإقصاء وتقديس القائد، لكنهم يستبدلون “القائد الخالد” بزعيم طائفي أو قائد مليشيا مقدس. لا يعنيهم الوطن بقدر ما يعنيهم الحكم، وهو الشعار غير المعلن الذي يحكم تصرفاتهم.
هم مستعدون لحرق سوريا بأكملها مقابل الاحتفاظ بسلطتهم داخل كانتون صغير، مبررين التقسيم والتحالف مع الأجنبي بذرائع واهية. ويهدف هذا الخطاب الطائفي الضيق إلى إضفاء شرعية زائفة على العنف، وتعميق الانقسام، وتوفير غطاء أيديولوجي للمشاريع الانفصالية، ما يضع عبئا إضافيا على المواطن السوري العادي، الممزق أصلا بين سرديات متناقضة.
الحل: العقد الاجتماعي والمواطنة المتساوية
المواطن السوري العادي -“الولد”- يعيش حالة خوف دائم من العودة إلى الوراء، ممزقا بين حنينه إلى “الأم” وواقع فُرض عليه من “زوجة الأب”. ولا مخرج من هذه المأساة إلا بمواجهة حتمية لا تقبل المساومة على وحدة سوريا.
يجب أن ينطلق أي حل سياسي مستقبلي من مبدأ وحدة الأراضي السورية بوصفه خطا أحمر غير قابل للتفاوض، مع رفض أي شكل من أشكال الحكم الذاتي الذي يؤسس، عمليا، للتقسيم.
بناء سوريا الجديدة يتطلب نزع سلاح المليشيات، وتفكيك بنى الاستبداد، وحصر السلاح بيد جيش وطني واحد. كما يتطلب، وهو الأهم، تطبيق عدالة انتقالية حقيقية، ومحاسبة كل من أجرم بحق السوريين، سواء من نظام الأسد أو من أمراء الحرب وقادة المليشيات الانفصالية.
الخلاص يكمن في عقد اجتماعي جديد قوامه المواطنة المتساوية: لا امتيازات طائفية ولا عرقية. وتقوم الدولة المنشودة على أساس الحقوق والواجبات المتساوية، باعتبارها الرد الحقيقي والوحيد على مشاريع التقسيم.
لمن ستكون سوريا؟
تقف سوريا اليوم بين مشروعين متناقضين: مشروع الدولة الوطنية الموحدة، الذي تتبناه الأكثرية وتدافع عنه، وتسعى إليه القوى الوطنية الحريصة على مستقبل البلاد، ومشروع الدويلات الطائفية والعرقية الذي تروج له أقليات انتهازية بالتحالف مع الخارج.
سوريا الجديدة لن تكون إلا سوريا لكل السوريين: دولة قانون ومؤسسات، لا مكان فيها لمن يرفض أن يكون مواطنا طبيعيا على قدم المساواة مع الآخرين. إنها أمانة مليون شهيد، ومستقبل الوطن مرهون بانتصار إرادة الوحدة على مشاريع التشرذم.
وبعد أربعة عشر عاما، يعود الهتاف الأول ليصدح من جديد: “واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد”.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
كاتب، باحث سياسي سوري
الجزيرة
——————-
عام على ردع العدوان.. كيف اهتزّ لبنان تحت سقوط الأسد؟/ صهيب جوهر
2025.11.27
مرّ عام واحد فقط على معركة “ردع العدوان”، لكنه بدا كأنه عقد كامل من التحوّلات بالنسبة للبنان. لم يكن هذا الحدث مجرّد محطة إقليمية كبرى، بل زلزالاً ارتدّت هزّاته مباشرة على بلد يعيش أصلاً فوق خطوط تصدّع سياسية وطائفية واقتصادية، ولبنان الذي كان دائم التأثر بسوريا أكثر مما يريد، ويتورّط في تحولاتها أكثر مما يحتمل، ويعجز عن الفصل بين مصيره ومصيرها مهما حاول أن يقنع نفسه بالعكس.
لكن ومع وصول الرئيس أحمد الشرع إلى الرئاسة في دمشق، ثم بدء إعادة تشكيل بنية الدولة السورية من الصفر تقريباً، صار على لبنان أن يعيد ترتيب علاقته بالجغرافيا التي ظلّت لعقود تشكل سقفاً أمنياً وسياسياً لملفه الداخلي، على اعتبار أن الجغرافيا “قدر” من الصعوبة التملص منها.
في هذا العام، لم يتغيّر لبنان مباشرة، لكن أشياء كثيرة تحرّكت في داخله، بعضها إلى الأفضل، وبعضها نحو توتّرات جديدة.
وفي استعراض للمواقف السياسية بالتزامن مع انطلاق ردع العدوان، يمكن العودة لخطاب حزب الله، حيث استعاد خطاب “الممانعة” في لبنان نبرته التقليدية، تلك اللغة التي تتغذّى على الخوف. حاول أن يصنع من المعركة قصة عن “تكفيريين” يعودون إلى المسرح، وعن مؤامرة تستهدف العمق اللبناني، وعن ضرورة أن يبقى حزب الله متيقظاً لأنه الحامي الوحيد في وجه هذه الرياح.
وبدا المشهد كأن الحزب يريد أن يعيد إنتاج لحظة 2013، يوم كانت المعركة في سوريا ذريعة لبناء حالة طوارئ داخلية. لكن الفرق الجوهري أن الجمهور اللبناني اليوم ليس جمهور الأمس. الناس أنهكتهم الأزمات، ولم تعد سرديات الخطر التكفيري تنجح في حشد الخوف كما كانت تفعل. كل ما يرونه هو بلد متعب، لا يحتاج إلى أعداء جدد، بل إلى دولة تحفظ ما تبقّى من حياته اليومية.
في المقلب الآخر، وجدت الأحزاب اليمينية في ردع العدوان، بلحظته الأولى فرصة مثالية لتحريك مارد الهواجس الطائفية حول ملف اللاجئين. فالسقوط المفاجئ، وإن لم يرافقه نزوح واسع إلى لبنان، تحوّل في خطابهم إلى نذير كارثة ديموغرافية جديدة. وكأن العملية في ريف حلب تعني تلقائياً أن آلاف السوريين سيعبرون الحدود غداً. هذه القوى أعادت تصوير اللاجئ كخطر أمني ووجودي، لا كملف اجتماعي – اقتصادي يحتاج إدارة عقلانية. وبهذا المعنى، شكّل العام الماضي فرصة لإعادة شدّ عصب قاعدتها الشعبية عبر استحضار نفس الخطاب الذي بُني عليه حضورها السياسي خلال العقد الأخير. لقد بدا وكأن سقوط الأسد لم يسقط معه سرديات الخوف في لبنان، بل أحياها من جديد.
لكن الفئة الأكثر ارتباكاً أمام ما جرى كانت تلك التي أمضت عقداً كاملاً تروّج لصورة النظام السوري القوي الذي لا يسقط، ثم وجدت نفسها فجأة تواجه نهاية الرواية. لجأ حلفاء الأسد في لبنان إلى تفسير مُعتاد، أن ما جرى كان نتيجة ضغط إسرائيلي مباشر، وأنه امتداد لتهديدات نتنياهو بأن “الأسد يلعب بالنار”. بدا التفسير وكأنه محاولة لتخفيف وطأة الهزيمة لا أكثر.
فالسقوط لم يكن يحتاج قراءة أكبر من مشهد دولة أنهكها الفساد، وحليف إقليمي منهك هو إيران، وجيش غير قادر على الاستمرار. ومع مرور الأشهر، تراجعت تلك الرواية تدريجياً إلى الخلف، وبدأ بعض الذين تبنّوها يقتربون بحذر من دمشق الجديدة، وكأنهم يخشون أن يُضبطوا في موقع الخاسر في زمن تتغيّر فيه التحالفات.
وفي المقابل، راحت العلاقة اللبنانية – السورية تدخل منحى جديداً أهدأ بكثير مما عرفه لبنان طوال عقود. الرئيس أحمد الشرع، منذ أسابيعه الأولى في الحكم، تعمّد إرسال إشارات واضحة إلى بيروت، لسنا قوة وصاية، ولا تدخل، ولا إعادة إنتاج لنموذج النفوذ الذي مارسه النظام الأسدي على لبنان.
بدا الرجل متصالحاً مع فكرة أن سوريا الجديدة بحاجة أولاً إلى تثبيت أقدامها داخلياً قبل الالتفات إلى محيطها، وأن علاقتها بلبنان يجب أن تعود إلى شكلها الطبيعي، دولتان على حدود واحدة، لا مظلة فوق واحدة منهما. هذا الخطاب أعطى لبنان الرسمي شيئاً من الطمأنينة، لكنه لم يلغِ التعقيدات الموروثة، من ملف الموقوفين، إلى المعابر والتهريب، إلى ملف اللاجئين، وصولاً إلى النقاط الحدودية غير المحسومة. ومع ذلك، ساد شعور عام بأن الحقبة التي كان فيها لبنان ساحة خلفية لدمشق قد انتهت فعلاً.
غير أن المفارقة الأكثر حساسية في العام المنصرم كانت تحوّل لبنان إلى ملاذ غير معلن لبعض ضباط الفرقة الرابعة الهاربين من سوريا. هؤلاء الذين شكّلوا العمود الأمني للنظام السابق، وجدوا في لبنان مساحة لالتقاط الأنفاس والاختباء من مستقبل مجهول في دمشق الجديدة. لكن وجودهم لم يبقَ سرّاً طويلاً. فصدور مذكرات توقيف فرنسية بحق بعضهم جعل من الملف عبئاً سياسياً ودبلوماسياً على بيروت، التي وجدت نفسها بين مطرقة التعاون القضائي مع باريس، وسندان رغبتها في عدم إظهار نفسها كأنها تستثمر في الانتقام من رموز النظام السابق. كان المشهد أقرب إلى ورطة مفتوحة، الدولة لا تريد احتضان هؤلاء، لكنها في الوقت نفسه لا تملك بنية قانونية وأمنية تسمح بتحويل وجودهم إلى قضية واضحة المعالم.
بعد عام على السقوط، لا يمكن القول إن لبنان تغيّر كلياً. لكنه حتماً لم يبقَ كما كان. النفوذ السوري الذي كان يمرّ عبر قنوات الأمن والقهر تراجع، والخطاب الممانع لم يعد يمتلك نفس القدرة على تعبئة الجمهور، واليمين البنيوي وجد في هذا الحدث مادة جديدة لتغذية خطابه. أما العلاقة مع دمشق الجديدة، فهي ما تزال في طور اختبار النوايا المتبادلة، بينما الملفات العالقة تنتظر تفاوضاً هادئاً قد يطول.
المؤكّد أن لبنان يعيش اليوم في مساحة رمادية، يتأثر بسوريا لكنه لم يعد ساحة لها، ويخاف من ارتداداتها لكنه لم يعد يعيش تحت ظلها الكامل.
وهذه ربما المرة الأولى منذ زمن طويل التي يجد فيها اللبنانيون أنفسهم أمام مشهد سوري يعيد تشكيل نفسه.. من دون أن يكون للبنان فيه أي دور أو كلفة مباشرة. لكنه أيضاً مشهد يذكّرهم بأن بلدهم ما زال هشّاً بما يكفي كي تهزّه الأحداث من وراء الحدود، حتى لو تغيرت الأسماء والوجوه.
وإذا كان العام الماضي قد علّم لبنان شيئاً، فهو أن سقوط نظام في دولة مجاورة لا يعني بالضرورة سقوط الخطابات المرتبطة به. بعضها يستمر، وبعضها يتهالك، وبعضها يتكيّف. أما لبنان، فيبقى عالقاً بين ما يريد أن يكونه، وما تفرضه عليه جغرافيا لا تتغيّر… حتى عندما يتغيّر كل شيء فوقها.
تلفزيون سوريا
—————————-
ميزان القوى في سورية بين التحول والتأزم/ عمر جمال شاور
27 نوفمبر 2025
شكّل سقوط نظام بشار الأسد وصعود نظام جديد بقيادة أحمد الشرع نقطة تحوّل مفصلية منحت تركيا تفوّقًا في معادلة توازن القوى، ورسّخت حضورها لاعبًا استراتيجيًا وعسكريًا متقدّمًا في سورية وشرق المتوسط، بما عكس تسارع التحولات الإقليمية واهتزاز توازنها التقليدي. هذا الصعود التركي أثار مخاوف إسرائيل وأجج شعورها بالريبة، ليفتح الباب أمام معضلة أمنية جديدة زادت المشهد الإقليمي تعقيدًا. وفي خضم هذا الاضطراب، يظل المنظور الواقعي أداة تحليلية نافذة لفهم سلوك الدول في نظام دولي تحكمه الفوضى ومنطق القوة أكثر من القوانين. ومن هنا يتبدّى الصراع التركي–الإسرائيلي تجسيدًا مكثفًا لفلسفة النظام الدولي القائم على الأناركية والتنافس الصفري على السلطة، لتبرز التساؤلات الجوهرية: هل تقود هذه المعضلة إلى صدام يعيد رسم ملامح الإقليم؟ أم تنجح ضرورات التوازن والعقلانية في كبح اندفاعه نحو الانفجار؟
هو تأرجح في توازن القوى لا اختلال فيه
يجب التمييز بين اختلال توازن القوى واضطرابه؛ فالأول يعني هيمنة طرف واحد بما يمنع الخصم من المناورة دون أن يفضي بالضرورة إلى حرب. أما الاضطراب، فيعكس تأرجحًا مستمرًا في الميزان يجعل الصراع مفتوحًا على احتمالات التصعيد. وفي الحالة التركية – الإسرائيلية لا يوجد اختلال كامل، بل اضطراب متواصل يفرز صراعًا معقدًا في ظل بحث الميزان عن نقطة استقرار جديدة قد تُكرّس تفوّق طرف على آخر. استمرار هذا الاضطراب غالبًا يقود إلى مواجهات، ما يفسر التساؤل عن إمكان انزلاق الوضع إلى صدام أو تجاوزه بعقلانية الأطراف.
ومع انعدام الثقة والعداء المتعمّق بفعل الإبادة في غزة والضربات الإسرائيلية في سورية، باتت العلاقات بين تركيا وإسرائيل محكومة بمنطق المعضلة الأمنية، وتحوّلت إلى سلسلة من المناكفات الاستراتيجية، خصوصًا في الساحة السورية. ويتوازى تقارب تركي – مصري عبر تفاهمات عسكرية متنامية مع دعم إسرائيلي لقبرص اليونانية عبر منظومات “باراك إم إكس”، في تجسيد واضح لعودة ديناميكيات توازن القوى الكلاسيكي في المنطقة.
الواقعية الهجومية: الهيمنة قانونًا طبيعيًا
وفقًا لجون مرشايمر، رائد هذه المدرسة، تسعى الدول ليس فقط للبقاء، بل لتعظيم قوتها وتحقيق الهيمنة باعتبارها الضامن الأكثر موثوقية لأمنها. في الساحة السورية، أحدث سقوط النظام القديم فراغًا في ميزان القوة؛ حاولت إسرائيل ملئه جنوبًا، لكن مخرجات التوازن اتجهت في النهاية لصالح تركيا نتيجة تقاطع مصالحها مع دمشق الجديدة، ما منح أنقرة موقعًا استراتيجيًا متقدمًا. بالمقابل، ترى إسرائيل أي تمدد تركي تهديدًا مباشرًا، ما يجعل احتمالات الصدام مرتفعة وفق منطق الواقعية الهجومية، حيث الصراع على النفوذ قاعدة ثابتة. وهكذا، تبدو التوترات المتصاعدة انعكاسًا طبيعيًا لديناميكيات نظام إقليمي تحكمه القوة ويغيب عنه منطق الثقة أو الاستقرار السهل، مع إدراك أن عقلانية الدول تؤثر بسلوكها الخارجي في النهاية.
الواقعية الدفاعية: البقاء والموازنة أولًا
ترى الواقعية الدفاعية، كما يطرحها كينيث والتز وستيفن والت، أن الدولة تسعى أولًا للبقاء، وأن استقرار النظام الدولي تصنعه إدارة التهديد لا النيات الحسنة. فالحروب تندلع عند اختلال ميزان القوة، لا لأن الدول تتوق أصلًا إلى الصدام؛ إذ قد ينطوي اندفاعها نحو الحرب (الهيمنة) على تهديدٍ يفوق ما قد تراه في قبول توازنٍ قائم. سقوط الأسد أعاد تشكيل توازن القوى في دمشق، فمالت الكفّة نحو تركيا، فيما تتحرك إسرائيل لحجز موقعها في التوازن الجديد. ووفقًا للواقعية الدفاعية، يمكن احتواء هذه التوترات بإعادة هندسة التوازن. لذا، قد ترى إسرائيل أن قبول اختلالٍ نسبيٍّ لصالح أنقرة أقل كلفة من حرب شاملة، بشرط تغليف هذا التحوّل باتفاق أمني معقّد يحفظ ردعها الاستراتيجي.
تحليل الصراع التركي – الإسرائيلي من منظور الواقعية يظهر أن الشرق الأوسط يمر بمرحلة حرجة لإعادة ترتيب موازين القوى. المعضلة الأمنية بارزة، لكنها لا تجعل الحرب حتمية، إذ يمكن لعقلانية الفواعل تحويل التوترات إلى فرص لإعادة الاستقرار وتقبّل تحولات التوازن، بما يؤكد صحة منظور كينيث والتز. ومع ذلك، يظل التنافس على الهيمنة يحمل بعدًا عدوانيًا كما يشير المنظور الهجومي، ما يستدعي يقظة استراتيجية وتحليلًا دقيقًا لكل خطوة. وبالتالي، يبقى المآل مرتبطًا بعقلانية إسرائيل فاعلًا دوليًا يعيش في ظل جوار أمني معقد.
لعلّي أشير في الختام إلى أن إسرائيل، رغم تآكل جزء من قوتها الردعية ووقوعها في مأزق أمني، تبقى محتفظة بالردع النووي قوةً ثانيةً، ما يمنحها استقلالية وقدرة على تفادي الضربة القاضية. في المقابل، تمتلك تركيا منظومة دفاعية وهجومية متكاملة وتفوقًا جيواستراتيجيًا يمنحها موقعًا مهيمنًا. وهكذا، يمتلك الطرفان أدوات ردع قوية، ما يعزّز أطروحة الواقعية الدفاعية القائلة بإمكانية تقبّل اختلال ميزان القوى لصالح طرف على حساب آخر، وهو ما قد يفرض على إسرائيل التعايش مع اختلال التوازن لصالح تركيا، في ظل عالم معقّد يجعل أي حرب شاملة كارثة حقيقية.
—————————–
ذكرى سقوط النظام السوري وتأسيس الفشل الأول/ ماهر اسبر
الأربعاء 2025/11/26
ما يجري اليوم في الساحل السوري لا يمكن قراءته بوصفه حدثاً عابراً أو انفعالاً محلياً؛ بل هو امتداد مباشر للجذر نفسه الذي انكشف بوضوح في أحداث السويداء ومجازرها وماتبعها. إنه الجذر الذي عجزت عنه معظم منظومات المعارضة وخطاباتها، حين كانت وما زالت تخاطب الناس بلغة مجردة عن “أيّ واقع”، تطلب منهم تجنّب الشعارات الطائفية، أو الالتزام بقوالب وطنية ثابتة، وذلك نقيض لما عاشته وتعيشه منذ وعت نفسها في هذا الكيان. المفارقة، أن ماعابته هذه الأصوات على التعبير الطائفي للدروز أو العلويين اليوم هو نفسه ما تفهمته عندما ظهر صوت إسلامي سني في بداية الثورة 2011، ومن تفهم خطابات الأقليات اليوم هو نفسه من عاب خطاب السنّة في بداية الثورة، في انقلاب للادوار والخطابات بين هذه الطرفين.
مفارقة لافتة
كان من المفارقات اللافتة أيضاً، أن أدونيس، الذي تهاون مع نظام المخلوع بشار الأسد انطلاقاً من موقعه العلوي، قابله صادق جلال العظم الذي تفهّم الأسلمة، بل ودعمها، من موقعه السني. وإذا انحدرنا من حقل الفكر والفلسفة إلى مجال السياسة والبُنى التي تشكّلت داخل المعارضة بعد الثورة، ولا سيما أبرز تشكيلين فيها: هيئة التنسيق الوطنية والمجلس الوطني، ومن دار في فلك كل منهما من معارضين ومثقفين وتبنّى طروحاتها السياسية حول التدخل الخارجي أو رفضه، وحول تفهّم الطابع الإسلامي للثورة أو رفعه شعار “لاءاتها الثلاث: لا للتسلّح، لا للطائفية، لا للتدخل الخارجي”، لرأينا أن الانقسام كان “بالرغم من نكران طرفيه لطائفيتهما” انقساماً طائفياً صرفاً. فالمعارضون العلويون ومعظم الأقليات مالوا إلى دعم هيئة التنسيق، في حين اندفع السنّة لدعم المجلس الوطني. هذا الانقسام لم يكن تفصيلاً عابراً ولا يمكن تمويهه بالمقولات والتحليلات الأيديولوجية اليسارية أو القومية، ولا تجاوزه بخفة كما لو أنه هامش يمكن القفز فوقه. لقد كان شرخاً بنيوياً حقيقياً… وهو بالضبط ما أهملناه.
شعور وُلد من اليأس
وكأن الذاكرة السورية قابلة للمسح ببيان سياسي، أو كأن التجربة لم تعبر بالقدر الكافي من العنف، لنلمس جذرها الأعمق.
الحقيقة أن المحتجين في الساحل، كما في السويداء، يتحركون من شعور أكثر عمقاً: شعور وُلد من اليأس، من انهيار آخر الجسور التي كان يمكن التعويل عليها، ومن فقدان الثقة بالأغلبية التي رأوا منها خلال الفترة الماضية وحشية طاغيه وواسعة لا يمكن اختزالها أو إزالتها بخطابات وحدوية أو بوعود إنقاذ وطني.
إن واحدة من أعمق الأخطاء التي ارتكبتها المعارضة السورية منذ العام 2011 ” ولا أُبريءُ نفسي هنا ” كانت افتراض أن الطائفية مجرّد “خطاب” يمكن تغييره بنصيحة، أو محاصرته ببيان، أو إنكاره بشعار وحدوي. في حين كانت الطائفية “في الحقيقة ” بنية عميقة تراكمت عبر قرون من الخوف، والعنف الرمزي، والامتيازات، والتحالفات. ولذلك، لم يكن منطقياً طوال السنوات الماضية أن يُطلَب من العلوي أو الدرزي أو المسيحي أن يتخلى عن لغته الطائفية، في حين لم يُطلَب الشيء نفسه من الإسلاميين السنّة عندما ارتفع خطابهم في السنوات الأولى للثورة. أو منذ أول أزمة دستورية عاشتها الجمهورية السورية في 1950 حول دين رئيس الجمهورية، هذا التناقض كشف عمق الغرور السياسي، وأظهر أن الذاكرة السورية حتى المغرقة منها في القدم لا يمكن مسحها، وكأن الذاكرة السورية قابلة للمسح ببيان سياسي، أو كأن التجربة لم تعبّر عن نفسها بالقدر الكافي من العنف، لنلمس جذرها الأعمق، ولذلك فإن الاحتجاجات الطائفية اليوم ليست انحرافاً؛ بل هي عودة إلى البنية الأصلية التي تجاهلها الجميع، وكشف بأن “الهوية” لم تكن يوماً ترفاً لغوياً؛ بل كانت آلية دفاعٍ وجوديّ في بلدٍ لم يعط مواطنيه يوماً شعور الدولة المشتركة.
إعلان مبكر
إن ما يجري في الساحل والسويداء ليس مجرد صدامات محلية؛ بل هو إعلان مبكر لنهاية المركز السياسي السوري الذي حكم من دمشق طوال قرن كامل. فالفئات التي خرجت اليوم “مهما اختلفت لغتها وشعاراتها” تقول شيئاً واحداً: إن المركز لم يعد محل ثقة، وأنه لم يعد يمثل أحداً.
هذه الاحتجاجات ليست انفصالاً سياسياً بقدر ما هي انفصال نفسي، شعور بأن كل مشروع سلطوي مركزي سيعيد إنتاج القهر نفسه، مهما تغيّر الحاكم أو تبدّل الخطاب. لذلك، فإن ما نراه اليوم ليس حنيناً إلى تقسيم ولا محاولة لتفكيك البلاد؛ بل رفضٌ جذريٌ لمفهوم “الدولة/ المركز” الذي لم يقدّم لتلك التكوينات الاجتماعية سوى العنف والتهميش. إننا أمام بدايات “فيدرالية خشنة”، لا تُعلن عن نفسها سياسياً فقط، لكنها تتشكّل في الوعي، وتُعيد رسم خرائط الانتماء بما يتجاوز حدود الجغرافيا.
هذا لا يلغي مسؤولية نظام الأسد الذي دمّر المدن ورمى البراميل، لكنه يضيء وجهاً آخر للعنف لم يرد أحد الاعتراف به طويلاً. المجازر التي ارتُكبت بالسكاكين في السنوات الماضية، كشفت بُعداً نفسياً وإجرامياً مختلفاً: دخول بيت يُعرف أن فيه أطفال أبرياء وقتلهم لهوية ذويهم وحدها. وعلى الطرف المقابل، بقيت دعوات قصف الأقليات، ثابتة في الذاكرة، وجزءاً من هذه البنية العميقة للعنف الطائفي المتبادل. هذا التراكم هو ما يصوغ اليوم لغة المحتجين في الساحل: ليس بدافع سياسي مباشر؛ بل من شعور حاد بأنهم خارج أي معادلة وطنية، وأن “الوحدة الوطنية” لم تعد سوى قناع يُغطّي مشاريع هيمنة جديدة.
ليس مجرد انتقال للسلطة
ما حدث بعد سقوط نظام الأسد لم يكن مجرد انتقال سلطة؛ بل انهيار السيادة المركزية لأول مرة منذ نشوء الدولة السورية الحديثة. لقد ولّد هذا الفراغ السيادي بيئة تسمح بظهور سلطات موازية، ومشروع ديني عصبوي، واحتجاجات طائفية، وقوى مسلّحة تبحث عن غطاء لشرعيتها. الشرع نفسه لم يصعد فوق دولة قائمة؛ بل صعد فوق فراغٍ كامل، هذا الفراغ يُشبه اللحظة التي أعقبت سقوط يوغوسلافيا، أو انهيار الشاه في إيران، أو مغادرة العثمانيين للمنطقة: لحظة تتصارع فيها القوى على “من يحتل موقع الدولة”، لا على شكل الدولة نفسها. وما دام الفراغ قائماً، ستبقى السلطة الجديدة محكومة بمنطق السيطرة قبل بناء المؤسسات، وهو ما يجعل أي مشروع سلطوي أكثر خشونة بالمقابل، وأكثر ميلاً إلى العنف، وأكثر قابلية للانفجار.
في قلب هذا المشهد، يتشكل خطرٌ أكبر بكثير من الاحتجاجات نفسها: خطر تمكّن سلطة الرئيس أحمد الشرع الكامل من إعادة بناء رؤيتها للحكم السوري. فمنذ سقوط النظام، تحركت هيئة تحرير الشام بسرعة خاطفة لملء الفراغ، وبناء بنية سلطوية جديدة تستند إلى شرعية دولية متدرجة وإلى شبكة واسعة من العلاقات الخارجية. مدّ الشرع خيوط اتصال مع جميع القوى المتعارضة من واشنطن إلى موسكو، ومن طهران إلى الرياض، مقدماً لكل طرف ما يريده: مواجهة النفوذ الإيراني وملاحقة الجهاديين للأمريكيين، وقف الكبتاغون وفتح الاستثمار للسعوديين، عدم الاستهداف المباشر وحماية المراقد للإيرانيين، واستمرار القواعد والصفقات للروس. هدف هذا كله لم يكن سوى تحييد المخاطر وتأمين الغطاء لاستقرار السلطة الناشئة.
لكن الثمن الداخلي لهذه “البراغماتية” كان انهيار ما تبقى من الدولة السورية سقوطا عمودياً سريعاً. فقد أُزيحت الهياكل الوطنية والقانونية والمدنية الأخيرة، لتحلّ مكانها سلطة جهادية مرجعيتها الوحيدة هي العقيدة السلفية ومنظومة المشايخ. أُخضع الجيش الجديد والميليشيات لدورات شرعية إلزامية، وأعيد بناء العقيدة العسكرية على الطاعة الدينية لا على الانضباط الوطني. وفي الوقت نفسه، جرى ضبط المجال الإعلامي، ومحاولة احتواء المجتمع المدني، تمهيداً لمرحلة قمع مؤجلة ريثما تكتمل شروط التمكين.
وحين تتحقق السيطرة الاقتصادية والعسكرية، سيبدأ القمع الحقيقي: تجفيف الفضاء العام، سحق المنظمات المدنية، وإعادة إنتاج جهاز أمني، ديني يستند إلى شرعية “العقيدة”. هذا ليس افتراضاً؛ بل مسار واضح للمشاريع الجهادية المتماهية بالثورة التي تحولت إلى سلطويات مطلقة: من الثورة الإيرانية التي انتهت إلى دولة ولاية الفقيه، إلى الثورة الروسية التي خرج من قلبها ستالين، إلى الثورة الفرنسية التي أفرزت نابليون.
الخطر مضاعف
في الحالة السورية، الخطر مضاعف لأن المشروع الذي يبنيه الشرع يجمع بين الدكتاتورية العارية وغطاء ديني يقدّم القمع بوصفه (تكليفاً شرعياً). وحين يكتمل هذا المشروع، لن يكون تهديده داخلياً فحسب؛ بل سيتجاوز سوريا إلى حدود أوروبا نفسها، التي تتهيأ “بغفلة ” لظهور مارد إسلامي على تخومها.
لهذا كله، تصبح احتجاجات الساحل والسويداء اليوم جزءاً من لوحة أكبر: ليست مجرد احتجاجات طائفية، وليست انفعالات محلية؛ بل إشارات مبكرة لانهيار الثقة في أي مشروع مركزي، ولخوف لم يعد مكتوماً من سلطة تتشكل بسرعة مقلقة. إنها رسائل من الهامش، من الفئات التي لم تعد ترى مكاناً لها داخل سوريا التي تُعاد صياغتها اليوم، ولا تريد أن تنتظر حتى تكتشف أي نسخة جديدة من الاستبداد ستُفرض باسم الدين أو “الثورة والدولة”.
المدن
——————————–
بعد عام من سقوط الأسد: هل تبدأ العدالة أم يستمر الإفلات؟/ ميشال شمّاس
الأربعاء 2025/11/26
مع اقتراب الذكرى الأولى لإسقاط نظام الأسد الإجرامي، لا يزال مطلب العدالة الانتقالية ومحاسبة المجرمين يتصدر النقاش العام بين السوريين، بوصفه الشرط الأساسي لبناء دولة قانون تحمي حاضرهم كما تعالج ماضيهم. غير أن هذا النقاش يكشف عن ميل خطير لحصر العدالة في الماضي وحده، كأن إسقاط النظام يكفي لتطهير البلاد من بقاياه وأذرعه التي ما زالت تعمل بدعم خارجي على تقويض الاستقرار ومنع قيام الدولة. هذا الفهم القاصر لا يصنع عدالة؛ بل يعيد إنتاج المأساة في سياقات جديدة ويترك المجتمع عرضة لفوضى أمنية قاتلة.
صحيح أن السلطة الجديدة بدأت بالفعل محاكمة بعض العناصر المتهمة بارتكاب مجازر الساحل، سواء من النظام السابق أو من المحسوبين على السلطة الحالية، غير أن هذه المحاكمات بالرغم من أهميتها، لا تقع في سياق العدالة الانتقالية؛ بل تجري ضمن إطار القانون السوري القاصر عن محاكمة مرتكبي الجرائم الخطيرة، لخلوه من النصوص التي تعاقب عليها على نحوٍ واضح. وهكذا تبقى هذه الإجراءات محدودة، لأنها لا تعالج الجذور العميقة للعنف ولا تضمن استقلال القضاء، في حين أنَّ العدالة الانتقالية هي مشروع شامل لإصلاح المؤسسات وكشف الحقيقة وضمان عدم تكرار الجرائم.
وعلى أهمية تلك المحاكمات، فإن الجرائم المتنقلة في مناطق ومدن عدة، خصوصاً في مدينة حمص، باتت تشكل خطراً حقيقياً ليس على أمن المجتمع؛ بل على الدولة والسلطة أيضاَ، هذه الجرائم يجب أن تتابع بجدية أكبر وملاحقة مرتكبيها وإحالتهم للقضاء. فالجرائم لم تنته بسقوط رأس نظام الأسد؛ بل ما زالت تتغذى على الفوضى التي تصاحب المراحل الانتقالية عادة، وتستفيد من ضعف مؤسسات الدولة وغياب الردع. كما إن الافلات من العقاب يمنح بقايا مجرمي النظام السابق، والمجرميين الحاليين الاستفادة من هذا الواقع المنفلت، بل وحتى التنسيق بينهما. والواقع السوري اليوم يثبت ذلك بوضوح، جرائم القتل والاعتداء لم تتراجع، بل تحولت إلى خبر يومي يزرع الخوف في حياة الناس.
خلال أقل من شهر، قُتل ما لا يقل عن خمسة عشر شخصاً في حوادث متفرقة، تؤكد أن الخطر ليس ماضياً بل حاضراً يومياً. ففي بلدة أم حارتين بريف حمص الغربي، هاجم مسلحون مقهى فقتلوا أربعة مدنيين وأصابوا اثنين آخرين. ومنذ أيام قليلة، شهدت دير عطية عملية سطو مسلح أسفرت عن مقتل أربعة مدنيين وجرح اثنين. وفي درعا، أطلق ملثمون النار على امرأة كانت متجهة إلى عملها وهو ما أدى إلى مقتلها على الفور. أما الجريمة الأشد وقعاً وخطراً، وقعت على طريق زيدل في مدينة حمص، حيث قُتل رجل وحرقت زوجته، وترك المجرمون عبارات طائفية بدم الضحايا على الجدران، في محاولة متعمدة وواضحة لإشعال الفتنة بين الأهالي. وهذا ما كشفه أول أمس الناطق باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، الذي أكد أن التحقيقات الأولية تشير إلى أن الجريمة ارتكبت بدوافع جنائية بحتة، وأما العبارات الطائفية التي دُوّنت في مكان الحادثة كانت تهدف إلى التمويه وإثارة الفتنة في مدينة حمص.
ليس من قبيل المصادفة أن تُترك عبارات طائفية بدم الضحايا في بعض جرائم حمص، فالمجرمون يدركون أن أخطر ما يمكن أن يهدد المجتمع السوري هو إشعال الفتنة بين مكوناته. إن استهداف حمص، بما لها من رمزية تاريخية وتنوع اجتماعي، يكشف عن محاولة منهجية لتفجير النسيج الوطني من الداخل. والتجربة العراقية القريبة خير شاهد على ذلك، فحين تُركت الجرائم الطائفية بلا محاسبة، تحولت إلى حرب أهلية مزقت البلاد وأعاقت وما زالت تعيق بناء دولة العراق. وتجاهل هذا الخطر في سوريا اليوم يعني تكرار المأساة نفسها، وهو ما يجعل العدالة الانتقالية ضرورة عاجلة لا تحتمل التأجيل.
إن جريمة قتل الزوجين على طريق زيدل شرقي حمص كشفت عن الخطر الكبير لاستمرار انتشار السلاح مع الناس فهو من جهة يتيح لأي جهة تريد خلق بلبلة أن تفعل ذلك بكتابة جملة أو جملتين تحمل طابعاً طائفياً أو قومياً. فلو كتب الجناة مثلاً عبارة “نحن جنود المسيح”، لكان البعض اندفع لمهاجمة أحياء مسيحية بريئة. ولو كتبوا “نحن الأكراد أصحاب حق”، لكانوا تهجموا على كل كردي سوري. والأمر نفسه يمكن أن يتكرر بحق الإسماعيليين أو الدروز أو التركمان وغيرهم. هذا يوضح أن انفلات السلاح يجعل المجتمع كله رهينة لمغامرات خطيرة، وأن أي محاولة لتفريغ الاحتقان عبر الاعتداء على الناس وممتلكاتهم، لا تزيد إلا في تعميق الشرخ الاجتماعي.
فالتراخي في ضبط السلاح وحصر حمله واستخدامه بالقوى المكلفة قانوناً يفتح الباب أمام كل جريمة جديدة، ويجعل المجتمع رهينة لمسلحين خارج أي إطار شرعي. صحيح أن سحب السلاح في هذه المرحلة الحرجة ليس مهمة سهلة، خصوصاً مع محاولات السلطة إعادة بناء أجهزة أمنية وشرطية قادرة على فرض النظام، لكن ذلك لا يعفي الدولة من مسؤوليتها في وضع ضوابط صارمة. وأول هذه الضوابط هو تشديد العقوبات على كل من يحمل سلاحاً من دون ترخيص قانوني، مع فرض غرامات مالية كبيرة تردع المخالفين وتحد من انتشار السلاح العشوائي.
ويبقى السؤال مفتوحاً أمام كل سوري: أي مستقبل نريد أن نصنعه لأنفسنا ولأبنائنا؟ الإجابة تبدأ من إصرارنا على العدالة، لكنها لا تنتهي عندها. فالإعلام أيضاً يتحمل مسؤولية كبيرة في هذه المرحلة؛ إذ عليه أن يكون أداة لتهدئة النفوس وكشف الحقائق، لا وسيلة لنشر رسائل التحريض التي يتركها المجرمون عمداً. إن نشر مضمون العبارات الطائفية قبل التأكد من الجهة الفاعلة لا يخدم الحقيقة؛ بل ينفذ عملياً ما أراده الجناة من جرائمهم في إشعال الفتنة وتوسيع دائرة العنف. لذلك فإن العدالة الانتقالية، إلى جانب ضبط السلاح، تحتاج إلى إعلام مسؤول يضع مصلحة المجتمع فوق الإثارة، ويشارك في بناء عهد جديد يقوم على الكرامة والحرية.
——————————–
“ردع العدوان” التي غيرت تاريخ المنطقة/ أحمد مظهر سعدو
2025.11.29
عندما انطلقت عملية (ردع العدوان) من محافظة إدلب شمالي سوريا، باتجاه مدينة حلب المدينة الثانية بعد دمشق العاصمة، بأهميتها الاستراتيجية بالنسبة لسوريا، ظن بعضهم أنها مجرد عملية صغيرة عسكرية تأديبية للنظام الأسدي، من جراء ما ارتكبه قبل يوم واحد من بدء (ردع العدوان) حين قصف مدرسة لتعليم وتحفيظ القرآن في مدينة أريحا، ومن ثم تنتهي بعد أيام قليلة.
لكن الذي جرى أنها كانت القاضية، فقد استمرت هذه العملية العسكرية مستفيدة بحق ومواكبة لمتغيرات دراماتيكية تحصل في المنطقة، وأيضًا مدركة للظروف الدولية المحيطة، وواقع ما سمي (محور الممانعة والمقاومة) الذي علاه الصدأ، وثبت فشله وانهزامية أدواته، وخشبية شعاراته، عندما ترك أهل قطاع غزة من الشعب الفلسطيني، يبادون من دون حراك فعلي، من قبل خط المقاومة المفترض كما يدعي دائمًا، هذا المحور المفكك بكليته، وكذلك واقع المشهد السوري بما يخص النظام الحاكم، نظام بشار الأسد الذي راح يتلاشى، كقدرات وإمكانات، في وقت راح فيه معظم قادته يبحثون عن خلاصهم الفردي ليس إلا، يضاف إلى ذلك واقع الروس المأزم في أوكرانيا، والباحث عن مخرج له من الوحل الذي خاض به هناك، في مواجهة الأوربيين والغرب عمومًا ، وأيضًا البحث عن دور آخر، ومن أجل الخروج من عنق الزجاجة فيما لو استطاع إلى ذلك سبيلًا.
كل ذلك مع مزيد من القدرات التي يبنيها المقاتلون من المعارضة السورية، وخاصة (هيئة تحرير الشام) الأكثر تنظيمًا ضمن الفصائل السورية المعارضة، وكذلك التنسيق عالي المستوى بين بعض فصائل المعارضة العسكرية، وتدريبها المستمر والمميز، وإيمانها الكبير بقضيتها الوطنية السورية ، مجمل هذه المسائل أسهمت في ديناميات الاستمرار للعملية العسكرية المنطلقة نحو حلب الشهباء، وقدرة هذه الفصائل على تخطي الصعوبات والعقبات وصولًا إلى ما بعد حلب، حيث بدأت عناصر النظام بشار الأسد تنهار رويدًا رويدًا، أمام تقدم الفصائل ضمن صفوف المعارضة المتماسكة والمؤمنة بما تقوم به. حتى وصلت طلائع قوات المعارضة إلى دمشق العاصمة، وبالتالي فر رأس نظام الاستبداد إلى موسكو، تاركا شبيحته في الميدان.
ما جرى من جراء العملية الكبيرة هذه خلق وضعًا سياسيًا سوريًا لم يكن يتوقعه أحد، فقد سقط نظام الاستبداد الطغياني، وتم كنس المشروع الإيراني الفارسي الطائفي إلى غير رجعة، وأزيح النظام/ العصابة الذي حكم سوريا لأكثر من 54 عام قضاها الشعب السوري معه، في أجواء من المعاناة الأمنية والحرياتية المفقودة، والاقتصادية والمعيشية، حتى سميت سوريا جمهورية الخوف، وكان العسف والقمع يلف كل نواحي حيوات الناس السوريين، وباتت سوريا دولة فاشلة اقتصاديًا وأضحى كيان الدولة السورية في نهاية ذيل التصنيف العالمي لحقوق الإنسان.
الشعب السوري كان من أكثر شعوب المنطقة العربية تضحية منذ انطلاق طلائع الربيع العربي، وهو الذي ضحى بما ينوف عن مليون شهيد على مذبح الحرية والكرامة، وتلقى من هذا النظام القمعي المستبد كل أنواع القتل، فكانت المقتلة الأسدية من أكثر الحالات في العالم بشاعة وعنفًا وإرهابًا، ليصنف إرهاب نظام الأسد كأعلى مراحل الإرهاب العالمي وأشنعه، حتى إن النظام الفاشي الأسدي قصف شعبه بسلاح الكيماوي، وكذلك بالقنابل العنقودية، والبراميل والصواريخ البالستية. مع ذلك استمرت ثورة السوريين حتى تحقق النصر لها.
وإذا كانت عملية (ردع العدوان) قد حققت الكثير عسكريًا على أرض الواقع، إلا أن ما بعدها، (وهو ما ينتظره الشعب السوري) مايزال كثيراً كثيراً، ومازالت العديد من غايات وأهداف ثورة السوريين لم تتحقق بعد، وبانتظار المزيد، رغم إدراك الجميع/ جميع السوريين لحجم هذه التحديات الكبرى التي تعتري وتعترض طريق حكومة ما بعد عملية (ردع العدوان) وما انفك الوضع السوري يواجه كثيراً من التحديات الكبرى والمصيرية، رغم الحراك الدبلوماسي المميز للخارجية السورية والرئاسة السورية الجديدة.
لكن ما يجب قوله: إن العملية بحد ذاتها والتي تمكنت من قطع أوصال المشروع الإيراني في المنطقة العربية، الذي كان يحاول أن يصل بين طهران بغداد دمشق بيروت، ترنح كثيرًا وتم قطعه، وتمت عملية إعاقة وصوله إلى منتهاه، وهذه مسألة ستسجل بالتاريخ، أن شعبًا سوريًا مكافحًا تمكن من إنهاء المشروع الإيراني في المنطقة، الذي يعادل في خطورته المشروع الصهيوني، إن لم يكن قد تخطاه عداء للعرب. بمعنى آخر فإن ما نشهده اليوم من احتضان عربي وخاصة من قبل دول الخليج العربي، مثل المملكة العربية السعودية ودولة قطر، وكذلك الإمارات العربية المتحدة، وسواها، إنما هو ناتج عن وعي وإدراك عميقين من قبل هذه الدول لمكانة سوريا في لجم المشروع الإيراني، وإيقافه عند حده، ثم إعادته إلى ما يسمى بجغرافية إيران السياسية، وهي مسألة تخدم بالضرورة الدول الخليجية كثيرًا، ومن ثم فهو حدث تاريخي إقليمي، وليس حدثًا سوريًا فحسب.
وهو ما يؤشر إلى استمرار الدعم العربي الخليجي لحكومة ما بعد انتصار الثورة، وحرص هذه الدول العربية، على الاستقرار في سوريا، ووحدة السوريين منعًا لأية احتمالات جديدة من قبل الفلول، بدعم إيراني كي تعود الأمور إلى ما قبل 8 كانون أول / ديسمبر لا قدر الله.
لقد تمكنت الفصائل السورية جميعًا التي تنتمي لثورة الشعب السوري، من تحقيق غاياتها بإنهاء نظام بشار الأسد، وهي كذلك دخلت التاريخ من أوسع أبوابه، حيث كانت رأس حربة فاعل ومقدام في الوصول إلى فهم الوضع الإقليمي الذي تم فيه تحجيم الدور الإيراني، وإنهاء مشروع إيران التوسعي الخطر كليًا، هذا المشروع المعادي للعرب والمسلمين الذي رفعه يومًا (آية الله الخميني) عندما قال إنه بصدد مشروع أسماه (تصدير الثورة) نحو العالم العربي.
وجاءت عملية (ردع العدوان) لتحطم هذا المشروع على رأس أصحابه، فانسحبوا من أرض الشام صاغرين، وتركوا سوريا إلى غير رجعة، وسوف يتركون المنطقة بكليتها نتيجة لهزيمتهم، وتقهقرهم أمام قوة واقتدار السوريين، وإيمان السوريين، الذين علموا الفرس في حكومة الملالي كيف تكون المواجهة.
تلفزيون سوريا
——————————-
ذكرى سقوط النظام: مهام الثورة في عامها الثاني/ صبا ياسر مدور
الجمعة 2025/11/28
كل الطرق أدت بالثورة إلى دمشق، أو بالأحرى عادت بالثورة إليها، بعد رحلة معفرة بالدم والألم والمنافي وقسوة الظلم وتكالب الأمم وشهوة الحكم وشراسة القمع. كل الطرق عادت بالثورة والثوار إلى الشام، حيث بدأت رحلة الحرية، وحيث كان يتوجب أن تستقر وتمضي وتنجح.
بعد عام من إسقاط نظام الأسد، ننظر إلى الوراء، فنجد عبوراً يستحق أن يكون نموذجاً للانتقال بين زمنين، هو أمر أشبه بالحلم، وربما تجاوز حتى أفضل الأمنيات. فأن تتمكن الثورة من السيطرة وتجاوز العقبات ومواجهة ميراث خمسين عاماً من القمع وتشويه عقل وقلب المجتمع السوري، وتقسيمه ما بين مؤيد للنظام وخانع له في الداخل، ومعارض خارج تراب الوطن أو تحته.. هذا التقسيم جعل النظام وربما معظم من كان يرى الأمر من زاوية التنظير وحسابات الواقعية، جعل هؤلاء، يعتقدون أن سقوط نظام الأسد، سيعني دخول سوريا في متاهة الفوضى والاحتراب الداخلي والفشل طويل الأمد. بل إن الأشهر الأخيرة للأسد، شهدت محاولات لإعادة تأهيله واستيعابه ضمن المنظومة الإقليمية، بعدما اعتقد الجميع أنه “انتصر” في صراعه الطويل مع الثورة، حتى بدا أن إدلب هي غاية ما كان يرجوه معارضو النظام للبقاء على جزء ضيق من تراب وطنهم. وحتى هذه كانت مهددة بالزوال، بالنظر لما كان النظام يحققه من نقاط سياسية، بعدما قام زعماء لهم وزنهم بطلب لقائه من دون اهتمام منه.
هذا الوقت القاسي لن ننساه، فقد كان هناك الكثير من الأسى والشعور بالقهر، لكن ليس اليأس. فقد كان تاريخ طويل للثورة استهلك جزءاً مهما من أعمار السوريين، ناهيك عن حياتهم وأموالهم وأولاهم واستقرارهم، ولم يكن هناك خط رجعة يمكن العودة من خلاله. كانت المراكب قد احترقت جميعاً، ولم يعد بوسع الناس إلا أن يستمروا بالعمل الذي بدأوه، وإن استغرق الأمر جيلاً آخر.
وبعد مضي عام على فتح دمشق وسقوط النظام، ما زال من غير الواضح تماماً تفاصيل ما جرى، وكيف تقررت عملية “ردع العدوان”، وماهي أهدافها الأصلية، قبل أن تتطور نحو الوصول إلى دمشق، ومن الذي كان معها أو ضدها، ولماذا بدا النظام بهذه الصورة الهائلة من الترهل والعجز والفوضى، ليسقط خلال عشرة أيام فقط، ويهرب رئيسه بطريقة مذلّة. وما هي مواقف وأدوار القوى الخارجية، بما فيها إيران وروسيا، اللتان لم تقاتلا كما كان متصوراً للدفاع عن حليفهما الأسد.
ولقد ورد بعض من الإجابات عن هذه التفاصيل بأشكال مختلفة ومتقطعة، لكن الرواية الرسمية الدقيقة والكاملة بحاجة لتوثيق دقيق وتفصيلي، بما في ذلك أدوار الأشخاص والحكومات ومواقفها. وهو أمر يستكمل سردية الثورة ويوثقها، وهو مهم لأنه سيضع الفاعلين وفق حجومهم، ويحفظ لكل منهم قيمته التي يستحق. لكن ذلك ليس نهاية المطاف، فهو مجرد جزء من سياق تنظيمي، ولن يتعدى في أهميته إجراءات ومواقف أخرى هي أكثر تأثيراً في حاضر سوريا ومستقبلها.
انتصرت الثورة، لكنها ورثت دولة فاشلة ممزقة ومنبوذة، وشعباً منقسماً، وعدداً هائلاً من الجلادين والضحايا، وخراباً شمل كل شيء. وعليها أن تعالج كل ذلك بوقت قصير، وأن تتصدى في الوقت نفسه لمجاميع كبيرة من أزلام النظام المخلوع، ارتبطت مصالحهم ومصيرهم به، وكانوا مطايا لأطراف خارجية أرادت اجهاض القيادة الجديدة قبل أن تتمكن وتسيطر. فكان ما شهدناه من حالات تمرد واعتداءات وأعمال عنف لاختلاق حرب أهلية تنهي النظام الثوري قبل أن يبدأ.
كان ذلك اختباراً صعباً، لكنه كان مهماً لمنح القيادة الجديدة هوية وشكلاً تُعرَّف به، وحتى مع وجود أخطاء فيما حصل. وقد لا يكون في الإمكان أفضل مما كان، قياساً لتعقيدات الأمر وتشابكه وسيولته والعزلة الدولية التي كان عليها سوريا، فضلاً عن المرجعية التي جاء منها المنتصرون، والتي كانت عنصر ضغط آخر، كان يمكن أن يودي بالقيادة والدولة معاً، لولا كثير من الحكمة والصبر ودعم مقدر وحاسم من الأشقاء والأصدقاء.
والآن، وبعدما استقر الأمر للقيادة السورية، وجرى حصر التمرد في الجنوب في موضعه الجغرافي، وبات تمرد قسد على وشك النهاية، واقتربت واشنطن ومعها الغرب من رفع العقوبات بالكامل.. بعد كل هذه الإنجازات، في العام الأول، يصبح بناء أجندة للعام الثاني تتضمن تقدماً ملحوظاً وأساسياً في الملفات القانونية الخاصة بالعدالة الانتقالية، وفي الملف السياسي الخاص بالحريات العامة، وبناء النظام الحزبي والتعددية، أمراً جوهرياً لتحقيق أهداف الثورة وإنصاف الشهداء الذي ضحوا من أجلها. إن انتظار انتهاء الأزمات التي يثيرها المتضررون من سقوط النظام أو الانفصاليون، لن يكون مفيداً إلا لمنح المشككين فرصة وموضوعاً. والصحيح هو العمل بالتوازي، لبناء المؤسسات وإصلاح الاقتصاد، وإعادة المهجرين واللاجئين، وتحقيق العدالة الانتقالية وتنظيم الحياة العامة على أساس الحريات السياسية.
كل ذلك يستغرق وقتاً قد يستهلك معظم الوقت المتبقي من مهلة السنوات الخمس التي حددها الإعلان الدستوري لانتهاء المرحلة الانتقالية، والجهد الذي سيبذل في التهيئة لذلك اليوم، هو بحد ذاته سيكون تتويجاً للثورة ولنضالات السوريين. ولذلك، فالهم اليوم هو البدء بالعمل، وليس انتظار “أوقات أفضل”. فالعمل هو ما يضمد جراح الناس ويمنحهم الأمل ويقضي على ما بقي من أحلام الأزلام وأعداء الثورة في الداخل والخارج.
المدن
——————————
بذكرى التحرير.. كيف قلبت تركيا الطاولة على روسيا وإيران؟/ محمد شيخ يوسف
2025.11.28
مع انطلاق عملية ردع العدوان قبل عام لتحرير سوريا من براثن النظام المجرم وتحقيق آمال الشعب السوري بالانعتاق والتحرر من العبودية وبناء دولة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان، كان من المؤكد أن التحضيرات جرت على أكثر من صعيد عسكري واجتماعي ومدني واقتصادي وسياسي ودبلوماسي ودولي، ولعل إدراك الدول المعنية بالملف السوري فقدان النظام للحاضنة الشعبية المؤيدة له وانحصارها بفئات مستفيدة منه فقط راهنت عليه، لعل ذلك الإدراك دفعها في نهاية المطاف للتخلي عنه وإدراك أن مواصلة الاستثمار به ليس سوى خسارة اقتصادية وسياسية ومالية واضطرابات وعدم استقرار وأزمات إقليمية ودولية، وهو ما تكلل بعدم تقديم أي دعم له في مرحلة معركة ردع العدوان وخاصة من روسيا وإيران.
صحيح أن الدول الضامنة روسيا وإيران رفعت الغطاء عن النظام وخاصة روسيا التي كانت تدعمه جويا وتحرق المدن والقرى والبلدات السورية بقصفها العنيف، وصحيح أن هناك مباركة من الولايات المتحدة الأمريكية للعملية واستمرارها، إلا أن ثمة حراكا كان يجري من قبل تركيا وهي أكبر الدول تدخلا بالشأن السوري على صعيد المعارضة، وكانت الدولة الضامنة للقوى العسكرية والسياسية، وتسعى بكل جهد صادق إلى إيجاد الحلول، وتحاول استيعاب تمادي الدب الروسي، والغطرسة الإيرانية المذهبية، في مسعى للحفاظ على وقف التصعيد، ولكنها بنفس الوقت كانت لديها خططها البديلة في حال تدهورت الأمور من خلال الانتهاكات واستمرار عمليات القصف والقتل والضغط على النازحين، بالعودة إلى النقطة الأولى وقلب الطاولة على هذه الدول.
واتاح عملي على الملف السوري عن قرب ومتابعة مسارات جنيف وأستانة واللجنة الدستورية واجتماعات الدول الضامنة، الاطلاع على بعض المجريات التي كانت تجري في الغرف المغلقة بين الدول الضامنة، وخاصة الموقف التركي الصريح والواضح، حيث كان يتوضح دائما أن إيران لطالما سعت لتعطيل وعرقلة الاتفاقيات الإقليمية والدولية والأممية، ومنع النظام من التقدم بأي خطوة تجاه أي حلول واقتراحات وخطط مقدمة له، وربما خيرا فعل النظام لأن التعنت هذا قاد إلى إسقاط النظام من دون الدخول معه في عمليات سياسية معقدة ربما كان ستؤدي للحفاظ على كيانه وبقائه واستمراره، وتواصل الاستعصاء في البلاد.
تركيا خلال الاجتماعات واللقاءات مع الدول الضامنة وخاصة روسيا، هددت أكثر من مرة بالعودة إلى النقطة صفر ونسف الاتفاقيات الموقعة في أستانة ومناطق خفض التصعيد، رغم أنها كانت تلك الاتفاقيات لصالح النظام وأدت لسيطرته على المناطق المحاصرة الساقطة عسكريا، إلا أن محاذاة محافظة حلب لتركيا يجعل منها نقطة انطلاق لثاني أكبر محافظات سورية وأهمها اقتصاديا، أي أن العودة للنقطة صفر كانت خيارا مطروحا على الطاولة بشكل دائم، وعزز ذلك الدخول العسكري القتالي بدلا عن نقاط المراقبة الدفاعية، وتشكيل خط لصد القوات المتقدمة، إضافة للرغبة السياسية التركية الحقيقية بوضع حد وإنهاء الملف السوري المسبب للصداع للحكومة التركية على الصعيد الداخلي أيضا.
كما أن الضامن التركي سعى للحفاظ على نموذج الإدارة في إدلب رغم مخاطر دعم هيئة تحرير الشام المصنفة آنذاك ضمن قوائم الإرهاب الدولية والتركية، وشددت على ضرورة تمديد القرارات الأممية لإدخال المساعدات للحفاظ على الشرعية، وحافظت على النموذج المستمر في المناطق المحررة من النظام، وكان الرد دائما على هذه التساؤلات المتعلقة بدعم جهة مصنفة إرهابية، أن ثمة مشروعا في إدلب يتم المحافظة عليه، لكي لا تكون هناك بدائل أخرى لدى الدول الكبرى، عبر قوى الأمر الواقع في شمال شرق البلاد، وساهمت تركيا بتعزيز نموذج الحوكمة والإدارة في إدلب وتقديم الخدمات واستمرار التجارة، لتكون نموذجا يمكن الدفع به مستقبلا.
وعندما جاءت اللحظة الحاسمة مع تأكد المجتمع الدولي، والدول العربية من استحالة إصلاح النظام عبر تعويمه ومنحه التطبيع ومراحل خطوة بخطوة وعودته للجامعة العربية والدول الإسلامية، ورفض الدعوات التركية للحوار وعودة اللاجئين، انطلقت معركة ردع العدوان لتردع الدول الداعمة للنظام أيضا ودعمه، وخلال هذه المرحلة بذلت تركيا جهودا لتحييد هذه الدول وفق ما أفاد به وزير الخارجية هاكان فيدان بعد سقوط النظام، بأنه أبلغ نظراءه في روسيا وإيران بعدم دعم النظام في هذه المعركة، لأن تركيا ستدخل وتدعم قوى المعارضة، ووضع جدية تركيا بعد رفض المهل السياسية، وكأن تركيا عملت على الإصغاء لإيران وروسيا أولا بتأسيس علاقات مع النظام فكانت النتيجة خيبة أمل كبيرة لهاتين الدولتين، وبالتالي بات الخيار العسكري مطروحا، وهنا طلبت تركيا منهما ترك النظام وعدم التدخل بعد الآن، لأنه استثمار في الطرف الخاطئ.
وإضافة لما سبق عملت الدبلوماسية التركية على لقاءات مع دول الجوار والإقليم، لتأمين الدعم اللازم للحكم الجديد القادم في سوريا بعد معارك التحرير الجارية واحدة تلو الأخرى وصولا إلى دمشق، واجتماع الدوحة كان حاسما في هذا الإطار، وكانت الرسائل التركية واضحة بأن يتم منح الحكم الجديد فرصة لتنفيذ المطالب من الدولة السورية في المنطقة والعالم، وأهم هذه المطالب سوريا آمنة موحدة تستوعب الجميع تؤدي لعودة اللاجئين وبناء دولة القانون والديمقراطية والعدالة الانتقالية وتأسيس حقوق الإنسان وحفظ حرية التعبير وكرامة المواطنين، وعدم تشكيل الدولة السورية بشكل طبيعي تهديدا لدول الجوار، ووقف تهريب المخدرات لدول المنطقة، كلها كانت رسائل تركية واضحة تزامنت مع رسائل من إدارة العمليات العسكرية لهذه الدول مطمئنة لها بلغة دبلوماسية محترفة، تعكس النضج الذي حصل في سنوات الحكم في إدلب، رغم أن المساحة الجديدة كانت واسعة والتحديات كبيرة.
الجهود التركية على الصعيد الاستخباري والدبلوماسي قاد إلى تغيير في المواقف الإقليمية والدولية، وتحييد الدول الضامنة، وباتت هذه الدول على قناعة باستحالة التقدم مع النظام، وهذه الجهود التركية المقدرة مستمرة مع سقوط النظام عبر لقاءات مع القيادة الجديدة، ورسائل مستمرة في دعم الشعب السوري وتحقيق تطلعاته ومنحه الفرصة المناسبة، واستمرار ذلك بالدفع في سبيل رفع العقوبات الأمريكية والأوروبية، وتقديم النصح والدعم للحكم الجديد.
وعلى الرغم من الدعم التركي الواضح المقدم لسوريا، إلا أن الأساس في عملية التحرير هي بكل تأكيد للإرادة السورية، هي شعلة الثورة التي لم تنطفئ، والحرية والإرادة التي لم تمت، صحيح أنه كانت هناك مساعٍ لبث اليأس في نفوس السوريين ونجحوا في ذلك بعض الشيء، إلا أن الأمل لم يغادر الشعب العاشق للحرية، ولم يكسره حديد ونار وطائرات ومدافع، وكما كان ثمن الثورة غاليا من الشهداء والجرحى والمغيبين والمختفين قسرا، ومليئا بآلام النزوح واللجوء، فإن ثمن الحرية لا يزال جميلا ونارا مشتعلة تنبض بالأمل المستمر، وتدفع السوريين كلما يتذكرون يوم سقوط النظام، للقول دائما: ارفع راسك فوق أنت سوري حر، وسيبقى السوريون أحرارا دائما.
تلفزيون سوريا
——————————
سورية الجديدة… استنجاد البعض بالاحتلال/ ناصر السهلي
28 نوفمبر 2025
بعد عام على “سورية الجديدة”، ليس من السهل الجزم بأن من يستنجدون بـ”إسرائيل العظيمة” يمثّلون تياراً واضحاً، أو أنهم أكثر من أفراد تحركهم ردود فعل مشحونة وسوء تقدير. ورغم محدودية الظاهرة، فإن تكرارها مناطقياً، يستدعي التوقف عندها لفهم دوافع اللجوء إلى خيارات قصوى تناقض الكرامة الوطنية والمنطق السياسي. فالكيان الذي يُطلب تدخله قائم على تطهير عرقي وتمييز ممنهج، ويبقى مشروعاً استعمارياً توسعياً إحلالياً، لا “قوة خير” كما يُصوّره بعضهم.
إن رفع صور مجرم الحرب بنيامين نتنياهو وأعلام كيانه الساعي لـ”إسرائيل الكبرى”، والدعوة إلى تدخله بشعار “الإنقاذ والحماية”، لا يعكسان تجاوزاً للطائفية بقدر ما يعبّران عن أزمة ثقة عميقة بين السوريين وتراجع في الإيمان بدور الدولة في حماية مواطنيها. هذه الظاهرة امتداد لتاريخ الانقسامات التي عمقها النظام الأسدي، بتكريس الولاءات الضيقة وتهميش الهوية الوطنية. وليس بعيداً عن ذلك أنّ أصواتاً أخرى، منذ 2011، رأت في التدخل العسكري الدولي، و”الأطلسي” تحديداً، سبيلاً للخلاص من الديكتاتورية، وهو شعور تغذّيه سياسات داخلية كرّست القطيعة بين الدولة والمجتمع. فقد أنتجت عقود من الحكم الأمني وإقصاء المجال العام بيئة تتآكل فيها الثقة، ويغدو فيها كل اختلاف تهديداً ومؤامرة لا خلافاً طبيعياً.
لا يمكن تجاهل مسؤولية النظام الأسدي الهارب في صناعة هذا الواقع، إذ استخدم التخوين والاتهام بالعمالة منذ البداية، وواجه السوريين بعضهم ببعض، ما أضعف النسيج الاجتماعي ووسع الفجوات الراهنة. إن احتكار القرار، وغياب المؤسسات الفاعلة، وسيطرة الدولة الأمنية على حساب المدنية، مهّد الطريق دوماً لأصوات تستسهل اللجوء للآخر، مهما كان تاريخه أو أهدافه. وهذه واحدة من معضلات مشرقنا العربي العميقة. لذلك، تبقى إدانة دعوات الاستنجاد بالاحتلال ضرورية، لكنها غير كافية ما لم ترافقها مراجعة حقيقية لإدارة الشأن العام، فتعزيز الانتماءات القبلية والعشائرية واستثارتها مراراً على حساب الدولة المدنية الحديثة يزيد التشظي. وتجارب المنطقة أثبتت أن الارتهان لقوى خارجية لا يحقق استقراراً أو عدالة، بل يترك مجتمعات مثقلة بالانقسام والشكوك.
إن مسؤولية الدولة السورية الجديدة، أيّاً كان القائمون عليها، أن تعيد بناء فضاء وطني جامع يتجاوز حدود الجماعات والطوائف، ويعيد للمواطنة مكانتها رابطةً أولى بين السوريين. فبدون هذا الأساس لن تتشكل ثقة متبادلة ولا حوار حقيقي. وحده مشروع دولة مواطنة مدنية ديمقراطية جامعة يفتح الطريق أمام تفاهمات أعمق، ويمنح السوريين القدرة على مواجهة أزماتهم بأنفسهم، بدل ارتهان البعض لنداءات الخارج أو استجداء مستعمر بوهم الخلاص.
العربي الجديد
———————————–
انضباط مقاتلي ردع العدوان.. ما خلفياته وكيف انعكس على مجريات المعركة؟/ محمد كساح
2025.11.28
مع التقدّم السريع الذي حقّقته فصائل المعارضة في عملية “ردع العدوان”، برزت تساؤلات واسعة حول السرّ وراء الانضباط اللافت الذي اتسم به مقاتلو العملية على امتداد خطوط الاشتباك. وتشير شهادات ميدانية حصل عليها موقع تلفزيون سوريا إلى أن إدارة العمليات فرضت سلوكاً قتالياً صارماً التزم به معظم المقاتلين بدافع عقائدي ومعنوي، ما مكّن من تحقيق تقدّم سريع وتجنب كثير من الانتهاكات. ويعود ذلك إلى نجاح هيئة تحرير الشام وائتلاف الفصائل المشاركة في توحيد الجهود العسكرية ضمن قيادة مركزية، إضافة إلى الحالة الشعبية الواسعة الدافعة نحو إسقاط النظام والوصول إلى دمشق.
تعليمات سلوكية وأخلاقية صارمة
ووفقاً لثلاثة عسكريين شاركوا في عملية “ردع العدوان” وتحدثوا لـ موقع تلفزيون سوريا: فقد كانت التعليمات التي أصدرتها القيادة العسكرية بما يخص التعاطي الميداني مع الأسرى والجنود الفارين ومناطق الأقليات صارمة جداً.
وتتفق المصادر الثلاثة على أن هذه التعليمات الصادرة عن القيادة الموحدة للعملية تمثلت بضرورة معاملة الأسرى وفق المنظور الشرعي والقانون الدولي الإنساني، وتجنب أي انتهاك بحق سكان المدن التي تحوي أقليات، وعدم دخول المتاجر الخاصة أو سرقتها لأي سبب كان، وهي تعليمات أدت إلى المساهمة في تسهيل عمليات التحرير ودخول مناطق عديدة ضمن تفاهمات مع القيادة لتجنب المعارك وتبعاتها الدموية.
يؤكد المقاتل “أبو عبدو” (تحفظ على ذكر اسمه الحقيقي) الذي شارك في العملية ضمن تشكيل “أنصار التوحيد”، بأن جميع العناصر الذين يعرفهم التزموا بالتعليمات رغم أن بعض هذه الأوامر لم تكن مقنعة لهم.
ويشير لـ موقع تلفزيون سوريا إلى أن بعض العناصر حاولوا القيام بإعدامات ميدانية لجنود النظام الذين ألقوا أسلحتهم، لكن الشرعيين الذين كانت مهمتهم مراقبة أداء العسكريين تمكنوا من منع هذه الإعدامات، بل تم إطلاق سراح الجنود بعد التأكد من عدم حيازتهم للسلاح.
يوضح أبو عبدو الذي شارك بالمعارك بدءاً من سراقب وانتهاء بدخول دمشق: “كان مئات العناصر من جنود النظام ومن بينهم مجموعة كبيرة من الضباط يسيرون على الطريق الدولي دمشق – حلب بدون سلاح مشياً على الأقدام، فقد سُمح لهم بمغادرة قطعاتهم العسكرية بعد استسلامهم والتوجه إلى قراهم الأصلية”.
ويضيف: “كانت الأوامر تستلزم خوض المعارك بأقل كلفة بشرية من الطرفين، ولم يسمح لأي مقاتل بالاقتراب من عناصر جيش النظام الملقين للسلاح.
في حين أشار إلى انتهاكات محدودة شهدها خلال المعركة مثل “تصفية أحد الضباط الذي كان يحمل كمية كبيرة من المال، لكنها جرت دون علم القيادة أو الشرعيين وهي حالات قليلة وفردية”، وفقا لتعبير المقاتل.
الالتزام التام سَهَّل عمليات التحرير
رغم عدم قناعة جزء من العسكريين بالتعليمات التي تخص تجنب إراقة الدماء وغيرها، إلا أن المسار العام للعمليات كان خالياً إلى حد كبير من أي انتهاكات، وهو مسار عززته معطيات عديدة يشرحها “أبو إسلام” القيادي العسكري ضمن هيئة تحرير الشام والعضو السابق في المكتب الشرعي للهيئة الذي تحول حالياً إلى نواة لهيئة التوجيه المعنوي خلال حديث لـ موقع تلفزيون سوريا.
يكشف أبو إسلام أن من أسباب الالتزام التام بهذا “المسار النظيف”، هو القيادة الموحدة للعمليات التي كانت تتم وفق سياق مركزي، فلا وجود لقرارات عشوائية أو غير مدروسة، ولا لتصرفات أو خطط خارج هذا السياق.
ويضيف بأن الهيئة والفصائل المقربة منها مثل أحرار الشام وجيش العزة وأنصار التوحيد والحزب الإسلامي التركستاني، “قاموا على مدار أربع سنوات بالعمل على التجهيز الكامل لهذه المعركة، سواء من تدريب عسكري أو كسب ولاء المقاتلين أو تربيتهم على مفهوم “السمع والطاعة” عبر المكاتب الشرعية التي كانت تقوم بدور مراكز التوجيه المعنوي في الجيوش النظامية”.
ويتابع قائلاً: “كان هناك تركيز كبير على سرعة الإنجاز فكان الاهتمام الأول هو تحرير المناطق والتقدم نحو مناطق جديدة دون الالتفات لأمور الغنائم والانتقام.. كان جنود كثيرون يرمون وراءهم كل المطامع والغايات في سبيل تحقيق الهدف الرئيسي المتمثل بتحرير أكبر قدر ممكن من المناطق قبل أن يسبقهم جيش النظام إلى التمترس وتجهيز دفاعات قوية، وبالتالي يصعب اختراقه”.
ويوضح أبو إسلام أن “من شارك بمعركة التحرير هم النخبة والصفوة من الهيئة وبقية الفصائل، نظراً لأن الانكسارات العسكرية السابقة أدت إلى تضعضع قسم من المقاتلين معنوياً، فتم اختيار النخبة ممن بايع على النصر أو الشهادة من المقاتلين تلافياً لأي انكسار معنوي”.
ويؤكد أن “هذا الالتزام وسير العمليات بصفر انتهاكات تقريباً، سهل عمليات تحرير المناطق بالأخص البلدات التي تحوي أقليات دينية مثل محردة والسقيلبية وغيرها، فقد لاحظ سكان هذه المناطق أن القوات المحرِّرة لا تقدم على تنفيذ إعدامات ميدانية وتطلق سراح الجنود المستسلمين، ما حفزها على توقيع اتفاقيات صلح مكنت الثوار من دخولها دون قتال أو إراقة الدماء”.
ولم تتعرض مناطق الأقليات لأي انتهاكات تذكر، بحسب أبو إسلام، الذي يؤكد أن إحدى قرى الساحل استعصت قليلاً على الثوار لكن سرعان ما استسلم الجنود المتمركزون فيها، في حين تم دخول الفصائل إلى بقية القرى العلوية من دون قتال، أما القرى المسيحية فكانت مسالمة تماماً خاصة مع البيانات التي كانت تصدرها إدارة الشؤون السياسية حول الأقليات وصيانة دمائها، والتي كانت تحولاً كبيراً ولافتاً في الخطاب السياسي والديني، وهو خطاب قوبل بنوع من الامتعاض من قبل قسم من المقاتلين وبالأخص المنتمين لتشكيلات متشددة كانت تقاتل إلى جانب الهيئة في المعركة، وفقا لرواية المصدر.
وبخصوص الأسرى، يكشف أبو إسلام بأن قسماً منهم كان يتم إرساله إلى إدلب، لكن القسم الأكبر وخصوصاً بعد حالات الاستسلام الجماعي لجنود النظام كان يتم ضبط سلاحه ثم إطلاق سراحه وتركه يذهب في حال سبيله، مؤكداً أنه لم يتعرض المقاتلون للأسرى لا ضرباً ولا إهانةً، بل كان المقاتلون يعاملونهم بشكل إنساني، الأمر الذي شجع مئات الجنود على ترك القتال وتسليم السلاح.
من كان يراقب سلوكيات مقاتلي ردع العدوان؟
كان تجميع الشرعيين وتزويدهم بتعليمات حول ضبط إيقاع السلوك العسكري أحد المهام التي اضطلع بها رئيس المكتب الشرعي في الهيئة حينها مظهر الويس الذي يشغل منصب وزير العدل حالياً، وبالموازاة مع جهود الويس كانت المكاتب الشرعية لبقية الفصائل تسير على نفس الخط.
يشرح أبو المجد وهو مقاتل شارك في عملية ردع العدوان بوصفه عضواً في المكتب الشرعي لحركة أحرار الشام كيف كان وزملاؤه الشرعيون يعملون على وقف أي انتهاك من المقاتلين “تنفيذاً للتعليمات التي حثت على إظهار روح الإسلام وتعاليمه الحميدة سواء مع سكان المناطق التي يتم تحريرها أو مع الجنود المستسلمين”.
ويضيف خلال حديث لـ موقع تلفزيون سوريا: “كان في كل كتيبة قتالية فريق من الموجهين الشرعيين والمعنويين يتابعون المقاتلين أول بأول، تلافياً لأي تجاوز ترفضه القيادة العسكرية”.
ويتابع بأن من يقوم بأي تجاوز للتعليمات وهي حالات كانت نادرة، كان يخضع للمعاقبة عبر حرمانه من الاستمرار في القتال، لافتاً إلى أن “الرادع الحقيقي كان معنوياً أكثر من كونه خوفاً من المساءلة، لأن الحالة العامة في أثناء المعركة كانت توجهاً عارماً للحفاظ على المكتسبات من جهة، والاستمرار في معركة التحرير وإسقاط النظام من جهة أخرى”. مؤكدا بالقول: ” كانت البلدات والمدن تتهاوى بلمح البصر. لم نكن نصدق ما يحدث وأمام هول وتاريخية المشهد لم يكن هناك مجال لأي محاولات سرقة أو قتل أو انصراف نحو جني الغنائم حتى”.
تلفزيون سوريا
———————————-
سوريا بين عالمين: السكون والحلم/ أحمد عيشة
2025.11.29
بعد عام على سقوط نظام الأسد، ما تزال عبارة “كنا عايشين” تتردّد على ألسنة شرائح واسعة من السوريين، وخصوصًا في المدن الكبرى، في احتجاج ضمني على الثورة والاحتجاجات في مواجهة نظام الأسد القاتل للحياة، ورضى ضمني وعلني عن ظروف المعيشة أيام الأسدية، حيث المعيشة تتلخص بالأكل والشرب والجنس، وباختصار بالمعنى البيولوجي للحياة، في حين كان مطلب قسم آخر من السوريين، وهو الذي وعى المعاناة من النظام الأسدي وتعرض بشكل أكبر إلى الفظائع: الحياة، بالمعنى الأوسع من المعني البيولوجي، بما تحمله من إمكانات نمو وتطور وآفاق مستقبلية واسعة.
ما تشير إليه عبارة “كنا عايشين” أنها ترسم ملامح عالم السكون أو السجن بالرضا، حيث تتلخص الحياة بتوفير أسباب المعيشة التي تحافظ على البقاء من ناحية بيولوجية، ولا تتضمن أي ضمانات بشأن جودة الحياة المعيشية. وبالتالي، تشير إلى مفهوم للحياة تُعطى فيه الأولوية للحقيقة البيولوجية المجردة للحياة على حساب طريقة عيشها من حيث إمكاناتها وقدراتها الكامنة. ومن ناحية أخرى تشير إلى رضى وفي أفضل الأحوال عدم رفض قوالب وأنماط القمع التي تفرضها السلطات بقصد تأبيد سلطانها، فهي تختزل آفاق الحياة إلى مجرد بُعدها البيولوجي، ولا تأخذ في الاعتبار الظروف الفعلية للحياة، لدرجة أنها كوّنت ذهنية موازية للقمع جوهرها الابتعاد عن الشأن العام وتركه لأولي الأمر…
كما تكشف العبارة نفسها عن عالم من الهشاشة المطلقة والانكشاف التام للبشر وظروفهم أمام آلة الهيمنة وبالتالي تلغي تماماً أي إمكانيات للأمان خارج هيمنة السلطات، حيث تصل في بعض الأحيان إلى إلقاء اللوم على “الضحية/ المعتقل/ المقاوم” كونه تمرد على مطلق السلطة، وبالتالي تحمله سبب اعتقاله وحتى موته تحت حجج ساذجة مفادها: لو أنكم لم تقاوموا لما اعتقلتم، ولو أن تلك المظاهرات لم تخرج لما قصفتكم الطائرات، باختصار تقلب المعادلة، وتجعل من السبب نتيجة، مبررة للسلطات ارتكاب الفظائع، وهذا أحد الأبعاد الكارثية والسياسية لتلك الذهنية، حيث شكّلت العبارة غطاءً لواقع سياسي راسخ عماده حياة بلا حقوق ولا مشاركة.
تجرّد ذهنية “كنا عايشين” البشر من هوياتهم السياسية والاجتماعية، وتختزل فرديتهم إلى مجرد وجود بيولوجي من دون حقوق أو بيئة قانونية، حيث تركز السلطات على سعيها لتأمين ظروف معيشة توفر أسباب البقاء (لا يوجد شيء أكثر وحشية من غريزة البقاء فقط)، التي يمكن وصفها بأنها ظروف إنتاج عالم الموتى -الأحياء، حيث تُلغى القيم، وتُقطع الروابط، ويُمحى الأشخاص، ويدفن كثيرون في المقابر الجماعية ناكرين هوياتهم وحق ذويهم في معرفة قبورهم وحتى الحزن عليهم….
في عالم السكون الذي تغلفه ذهنية “كنا عايشين” لا مجال لأن تفكر وتتخذ أي قرار بحرية، لأنه ببساطة البشر غير مهمين، فقط الأجهزة هي من يقرر. حيث يصبح الإنسان مسكوناً بالخوف من تسلط آلات القتل، وبالتالي تخلق أشخاصاً ذوي تكوين ثنائي، شخص مطيع جداً من جهة، ومن جهة أخرى، شخص تسلطي عندما تسنح له الظروف، لا يمكنه سوى التعبير عن نوع الطعام الذي يفضله، ولتكتمل لعبة الموت تلك، تسمح آلات القتل وأجهزته بالسماح لمثقفي “المكونات” بالتعبير عن رأيهم في ضرورة الإبادة الفيزيائية لحاضنة الطرف الذي يوصف بالإرهاب، أو للخطابات الطائفية التعبير بحرية عن دعوات الإبادة أو الإقصاء، في حين يغيب أي اعتراض على السلطة ذاتها.
أكثر ما ينطبق على الثورة السورية منذ أن انطلقت أنها مشروع حلم، وحلم مستحيل في عيون كثير من السوريين في مواجهة “أبدية” الأسدية، وحلمها المشروع في كسر قوالب عالم “كنا عايشين” والانطلاق نحو عالم نريد أن نحيا بكرامة هو ما وفر لها شروط ديمومتها وفي النهاية انتصارها على أبدية الأسدية، فكانت في شكل من الأشكال خرقاً للمستحيل، حيث حطمت غطاء البئر (الجب) الذي رمتنا فيه الأسدية، وفتحت لنا الفضاء لنتنفس بحرية ونصرخ بأعلى الأصوات: رحل الأسد، بقيت سوريا. عاشت الحرية، باختصار فتحت الباب لنعيش كبشر حقيقيين بقصصهم وآلامهم، حزنهم وفرحهم، انتكاساتهم وتقدمهم، بشر يمكننا النضال والدفاع عن كياننا، لا كأرقام في عوالم السجون والمقابر الجماعية، أو كهياكل في شكل أحياء ….
ما وفره انتصار الحلم لجميع السوريين، بمن فيهم أنصار عالم السكون، أنه فتح الباب أمامهم نحو عالم أرحب، عالم يمكن للجميع فيه أن يتشاركوا ببناء شخصياتهم المستقلة وتشكيل هوياتهم السياسية والاجتماعية بعيداً عن عالم السكون حيث تتجلى الحياة بالاستيقاظ كل يوم، والذهاب إلى العمل، وكسب بعض المال، والعودة مساء إلى المنزل محملاً بوسائل البقاء من غذاء، ومشاهدة التلفاز، ثم النوم، وتكراره مجددًا في اليوم التالي، وبالطيع من دون نسيان دفع فواتير الخدمات البائسة التي تقدم كمزايا من القيادة وانتظار المكرمات. باختصار، وفر نجاح الثورة الطاقة اللازمة للحلم كبديل عن الجماد…
من المدهش أن كثيرين في عالم اليوم لا يريدون الاستمتاع بتجربة الحرية والانطلاق نحو حياة جديدة بعيدة عن التوجيهات والأوامر، والانطلاق نحو خوض تجربة جديدة لحياة محمّلة بالأمل، الأمل في عالم أفضل، عالم يضمن توفير شروط حياة كريمة وحرّة، رغم أنها الوصول إليه يحتاج لاستمرارية النضال واستمرارية الانحياز لقيم الحرية وحق البشر، وهو ما يكشف عمق ذهنية “كنا عايشين” التي تعمل على تطبيع هشاشة الإنسان أمام السلطة، لدرجة أن يصبح الخضوع شرطًا للبقاء، وتتحوّل هذه الهشاشة مع الزمن إلى تبرير صريح للعنف.
———————
كيف صنعت معركة الأيام الـ12 الفارقة تاريخا جديدا في سوريا؟/ أحمد الحجيلي
في فجر السابع والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، شهدت سوريا مرحلة فارقة في تاريخها الحديث، لحظة ستخلدها الذاكرة السورية وذاكرة الشرق الأوسط بأسره. شعب عاش معاناة طويلة، وصبرَ على الصعاب، لكنه أظهر قوته وصلابته حين حانت ساعة التحدي.
هذه الأيام الـ12 لم تكن مجرد فترة زمنية، بل كانت مدرسة في الصبر، واختبارا للحكمة، ودليلا على أن الظلم مهما طال لا يدوم، وأن الله تعالى لا يترك من يسعى للحق والعدل دون نصرة ونجدة.
في هذه الأيام سُطر تاريخ جديد، يبرز عمق الانتماء للأرض، والوفاء للهوية، والحرص على الكرامة والاعتزاز بالموروث. هذا الشعب الذي حافظ على كرامته على مر العصور يكتب اليوم فصلا جديدا من المجد، يوازي مجد أسلافه، وسيظل هذا المجد خالدا في كتب التاريخ، شاهدا على صمود أمة لا تتنازل عن قيمها ومبادئها مهما عظمت التحديات.
لماذا يتأخر الأمر؟
الإنسان بطبعه عجول، يريد أن يرى ثمار جهده سريعا، لكن التأخير أحيانا يحمل في طياته حكمة بالغة. فلو تحققت الأمور بسرعة، لما وصلت سوريا إلى ما هي عليه اليوم من صلابة واستقرار.
لم يكن التأخير عقابا، بل فرصة للنضج، وبناء القدرة على اتخاذ القرار الواعي والمدروس، وتحويل التحديات إلى خطوات ثابتة نحو المستقبل.
لقد أثبتت هذه الأيام أن الصبر والمثابرة والتفكير السليم هي أدوات البناء الحقيقية، وأن العمل الدؤوب على مدار سنوات لا يضيع، بل يثمر في الوقت المناسب. فكل لحظة صبر كانت تمهيدا لمرحلة أكثر قوة وثباتا.
العبرة من هذه الأيام الـ12
أراد الله عز وجل أن يذكر عباده في هذه الأيام بأن القوة الحقيقية بيده، وأنه يجري الأمور وفق حكمته. والعبرة واضحة: من يظن أن الأرض أو الظروف تحت سيطرته المطلقة، سرعان ما يختبر حدود قدراته، وأن الثبات والانتماء والعمل الصالح هي مفاتيح النجاح.
تلك الأيام تعلمنا أن الإنسان القوي ليس من يمتلك السلطة أو المال، بل من يحافظ على قيمه، ويصبر على الصعاب، ويعمل بإخلاص، ويحرص على أرضه ومجتمعه. فالحق والعدل ينتصران دائما، مهما طال الطريق.
حلب.. جوهرة الشمال
حلب، قلب الشمال وجوهرة سوريا، كانت محور هذه المرحلة التاريخية. لقد شكل سقوطها عام 2016 مرحلة قاسية على السوريين، لكنها لم تكسر العزيمة ولم تنهِ الحلم. بل عمل الناس بجد، ونظموا أنفسهم، وأعادوا بناء مؤسساتهم وأنفسهم في إدلب، لتعود حلب اليوم، بعد التحرير، رمزا متقدما وقادرة على التعافي، مقارنة بغيرها من البلدان التي يصعب عليها الشفاء حتى بعد سنوات.
هذه العودة لم تكن مجرد حدث، بل كانت درسا واضحا لكل من يسعى لتحقيق أهدافه: فالالتزام بالعمل، والاهتمام بالأسس الصحيحة، والانتماء الحقيقي للأرض هي التي تصنع الفرق. وكل الجذور التي زرعت في إدلب أثمرت اليوم في مختلف محافظات سوريا.
الدروس الخالدة
لقد تركت هذه الأيام الـ12 دروسا لا تنسى؛ إذ أكدت أن الصبر والمثابرة، والإيمان بالقدرة الإلهية، والانتماء للوطن، والعمل الدائم، هي مقومات النجاح الحقيقي. فالظلم والفشل، مهما طال أمدهما، لا يدومان، والحق ينتصر دائما لمن يسعى إليه بإخلاص.
ستظل هذه الأيام الـ12 خالدة في ذاكرة السوريين، شاهدا على أن قوة الإنسان لا تقاس بما يملك من مال أو سلطة، بل بما يتحلى به من صبر وعزيمة وإخلاص وانتماء.
وستبقى حلب، وكل سوريا، جوهرة مصونة، شاهدة على صمود شعب يثابر من أجل وطنه، وعلى دروس خالدة في الإيمان والعمل والصبر، دروس ستظل حية في ذاكرة التاريخ، وتلهم الأجيال القادمة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
مدون، شاعر
الجزيرة
——————————–
على خطى الثوار.. معركة الأيام الـ12 التي أعادت كتابة تاريخ سوريا
مع بزوغ فجر الأربعاء 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وحين كانت الأنظار مركزة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية بانتظار دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، كانت ساعة جديدة تدق في شمال غرب سوريا، مع إعلان هيئة تحرير الشام بدء عملية واسعة أطلقت عليها اسم “ردع العدوان”، في تحرك عسكري لم يشهد الشمال السوري مثله منذ توقيع اتفاق إدلب عام 2020.
لم يكن أحد يدرك حينها أن ما بدأ كعملية محدودة في ريف حلب الغربي، سيؤدي خلال 12 يوما فقط إلى انهيار عسكري وسياسي غير مسبوق، وانتهاء عملي لنظام حكم استمر أكثر من 50 عاما، وصولا إلى دخول قوات المعارضة العاصمة دمشق فجر 8 ديسمبر/كانون الثاني، وهروب الرئيس المخلوع بشار الأسد نحو روسيا ليكون اللاجئ الأول في سوريا الجديدة.
سقوط النظام السوري لم يكن وليد الساعة، بل نتاج سنوات طويلة من التراكم منذ 2011، حيث تفرقت العائلات وغادر ملايين السوريين البلاد هربا من القمع والموت، في حين ظل جيل كامل ينشأ بعيدا عن الأضواء، أكثر تنظيما وفهما لطبيعة الحرب التي ورثها.
وعلى مدار الأعوام الماضية، بدا المشهد السوري ثابتا عند خطوط وقف إطلاق النار في إدلب الموقعة عام 2020. لكن خلف هذا الهدوء الظاهر، كانت المعارضة تعيد بناء قدراتها تدريجيا، فتجمعت الفصائل المتفرقة في غرفة عمليات مشتركة، وركزت على التدريب والتسليح، وتحولت تدريجيا إلى قوة متماسكة.
في المقابل، كان نظام الأسد يعاني انهيارا داخليا: فالفساد كان ينخر في مفاصل الدولة والاقتصاد بات يحتضر في ظل انغماس قيادات الدولة في تجارة الكبتاغون التي أصبحت مصدر تمويل رئيسي لشبكات الولاء داخل الجيش والأجهزة الأمنية، هذا التوازن الهش انهار في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بعد قصف مدفعي للنظام استهدف مدينة أريحا في إدلب، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، مما شكل الشرارة التي فجرت المشهد كله.
27 نوفمبر- الشرارة الأولى
مع ساعات الصباح، أعلنت هيئة تحرير الشام بدء العملية ضد قوات النظام والمليشيات الإيرانية في ريف حلب الغربي، بإدارة “العمليات المشتركة”، التي ضمت عدة فصائل معارضة.
خلال ساعات، توسعت رقعة العمليات لتشمل ريف إدلب الشرقي والغربي، ليرد النظام بقصف مدفعي وجوي على أريحا وسرمدا، بينما كانت الفصائل تحقق اختراقا سريعا وغير متوقع على الأرض، يعكس سنوات من التحضير غير المعلن.
بحلول نهاية اليوم الأول، اهتزت خطوط التماس التقليدية للمرة الأولى منذ 4 سنوات، وظهرت بوادر تحول كبير في موازين القوى.
كتيبة شاهين السورية منصة اكس – @Levant_24_
مسيرات الشاهين ساعدت في تمهيد الهجوم البري وكسر خطوط الدفاع (مواقع التواصل)
الشاهين الحاسم
ولعبت طائرات “الشاهين” المسيرة دورا حاسما في عملية “ردع العدوان”، بعدما وفرت للمعارضة السورية قدرات نوعية في الاستطلاع وتحديد الأهداف وتوجيه الضربات الدقيقة، مما أسهم في إضعاف خطوط دفاع قوات النظام وتحقيق تقدم ميداني ملحوظ.
ميدانيا، مكنت “الشاهين” المعارضة من رصد تحركات قوات النظام عبر التصوير الحي، وتوجيه نيران المدفعية بكفاءة أعلى، وتنفيذ هجمات مباشرة عبر ذخائر انتحارية استهدفت دبابات وتحركات مدرعة.
وساعدت هذه المسيرات في تمهيد الهجوم البري وكسر خطوط الدفاع، إلى جانب دورها في الحرب النفسية عبر إسقاط منشورات هدفت إلى زعزعة معنويات القوات المقابلة.
أما على المستوى الإستراتيجي، فقد منحت “الشاهين” الفصائل تفوقا تكتيكيا قائما على تعطيل تحركات النظام وتقليل الحاجة لعمليات استطلاع برية مكلفة، مما جعلها أحد الأسلحة التي غيرت قواعد الاشتباك، وتأتي فعاليتها نتيجة تنوع مهامها بين الاستطلاع والقصف والعمليات الانتحارية، وقدرتها على حمل متفجرات كبيرة تصل إلى نحو 100 كيلوغرام.
28–29 نوفمبر- السيطرة على الطريق الدولي وسقوط سراقب
في اليوم الثاني، نجحت الفصائل في قطع الطريق الدولي “إم 5” الرابط بين دمشق وحلب، في اختراق مهم، بعد اشتباكات عنيفة مع قوات النظام.
في 29 نوفمبر/تشرين الثاني، تقدمت المعارضة نحو مدينة سراقب الإستراتيجية، الواقعة على مفترق طرق “إم 4” و”إم 5″، وسيطرت عليها سريعا، مما أعاق أي تعزيزات برية للنظام نحو حلب.
في الوقت ذاته، بدأت معركة شاملة داخل مدينة حلب، حيث اقتحمت المعارضة أحياء رئيسية مثل الحمدانية والجميلية وصلاح الدين، ووصلت إلى قلب المدينة، ومع حلول فجر 30 نوفمبر، كانت قلعة حلب ومقر المحافظ وبعض المراكز السيادية قد سقطت بالكامل، في حين ترك النظام خلفه مخازن ضخمة من الأسلحة الثقيلة، بينها دبابات تي 90، منظومات دفاع جوي، مروحيات، وطائرات في مطاري حلب ومنغ.
30 نوفمبر-5 ديسمبر: الطريق إلى حماة
بعد سقوط حلب، تقدمت المعارضة نحو محافظة حماة، مسيطرة على عشرات البلدات المحيطة، حينها حاول النظام تحصين دفاعاته في جبل زين العابدين، في حين نفذت القوات الروسية غارات عنيفة استهدفت مخيمات ومستشفيات في إدلب وحلب.
في 5 ديسمبر/كانون الأول، سقطت مدينة حماة بالكامل، وهي المرة الأولى منذ 2011 التي يفقد فيها النظام السيطرة على “عاصمته الوسطى”، مما شكل ضربة معنوية وسياسية، تلت ذلك سيطرة المعارضة على مدن وبلدات أخرى مثل محردة والسلمية، عبر اتفاقات مع وجهاء الطائفتين المسيحية والإسماعيلية، مما عزز نفوذ المعارضة في الوسط السوري.
6–7 ديسمبر: الجنوب يشتعل
امتدت المعارك إلى الجنوب السوري، لتشمل محافظتي درعا والسويداء، حيث أعلنت المعارضة السيطرة على درعا بالكامل، في حين انسحبت قوات النظام تدريجيا من السويداء والقنيطرة.
في الوقت نفسه، دخلت حمص ومدينة الرستن في مرمى العمليات، لتشكل معركة مفصلية لسيطرة المعارضة على عقدة النقل الكبرى في البلاد. بحلول مساء 7 ديسمبر/كانون الأول، سيطرت الفصائل على حمص بالكامل، بما في ذلك ميادينها والمسجد الكبير، بالإضافة إلى القصير، المدينة الحدودية ذات الأهمية الإستراتيجية بين النظام وحلفائه في لبنان.
التحولات الكردية في الشرق
ومع ارتباك النظام شمال غرب سوريا، وسقوطه في الوسط والجنوب، وسعت قوات سوريا الديمقراطية نفوذها شرق البلاد.
وسيطرت على مواقع في مطار حلب الدولي وبلدتي نبل والزهراء، قبل أن تفقدها مؤقتا لصالح المعارضة، لكنها لاحقا استغلت انسحاب قوات النظام من عدة مناطق، لتستعيد السيطرة على دير الزور، الميادين، البوكمال، والحدود العراقية.
صور لعملية ردع العدوان وما صحبها من عمليات عسكرية قبل عام في سوريا
قوات المعارضة السورية كانت على مشارف دمشق يوم 7 ديسمبر/كانون الأول 2024 (مواقع التواصل)
8 ديسمبر-دخول دمشق وسقوط النظام
مع بزوغ فجر 8 ديسمبر/كانون الأول، ضربت المعارضة الطوق الأخير حول دمشق. وانهارت خطوط النظام من الجنوب والشرق والغرب، ومع حلول الظهيرة دخلت قوات المعارضة العاصمة، واستولت على:
مطار المزة العسكري.
قصر الشعب.
مبنى الإذاعة والتلفزيون.
وزارة الدفاع ورئاسة الأركان.
في ذلك اليوم، فتحت أبواب سجن صيدنايا الموصدة منذ سنوات، وخرج الآلاف من المعتقلين، في مشهد رمزي لإنهاء فترة طويلة من القمع.
وألقى قائد “إدارة العمليات العسكرية” في سوريا حينها والرئيس السوري الحالي أحمد الشرع خطابا في الجامع الأموي، أكد فيه أن “النصر للسوريين جميعا، وأن البلاد تتسع لكل أبنائها”. وفي الوقت ذاته، أكد المقدم حسن عبد الغني “تحرير مدينة حمص بالكامل”، مما يعني اكتمال السيطرة على الشمال والوسط والجنوب.
وعقب خطاب الشرع أعلن رئيس الحكومة السورية السابق محمد الجلالي استعداده للتعاون مع أي قيادة يختارها الشعب، في حين غادر الرئيس المخلوع بشار الأسد البلاد على متن طائرة إلى قاعدة عسكرية روسية في شمال البلاد ومنها إلى العاصمة موسكو حيث يعيش الآن كلاجئ.
تحول تاريخي
ويرى مراقبون أن ما حدث بين 27 نوفمبر/تشرين الثاني و8 ديسمبر/كانون الأول ليس مجرد سلسلة معارك، بل تحول تاريخي أعاد رسم خريطة سوريا. خلال 12 يوما، اجتمعت عوامل سياسية، عسكرية، واجتماعية على مشهد واحد:
نظام فقد شرعيته وقوته بعد عقود من الحكم الاستبدادي.
معارضة متماسكة، منظمة، وجاهزة عسكريا وسياسيا لتولي زمام الأمور.
شعب لم يتخل عن حلم الحرية رغم سنوات التشريد والقمع.
البداية كانت صغيرة، شرارة في ريف حلب، لكنها سرعان ما انتشرت لتشمل كل المحافظات تقريبا في 12 يوما، سقطت المدن الكبرى واحدة تلو الأخرى: إدلب، حلب، حماة، حمص، درعا، السويداء، حتى دمشق، وهو انهيار لم يسبق له مثيل منذ انقلاب حافظ الأسد عام 1970.
أبعاد المعركة الإنسانية
العملية أدت إلى نزوح أكثر من نصف مليون سوري، وفق الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر. وتم إصدار مناشدات عاجلة لحماية المدنيين والعاملين في الإغاثة، ومرافق الرعاية الصحية، والبنية التحتية الأساسية.
قتل خلال المعارك أكثر من 600 شخص منذ انطلاق العمليات، بينهم مدنيون وعسكريون، في حين أظهرت الضربات الجوية الروسية السورية المشتركة قدرة هائلة على تدمير مخازن الأسلحة ومواقع الفصائل، لكنها لم توقف تقدم المعارضة، مما يعكس ضعف إستراتيجيات النظام الداخلي.
ويرى مراقبون أن سوريا بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 ليست كما كانت قبل 27 نوفمبر/تشرين الثاني. ما بدأ في إدلب بتظاهرة مسلحة ضد النظام في ريف حلب، انتهى بسقوط دمشق واستعادة آلاف المعتقلين حريتهم، ليبدأ فصل جديد من تاريخ البلاد.
ويشدد المراقبون على أن سقوط النظام مثل نهاية فصل طويل من القمع، وبداية مرحلة مليئة بالفرص والتحديات. فسوريا التي أراد النظام لها أن تموت، نهضت من تحت الركام، حاملة إرث الصمود والتطلعات الشعبية التي لم تنطفئ عبر أكثر من 14 عاما من الحرب والدمار.
المصدر: الجزيرة
—————————————
الذكرى الأولى للتحرير.. سوريون يعودون إلى بلادهم ليستعيدوا لحظة حُرموا منها/ وفاء عبيدو
2025.11.29
في 8 من كانون الأول العام الماضي وفي الساعة الخامسة وثمان دقائق تقريبا، أعلن هروب بشار الأسد من العاصمة دمشق، في ذلك التوقيت، انتهت حقبة طويلة من الظلم، ودخلت سوريا فجرًا جديدًا لم يعرفه جيلٌ كامل من أبنائها. لحظة سُمعت أصداؤها في الشوارع والبيوت، التقطها السوريون في الداخل بدموعٍ واحتضانٍ وفرحٍ عمّ الساحات، فيما راقبها آلاف المغتربين من خلف المسافات، متمنّين لو كانوا هناك.
بالنسبة لهم، كانت ليلة السقوط لحظة يتصارع فيها الفرح مع الغياب: فرح ببلدٍ يتنفس من جديد، وغياب عن أرضٍ تمنّوا أن يشاركوا في نبضها الأول بعد التحرير. اليوم، وبعد عام كامل، يعود هؤلاء السوريون لا ليشهدوا حدثًا سياسيًا، بل ليعيشوا شعورًا مؤجّلًا: شعور الانتماء إلى وطنٍ بات قادرًا على جمع أبنائه من جديد.
عادوا محمّلين بالذكريات والمنفى والحنين، يريد كلٌّ منهم أن يستعيد الدقيقة التي فاته أن يكون فيها جزءًا من المشهد، يريدون أن يحتفلوا على أرضهم باللحظة التي غيّرت مجرى حياتهم، وهم بعيدون عنها. إنها ذكرى التحرير، ذكرى العودة، ذكرى الفرح الذي انتظروه عامًا كاملاً ليكتمل.
“خرج هاربا بالتزامن مع تحرير المعتقلين”
هكذا أعلن مذيع تلفزيون سوريا، في خبرٍ طال انتظاره. تقول لينا، وهي واحدة من آلاف السوريين الذين عاشوا التحرير عن بُعد: “معركة الردع ليست مجرد ذكرى، إنها زلزال ترك أثره في عمرنا كله. كنت بعيدة عن سوريا، لكن قلبي كان معلقًا بكل خبر. لحظة تحرير دمشق كانت لحظة شعرت فيها أن روحي تسبق جسدي، وتتمنى الوصول إلى ساحة الأمويين لتصرخ: ثورتنا العظيمة تكلّلت بالنصر”.
تتابع لينا حديثها لموقع تلفزيون سوريا: “وقفت على الكرسي في بيتي، دُرت حول نفسي، وصرخت من أعماقي، لكن صوتي كان مكسورًا بالغربة التي حرمتني من أن أكون بين الناس، ومن اللحظة التي حلمت بها لسنين”.
وتضيف: “غفوت قليلًا مع طلوع الفجر، ثم فتحت الشاشة، وكانت المذيعة رُبا من تلفزيون سوريا تقول: حدث ما قاله ثوار 2011، الأسد يخرج هاربًا من سوريا. حينها عادت إليّ فرحة مجنونة، لكن غصّة أعمق من كل الكلام كانت تسكن قلبي. سوريا تحتفل، والشوارع مليئة بالناس، ونحن محاصرون خلف حدود لا نستطيع تجاوزها”.
تحاول لينا أن تبتسم وهي تتابع: “كان أولادي يقفزون من الفرح حولي، لكن كانت فرحة ناقصة بسبب الغياب عن الساحات. لم أكن بين الناس الذين حلمنا بمشاركتهم يوم النصر. ومنذ تلك اللحظة بدأت أعدّ الأيام للذكرى الأولى، وصارت هدفي وحلمي”.
قالت إنها بدأت تجهيز رحلتها قبل شهرين، مؤكدة: “لا أريد أن تفوتني الذكرى الأولى. أريد أن أكون أنا وأولادي بين الناس، نرفع علم ثورتنا ونحتفل بنصرنا على أرضنا. أريد أن أعيش اللحظة التي حُرمت منها، اللحظة التي دفعنا فيها كل شيء لنصل إليها، النصر الذي سنحكي عنه لأولادنا وأحفادنا”.
غاب عن المعركة.. لكن النصر لم يغب عنه
لم تكن معركة “ردع العدوان” مجرد عمل عسكري بل محطة فاصلة في مسار التحرير السوري، حيث توحّدت الفصائل لدفع آخر خطوط القمع خارج العاصمة. ومع دخولها تخوم دمشق، تحولت المعركة إلى لحظة مفصلية حملت ثقل أعوام من الانتظار، لتكون معركة الحسم واستعادة الوطن.
ومع الساعات الأولى لاقتحام أطراف العاصمة، وبدء الانهيار السريع لبقايا النظام البائد، خرجت الحشود في الأحياء والساحات، واستعادت دمشق صوتها الذي خُنق طويلًا.
كثير من السوريين حملوا الحكاية ذاتها. علي، ابن مدينة حماة المقيم في السويد، يروي لموقع تلفزيون سوريا أنه لا يستطيع نسيان صوت العقيد حسن عبد الغني حين أعلن بدء معركة “ردع العدوان”.
قال علي: “شاركت في أول أربع سنوات من الثورة على الجبهات، حتى أُصبت في قدمي وأصبحت عاجزًا، ثم ضاقت بي الحياة واضطررت إلى السفر مع عائلتي. لكن يوم المعركة شعرت بعجز مضاعف. تمنّيت أن أكون هناك بين الشباب، وكل ما استطعت فعله هو الدعاء المستمر، وقلت في نفسي: طوبى للمحرّرين، والله يحميهم”.
وأضاف: “لحظة التحرير كانت بالنسبة لي تعويضًا عن كل عجز. إنه نصر العمر، نصرٌ شعرت به رغم البُعد”.
زار علي سوريا لفترة قصيرة بعد التحرير، لكن قلبه بقي ينتظر شيئًا آخر، وقال: “أنا بانتظار الذكرى الأولى للنصر. أريد أن أشارك فيها، ليَفرح قلبي ويشعر ولو بجزء بسيط من شعور ليلة التحرير العظيمة. أريد أن أتي مع أولادي، لنروي للأجيال القادمة عظمة النصر الذي وصلنا إليه، والثمن الكبير الذي دُفع لأجله”.
لم يكن دخول قوات الردع إلى حماة مجرد تقدم عسكري، بل لحظة تاريخية في مدينة دفعت أثمانًا مضاعفة لعقود. ارتفعت التكبيرات من أسطح المنازل، فُتحت النوافذ لأول مرة بلا خوف، وبدأت الساحات تمتلئ بوجوهٍ خرجت من صمتٍ طويل، فيما سارعت فرق الإسعاف والمتطوعون إلى فتح الطرقات وتأمين الأحياء التي عانت من حصار وقمع طويلين.
ومع تثبيت السيطرة على المدينة، بدأت عمليات تمشيط واسعة للريف وتأمين الطرق بين الشمال والجنوب، استعدادًا لمعركة دمشق التي كانت تُهيّأ على نار هادئة.
ظهر حينها أن تحرير حماة لم يكن نهاية معركة، بل بداية فصل جديد تُرسم فيه خارطة الطريق نحو العاصمة، وتعيد فيه الثورة تنظيم صفوفها لمرحلة التحرير الكبرى.
فرح تأجّل عامًا ليُعاش
في الذكرى الأولى للتحرير، لم تكن عودة رفيدة إلى سوريا مجرد زيارة، بل استعادة لوعدٍ قديم ولحظةٍ ظلّت مؤجلة عامًا كاملاً.
رفيدة، ابنة حمص، تعيش في هولندا مع طفلتها الوحيدة، تحمل جرحًا مثقلًا بالفقد. رغم سنوات الغربة، ظل قلبها متعلقًا بأمل نصر الثورة، وفاءً لوعد قطعته لزوجها الشهيد بأن النصر قادم لا محالة.
قالت لموقع تلفزيون سوريا: “حين سمعت خبر سقوط النظام، عادت إلى ذهني كلمات زوجي قبل استشهاده، حين قال: سيأتي يوم تنتصر فيه ثورتنا، وإذا لم نكن نحن، فسيكون أبناؤنا. لكنه لم يكن هنا عند النصر، بل صار شهيدًا”.
تتابع: “كنت أراقب مشاهد التحرير من بيتي الصغير في أوروبا الصامتة، وقلبي يغلي على وقع صوت الناس في سوريا، صور الساحات، الهتافات، الدموع والفرح. كنت أراها عبر الشاشة، وقلبي مليء باللهفة. دموعي لم تتوقف، فرحت بالتأكيد، لكن شعرت بشيء ناقص، لأنني لم أعش لحظة انتصر فيها دم زوجي وكل شهيد حر”.
ومع اقتراب الذكرى الأولى، شعرت رفيدة أن الوقت قد حان لاستعادة ما سُلب منها، وقالت: “اللحظة التي حُرمت منها يجب أن أستعيدها بيدي. أريد أن أكون في الذكرى الأولى للتحرير، ولو ليوم واحد. يجب أن أقف في ساحة الأمويين، وأرفع علم الثورة، وأقول إن دماء شهدائنا لم تذهب هدرًا”.
وصلت رفيدة إلى دمشق برفقة ابنتها، تحمل في يدها حقيبة صغيرة لا تحتوي على الكثير سوى ما يُثقل القلب: صورة زوجها وعلم الثورة الذي تحتفظ به منذ المظاهرات الأولى، كأمانة لم تخنها.
واختتمت حديثها بالقول: “عدت لأعيش النصر العظيم، لأشعر بذلك الشعور الذي حُرمت منه، نصر ثورتنا العظيمة”.
معركة الردع.. نهاية القمع وبداية تاريخ جديد
لم تكن معركة “ردع العدوان” مجرد عملية عسكرية، بل كانت آخر فصل في حكاية صمودٍ طويل كتبتها المدن والبلدات والقرى على امتداد البلاد. مع كل تقدم للمقاتلين، كانت كلمة “صديق” تتردّد كنبض يبشّر الأهالي بتحرير منطقة جديدة واقتراب فجرٍ آخر.
هكذا أُغلقت صفحات الألم تباعًا، من حمص التي نزفت كثيرًا، إلى درعا التي أطلقت شرارة الكرامة، مرورًا بالشمال والجنوب، حتى صار الوطن كله جبهة واحدة وقلبًا واحدًا.
وفي النهاية، اختتمت معركة الردع القصة، لتعلن النصر العظيم والفرحة الكاملة، وتبدأ سوريا في كتابة تاريخ جديد، لشعبٍ صبر وواجه وانتصر.
———————
عمليات “خلف خطوط العدو”.. تكتيك عبّد الطريق أمام قوات “ردع العدوان” في حلب/ عز الدين زكور
2025.11.27
بينما كان يشتد النقاش في شمال غربي سوريا حول احتمالية انطلاق المعركة المرتقبة، تنقسم الآراء فيه بين مؤيد ومعارض، متخوّف ومتحفّظ، يخترق “أبو حسن الحمصي” مع 7 آخرين من رفاقه مناطق انتشار قوات نظام الأسد وحلفائه من الإيرانيين والمليشيات الموالية لها في ريف حلب الغربي بعملية تسلل نوعيّة، وكانت المهمّة زعزعة تلك الخطوط وكسرها قُبيل انطلاق المعركة المرتقبة التي عُرفت بـ”ردع العدوان” ونجحت في إسقاط نظام الأسد في سوريا.
كان “أبو حسن” ورفاقه من “انغماسيي العصائب الحمراء” (فرقة خاصة في هيئة تحرير الشام)، متخفّين بين نقاط قوات نظام الأسد بانتظار دقّ “ساعة الصفر” عبر إشارة مرمّزة تصلهم عبر الجهاز اللاسلكي أو الهاتف الذكي، لتبدأ مهامهم القتالية ضمن عمليات عُرفت بـ”خلف خطوط العدو” تستهدف 5 مواقع حسّاسة في ريف حلب الغربي وداخل المدينة، لتحدث اضطراباً بين صفوف قوات النظام، وتعبّد الطريق أمام آليات ومقاتلي “إدارة العمليات العسكرية” للوصول إلى مدينة حلب.
توزّعت عمليات “خلف خطوط العدو” في الفترة الممتدة من 19 إلى 28 من تشرين الثاني 2024 على محورين رئيسيين، الأول من ريف حلب الغربي والثاني من الريف الشمالي الشرقي لحلب، واتّسمت بسريّة تامة إلى درجة أن مقاتلين على ذات المحاور لم يكونوا على دراية بما يحدث على المقلب الآخر حيث تغلغل زملاؤهم من “العصائب الحمراء” بين نقاط قوات نظام الأسد وحلفائه، بحسب ما يؤكد قائد عسكري لموقع تلفزيون سوريا.
اختراق في الظلام وعبور محفوف بالمخاطر
قبيل دخول “الانغماسيين” من المحاور المحدّدة، لم يكن تأمين “ثغرة الدخول” واختراق مناطق قوات النظام المخلوع مهمّة سهلة، كما يصف لموقع تلفزيون سوريا أبو خالد الشامي ـ قائد ميداني في العصائب الحمراء والمشرف على دخول المقاتلين إلى نقاط قوات نظام الأسد ـ إذ استغرقت العملية حوالي شهر ونصف من الدراسة والاستطلاع والمراقبة، تركّزت الأعمال فيها على إزالة الألغام ـ كانت العقبة الأكبر ـ واستطلاع المسار الذي سيعبره المقاتلون بأمان ووضع علامات مميزة حتى لا يضل المقاتلون الطريق، وتحديد نقاط استراحة لهم، وإيجاد طرق تواصل مع غرفة العمليات في إدلب، إلى جانب تجهيز الإسناد البعيد والقريب.
يوضح في هذا السياق شاهين الشامي ـ قائد ميداني ومسؤول تفخيخ في العصائب الحمراء ـ لموقع تلفزيون سوريا أن العمل على فتح الثغرة لم يكن وليد المعركة، إذ بدأت محاولات تجهيزها وتأمينها لعبور المقاتلين قبل سنةٍ ونصف، واجه المقاتلون خلالها تحديات كبيرة كان أبرزها الألغام التي تسببت بإصابة أحد انغماسيي “العصائب الحمراء” ما أدى إلى بتر رجله، وطُوي ملفّها إلى قبيل انطلاق المعركة بشهر ونصف حيث أعيد اختيارها لتكون “ثغرة الاختراق الكبير” الذي سيغيّر مجرى المعادلة على هذه الجبهة.
“صناعة مقاتل نوعي”
أمام معادلةٍ غير متكافئة من ناحية العتاد والعدّة، لم تكن الخيارات المطروحة لمواجهة نظام الأسد عسكرياً، تقليدية، فكان الحديث القائم في صفوف الفصائل العسكرية في شمال غربي سوريا عن حيلٍ وتكتيكات وإعداد نوعي يمكن أن يخرق هذا التفوق العسكري ويحقق الهدف الرئيسي من تلك المواجهة.
ولم يكن مقاتلو “العصائب الحمراء” بمعزلٍ عن هذه الاستراتيجية، إذ إن مواجهة الطائرات والمدافع والصورايخ، دفعت إلى إعداد “مقاتل نوعي” قد ينفّذ مهمة واحدة تكون فارقة في مسار الأحداث، كما يصف عمر الفاروق، مسؤول التدريب في “العصائب الحمراء”.
ويضيف “الفاروق” لموقع تلفزيون سوريا إن “الانغماسيين خضغوا لمعسكر إعداد بدني وشرعي مكثف لمدة شهر ونصف إلى شهرين، ثم دورات تطويرية مختلفة، إلى أن أصبح المقاتل يقاتل بنظام المجموعة، أي لديه القدرة على التعامل مع كافة الظروف والمعوقات التي قد تعترض طريقه، تجاوز العوائق الطبيعية والهندسية، تفكيك وتعطيل الألغام، استخدام الأسلحة بأنواعها، دقة الرماية تحت الضغط، بالإضافة إلى استخدام أسلحة نوعية ملائمة للقتال الليلي، وهو ما يعطيه السيطرة على الميدان، عند التعامل مع عدو غير مستعدٍ مسبقاً لهذا النوع من القتال”.
ويضيف لموقع تلفزيون سوريا: “مقاتل العصائب الحمراء خضع أيضاً لدورات في الإسعافات الأولية إذ إنَّه سيكون وحيداً خلف الخطوط، فهو الجريح وهو المسعف في آنٍ واحد، وليس كالمقاتل على خطوط الجبهات الذي يتوفر فيه الدعم الطبي والإخلاء”.
ويعتبر “الفاروق” أن ما يميز “جنود كتائب العصائب الحمراء هو القدرة على العمل تحت ظروف قاسية عبر دورات فكرية وشرعية تجمع بين الجانب الديني وفهم المهام المطلوبة منهم، بالإضافة إلى إعداد بدني ونفسي عالٍ”.
ويؤكد أن اللجوء لإعداد المقاتلين النوعيين كان “بسبب اختلال ميزان القوة بيننا وبين العدو، الذي لم يكن يملك جيشاً بسلاح الطيران والمدفعية والصواريخ فقط، بل كان يملك دول حليفة وميليشيات عابرة للحدود تساهم في قمع الشعب السوري وقصف مناطقه الآمنة، فكيف سنتغلب عليه؟”.
يوم العبور.. 8 أيام بين “نقاط العدو”
مسار طويل من التدريب والتخطيط إلى تحديد ثغرات الاختراق وتأمينها بالكامل، تماشياً مع خطة كبرى ترسم جميع ملامح العمل العسكري ونتائجه والخيارات المطروحة، والآن جاء موعد العبور، فـ”ردع العدوان” صارت على الأبواب، لكن بسريّة مطلقة، ومقاتلو “خلف الخطوط” وحدهم مع قلةٍ من القياديين على دراية بقرب المعركة، ويجب أن يأخذوا مواقعهم.
فجر 19 من تشرين الثاني، حان موعد عبور المقاتلين، من نقطة يُرمز لها بـ”مجاهد 30″ بالقرب من قرية كباشين على محور قبتان الجبل بريف حلب الغربي، تسلّلت 4 مفارز إلى قلب “نقاط العدوّ”، كل مفرزة مكوّنة من مقاتلين اثنين من “انغماسيي العصائب الحمراء”، كان أبو حسن واحداً منهم، وفي اليوم التالي 20 من تشرين الثاني، دخلت مفرزتين آخرتين من ذات المحور.
يوم الانطلاق، وجد أبو حسن نفسه يعبر وادي “الزنكاح” الخطير، الذي يمر بين قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية على يمينه، وقوات كردية متحالفة مع النظام على يساره. في شهادته لموقع تلفزيون سوريا، يصف أبو حسن تلك اللحظات: “كانت الخطى ثقيلة جداً، يحمل كل واحدٍ منا حوالي 40 كيلوغراماً بين طعام وسلاح، ولا أخفيك أن الخوف تسلل شيئاً ما، فنحن نتوغل بين قوات العدوّ وأي خطأ ربما يكلّفنا حياتنا”.
اختبأ الانغماسيون، كمحطّة أولى، في مصرف مائي إسمنتي يمر تحت طريق فرعية، على بعد كيلومترين من نقطة انطلاقهم، حتى حلول المغرب. ومن هناك، قطعوا مسافة 15 كيلومتراً نحو مغارة اختبأوا فيها لأربعة أيام، ثم انتقلوا إلى سقيفة بيت مهجور حيث مكثوا الأربعة الأيام الأخرى.
شكّل وجود المدنيين – من مزارعين ورعاة – في منطقة التسلل تحدياً إضافياً للمقاتلين. يروي أبو حسن: “كاد أحد الرعاة أن يكتشف أمرنا، قضى ساعات فوق المغارة التي كنا نختبئ فيها، كان علينا ألا يلحظ وجودنا حتى المدنيين خشية الوشاية أو أن يكون واحداً مدسوساً من الأجهزة الأمنية التابعة للنظام”.
ما جهّزه المقاتلون من طعامٍ وشراب ليومين فقط ـ الموعد المفترض لانطلاق العملية ـ لن يكفي لـ 8 أيام، فتأجيل العمل لعدة مرات خلال وجود “الانغماسيين” خلف الخطوط كانت ضمن حيل عسكرية لجأت إليها “إدارة العمليات العسكرية” لتشتيت قوات النظام السوري وحلفائه، وهو ما استدعى غرفة العمليات إلى تهريب كميات محدودة من الطعام إلى المقاتلين بطرق سرية جداً.
كانت الرسائل المشفرة تصل من إدلب، عبر رسائل على الهاتف، محددة إحداثيات مواقع الطعام التي خبأها مقاتلون آخرون.
أمام هذه التفاصيل واللحظات الحاسمة، لم يفارق هاجس لقاء عائلته مخيلة أبو حسن طيلة أيام التخفي، معترفاً: “حتى كانت أحد أسباب صبري وثباتي هناك”، حيث انقطع عن رؤية عائلته في حمص منذ سنوات طويلة.
محور ريف حلب الغربي
وفي 19 و20 من تشرين الثاني، مكث المقاتلون البالغ عددهم 8 من عناصر “العصائب الحمراء” في النقاط العسكرية المحددة ضمن الخطة بين نقاط قوات نظام الأسد، وقُبيل وصول تعليمات التحرّك إلى الهدف القادم، اكتشفت قوات النظام أمرهم وبدأت بالقصف المكثف على المحور، حيث يعسكر العناصر المتسللون، ويوم 21 من الشهر ذاته حاولت مفرزتان إضافيتان (مكونتان من 4 جنود) من دخول الموقع لكن حال الوضع الميداني من ذلك، وعلى وقع المستجدات الجديدة على المحور، يخال للجميع أن المفارز الانغماسية انسحبت بالكامل، إلا أن 3 مقاتلين ـ من بينهم أبو حسن ـ نجحوا في اختراق نقاط قوات الأسد والبقاء فيها 8 أيام كاملة والتاسع كان 27 من تشرين الثاني يوم انطلاق المعركة.
العملية الأولى: تلة الإسناد تفتح طريق الآليات واسعاً
يوم 27 من تشرين الثاني، يوم انطلاق المعركة، وفي تمام الساعة 6 و45 دقيقة فجراً، أي قبل انطلاق المعركة بحوالي نصف ساعة، يتحرّك المقاتلون الثلاثة، أبو حسن الحمصي وأبو عمر السوري وأبو غياث نحو الهدف الأول الذي سيغيّر مسار المعركة، نحو تلة الإسناد وهي مرتفع يبعد عن بلدة قبان الجبل حوالي 2 كيلومتراً، يتمركز عليه عدد من عناصر قوات النظام إلى جانب عدد قليل من الآليات، إلا أن أهميته تكمن في كشفه الواسع لطريق عبور الآليات الثقيلة التي باتت تتجهز لدخول المعركة.
في هذه الأثناء، تعبر آليات “إدارة العمليات العسكرية” محور قبتان الجبل وتكسر خطوط قوات نظام الأسد وحلفائه بعد أقل من ساعة من تنفيذ العملية النوعية لـ”العصائب الحمراء” في تلة الإسناد ويتمّون السيطرة عليها، وينجو كل من “أبو حسن الحمصي وأبو عمر السوري”، إلا أن “أبو غياث” غدا شهيداً على التلة بعد الاشتباك مع العناصر وبذلك كان أولى شهداء معركة “ردع العدوان” ومن الدقائق الأولى لها.
بدأت قوات ردع العدوان في التوغل في ريف حلب الغربي، مستفيدةً من حالة الاضطراب التي أحدثتها العملية النوعية الأولى في تلة الإسناد، لكن بعد ساعات قليلة ستكون مواقع أخرى متقدمة لقوات النظام وحلفائها على موعدٍ مع عمليات ينفذها انغماسيو “خلف خطوط العدو” أيضاً، تعبّد الطريق سريعاً إلى مدينة حلب.
ماذا حدث؟
في هذه الأثناء، بدأ انغماسيو “العصائب الحمراء” بالتحرّك ضمن “محور ريف حلب الشمالي”، وعلى الرغم أن عملياته داخل مدينة حلب وفي ريف حلب الغربي، إلا أن سبب التسمية جاءت على اعتبار أن الثغرة التي تمكن “انغماسيو” العصائب الحمراء من الدخول إليها كانت من ريف حلب الشمالي الشرقي، عبر دراجات نارية، وتمخّض عنها العمل الأمني الأهم وهو الهجوم على “اللجنة العسكرية والأمنية في محافظة حلب” الواقعة في حي الفرقان داخل المدينة، وكانت تضم قوات مشتركة روسية وإيرانية، وسورية تابعة لقوات نظام الأسد، وذلك فجر 28 من تشرين الثاني.
يكشف زكريا الشامي ـ قائد عسكري في العصائب الحمراء والمشرف على العملية ـ لموقع تلفزيون سوريا أن عدد المشاركين في هذا المحور كان 24 عنصراً من انغماسيي “العصائب الحمراء”، دخل منهم 10 فقط بسبب تطورات المعارك والتحديث على الخريطة العسكرية، وتركزت العمليات على محور الطرق الرئيسية المؤدية إلى الريف الغربي باتجاه محاور القتال، وشملت:
غرفة العمليات (اللجنة الأمنية والعسكرية ـ الفرقة 30 حرس جمهوري): حيث شارك 4 مقاتلين، وكانت من أبرز نتائجها زعزعة الثقة لدى قيادة اللجنة وكشف سوء إدارتها للمعركة، ومقتل عدد من القادة العسكريين للعمليات الفرعية مثل قائد غرفة عمليات قبتان الجبل، بالإضافة لقتل عدد من المستشارين الإيرانيين بينهم أكبر ضابط إيراني في سوريا، مشيراً إلى أن الروس تحفظوا على خسائرهم”، بينما أقرت إيران بمقتل المستشار “كيومرث بور هاشمي” (الحاج هاشم).
كما أوضح الشامي أن المفارز الأخرى لمقاتلي “خلف الخطوط” توزعت على محاور عدة:
مفرزة الأمن العسكري في مدينة خان العسل: اقتحمها مقاتلان من انغماسيي العصائب الحمراء واشتبكا مع عناصر قوات الأسد من “المسافة صفر” ونجحا في قتل حوالي 10 عناصر.
بلدة المنصورة: تمركز مقاتلان من انغماسيي العصائب الحمراء في البلدة التي تعد إحدى مداخل مدينة حلب بهدف زرع الألغام والتعامل مع مؤازرات يستقدمها جيش نظام الأسد.
بلدة كفرناها: تمركزت مفرزة (مقاتلان من العصائب الحمراء) بهدف قطع طرق الإمداد وتفخيخ غرفة العمليات لقوات نظام الأسد.
مطار كويرس، مطار النيرب العسكري، مطار الجراح (كشيش): لم يتم العمل عليها بسبب انسحاب قوات النظام المخلوع.
تفاصيل العمليات بلسان مشاركين: مواجهة مباشرة واشتباك من المسافة صفر
خان العسل
يتحدث “جعفر الحموي” أحد مقاتلي “العصائب الحمراء” ومشارك في عملية خان العسل لموقع تلفزيون سوريا عن تفاصيل الهجوم على مفرزة الأمن العسكري في المدينة، المكان الذي تجمّع فيه حشد كبير من التعزيزات للمشاركة في القتال على خط الجبهة.
يقول “جعفر”: “بدأنا العمل في اليوم الأول للمعركة عند الساعة 6:30 صباحاً باتجاه خان العسل وكانت المهمة المطلوبة هي قطع طريق الإمداد الواصل بين حلب وخطوط الجبهة الأمامية للنظام. عند وصولنا إلى مكان العمل، اقترب منا عسكري وسلّم علينا، فسألناه: مع من تعمل؟ فأجبنا: نحن من الفرقة 25. فرد قائلاً: أهلاً بالزملاء. وكان يدخن، فطلبت منه سيجارة فأعطاني إياها وشرعت في التدخين (كانت حيلة حتى لا يشك بأمرنا).
ويضيف: “عند الساعة السابعة مساءً بدأنا التحرك، فاتصلنا بالقيادة وأخبرونا أن هناك استعداداً في جيش النظام، يريدون إدخال تعزيزات، ومقرهم يقع بين كفرناها وخان العسل، فسِرنا مسافة 5 كيلومترات تقريباً، ووصلنا الساعة الرابعة صباحاً، فأخبرنا القيادة بأننا قد وصلنا، وبدأنا بالاشتباك، كانت المسافة بيننا وبين الجيش 10 أمتار، وكانوا متجمعين أمام المقر بأكثر من 10 عناصر، فقذفت قنبلة أصابتهم، ثم شرعت في قذفهم بالقنابل الحرارية، فتمكنا من تصفية جميع الموجودين”.
ويتابع: “بقيت أنا والعنصر الآخر الذي كان معي في المكان 5 دقائق لتحييد العدد الأكبر، لكن عندما اقتحموا المقر، لم يطلقوا علينا ولا طلقة واحدة، ولم يحصل أي اشتباك إلا بعد عودتنا إلى نقطة الصفر، حينها بدأوا بإطلاق نار عشوائي، وفي نفس الوقت كان لديهم رشاش ثقيل وبي أم بي ودبابتان وعربتان، وبقينا في المكان حتى وصل الميدانيون إلينا”.
عملية المنصورة: محاولات للدخول
يروي أسيد أحد المشاركين في عملية بلدة المنصورة، لموقع “تلفزيون سوريا” تفاصيل العملية قائلاً: “دخلنا من ريف حلب الشمالي، كنا 8 مفارز، لكل مفرزة هدفها، في إحدى المحاولات دخلنا من ثغرة وقطعنا الخط الثاني للنظام، وفوجئنا بـ 4 عساكر، تعاملنا معهم وقتلنا اثنين وأصبنا اثنين، وخرجنا من الثغرة سالمين”.
ويضيف: “في اليوم الثاني، دخلنا من ثغرة أخرى بعد الخط الأول، فانفجر بواحدٍ منا لغم وبترت رجله، وأصيب آخر بشظايا، ثم نقلنا المصابين وخرجنا، بعد هذه المحاولات لم تتحقق النتائج المرجوة، فخرجنا”.
ويؤكد أن هدف مفرزة المنصور قطع الطريق أمام المؤازرات، ويردف: “كان معنا ألغام موجهة تلفزيونية زرعناها على الطريق للمؤازرات القادمة، وظللنا ننتظر لكن لم يأت أحد، كان هناك عدد كبير من العساكر والآليات ينسحبون، فاتصلنا بالمسؤولين لنطلب التعامل معهم، فقالوا: “لا، هدفكم فقط المؤازرات”.
وطال انتظار أسيد حتى المساء إلى أن وصلت قوات “ردع العدوان” حيث التقت القوات المهاجمة بعناصر “خلف الخطوط”، وفي هذه اللحظات كان دخول مدينة حلب وشيكاً وبعض المقاتلين قد وصلوا تماماً إلى مدخل المدينة الغربي، حيث حي حلب الجديدة.
أصيب أبو حسن الحمصي في كفّه خلال العملية النوعية الأولى، لكن بعد عامٍ كامل على تنفيذها وسقوط نظام الأسد، حقق رؤاه في لقاء عائلته وهو اليوم يقيم بينها في مدينته حمص بعد درب طويل من الفراق والمعاناة والكفاح، على حدّ وصفه.
تلفزيون سوريا
————————-
السلم الهش والطائفية الصلبة/ أحمد حاج بكري
26 نوفمبر 2025
منذ دخول فصائل “ردع العدوان” إلى دمشق فجر الثامن من كانون الأول/ديسمبر وحتى اليوم، لم يُطرَح الحديث عن المشكلة الطائفية في سوريا، ولم يُعترف بها، وكأنها غير موجودة! وذلك رغم موجات العنف في الساحل والسويداء، ورغم التفاوض الذي لا يبدو أنه سينتهي مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
الواقع والتاريخ يقولان غير ذلك. فالعنف المفروض الذي مارسه النظام البائد، وتسلّطه على الجميع، دفع المكوّنات المجتمعية في سوريا إلى التكتل حول نفسها على أساس طائفي وعرقي واضح ومنظّم، حمايةً لذاتها وسعيًا للنجاة الفردية وتعزيز حضورها. وهي نتيجة طبيعية لمواجهة الاستبداد المنظّم للسلطة.
لكن انعكاس هذا التقوقع عبر الزمن على شكل المجتمع وتماسكه أصبح تحديًا لا يمكن تجاهله. فمع فرار النظام البائد كانت معظم شرائح المجتمع السوري جاهزة للانغلاق على نفسها خوفًا من القادم، وكانت هذه المكوّنات تتفاعل سلبًا أو إيجابًا مع دمشق بحسب مستوى الثقة بين الطرفين.
العدالة الواضحة
لم تكن أحداث حمص ومظاهرات الساحل أمرًا مفاجئًا، بل كانت متوقعة لأسباب عديدة، أهمها: غياب الوضوح والحوار بين الدولة والمجتمع، وعدم وجود بوادر صلبة لعدالة انتقالية حقيقية ومتكاملة في سوريا، وجهل المجتمع بالقوانين التي يتم على أساسها توقيف المشتبه بارتكابهم انتهاكات. هذا الغياب للوضوح القانوني هو ما فتح الباب للمحتجّين يوم أمس للمطالبة بإطلاق سراح الموقوفين.
وهذا المطلب استفز ملايين السوريين المجروحين بنيران نظام الأسد، من أهالي الضحايا والمعتقلين ومصابي الثورة، وكل من ينتظر العدالة.
لم تكن أحداث حمص ومظاهرات الساحل أمرًا مفاجئًا، بل كانت متوقعة لأسباب عديدة، أهمها: غياب الوضوح والحوار بين الدولة والمجتمع
لكن بالمقابل، عند دوار الزراعة في محافظة اللاذقية، ردّد رجل أربعيني أمامي عدة مرات قبل حدوث المواجهات بين المتظاهرين: “يعتقلون الصغار ويتركون الشياطين تسرح وتمرح”، قاصدًا أن الدولة أوقفت عناصر متهمين بارتكاب انتهاكات، بينما بعض قادة الميليشيات وزعماء الحرب ومموّليهم المتورطين بالدم السوري يتجولون بحرية في دمشق والساحل دون محاسبة. وهنا تكمن أهمية معرفة الأسس التي يتم وفقها اعتقال الأشخاص المتهمين.
بين الوطن والطائفة
الاحتقان الطائفي في سوريا هو أخطر ما خلّفه نظام الأسد البائد. ستة عقود من الشحن الطائفي أوصلت الشارع السوري إلى انقسام واضح، وتجاهله اليوم يُعدّ جهلًا سياسيًا ووطنيًا؛ والقفز عنه ليس حلًا بل تأجيلاً للمواجهة.
ومن المفارقة اليوم أن يصبح الموقف الوطني تهمة تُصنّفك كخصم للطائفة، وأن يصبح التعاطف مع الطائفة تهمة بأنك خصم للوطن. وأن تكون مع القانون والعدالة والحق يعني أنك خصم للجميع.
هذه القوالب الجاهزة دفعت كثيرين لاختيار ما يناسبهم، لا ما يؤمنون به. فكونك مع محاسبة مرتكبي الانتهاكات في الساحل لا يعني أنك ضد الدولة، بل إن أكثر ما يخدم الدولة اليوم هو المحاسبة. وكونك مع محاسبة مجرمي النظام البائد لا يعني أنك ضد مكوّن بعينه؛ بل يعني أنك مع القانون. والقانون هو المخرج الوحيد للجميع. لكن قول هذا علنًا في الشارع الملتهب أمر بالغ الصعوبة.
ملفات متشابكة
عقود من التجييش الطائفي المنظّم حكم بها الأسد الأب والابن سوريا، مستغلّين فكرة ضرب الأطراف ببعضها ليكونا “الطرف الثالث” الذي يحصد ما يريد. واليوم، من دون قانون واضح يُطبَّق على الجميع، سيبقى الحديث عن التعايش السلمي كلامًا في الهواء.
الجميع يدّعي المظلومية اليوم: “نحن مظلومون بالولادة” يقول البعض. ومع غياب خطوات عدالة واضحة، تصبح المظلومية أكبر، فيما تبقى المواجهات الشعبية حاضرًا دائمًا.
السلم الأهلي لا يتحقق بالكلام، بل بمواجهة المشكلة والبحث في تفاصيلها وإيجاد حلول لها. أمّا الشعارات الطائفية في الشارع والكلام المثالي على الشاشات، فهما يشبهان الفرق بين أشكالنا الحقيقية وأشكالنا مع الفلاتر على مواقع التواصل الاجتماعي.
مواجهة الشارع
يوم أمس، بينما كنت أقف وسط مظاهرتين متضادتين – لا لاختلاف سياسي فقط، بل لانقسام طائفي ومناطقي واضح – ومع المواجهة المحدودة بينهما بالحجارة والهتافات الطائفية، كان السؤال الذي يشغل بال من يؤمن ببناء الدولة هنا:
هل كانت هذه حقًا مواجهة بين مظاهرة معارضة وأخرى موالية؟ ولماذا المواجهة أصلًا؟ هل كانت المظاهرة “الموالية” تحمي الدولة؟ وهل تحتاج الدولة إلى من يحميها؟ وهل كانت المظاهرة المعارضة سياسية في جوهرها، أم تعبئة طائفية؟
من قرّر أن التظاهر ضد السلطة ممنوع؟ وهل يملك أحد القيام بدور الدولة؟ وهل هناك مكوّن واحد يمثّل الدولة، يمنع ما يريد ويسمح بما يريد؟
لطالما كانت مواجهة الشارع جزءًا من المشكلة، لا من الحل. فهل يمكن للخطاب الوطني أن ينتشر في ظل هذا الخطاب العدائي الذي أغرق مواقع التواصل الاجتماعي منذ التحرير حتى اليوم، ونراه الآن ينتقل إلى الواقع بشكل علني ويزيد الشرخ بين مكوّنات الشعب السوري؟
في مرحلة دقيقة، أكثر ما نحتاج إليه هو الوحدة المجتمعية للمضي قُدمًا نحو بناء دولة كاملة الأركان، تضمن حقوق الجميع وتراعي اختلاف المكوّنات.
الترا سوريا
————————–
عام على “ردع العدوان”.. حكاية النهاية السريعة لحكم الأسد في سوريا/ أحمد العكلة
28 نوفمبر 2025
تمرّ هذه الأيام الذكرى السنوية الأولى لانطلاق عملية “ردع العدوان” التي أسقطت نظام بشار الأسد. ففي 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، انطلقت الشرارة من مخيمات الشمال السوري على الحدود التركية، حيث أعدّت الفصائل العسكرية المعارضة بقيادة أبي محمد الجولاني (أحمد الشرع) العدة على مدى أشهر طويلة. في أقل من أسبوعين، تحرّرت مدن حلب وحماة وحمص ثم دمشق، في انهيار شامل لمنظومة النظام، بالتزامن مع انسحاب القوات الروسية والإيرانية التي تخلت عن إنقاذ حليفها.
بتاريخ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، أُعلن من دمشق سقوط آخر معاقل النظام، وفرار بشار الأسد إلى موسكو، وفتح أبواب سجن صيدنايا، وتحرير الآلاف من المعتقلين.
يتحدث محمد عبد اللطيف، وهو قائد عسكري شارك في معركة “ردع العدوان”، لـ«الترا سوريا» عن مجريات العملية منذ اللحظة الصفر وحتى دخول دمشق: «كان الإعداد يجري منذ أشهر عدة. ركّزنا على ثلاثة محاور رئيسية: توحيد غرف العمليات تحت قيادة واحدة، توزيع القوات بحيث يضمن فتح جبهات متعددة في وقت واحد، واستغلال الفراغ لدى حلفاء النظام الناتج عن انشغالهما في حروب أخرى».
وأضاف: «انطلقت العملية فجر 27 تشرين الثاني من ثلاثة محاور رئيسية في ريف حلب الغربي، وفي اليوم الأول فقط سيطرنا على أكثر من 40 قرية وبلدة، ووصلنا إلى أطراف مدينة حلب من الغرب والشمال الغربي. ما ساعدنا بشكل كبير هو الانهيار المعنوي لقوات النظام منذ الساعات الأولى. كانوا يتوقعون هجومًا تقليديًا بطيئًا كما في السنوات السابقة، لكننا فتحنا في اليوم الثاني محورًا رابعًا من ريف إدلب الجنوبي الشرقي باتجاه سراقب – معرة النعمان جنوب إدلب، مما أربك قيادتهم تمامًا ومنعهم من إرسال تعزيزات عسكرية».
وتابع: «في 29 تشرين الثاني/نوفمبر دخلنا مدينة حلب بالكامل بعد انسحاب الفرقة الرابعة وميليشيات الدفاع الوطني والمليشيات الإيرانية. هنا تحوّل مسار المعركة من هجوم إلى مطاردة. تقدّمنا جنوبًا بسرعة هائلة: في 1 كانون الأول سيطرنا على خان شيخون ومعرة النعمان، وفي 3 كانون الأول وصلنا إلى أطراف حماة التي سقطت في اليوم التالي بعد السيطرة على الثكنات العسكرية، وخصوصًا جبل زين العابدين. أما المحور الأكثر حسمًا فكان فتح جبهة حمص مباشرة من الريف الشمالي الشرقي، مع تقدم موازٍ من القلمون الشرقي. عندما أدرك النظام أن حمص محاصرة من ثلاثة اتجاهات، بدأت عمليات الفرار الجماعي للضباط والجنود. في 6 كانون الأول دخلنا حمص، وفي اليوم نفسه تقدّمت قواتنا من محور الرستن – تلبيسة باتجاه دمشق عبر طريق حمص – دمشق الدولي».
ويضيف محمد عبد اللطيف: «السر الحقيقي كان في الوحدة والتخطيط والسرعة. لم نعطِ النظام فرصة لالتقاط أنفاسه، ولا لروسيا وإيران فرصة للتدخل. كان الشعب هو وقود المعركة، والمقاتلون هم من كتبوا التاريخ بأيديهم».
قبل عام بالضبط، كان سكان مخيمات إدلب الشمالية يترقبون الأسوأ بعد تحذيرات من استهداف النظام السابق للمخيمات والمراكز الصحية والمنشآت الحيوية والمدارس بالطائرات بهدف ارتكاب مجازر بحق المدنيين.
أسامة طارق، من سكان مخيم دير حسان الواقع بالقرب من الحدود السورية-التركية، يقول لـ”الترا سوريا”: «في الساعات الأولى للمعركة، أرسلنا النساء والأطفال إلى مناطق بعيدة عن خطوط الجبهات خوفًا من أن ينتقم النظام بمجازر في المخيمات كما فعل سابقًا، خصوصًا أن قواته لم تكن تبعد سوى بضعة كيلومترات عن المناطق المكتظة بالنازحين».
ويتابع: «لكن بعد يومين فقط، وعندما سمعنا أن حلب تحرّرت كاملة، بدأنا نصدّق أن شيئًا تاريخيًا يحدث. وفي يوم دخول دمشق لم ننم ليلاً؛ خرجنا إلى الشوارع نكبّر ونوزّع الحلوى، وبكينا فرحًا لأننا سنعود يومًا إلى بيوتنا».
أما النازحة هدية الزاكي من ريف حماة الشرقي فتقول: «كنا نظن أن أقصى أحلامنا هو أن يتوقف القصف. لم يخطر ببالنا أن نرى دمشق محرّرة وصيدنايا مفتوحة وبشار هاربًا. كان ذلك اليوم عيدًا مثل عيد الفطر والأضحى معًا».
وتضيف: «أقصى ما كنا نطمح إليه في هذه المعركة هو إبعاد مواقع النظام العسكرية عن المخيمات كي لا يستهدفها بالقذائف، مع خشيتنا من فشل المعركة وتقدّم النظام للسيطرة على مناطق المخيمات وإجبار النازحين على “المصالحة” والعودة للعيش تحت سلطة القتلة».
وقد اختير اسم “ردع العدوان” – الذي أعلن عنه المقدم حسن عبد الغني المتحدث باسم المعركة – ليكون ردًا مباشرًا على سنوات من القصف المنهجي على المدنيين ومحاولات تهجير إدلب بالكامل من قبل النظام السابق وحلفائه الروس والإيرانيين.
الناشط الإعلامي محمد القدور يؤكد في حديث لـ “الترا سوريا” أن «إدارة المعركة إعلاميًا كانت احترافية بشكل كبير، وذلك بسبب التنسيق الواضح بين مديرية الإعلام في إدلب والإعلاميين بهدف الالتزام بالنشر من المعرفات الرسمية فقط، وإضعاف الروح المعنوية لدى جنود النظام، ومحاولة استقطاب من يرغب بالانشقاق، وهو ما ساهم في انهيارات كبيرة».
ويضيف: «كانت المعركة – بحسب ما وصلنا – تهدف في البداية للسيطرة على حلب فقط، ووضعت غرفة العمليات خطة قتالية لمدة عام كامل، لكننا لم نتوقع الانهيار السريع للنظام، والذي حال دون تمكّنه من الرد على المدنيين وارتكاب المجازر».
الترا سوريا
———————————-
عملية ردع اليأس السوري/ أحمد جاسم الحسين
2025.11.30
لا تحتاج عملية ردع العدوان لمبالغة في اللغة لتوصيفها، أو ضرورة اختيار مفردات جديدة أو الحرص على إظهار بلاغة، يحاول فيها المتحدث أن يجد مفردات وجملاً تليق بها، لسبب بسيط أنها هي ذاتها اللغة الجديدة والبلاغة واستعادة الصوت، حيث رفع السوريون رؤوسهم ومشوا بفخر بعد أن مرت عليهم سنوات صعبة جداً، وبات كثير منهم يتسابق في إعلان انتمائه لصانعي الحدث!
لستَ مضطراً أن تكون لغتي لغتك، أو شعوري شعورك، أو لساني لسانك أو صوتي صوتك، ربما لا تشاطرني ما أقوله، هذا خيارك، وصوتك، لك الحق في قول ما تريده، أما أنا فهذا صوتي وشعوري ولغتي ووجودي وكياني!
الصخور التي تراكمت على كتفي ولا يشعر بها الآخرون لم تتفتت إلا بعد عملية ردع اليأس!
كانت أحوال السوريين النفسية في أسوأ أحوالها، وأكثر المتفائلين يحلم بالمحافظة على الوضع السوري الراهن آنئذ ويرتب عمره لشتتات طويل، تفاصيل المشهد كانت تقول:
أحوال اقتصادية مدمرة للسوريين في مناطق النظام البائد مع استغلال لا حدود له من النظام المتوحش وخوف صار جزءاً من الشخصية السورية!
بحث عن قبر في بلاد دافئة لمن سافر، وحسرات يومية تعلو حين يتم النظر إلى مفاتيح البيت الذي تهدم، ورغبة بعدم سؤال الأولاد متى سنعود وهل يمكن أن نرى بلدنا الأم!
خطط طويلة الأمد لمن هم في الدول المجاورة لكي يبقوا أو يحصلوا على الجنسية، محاولين غضّ النظر عن إهانات وجودية، ذنبهم الوحيد أن بلدهم تدمرت!
نظرات تعاطف من قبل معظم أبناء العالم نحو السوريين، أخذت تتلاشى أولاً بأول من قبل الدول المستضيفة!
حالات طلاق كثيرة بين اللاجئين السوريين أحد أسبابها الرئيسية اليأس!
حديث ممتلئ بالحسرات، من الآباء للأبناء عن بلد جميل تم طردنا منه اسمه سوريا!
وسط هذا المشهد الذي لا تكفي كتب كثيرة لتصف حالة تفشي اليأس فيه، جاءت عملية ردع اليأس، ولأن اليأس لغة حياة معظم السوريين قال كثير منهم: يكفينا ما فينا يا أيها المقاتلون! لا نريد خسائر جديدة!
كل المعطيات السياسية والنفسية والاجتماعية والدولية والمحلية والعربية والدولية تقول عن عملية ردع اليأس إنها ستكون صفحة يأس وتدمير جديدة ستضاف إلى اليأس الذي أقام بدريار السوريين في السنوات الأخيرة!
ليس هذا علامة موت أو قراءة خاطئة من قبل السوريين، بل علامة قراءة معطيات ومعلومات متوفرة عبرة وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث، وأينما اتجهت لا تجد ما يدحض هذه القراءة!
“حكمك على الشيء جزء من تصوره”، والتصور الذي كان بين أيدينا هو نظام بائد كان يدعمه معظم العالم أو يقبل وجوده، ومعارضة عسكرية أقصى طموحها المحافظة على ما بين يديها!
أيُّ يأس كان يطبق على أرواحنا ويطحنها، تلوكنا عجلاته كل صباح، ونتقلب على لظى جمره آناء الليل وأطراف النهار، نعلّل النفوس بنجاح هنا أو نجاح هناك كي نكمل طريق الحياة اليائس!
التغلب على اليأس العابر أو الإحباط أو الانكسار عادة ما يكون باستحضار خلفيات اجتماعبة أو دينية أو فكرية، غير أن استعصاء الملف السوري وتناقص عوامل الأمل مع ما هو موجود على أرض الواقع جعل عملية ردع اليأس هي الحل الوحيد لإعادة استزراع الأمل في النفس السورية، هذه النفس التي باتت اليوم تعبر بأعلى صوتها، دون خوف: موالية ومعارضة وناقمة ومحبة وحاقدة، إنها مرحلة استعادة السوريين لصوتهم.
قد تكون عوامل الفرح لدى موالي السلطة حالياً أو المتضررين من السلطة السابقة أكثر من سواهم، لكن عملية ردع اليأس هي حالة ولادة ثانية ونوع من “استئناف” القول والحياة في التاريخ السوري، ذلك التاريخ الذي تم تكليسه وتعليبه وتجميده فترة طويلة: الوجوه ذاتها والخطاب ذاته والخراب والفساد ذاتهما!
الانتصار على اليأس في النفس السورية المبني على عملية ردع العدوان هو أهم ما حققته للتاريخ السوري والشخصية السورية، التي أعطت مثالاً مهماً للعالم بأن الإرادات إن وجدت لا يمكن قهرها، وفي أعلى مراحل اليأس وفقدان الأمل تتولد لحظة نصر وانبثاق غير متوقعة، ومثل هذا يتقاطع مع الخطابات الدينية والإنسانية والبشرية، قد يسميها البعض لحظة “كن فيكون” وقد يسميها آخرون”إرادة الشعوب” وقد تسمى “وعد الحرية” وقد تسمى توافر الظروف الموضوعية للنصر” إلا أن الأهم من كل ذلك أنها لحظة قطيعة مع اليأس وتولد للأأمل يجعل الحوار ممكناً والنقاش وكل التفاصيل قابلىة للأخذ والرد بين السوريين؛ أياً كان موقعهم السياسي أو الديني أو القومي أو الجغرافي.
الاحتفال باللحظة لمن يقرأ التاريخ السوري ليس ملكاً لسوري ما، بل يجب على الجيمع أن يفرح ويتحاور ويناقش ويمشي إلى الأمام، لأن الفضاء الذي أتاحته عملية ردع اليأس هو ملك للجميع فلا تقصر خطاك أو تتراجع أخي/أختي السوري، ولا تنتظر أن يمنحك أحد الفرصة لأنها ملكك وحدك، وأنت القادر على خوضها والغوص فيها والمشي في رمالها ومتاعبها وموجاتها، ولا تترك أحداً يخذها منك!
ردع اليأس والعدوان لحظة استئناف القول في التاريخ السوري، وفرصة مناقشة كل الاحتمالات، التي ربما كثير منها لا يسعدك أو يحقق كل أمانيك، لكن هذه حركة الشعوب، الخارجة عن قوانين الفيزياء في مرات عدة، عليك ألا تتوقع أن كل الفعل ورد الفعل هو ملكك وحدك لأنه في سوريا هناك شركاء وظروف موضوعية وغير موضوعية تتحكم في المسار، وفي مآل الأمر الدول تبنى أولاً بإرادة مواطنيها، وما ردع العدوان واليأس إلا دليل على أهمية إرادة المواطنين مهما كانت العوامل الخارجية مهمة وضرورية ومؤثرة!
تلفزيون سوريا
——————–
في الذكرى الأولى لردع العدوان/ فاطمة ياسين
30 نوفمبر 2025
لا يشبه عنوان “ردع العدوان” عناوين الهجمات السابقة التي كانت تشنها الفصائل المعارضة على قوات النظام في السنوات الأولى من الثورة المسلحة، إذ كانت العناوين حينها مستوحاة من التاريخ الإسلامي أو من إرث مواجهات جرت أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات بين مجموعات إسلامية مسلحة والقوات العسكرية (والأمنية) للنظام.
توقفت الهجمات الكبرى للمعارضة منذ عام 2020، وهدأت خطوط التماسّ وذهبت في ركود تكلّست خلاله مفاصل النظام الذي واجه انهيارات متلاحقة في اقتصاده، وتهاوت سمعته بين أنصاره، وبقي يعيش بمقويات من تمويل إيران حتى بدأت قنواتها بالجفاف هي الأخرى، فأخذ النظام يعتمد بقوة على مصانع الكبتاغون التي انتشرت على بقاع واسعة من سورية، وفي أقبية الفيلات والقصور الفخمة لأنصار السلطة والمحميين رسمياً منها. تُرك النظام في السنوات الخمس الأخيرة من عمره ليتفسخ بهدوء وبطء، وصولاً إلى لحظة “ردع العدوان” التي جاءت بصيغة دفاعية لمزيد من التعمية، ولكن فصائل المعارضة أوغلت في جغرافيا النظام، فتهاوت سلطته على المحافظات، الواحدة بعد الأخرى. سلكت قوى المعارضة بعض القرى والمدن خلال ساعات من دون اشتباكات تذكر، منها دمشق التي فرّ منها القادة الكبار، وفي مقدمتهم من كان يسمّى “الرئيس”، فلم يمضِ منتصف ليلة 7 ديسمبر/ كانون الأول حتى استقل طائرة خاصة على عجل فارّاً إلى موسكو، دخل أحمد الشرع في ظهيرة اليوم التالي دمشق، وظهر في ساحة الأمويين، معلناً انتصار قوات المعارضة والتخلص النهائي من نظام الأسد الذي حكم عقوداً.
حمل سقوط النظام السريع قيماً سياسية واقتصادية، وكان إيذاناً بدخول مرحلة جديدة تصدّرها تيار الرئيس الشرع بعد مؤتمر النصر في قصر الشعب، وحضره جميع القادة العسكريين الذين شاركوا في عملية ردع العدوان. قدّم الشرع نفسه وتياره السياسي – العسكري بطريقة جديدة ومغايرة للصورة التي ظهر عليها في إدلب، وألزم نفسه بحماية الأقليات وإفساح هامشٍ واسعٍ للحرية، وألغى إجراءاتٍ وقراراتٍ كثيرة كانت سائدة في عهد النظام الهارب، كالخدمة الإلزامية. وكان دخول قوات المعارضة المدن يتلازم مع فتح السجون، ليخرج منها كل المعتقلين السياسيين، وقد ظهر حينها مزيدٌ من القصص المأساوية المؤلمة، ما أعطى لعملية ردع العدوان قيمتها الأخلاقية، وشهد عهد ما بعد السقوط تحوّل انعطافي للسياسة السورية، فقد اختفت من الشوارع شعارات إيران العسكرية والمذهبية وألوانها، وأغلقت القوى السياسية الجديدة الباب في وجهها، وتوجّهت نحو الانفتاح على باقي الدول، وتقاربت مع أميركا والغرب، وصولاً إلى لحظة دخول الشرع البيت الأبيض، وقرارات رفع العقوبات التي كانت مفروضة على سورية، وبعضها يعود إلى عام 1979، بما يعطي الفرصة لهذا البلد بالنهوض من جديد. ووعدت حكومة الشرع باتّباع سياسة الاقتصاد المفتوح لدفع النهوض، وشهدنا أخيراً نشاطاتٍ اقتصاديةً كثيرةً في دمشق وباقي المدن.
اكتملت تقريباً الهياكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة الجديدة بعد مضيّ سنة من المهلة التي طلبها أحمد الشرع لنفسه، والمحدّدة بخمس سنوات، ورغم السرعة في البدء بإعادة بناء الدولة ووضعها على مساراتها، بما يعكس نجاحاً ملحوظاً. ولكن يبقى التهديد الجدي متمثلاً بالشروخ الواضحة على النسيج السوري، سواء في الشرق الذي تسيطر عليه قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أو جنوباً في السويداء، وكانت محافظات الساحل قد شهدت مظاهرات ترافقت مع ذكرى بدء معركة ردع العدوان. التغلب على كل الشروخ هي المهمّة الجديدة لحكومة الشرع، وهو يتبنّى حتى اللحظة سياسة الصبر ومحاولة اللجوء إلى الحوار أو الانتظار المترقب، ولكن لا تبدو هذه السياسة ذات مدى بعيد. وكما كانت عملية “ردع العدوان” مفاجئة وحاسمة، قد تكون بداية السنة موعد تحرّكات مشابهة وعاجلة تجاه الملفات التي ما زالت مفتوحة، من دون تحييد خيار التفاهم.
العربي الجديد
———————————–
عن أرضية معركة «ردع العدوان»/ حسام جزماتي
2025.12.01
أسهمت عدة عوامل في إعطاء انطباع صادم بنتائج الحملة العسكرية التي جرت في مثل هذه الأيام من العام الفائت ورفعها إلى مستوى «المعجزة» لدى كثيرين. ومع تراكم الروايات والاحتفالات أخذت الصورة عن ما قبل انطلاق المعركة تتباعد وتبهت كما يحدث مع أي مفصل هام، غير أن استعادتها لازمة لفهم الشعبية التي ولّدتها «سكرة» التحرير وما تزال تضخ الماء في طاحونة الحكم.
كان السوريون في الداخل قد توزّعوا على أربع مناطق سيطرة، في حين انتشر ملايين على دول الجوار وفي المنافي. وكان القنوط من احتمال سقوط النظام هو السائد. فعمد اللاجئون إلى الانخراط في إجراءات الاندماج، الكريهة والعسيرة بالنسبة إلى أكثرهم، ووطّنوا أنفسهم على عدم العودة إلا بزيارات لغير المطلوبين.
وكان سكان مناطق سيطرة نظام الأسد قد تأقلموا، اضطراراً وبالتدريج، مع اهتراء الخدمات. من كان يؤيده شعر بانتصار لا مكان لصرفه واقعياً. ومن اختار الرمادية ربّت على كتف نفسه، من دون حماس، لأنه بقي في الضفة «الآمنة». أما بقايا الثوار والمعارضين فقد ازدردوا الهزيمة بغصّة وتشاغلوا بشؤونهم الفردية. في حين انهمك سكان مناطق سيطرة «الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا» في سياقها الخاص، من دون أن يملكوا ما يكفي من الفضول والفراغ لمتابعة ما يجري في أنحاء أخرى. وكانت المساحة التي عُرفت بصفة «المناطق المحررة» مقسومة على سلطتين؛ «الحكومة المؤقتة» التابعة للائتلاف و«حكومة الإنقاذ» المرتبطة بهيئة تحرير الشام. اتسمت الأولى بتعدد الفصائل وتجدد الاحتكاكات بينها وبضعف السلطات المحلية، في حين كان للثانية مسارها الخاص الذي تبلور منذ العام 2020. ففي آذار من تلك السنة وقّع الأتراك والروس اتفاقية هدنة أوقفت حملة عسكرية طويلة وظافرة بدأها النظام منذ العام السابق، وأدت إلى خسارة مدن مركزية وأراض شاسعة، لتنحصر سلطة «الهيئة» في مدينة إدلب وأرياف قريبة محدودة حولها.
فاقمت الهزيمة أعداد النازحين إلى المنطقة حتى بلغوا نصف عدد سكانها، منهم أكثر من مليون في المخيمات، إذ إن أغلبية أهالي المناطق التي تمت خسارتها غادروها بسبب خلفيتها الاحتجاجية. وصار هؤلاء رأس حربة المطالبة بفتح معركة تعيدهم إلى بيوتهم وأراضيهم الزراعية التي استباحها النظام. وفي ظل الضيق والبؤس، والأرضية الجاهزة لنظرية المؤامرة، شاع تفسير ما جرى على أنه «استلام وتسليم» بين النظام و«الهيئة» نتيجة لاتفاقيات مجهولة. أما من أحسن الظن فجزم أن «الهيئة» لم تضع كل ثقلها في المعركة، تاركة العبء الأكبر على عاتق المقاتلين المحليين، لتحتفظ بقواها لحماية معقلها في إدلب لو تطور الهجوم وامتد.
ومن جهة أخرى اتسم الحكم الاقتصادي للمنطقة بتعدد الضرائب والجبايات وارتفاعها، وبتحصيل الزكاة عبر مؤسسة خاصة أنشأتها «الهيئة»، من دون أن يوازي ذلك تحسن في الخدمات من وجهة نظر السكان الذين كانوا يلاحظون تنامي المولات والمشاريع الكبيرة التي ترتبط باسم هذا وذاك من «الأمراء»، مما أشاع مناخاً من الإحباط لأننا «كنا ببشار وصرنا بمية بشار» كما عبّرت جملة متكررة، في حين تنافس عدد من الأسماء البارزة مالياً على لقب «رامي مخلوف المحرّر».
في ربيع العام 2024 اندلعت الاحتجاجات ضد قيادة «الهيئة» على خلفية «قضية العملاء» التي اعتقل فيها جهاز الأمن العام بضع مئات معظمهم من الجناح العسكري. ورغم أن أعداد المتظاهرين لم تصل إلى أرقام حرجة إلا أن مطالبهم كانت ذات شعبية واسعة، وخاصة ما تعلق منها بالمعيشة وبهاجس ملحٍّ هو «فتح الجبهات» لإعادة النازحين الجدد إلى مناطقهم على الأقل. فنتيجة لالتزام «الهيئة» بالهدنة أمسكت بخطوط التماس وجمّدتها إلا من المناوشات، ومنعت المتحمسين من تجاوز هذه السقف. مما جعلها، في نظر الغاضبين الذين يشكّلون أكثرية، حارساً فعلياً للحدود التي يتنعّم فيها أمراؤها بالسيطرة والمال في «قصور سرمدا».
على رأس هؤلاء كان أبو محمد الجولاني، الذي استهدفه المحتجون بالنظر إلى السلطات الواسعة التي جمعها بين يديه. وفي الأشهر القليلة التي سبقت معركة «ردع العدوان» كانت شعبيته في أدنى درجاتها فهو، في معايير المحتجين الكثيرين عليه حينئذ، «مجهول النسب»، لا ينتمي إلى المنطقة التي لم يخسر فيها بيتاً ولا قدّم لها شهيداً من عائلته الغامضة.
قبيل المعركة بأسابيع سرت الشائعات عن قرب اندلاعها، لتدرأ «الهيئة» عن نفسها سيل الاتهامات المتصاعد، ولـ«ردع العدوان» الذي لم يتوقف على مناطق سيطرتها مما أوقع ضحايا بشكل مستمر، وأحياناً مجازر. لكن انتشار أخبار قرب المعركة دفع كثيرين إلى التشكيك في إمكانية حدوثها وهي بهذا الانكشاف، في حين حذّر العديدون من نتائج معركة غير محسوبة يدفع إليها الضغط الشعبي، قد تؤدي إلى خسارة ما تبقى أمام قوات النظام التي كانت تهمر من بعيد وتتوعد باجتياح إدلب عندما يسمح الظرف. ولم يقتصر هؤلاء، القلقون من نتائج كارثية على بعض الأهالي أو المراقبين، بل شمل قادة بارزين في «الهيئة» وحلفاء وثيقين لها.
قرر الجولاني، وعدد من قادته العسكريين، خوض المعركة بهدف تأمين حزام لمساحة سيطرته واستعادة بعض المناطق، وبأمل أن يؤدي ذلك، في أشد درجات التفاؤل، إلى دخول مدينة حلب بعد أشهر. لكن ما فاجأ الجميع هو الانهيار المتسارع لقوات الأسد الذي تبيّن أنه أوهن من بيت العنكبوت.
منذ انطلاق المعركة أعلن «تجمع الحراك الثوري» عن تعليق الاحتجاجات. ومع اشتدادها التحق أبرز أعضائه بالقتال أو بالخدمات. ومع سيطرتها على دمشق انقلب بعض أعتى معارضي أحمد الشرع، بعد تعميم اسمه الحقيقي، إلى أنصار متحمسين له مدفوعين بالشعور بالذنب ومبهورين بالإنجاز. إذ لم يتبيّن أن له نسباً ووالداً وإخوة وجيراناً فحسب؛ بل ظهر أن الآمال التي كان ينثرها «بعد نظر» وليست ذراً للرماد في العيون، وأن سكونه «إعداد»، وأن موقفه من المظاهرات ضده «حكمة»، وأن ضرائبه صُرفت لتطوير «الشاهين»، وأن «الشاصات» المحلية التي لاحقت المحتجين في إدلب ستهزم الأسد، وأن رجال الجناح العسكري المتهمين بالعمالة «مجاهدون أشداء»، وحتى أن الأمن العام الذي اعتقلهم «وجه ناصع» للسيطرة المتزنة وبسط الأمان في المناطق المحررة حديثاً. فاندلع الغرام بكل ذلك وما يزال مستمراً.
تلفزيون سوريا
—————————————–
واشنطن بعد “ردع العدوان”.. تموضع جديد أم مشروع مستجد؟/ سمير صالحة
2025.11.30
قلبت عملية “ردع العدوان” الموازين السورية والإقليمية رأسًا على عقب، لتفتح صفحة جديدة في لعبة النفوذ والتوازنات. يبدو أن اللاعب الأميركي هو من حصد ثمار النتائج أكثر من غيره، حيث استغل الفراغ السياسي والاستراتيجي في سوريا لصالحه بطريقة غير مسبوقة، مع إعادة صياغة قواعد اللعبة على الطاولة السورية بعد سنوات من الغياب شبه الكامل عن المشهد.
من الثوابت المعروفة في السياسة الأميركية أن لا مكان للصدف في حساباتها، وأنها لا تعود إلى أي ساحة من دون هدف محسوب. خلال عام واحد فقط استطاعت واشنطن فرض نفسها كلاعب أساسي. السؤال يبقى: ما الذي تبدل، ومن ساعد أميركا على التقاط الفرصة والعودة بهذا الزخم الذي يفتح لها أبواب صناعة الحل في سوريا؟ وهل ستتمكن من تثبيت هذا التموضع وسط التوازنات الإقليمية والدولية المتشابكة، أم أن المشروع الأميركي لم يكتمل بعد، وهناك تفاصيل وجزئيات تتطلب خلط الأوراق وتوزيع الأدوار وتقاسم النفوذ من جديد؟
ما حدث في الأيام الأولى لعملية “ردع العدوان” كان الزلزال بعينه: تفكك النظام الذي بدت قوته الروسية -الإيرانية شبه مطلقة أمام أعين الجميع خلال ساعات قليلة، وهرب الأسد وأعوانه إلى موسكو، وسقطت التوازنات المحلية والإقليمية التي كان يعتمد عليها، وظهرت مشاهد سوريا الجديدة في الميادين بانتظار أن يظهر الشرع وأعوانه أمام العدسات. واشنطن هي التي التقطت رسالة شركاء الملف السوري حول فشل كل المؤتمرات والقمم والطاولات بعيدًا عنها، حيث أصبحت الخيارات شبه معدومة، وكان مطلوبًا دعم أميركي مباشر، وهو ما تحقق سريعًا.
استفادت أميركا من التحولات التي ظهرت بعد “ردع العدوان”، من خلال طرح رؤية جديدة هدفها تسجيل اختراقات سياسية وأمنية واقتصادية تعيدها إلى قلب المشهد الإقليمي. ما ساعدها على ذلك هو التخبط المزمن في الملف السوري الذي أرهق جميع اللاعبين ودفعهم لقبول تسليم مفتاح اللعبة لأميركا، التي حققت أهدافًا ملموسة خلال أقل من عام بالمقارنة مع شركاء الطاولة السوريين الذين فشلوا رغم أكثر من ثلاثة عشر عامًا من المناورات والتخطيط.
واشنطن اليوم تتكفل بوضع الجميع تحت جناحيها في سوريا: تحاصر النفوذ الإيراني والروسي، وتنسق مباشرة مع السوريين والأتراك والإسرائيليين والعواصم العربية الفاعلة، بينما كان الآخرون يلعبون أوراق التفتيت والإيقاع بين الأطراف للسيطرة على اللعبة. هي من تطرح رسم خرائط إقليمية مستقبلية، وتعقد الصفقات، وتوزع جوائز الترضية، ما يجعلها لاعبًا محوريًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية.
كان إلتحاق واشنطن بالمعادلة السورية الجديدة مدروساً بعناية: مشهد سياسي وامني معقد على الأرض. إنسداد سياسي شبه كامل في الملف بعد أكثر من عقد على إندلاع الثورة. إصطفاف إقليمي مصحوب بالكثير من التوتر والارتباك. إدلب البقعة الجغرافية الوحيدة المتبقية بيد قوى المعارضة بمنفذ تركي يريد النظام الوصول إليه. وتحرك عسكري إسرائيلي على اكثر من جبهة مرتبطة بالمشهد السوري.
استغلت أميركا هذه البيئة بحرفية عالية: روسيا منشغلة بالملف الأوكراني وتوتر علاقاتها مع الغرب. إيران تواجه عزلة وضغوطًا إقليمية وسياسية وأمنية من كل جانب، تركيا تعيد ترتيب أولوياتها داخليًا وخارجيًا وتراقب التكتل الإقليمي الجديد الذي تحاول تل أبيب تشكيله. والعواصم العربية الفاعلة تراهن على واشنطن لبناء معادلات جديدة تعيد الاستقرار إلى المنطقة.
واشنطن اليوم ليست متفرجة، بل فاعل قادر على إعادة رسم خطوط التوازن وفرض “الواقع” الأميركي على الجميع. بين أهدافها السورية: إدارة التوازنات مع تركيا وروسيا والقوى العربية، وضبط الخطوات والمناورات الإسرائيلية، والحؤول دون عودة النفوذ الإيراني إلى سابق عهده، وتوظيف وجودها لصالح أن تكون الضامن الأكبر لأي تفاهمات إقليمية تحمي مصالحها الاستراتيجية.
بقدر ما كانت زيارة الرئيس الشرع إلى واشنطن محطة مفصلية لتحديد أولويات العلاقات بين البلدين، ولإظهار قدرة دمشق الجديدة على التفاعل مع القوى الكبرى بشروطها، دون العودة إلى تبعيات الماضي. ظهرت أيضا حسابات وأهداف اميركا في سوريا الغد والتي تتجاوز مجرد التواجد العسكري، إلى السعي لبناء شبكة علاقات استراتيجية بمسار سياسي واقتصادي مع القيادة السورية الجديدة.
تعلمنا تجربة سوريا الجديدة أن القوة ليست في التحدي العسكري وحده، بل في قراءة تحولات المشهد السياسي والتعامل معها عبر استثمار الفرص، وسط شبكة من التوازنات المحلية والإقليمية. نجحت أميركا في قراءة اللحظة واستثمار التطورات المتلاحقة لذلك تجلس اليوم أمام طاولة المساهمة في بناء سوريا الجديدة والمشاركة الفعلية في رسم خطط التفاهمات والتسويات، وإثبات قدرتها على ضبط الإيقاع السياسي والأمني بتفرعاته الإقليمية.
وتثبت تجربة واشنطن في سوريا الجديدة أن التحرك المبكر والشراكة الاستراتيجية مع القوى الإقليمية، واستثمار الفراغ السياسي والفرص المتاحة، ودعم البيئة الإقليمية والدولية، من الأمم المتحدة وحتى الاتحاد الأوروبي منحتها جميعا فرص ضبط الإيقاع السياسي والأمني في سوريا اليوم.
في الشرق الأوسط، لا تتغير الأمور إلا عندما تتعرض حسابات الكبار ومصالحهم للخطر. وسوريا لم تكن بعيدة عن هذه المعادلة التي سهلت جلوس اللاعب الأميركي على رأس الطاولة الجديدة. من هنا تقدم سوريا الجديدة، مساحة للولايات المتحدة يمكن من خلالها أن تلعب دورًا محوريًا في صياغة المعادلات والتوازنات في إطار الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية ، لكن الأولوية هي المساهمة في عملية إعادة بناء سوريا ودعمها في مسارها الإنتقالي.
نجحت واشنطن في اقتناص اللحظة، لكن المشهد السوري ما زال يحتاج الكثير من الجهد والصبر. ويبقى السؤال: هل ستتمكن أميركا من تثبيت موقعها وسط شبكة التعقيدات السورية والإقليمية المتحركة، أم أن الترتيبات المقبلة قد تفرض مشهدًا لا ينسجم مع حساباتها في سوريا؟
تلفزيون سوريا
————————-
عن ردع العدوان.. خفايا وحقائق لا تُصدق/ عبد الناصر القادري
2025.11.27
قبل سنة من الآن، كانت أكثر أحلامنا تفاؤلًا هو الوصول إلى أماكن سيطرتنا القديمة في حلب، وتخفيف الضغط عن إدلب وريف حلب ومخيمات النازحين في الشمال السوري، ومن ثم تحرير حلب بكلفة قد تكون عالية وفق توافق دولي ينهي ملف تدفق اللاجئين والنازحين المستمر، وهو الاسم الذي حملته “ردع العدوان” وانطلقت على أساسه.
كان التوقيت والهدف هو حلب بشكل واضح؛ العصائب الحمراء تفتح الطريق، ثم كتيبة خالد بن الوليد تكمل المهمة. وخلال أقل من 72 ساعة كانت حلب بيد ثوار عملية “ردع العدوان”، وأعلنوا استمرار الطريق باتجاه حماة، حيث عقدة المعركة العسكرية التي أسقطت النظام نهائيًا.
بشار الأسد كان في روسيا يحضر حفل تخرج ابنه، لكنه لم يلتقِ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ثم عاد إلى دمشق ظنًّا منه أنه مجرد تحرك عسكري تركي بأيادٍ سورية ستتكفل بهم الدول، والحقيقة أن قراءة المغفل للمعركة زادت من سرعتها ونتائجها وعظمتها أيضًا.
اختراق جبهات العدو في ريف حلب الغربي على مدار تدريب أشهر ساعد في عنصر المفاجأة والتقدم، فقد عقدت عملية ردع العدوان عدة اجتماعات مع مختلف التخصصات، وهيأتهم للعملية نفسيًا ومعنويًا وعسكريًا وإعلاميًا وخدميًا. وكانت كل خطوة مدروسة ومحسوبة، لكن لا أحد يعلم التوقيت ولا شكل المعركة إلا قلة قليلة من المحيطين بإدارة العمليات.
عمل جهاد عيسى الشيخ المعروف باسم أبو أحمد زكور (حليف الشرع القديم، ثم المناوئ المطلوب رأسه، وأخيرًا الحليف من جديد) على تحييد العشائر المتحالفة مع إيران في ريف حلب، خصوصًا لواء الباقر الذي كان أقوى الميليشيات، وأسهم في كشف نقاط مركزية مهمة من خلال تنسيق غير معروف التفاصيل حتى اليوم. إلا أن الشرع نسّق مع العديد من الخصوم والمختلف معهم في معركته الحاسمة، بما في ذلك أحرار الشام والجبهة الشامية وحتى فصائل من الجيش الوطني.
عملت شخصيات في النظام على تمرير معلومات مهمة عن كل تفاصيل الجبهات في ريف حلب الغربي لأحمد الشرع مباشرة، وفق قنوات تواصل قديمة (بعضها لا نحبه ولا نحبذه، ولكن كان لها أهمية كبيرة في سير المعركة). تركزت هذه المعلومات مع بدء انسحاب ميليشيا حزب الله وضباط إيران من معظم مناطق شمال ووسط سوريا، وساعد عدم انخراط الميليشيات العراقية التي حاولت التشويش، لكنها لم تكن تجرؤ على دخول سوريا لأسباب متعلقة بنفوذ إيران المتآكل والمستهدف.
ساعدت منحة بشار الأسد المالية الزهيدة لجيشه وضباطه في خضم المعركة في ترك الجبهات والفرار، فقد علموا أنهم وقود حرب قد انتهت.
لعبت مسيرات “الشاهين” دورًا جوهريًا في بث رعب منقطع النظير في صفوف العدو، شبيهة بالحالة التي عاشها الجنود الروس في أوكرانيا؛ مسيرات تلاحق الجنود والضباط وتلتقط آخر صورهم. كما أعطت “الشاهين” أملًا مضاعفًا وهمة عالية للمقاتلين في الميادين بأن هناك ما يساندهم في الأجواء، بعد الاتكال على الله.
كان خوف جنود النظام من المفخخات التي سبق أن استخدمتها الهيئة هزيمة معنوية أخرى أضيفت لنفوس الشبيحة والمقاتلين.
في المقابل، أسهمت خطة قبول استسلام مقاتلي النظام مقابل حمايتهم في منح مساحات خضراء على الخريطة العسكرية للعملية، وكانت خطة ذكية ومهمة.
لم يشكّل النظام غرفة عمليات عسكرية ميدانية، بل أبقى قواته في ضياع حول مَن سيتخذ القرار، وظهر ذلك في كل تصريحات مسؤوليه. كما أن خيارات المواجهة اختلفت من مكان إلى آخر، وتركزت في جبل زين العابدين وقمحانة ومدخل حماة، التي تركت انطباعًا استثنائيًا بأن النظام قد سقط ميدانيًا على المساحة الأكبر من سوريا على الأقل.
لعب تلفزيون سوريا دور “بيضة القبان” الإعلامية (مع عدم إنكار دور المراسلين الحربيين والمستقلين وكل موقع أو صفحة أو ناشط أسهم في نقل تفاصيل المعركة). نتحدث هنا عن تغطية تلفزيونية فريدة من نوعها.
فقد اتخذت إدارة التلفزيون قرارًا تاريخيًا بالانحياز للمعركة مباشرة ودعمها بكل قوة عبر تغطية شاملة من دون نوم أو كلل أو ملل بدأت أيام المعركة الـ11، ثم استمرت على مدار 24 ساعة إلى اليوم.
كان معظم المراسلين والمصورين المرافقين لهم على علم بالحدث العام من دون معرفة التوقيت وتفاصيل الوجهة، ثم انتشروا خلف صفوف المقاتلين ونقلوا لنا أجمل الصور والفيديوهات كأننا في أرض المعركة (لهم قبلات على الجبين جميعًا).
شكرت إدارة العمليات العسكرية في بيان رسمي كل وسائل الإعلام، وتلفزيون سوريا بشكل خاص، على التغطية الإعلامية الشاملة للمعركة، في الوقت الذي غابت فيه كل وسائل الإعلام الكبرى، وبعضها كان ينقل بيانات النظام ويتبنى أجندته.
قالت مصادر خاصة لي إن تلفزيون سوريا أسهم في تحرير مناطق قبل أن تُحرَّر فعليًا من خلال العواجل التي كان ينشرها أحيانًا، ما كان يبث الرعب في صفوف قوات النظام. وهذا ما أكده الرئيس أحمد الشرع في أكثر من مناسبة عن الدور المهم الذي أداه التلفزيون في يوميات المعركة.
في المقابل، لم يكن إعلام النظام سوى استمرار للفشل الاستراتيجي الذي كان يعيشه منذ عام 2011، ما جعل تلفزيون سوريا المحطة الأكثر موثوقية على مدار كل أيام المعركة. كانت تصلنا صور المتابعة من دمشق والساحل السوري وحمص ومن كل أطراف العالم. في الحقيقة كان هناك مقاتلون حقيقيون على الأرض لهم صوت عالٍ بثه تلفزيون سوريا على شاشته ومعرفاته. وتناقل السوريون ذلك على صفحاتهم وحساباتهم أو كانوا يتابعون تفاصيل التفاصيل سرًا، لم يناموا متسمرين على شاشات التلفزيون أو الهواتف لحظة بلحظة، في الوقت الذي كان تاريخ سوريا يُكتب.
شكّلت البيانات التي أصدرتها الهيئة السياسية لعملية ردع العدوان تطورًا غير مسبوق في سير المعركة، إذ أعطت بعدًا استراتيجيًا قرأ الواقع الدولي والسياسي بشكل دقيق، وكشفت أن التغيير قد حصل، وأن التفاوض ممكن ومتاح وهو فرصة اليوم. وقد حدث ذلك.
في الوقت نفسه، كانت حماية البعثات الدبلوماسية والقنصليات في حلب ودمشق أمرًا استثنائيًا في خضم معركة يخرج فيها الطابور الخامس، خصوصًا أن قوات بشار الأسد قد ألقت أسلحتها وخلعت ثيابها وغادرت تاركة كل شيء خلفها، في حين كانت قوات “ردع العدوان” تأخذ أماكنها الجديدة بكل يسر وسهولة وترحاب شعبي.
كان تأمين الخبز في اليوم الأول من تحرير حلب لكل السكان من المشاهد التي لا تُنسى. سيارات المنظمات الثورية خرجت من إدلب وريف حلب لمساعدة السوريين بمختلف ألوانهم وأشكالهم، ما أعطى نموذجًا استثنائيًا بما يمكن أن تفعله المعارك المدروسة والمتوافقة مع أخلاق السوريين وثقافتهم ودينهم وقيمهم.
في حماة، كانت المدينة تغلي من الداخل بانتظار اللحظة التي سيدخل فيها ثوار التحرير إلى ساحاتها. لم تكن أيام ريف حماة، خصوصًا في جبل زين العابدين وقمحانة، سهلة أو بسيطة، فقد ارتقى معظم شهداء المعركة هناك. إلا أن المهمة تمت مع تحولها إلى الأخضر في اليوم الخامس من كانون الأول 2024.
في لحظة تاريخية عاشها السوريون دخلت فصائل “ردع العدوان” إلى وسط مدينة حماة معلنة السيطرة على المدينة بعد معارك دامية استمرت ثلاثة أيام، معيدة الزمن إلى ما قبل عام 1963، يوم سيطر حزب البعث على سوريا، مرورًا بواحدة من أبشع المجازر والاعتقال والتهجير القسري التي ارتُكبت بحق السوريين في مدينة أبي الفداء عام 1982، وصولًا إلى عصر ذلك اليوم.
في ذلك اليوم، بدأ التحرك الدولي بشكل أوسع، ودُعي إلى نقاش الملف السوري على هامش منتدى الدوحة في قطر. كان سير المعركة مستمرًا على الأرض من حماة باتجاه حمص، وسبق للشرع أن نسّق مع غرف الجنوب السوري مع فصائل محددة في درعا والسويداء وريف دمشق.
حاولت روسيا تأخير الفصائل في حمص بعد قصفها لجسر الرستن، لأسباب متصلة بالترتيبات الدولية التي كانت جارية فعليًا في الدوحة، إلا أن قوات النظام كانت قد انهارت فعليًا في أجزاء واسعة من درعا وريف دمشق والسويداء. وفي المقابل عُقد الاجتماع الأول بين إيران وتركيا وروسيا في فندق الشيراتون بالدوحة، ثم الاجتماع الثاني بمشاركة قطر والسعودية والأردن ومصر والعراق وإيران وتركيا وروسيا، والذي أصدر بيانًا مشتركًا بشأن سوريا ناقش الأوضاع ووضع التصورات الآنية لرؤية مستقبلية. وبعد أقل من ساعتين كان بشار الأسد قد هرب من قصره.
أحد المصادر التركية المطلعة على الاجتماع في الدوحة قال لي حرفيًا: “بشار الأسد قد انتهى أمره إلى غير رجعة، سقط النظام”. إلا أنه لم يكن يمكن التأكد من ذلك 100% بالنسبة لي، ولكنني قلتُ في مداخلتي على شاشة تلفزيون سوريا من الدوحة في حدود الساعة 12:44 دقيقة من يوم 8 ديسمبر/كانون الأول إن كل المصادر تؤكد لنا بالدوحة أن النظام قد انتهى، وما هي إلا مسألة وقت.
في الساعة 5:08 دقائق فجرًا، كان تلفزيون سوريا أول من يعلن هروب بشار الأسد إلى جهة غير معلومة، ودخل الزميل والصديق العزيز وسيم الإخوان التاريخ بإذاعته الخبر وبكائه على الهواء مباشرة (في لحظة إنسانية وثورية معاً) معلنًا نهاية نظام الأسد وطي صفحة الاستبداد في سوريا، في نفس اليوم بدأ يرجع ملايين السوريين إلى بيوتهم المهدمة التي ما زالت قائمة بعد أن ظنوا كل الظن ألا تلاقيا.
تلفزيون سوريا
——————————-
فكّ لغز الموقف الروسي من “ردع العدوان”.. لماذا وقفت موسكو على الحياد؟/ فراس فحام
2025.12.01
بعد مضي عام كامل على عملية ردع العدوان التي انطلقت في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، وأفضت إلى إسقاط نظام الأسد في أقل من أسبوعين، لا تزال المعلومات المتاحة حول حقيقة الموقف الروسي من العملية لا تعطي تفسيراً واضحاً عن الأسباب التي دفعت موسكو للتعاطي بشكل باهت مع الحدث على الرغم من الدعم الكبير الذي قدمته لنظام الأسد منذ آواخر عام 2015، وتدخلها العسكري الذي حال دون سقوطه عندما كان يترنح قبل هذا التدخل.
تململ روسي من الأسد
وفقاً لما أكده مصدر دبلوماسي مطلع لموقع تلفزيون سوريا فإن العلاقة بين موسكو والأسد اعتراها شيء من التململ الروسي، نظراً لحالة التصلب التي عاشها نظام الأسد، ورفضه غالبية المقترحات الروسية حول إجراء بعض التغييرات التي من شأنها أن تسهل عملية تسويق النظام مجدداً على الساحة الدولية.
بحسب المصدر فإن روسيا وجهت لنظام الأسد في أب/ أغسطس 2024 تحذيرات واضحة بضرورة ابتعاده عن إيران، والعمل بشكل جدي على منع تدفق الأسلحة الإيرانية إلى الأراضي السورية ولبنان، من دون استجابة من طرف نظام الأسد.
أيضاً، تشدد نظام الأسد كثيراً تجاه المساعي الروسية لتطبيع العلاقات بينه وبين تركيا، فقد كانت ترى موسكو أن محاولة أنقرة العمل في الملف السوري وفق مقاربة جديدة هي فرصة لإحداث تقارب بينها وبين دمشق، إلا أن نظام الأسد أبدى تعنتا كبيرا، وأظهر استجابة أكبر للرؤية الإيرانية.
حسابات روسيا الخاصة مع الغرب
منذ اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا مطلع عام 2022 ركزت موسكو أولوياتها بشكل أكبر على هذا الصراع الذي أصبح الغرب بقيادة الولايات المتحدة طرفاً رئيسياً فيه.
وبحسب مصادر دبلوماسية مطلعة في موسكو، فإن الجانب الروسي تصرف بسلوك أقرب للحياد حيال التصعيد الذي اندلع في قطاع غزة من جراء العملية العسكرية الإسرائيلية على القطاع عقب هجوم 7 أكتوبر، واستمر هذا النهج الروسي حتى مع دخول إيران على خط التصعيد.
المصادر أشارت إلى أن روسيا لم تكن ترغب بوضع نفسها في سوريا موضع المدافع عن النفوذ الإيراني، خاصة مع الترجيحات بأن دونالد ترمب سيعود إلى البيت الأبيض ويفوز بالانتخابات التي كانت مقررة نهاية عام 2024، إذ كانت المعطيات لدى موسكو تؤكد أنه سيحقق فوزاً كبيراً على منافسه الديمقراطي جو بايدن، وبالتالي فإن الفرصة سيكون هناك إمكانية لتغيير موقف واشنطن من الحرب الروسية الأوكرانية، وبناء عليه عملت موسكو على تجنب استفزاز الإدارة الجمهورية الأميركية القادمة من خلال استمرار توفير الغطاء للنفوذ الإيراني في سوريا.
لم يقتصر الموقف الروسي على سوريا فقط، بل امتد إلى ما يشبه الحياد تجاه الضربات المتعاقبة التي وجهتها إسرائيل إلى إيران في تشرين الأول/ أكتوبر 2024، و حزيران/ يونيو 2025، مما يؤكد بشكل واضح أن موسكو لديها حسابات الخاصة، والتي يبدو أنها كانت دقيقة بالفعل، حيث دخلت روسيا منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 بمفاوضات مع إدارة ترمب لإنهاء الحرب في أوكرانيا، كما أعلن البيت البيض بالتوازي مع هذه المفاوضات وقف الدعم لكييف، كما قدمت إدارة ترمب خطة من 28 بنداً لوقف الحرب تلبي أهم المطالب الروسية وأبرزها عدم انضمام أوكرانيا لحلف شمال الأطلسي.
النهج الروسي خلال ردع العدوان
لم تبادر روسيا إلى التعامل الميداني الخشن مع انطلاق عملية ردع العدوان والمواجهات التي اندلعت في حلب، بل سارعت إلى تكثيف الاتصالات مع الجانب التركي على اعتبار أن موسكو وأنقرة ضامنتان لوقف إطلاق النار وخفض التصعيد شمالي سوريا، ونقلت روسيا لنظام الأسد تأكيدات بأن العمليات هي رداً على خروقات الميليشيات المحيطة بغرب حلب وإدلب، وتقوم بقصف مستمر لمنطقة خفض التصعيد، وتهدف إلى تأمين المناطق من القصف.
وبحسب ما أكدته مصادر مقربة من الفريق الروسي المسؤول عن الملف السوري، فإن الاستخبارات العسكرية الروسية كانت ترصد مؤشرات على عدم رغبة القوات التابعة لنظام الأسد بالقتال الشرس في ظل غياب الميليشيات العراقية واللبنانية المدعومة من إيران، وعزز هذا الاعتقاد السقوط السريع لمدينة حلب وموافقة تشكيلات عسكرية موالية للأسد بالدخول في اتفاقية لتحييد نفسها، الأمر الذي دفع موسكو لإعادة حساباتها والتفكير أكثر باستدامة مصالحها في سوريا من دون ربطها فقط بمصير الأسد.
ركزت روسيا بعد حلب على محاولة العودة إلى التهدئة، لكن مع وجود حالة قلق على مصالحها وقواعدها العسكرية، خاصة بعد سيطرة إدارة العمليات العسكرية على صواريخ بعيدة المدى من ثكنات نظام الأسد في حلب، ولذا صدرت رسائل عديدة من موسكو تشير إلى أنها منفتحة على التفاوض مع المعارضة السورية.
ووفقا لمصادر دبلوماسية سورية فإن روسيا اتجهت إلى التفاوض لتحديد معالم المرحلة الانتقالية بعد سيطرة إدارة العمليات العسكرية على محافظة حماة التي تعتبر بوابة مهمة للعاصمة دمشق.
وشهدت الجولة الأخيرة من أستانا، والتي استضافتها قطر على هامش منتدى الدوحة مطلع كانون الأول/ ديسمبر 2024 نقاشات بخصوص مستقبل سوريا بعد الأسد، ووافقت موسكو على إنهاء القتال على أن تبقى البلاد تحت إدارة حكومة محمد غازي الجلالي لتسيير شؤون البلاد لمرحلة انتقالية، ثم الانتقال للعمل على تطبيق القرار الأممي 2254 الذي يتضمن التفاوض بين نظام الأسد والمعارضة لتشكيل حكومة جديدة.
وبالفعل، نقلت روسيا تفاصيل هذا الاتفاق إلى بشار الأسد، واقترحت عليها توفير إقامة آمنة له في موسكو وضغطت عليه بهذا الاتجاه.
ما لم يكن بحسبان روسيا هو التداعيات التي حصلت لاحقاً، حيث كانت تشكيلات نظام الأسد تنظر بتوجس كبير للموقف الروسي، وبعد أن تأكدت أن موسكو لن تنخرط في العمليات العسكرية سادت حالة من الانهيار في أوساط الفرق العسكرية والأجهزة الأمنية، وفضلت القيادات البارزة الفرار خارج سوريا سواء عبر الأراضي اللبنانية أو العراقية، مما فتح الباب أمام حل كل التشكيلات والمؤسسات التي كانت تتبع لنظام الأسد، بما فيها إزاحة حكومة الجلالي عن المشهد، الأمر الذي قرأته روسيا على أنه انقلاباً على التفاهمات التي جرى التوصل لها في جولة أستانا ضمن الدوحة.
عقب إزاحة الجلالي عن المشهد، وتشكيل حكومة جديدة بقيت العلاقات بين روسيا والحكومة السورية ضبابية إلى منتصف عام 2025، حيث تم كسر هذا الجمود بالزيارة التي أجراها وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى موسكو، والتي شكلت انطلاقة جديدة للعلاقات الروسية السورية، تبعها تفاهمات حول تطوير العلاقات الأمنية والاقتصادية بعد زيارات رسمية متعاقبة بين الجانبين.
تلفزيون سوريا
———————–
إرادة تتجاوز الإصابة.. حكاية مقاتلين من ذوي الإعاقة شاركوا في معركة ردع العدوان/ ريم حمود
2025.11.30
على الرغم من إصاباتهم المتكرّرة على مدى سنوات المواجهة مع قوات نظام الأسد والميليشيات المساندة لها، شارك عدد من المقاتلين المصابين بفاعلية في الصفوف المتقدمة خلال معركة “ردع العدوان”، ضمن مهام إنسانية وطبية وحتى قتالية.
وواجه المقاتلون المصابون تحديات كبيرة خلال مشاركتهم، بدءاً من الألم المستمر وصولاً إلى صعوبة الحركة، ومع ذلك، شكّلت تجربتهم السابقة دافعاً رئيسياً للمشاركة في واحدة من أبرز المعارك التي خاضها السوريون ضد نظام الأسد.
ثلاثة مقاتلين التقاهم موقع تلفزيون سوريا في ذكرى “ردع العدوان” الأولى للحديث عن مساهمتهم في معركة غيّرت وجه البلاد تماماً، رغم ظرفهم الإنساني الصعب، واعتبروا أن “وجودهم في ساحة المواجهة كان امتداداً طبيعياً لتضحياتهم السابقة ووعداً قطعوه على أنفسهم”، مشيرين إلى أنّ الإصابات لم تكن سبباً للتراجع، بل حافزاً إضافياً دفعهم للاستمرار في تحقيق ما سعى إليه الشعب السوري منذ سنوات طويلة.
عهود قطعوها على أنفسهم
يروي المقاتل المعروف بلقب “أبو القاسم الشامي” لموقع تلفزيون سوريا أنّ إصابته الأولى كانت خلال معركة “الـ300 يوم” في منطقة الحماميات عام 2019، حين تعرّض لإصابة خطيرة في العنق والرأس ونُقل بعدها إلى المستشفى.
ورغم قساوة المعارك وكثرة الشهداء، عاد الشامي بعد أسابيع قليلة إلى خطوط القتال لمؤازرة رفاقه، مؤكداً أنّ دوره لم ينتهِ مع توقف المعارك، بل استمر في الإعداد والعمل من أجل “تحرير أرض الشام ودماء الشهداء والأسرى” كما وصف.
وأوضح أبو القاسم المنحدر من محافظة درعا، أنّه كان يقيم في مخيمات إدلب قبل العملية، وأنه لم يغب عن الميدان، رغم إصابته قبل شهر ونصف في قدمه، مواصلاً التدريب والإعداد النفسي والبدني للعودة إلى المواجهة.
من جهته قال محمد الربّاط لموقع “تلفزيون سوريا” إنّ دافعه الأكبر للمشاركة في معركة “ردع العدوان” انطلق من العهد الذي قطعه على نفسه منذ اعتقاله الأول عام 2011، حين وعد ألّا ينسى أي معتقل وأن يسعى لتحريرهم مهما كلّف الأمر، موضحاً أنّ إصاباته في الغوطة لم تضعف عزيمته بل زادته إصراراً على الوفاء بذلك الوعد.
وبيّن محمد الملقب بـ”معتز القنواتي”، أنّه بدأ دوره في غرفة العمليات الإعلامية في لجنة مراقبة جودة المحتوى أول أيام المعركة ثم قرر التزامه بعهدٍ آخر كان قد قطعه على نفسه بدخول دمشق بلباسه العسكري وعتاده الذي أصيب به في الغوطة، مؤكداً أنّ التزامه تجاه مدينته وأهله كان أقوى من أي خوف أو عائق.
وروى المقاتل أنّ إعاقته العصبية في إصبعه لم تمنعه من أداء عمله الإعلامي، بل دفعته لتوثيق لحظات المواجهة والشهادة وبطولات الشباب، وقال: “شعرتُ أنّ الله حرمني من القتال المباشر، لكنّه ثبّتني لأكون عينَ المقاتلين وصوتهم”.
في حين أكد نعيم السهو أول المقاتلين الذين اقتحموا محور قبتان الجبل في جبل سمعان، أن دوافعه للمشاركة في المعارك كانت رفع الظلم عن البلاد وتحرير المعتقلين وطرد المرتزقة القادمين من مختلف دول العالم.
قصص ملهمة
أشارت الباحثة الاجتماعية آلاء الدالي لموقع تلفزيون سوريا، إلى أنّ العديد من الحالات التي تعرّضت لإصابات سابقة خلال فترة الثورة وشاركت في معركة “ردع العدوان” كانت قصصهم مؤلمة، لكنها في الوقت نفسه ملهمة لما تحويه من إصرار وصبر وثبات لتحقيق الهدف.
وترى الدالي أنّ الإصابة الجسدية لا تعيق الإنسان عن تحقيق أهدافه، بل قد تشكّل دافعاً نفسياً قوياً، كما أن القوة الجسدية تنبع أساساً من وجود قوة نفسية وإيمانية ورغبة صادقة في تحقيق الهدف.
التحدي والإصرار
رغم إصاباتهم، اختار المقاتلون العودة إلى ساحة القتال، كل منهم يحمل قصة ألم الماضي وعزيمة الحاضر ورسالة قوية مفادها “تحرير البلاد واجب لا اختيار”.
الأشخاص المصابون يؤثر عليهم برد الشتاء، ويذكر أن العملية كانت في أواخر تشرين الثاني 2024، والجو بطبيعته بارد لكنه لم يكن سبباً لتراجع أحد من المقاتلين، ومنهم أبو القاسم الذي قال إن الألم الناتج عن إصابته والبرد والسهر تحول إلى دافع إضافي للاستمرار، حين تذكر ألم الأسرى والأسيرات ودموع الأيتام والثكالى في سوريا خلال الأعوام الماضية.
في حين قال السهو عن إصاباته العديدة في جسده، إنّ الكبيرة منها والأكثر تأثيراً عليه كانت في عام 2017، حين أصيب في قدمه خلال معركة حلب الكبرى نتيجة لاستهداف طيران روسي، مؤكداً أنه رغم الألم الكبير الذي عانى منه طوال فترة المعركة والتحضير لها لم يستطع أو يفكر للحظة بالتراجع، وكان هدفه واضحاً ولا يمكن أن يتخلى عنه مهما كان الثمن.
نعيم أشار خلال حديثه إلى دوره بالمعركة في الصفوف الأولى حيث عمل سائقا لمصفحة اقتحام وفي الوقت نفسه ممرضا ميدانيا كان يرافق الانغماسيين أحياناً في المعركة للتدخل مباشرة عند وقوع أي إصابات والتعامل معها في الميدان.
وكان نعيم أول من اقتحم محور قبتان الجبل في جبل سمعان ضمن سرية الاقتحام الآلي بخمس آليات.
فسرت الدالي وجود دافع أساسي للمقاتلين يرتكز على الإصرار على تحقيق الهدف رغم الإعاقة، موضحة أنّ القوة الجسدية تنبع من القوة النفسية، وأن التحدّي الناتج عن الإعاقة يواجهه كل شخص بطريقته الخاصة.
وعندما يتعلق الأمر بمحاربين يؤمنون بالمعركة وتعرّضوا للإصابة، فإنّ حالتهم تعكس إصراراً مضاعفاً وثباتاً لتحقيق الهدف حتى وإن كانت الكلفة حياتهم، إذ تولّد الإصابة لديهم قوة إضافية تدفعهم للاستمرار، بحسب محدثّتنا.
مواقف لا تنسى
لم تقتصر مساهمتهم على القتال بل تعدته لتشمل رفع معنويات المقاتلين ودعم المدنيين وتوثيق اللحظات البطولية على الأرض، فكل مقاتل وجد في دوره رسالة أكبر من ذاته تثبت أنّ التضحيات تصنع الفرق في ميدان المعركة.
وأوضح المقاتل محمد أنّ دوره الإعلامي والنفسي كان مؤثراً على المدنيين والمقاتلين، إذ رفع معنوياتهم وبث الطمأنينة وعزز ثقتهم بالقدرة على التقدم والنصر، في الوقت الذي أضعف فيه معنويات قوات النظام ضمن إطار الحرب النفسية.
في حين استذكر محمد الرباط أصعب لحظة عاشها عند تخوم جبل زين العابدين في ريف حماة الشمالي، حين خشي أن يتوقّف التقدّم أو أن يُستشهد قبل أن يرى والدته بعد غياب دام سنوات، فامتزج الخوف بالشوق والأمل في تلك اللحظة.
ووصف اللحظة التي منحته قوة إضافية عند فتح سجن حماة، حين شاهد المعتقلين يخرجون بعد سنوات طويلة، مؤكداً أنّ تلك اللقطات كانت تجسيداً للعهد الذي حمله منذ خروجه من السجن.
أما عن أصعب لحظة عاشها أبو القاسم الشامي فكانت عندما انقطع عن رفاقه داخل المعركة، لكنه تتبع أثرهم وتمكن من الوصول إليهم مجدداً، في الوقت الذي منحته بعض اللحظات قوة إضافية عندما تلقى الدعم من زوجته وأطفاله وشجعوه على العودة إلى الميدان لتحقيق حلم تحرير الأسرى، كما أفاد لموقع تلفزيون سوريا.
واختتم أبو القاسم الشامي شهادته بالقول إن مشاركته رفعت معنويات رفاقه، حين كان يردد دائماً: “إما أن نكون فاتحين بإذن الله، أو نرتقي شهداء إلى جنان النعيم”.
———————-
تحرير حلب.. أولى مكاسب معركة ردع العدوان والحنكة السياسية لإدارة العمليات العسكرية
تشرين الثاني 27, 2025
شهدت الساحة السورية واحدة من أكثر محطّاتها تحوّلاً مع تحرير مدينة حلب، الحدث الذي أعاد رسم خريطة الصراع وغيّر موازين القوى بشكل جذري، فقد شكّل هذا التحرير نقطة فاصلة في مسار الثورة السورية، ليس فقط من جانب الإنجاز العسكري الذي أطاح بخطط النظام البائد لاستعادة المدينة، بل أيضاً لِما رافقه من تطور ملحوظ في الخطاب السياسي للثوار الذين أخذوا على عاتقهم بناء تصور وطني جامع يلامس تطلّعات مختلف المكونات السورية.
ومع تحرير العاصمة الاقتصادية وتراجع نفوذ نظام الأسد المخلوع في الشمال، برزت أسئلة جوهرية حول مستقبل البلاد واتجاهات المرحلة التي أعقبت هذا التحوّل.
وفي الوقت الذي كانت فيه ميليشيات النظام وحلفاؤه يعيدون حساباتهم بعد خسارة المدينة، برز تطوّر جديد في أداء فصائل الثورة السورية؛ تمثّل في خطاب يحاول مواكبة حجم الحدث والانفتاح على الداخل والخارج بلغة مسؤولة ومتزنة.
وحملت رسائل القيادة العسكرية آنذاك تطمينات واسعة للمجتمع السوري وللدول الفاعلة، وأظهرت استعداداً لتأسيس مرحلة مختلفة تقوم على العدالة والكرامة وحماية النسيج المجتمعي.
وهكذا غدا تحرير حلب أكثر من معركة عسكرية، وأصبح نقطة انطلاق نحو رؤية سياسية جديدة، ومحوراً لجدل واسع حول شكل الدولة السورية القادمة وإمكانات الانتقال من ميادين القتال إلى مشروع وطني شامل.
تحييد الحلفاء
مع اطلاق إدارة العمليات العسكرية لمعركة ردع العدوان، زار رئيس النظام المخلوع روسيا بعد انطلاق معركة ردع العدوان بأيام، حيث طلب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تأمين وصول المساعدات الإيرانية عبر مطار حميميم، إلا أن هذا لم يحدث، وتبددت أحلامه وفشلت محاولاته الأخيرة اليائسة لإنقاذ نظامه.
في حين كان السيد الرئيس أحمد الشرع، قائد العمليات العسكرية حينها، يبحث مع الروس تحييد القوات الروسية عن المعركة في السادس من كانون الأول الماضي.
فشل النظام البائد في حشد الحلفاء لاستعادة حلب، التي سيطر عليها في العام 2016 بمساعدة روسية إيرانية، فيما كانت قوات إدارة العمليات العسكرية تعمل على تحرير المدن و البلدات السورية وتفعيل المرافق الخدمية الأساسية وتأمين المناطق المحررة.
خطاب سياسي متزن
حملت رسائل السيد الرئيس أحمد الشرع، قائد العمليات العسكرية في ذلك الحين، التي وجهها للشعب خلال المعركة تطوراً واضحاً في خطاباته السياسية بعد السيطرة على كامل إدلب وحلب والتوجّه نحو مركز مدينة حماة وسط سوريا.
وشملت الرسائل تطميناً لجميع المكونات والطوائف والأقليات في حلب وبقية المدن، كما وجِّهت بيانات إلى دول وحكومات متعددة بلغات مختلفة، شملت الإنكليزية والروسية، وشددت على بناء سوريا جامعة لكل أبنائها، تقوم على الكرامة والعدالة وترفض أيَّ محاولات لتفتيت النسيج المجتمعي.
وأكدت الرسائل حماية المقدسات الدينية والأماكن العامة للحفاظ على حقوق المدنيين من جميع الطوائف والمكونات، إلى جانب تهدئة المخاوف العراقية وبناء قاعدة للتعاون الإقليمي لضمان استقرار المنطقة وتعزيز المصالح المشتركة.
وجاء في الخطاب السياسي رسالة إلى الأكراد تؤكد أنهم جزء أصيل من الهوية السورية والنسيج الوطني، ويتمتعون بحقوق متساوية مع كل مكونات الشعب السوري، وأخرى إلى أبناء الطائفة العلوية تؤكد أهمية مشاركتهم في بناء سوريا الموحدة التي تتسع للجميع دون تهديد للنسيج المجتمعي.
وعكست هذه الرسائل خطاباً سياسياً مدروساً يسعى إلى بناء هوية وطنية جامعة، وتوسيع قاعدة الدعم الشعبي للثورة بين المكونات السورية المختلفة، مع إظهار التزام أخلاقي وإنساني يعزز شرعية المعركة محلياً ودولياً.
حلب مفتاح النصر
“نعم، كانت لحظة عظيمة في التاريخ. حينها رأيت دمشق من أسوار قلعة حلب، ومن قلب حلب أعلنت للعالم: لقد انتهت حربنا مع الطغاة، وبدأت معركتنا ضد الفقر”.
هذا ما قاله السيد الرئيس أحمد الشرع في الفعالية الجماهيرية “حلب مفتاح النصر” التي أقيمت على مدرج قلعة حلب في 27 أيار الماضي، تجسيداً لنجاح عملية ردع العدوان وانتصار الثورة السورية، وتكريماً للمقاتلين الأبطال الذين أسهموا في تحرير مدينة حلب في الأيام الأولى من المعركة.
وخلال معركة ردع العدوان وجّه الرئيس الشرع رسالة مرئية أكد فيها للشعب السوري أن عدوهم هو النظام البائد، وقال: “سنحيا كراماً أعزاء، وسنضرب خير الشام بشر عدو لها، وسنبني عهداً حضارياً جديداً يليق بالشام وأهلها”.
وشكّلت عملية تحرير مدينة حلب من قبل فصائل “ردع العدوان” مفصلاً واضحاً وحجر أساس في تحرير سوريا من النظام البائد وميليشياته، وكذلك نقطة فارقة في عمر الثورة السورية، لما تشكّله المدينة من أهمية استراتيجية واقتصادية للنظام وحلفائه، ولا سيما حين استعان بالروس لاسترجاع أحيائها الشرقية من قبضة فصائل المعارضة أواخر عام 2016.
كان تحرير حلب بمثابة ضربة موجعة للنظام البائد، أفقدته توازنه العسكري والسياسي وخلطت أوراقه، بل ذهبت بكل أحلامه وتوقعاته، خاصة حين فقد أيَّ دعم روسي لاستعادتها، باعتبارها مركز ثقل الشمال السوري.
كما كانت أول مدينة تتحرر من قبضته خلال ساعات، ليفقد العاصمة الاقتصادية وأكبر المدن بعد العاصمة دمشق، وتصبح الفصائل المعارضة مسيطرة على كامل إدلب وحلب، وتبدأ بعدها بالتقدّم نحو ريف حماة، تمهيداً لتطوير العمل العسكري وتحرير مناطق جديدة.
تطوير الخطاب السياسي للثورة
أكد المحلل السياسي والباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان لموقع الإخبارية أن “تطوّر الخطاب السياسي للثوار في تلك الفترة لم يكن بعد تحرير حلب، وإنما كان جزءاً من الإعداد للمعركة، وكان بخبرة تراكمية كبيرة اكتسبتها الفصائل الثائرة خلال سنوات من المواجهة والتجارب وصولاً إلى معركة ردع العدوان، التي أثبتت فيها الفصائل تطوّر أدائها وسلوكها وتخطيطها وتفكيرها وخطابها السياسي، ليكون على قدر المسؤولية”.
وأضاف علوان: “الخطاب السياسي كان مواكباً للمعركة منذ انطلاقتها الأولى، حيث فوجئ الجميع عند تحرير حلب بخطاب سياسي راقٍ ومدروس ومتزن”، مشيراً إلى أنه “كان جزءاً من السلوك السياسي الذي يحمل مسؤولية تحرير سوريا”.
وأشار علوان إلى أن “الثوار كانوا يعتقدون حينها أن تحرير حلب يعتبر تمهيداً لتحرير كامل سوريا”، لافتاً إلى أن “الخطاب بعد تحرير حلب كان على قدر المسؤولية، لأن الفصائل قادرة على أن تحل محل النظام البائد بعد إزالته عن صدور السوريين”.
وبيّن أنه “ليس فقط خطاباً سياسياً يرضي القوى الإقليمية والدولية، بل هو بالدرجة الأولى خطاب يرضي الشعب السوري والثوار أنفسهم، باعتباره يجسّد المبادئ التي خرجوا من أجلها ضد نظام القمع والاستبداد”.
وعكس المشهد في حلب تحولات عميقة في موازين القوى، وكان منطلقاً لفكرة إعادة بناء دولة وفق ضوابط سياسية تتماشى مع القانون الدولي ومعايير الأمم المتحدة.
وترك تحرير حلب الأثر الأكبر على النظام وحاضنته، إذ استخدم الأبواق الإعلامية الموالية له لترميم صورته المهزوزة أمام الشعب، وخاصة في اليوم الأول للمعركة عندما سيطر الثوار على مواقع استراتيجية، في وقت لم يكن النظام يتوقع استهداف حلب.
نهاية أحلام الأسد باستعادة حلب
قالت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع لموقع الإخبارية: “حلم النظام البائد باستعادة حلب لم ينتهِ بمجرد سقوطها، ولم يكن سقوط حلب نقطة انهياره، بل قام بحشد قوة عسكرية ضخمة جداً في منطقة أثريا بقيادة المجرم سهيل الحسن، من أجل مهاجمة مدينة حلب واستعادة السيطرة عليها”.
وأضافت الإدارة: “سرعة العمليات العسكرية في ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي، ووصول مقاتلي إدارة العمليات العسكرية إلى تخوم مدينة حماة، دفعت النظام البائد لسحب الحشد من أثريا للدفاع عن مدينة حماة، وحينها فقط انتهت أحلامه بالعودة إلى مدينة حلب”.
وعن المخاطر المتوقعة والخطوات الثورية للقادة والثوار في تلك الفترة الحرجة من عمر سوريا والثورة، ذكرت إدارة الإعلام والاتصال أنه “من الطبيعي أن يسبق مثل هذا العمل العسكري الكثير من الحسابات بخصوص المآلات المترتبة عليه، سواء كانت إيجابية أم سلبية”.
وترتب على السيناريوهات المفترضة العديد من الخطوات والإجراءات التي رسمتها إدارة العمليات العسكرية، ابتداءً من وضع خطة التحرير وطرق إدارة المناطق المحررة حديثاً في مدينة حلب والقرى والمناطق التي سيتم تحريرها تباعاً.
وواصلت إدارة العمليات العسكرية معركتها الأكبر في تاريخ سوريا “ردع العدوان”، التي انتهت بتحرير دمشق من عصابة حكمتها بالنار والحديد طيلة 54 عاماً، وأدخلت سوريا في مرحلة جديدة من البناء والتطوير وأخرجتها من عزلة دولية أطبقت عليها بفعل ممارسات النظام البائد.
المصدر: الإخبارية
—————————
في 29 من تشرين الثاني.. دخول “ردع العدوان” حلب وحسم معركة سراقب/ سعيد اليوسف
2025.11.29
في اليوم الثالث لمعركة “ردع العدوان” (29 من تشرين الثاني 2024)، انتقلت المعركة من أطراف مدينة حلب إلى قلبها، ومن معركة طُرق وعُقد استراتيجية إلى صراع على مدينة كانت توصف دائماً بـ”عاصمة الشمال” ورمز استعادة نظام الأسد لنفسه، أواخر العام 2016.
في هذا اليوم تحديداً بدا واضحاً أن السؤال لم يعد: هل “ستتحرّر” حلب؟ بل متى وكيف، وماذا بعد؟
أبرز ملامح اليوم الثالث
توسّعُ وجود فصائل “إدارة العمليات العسكرية” داخل مدينة حلب، عقب سيطرتها على أحياء محورية مثل: الأعظمية والجميلية والحمدانية، مع اختراق “مدفعية الزهراء” شمال غربي المدينة ومنطقة الراموسة جنوباً.
حسمُ معركة سراقب وسلسلة البلدات المحيطة بها في ريف إدلب الشرقي، تحت غطاء مكثّف من مسيّرات “شاهين”، التي لعبت دور “اليد الطولى” في استهداف ارتال نظام الأسد وميليشياته المنسحبة.
رسائل من “حكومة الإنقاذ” (الذراع الإداري سابقاً لـ”هيئة تحرير الشام”)، إلى روسيا وأهالي بلدتي نبل والزهراء ذات الغالبية الشيعية شمالي حلب، وسط اتصالات بين النظام وطهران، وموقف تركي أعلن أنّ “الهدوء في إدلب أولوية”، بينما بدأت عواصم العالم الحديث عن “حسم في حلب سيغيّر قواعد اللعبة”.
أولى ساعات اليوم الثالث.. من أطراف حلب إلى أحيائها
دخل فجر 29 من تشرين الثاني، وكانت الفصائل قد ثبّتت مكاسب اليومين الأول والثاني حول “الفوج 46” وطوق ريف حلب الغربي، وقطعت عملياً شريان الطريق الدولي (M5) عند بلدات خان العسل والزربة وخان طومان، مسيطرةً على مساحة تجاوزت الـ400 كيلومتر مربع غربي حلب، وصولاً إلى حي “حلب الجديدة”.
ودفعت “إدارة العمليات العسكرية” بقوات النخبة نحو مداخل مدينة حلب من محوري الراشدين والراموسة، حيث كان واضحاً أنّ قرار القيادة هو نقل المعركة من حزام حلب إلى داخلها بأسرع ما يمكن، وفي محور الراشدين، نجى فريق تلفزيون سوريا
من غارة جوية شنتها قوات نظام الأسد، وذلك خلال تغطيتهم الصحفية للاشتباكات.
مع ساعات ما بعد الظهر، أعلنت “إدارة العمليات العسكرية” بدء دخول قواتها رسمياً إلى مدينة حلب، عبر توغّلها في حيي الحمدانية وحلب الجديدة، وسط انهيار كبير لقوات النظام وحلفائه.
لاحقاً بدأت الأخبار تتوالى: اشتباكات عنيفة في حي الأعظمية، صدى رصاص متقطّع في محيط جامعة حلب، وظهور مقاتلي “ردع العدوان” في لقطات مصوّرة وهم يتقدمون بين الأبنية السكنية، يعملون على تثبيت نقاط تمركزهم، ويكسرون أولى “أسوار الخوف” داخل المدينة.
في الوقت نفسه، كانت مصادر ميدانية تتحدث عن استخدام مكثّف للدبابات التي استولت عليها الفصائل في “الفوج 46″، لدعم الاقتحام داخل الأحياء الغربية، بغطاء ناري دقيق لتجنّب قدر الإمكان إصابة المدنيين المحاصرين، في حين كانت الطائرات الحربية الروسية تستهدف ريف حلب الغربي، ومدفعية النظام تقصف مدينة الباب في الريف الشرقي، ما أوقع ضحايا مدنيين.
من الأعظمية إلى الجميلية والراموسة.. قلب المدينة يتصدّع
مع حلول العصر، تحوّل المشهد من مجرّد تقدّم على الأطراف إلى اختراق مباشر لـ”جسد” مدينة حلب، إذ تقدّمت الفصائل في حيّ الأعظمية، ووصلت مجموعات منها إلى حيّ الجميلية، أحد أهم الأحياء المركزية المرتبطة تاريخياً بصور السلطة ومراكزها الأمنية، وتقع في هذا الحي ساحة “سعد الله الجابري” الشهيرة، التي لطالما ارتبط اسمها بهتاف ثوّار حلب، خلال سنوات الثورة: “جاينك والله.. ساحة سعد الله”.
بعد ذلك، انتشرت مشاهد تمزيق صور بشار الأسد في الشوارع والساحات، بقدر ما كانت تعبيراً عن سقوط الهيبة الرمزية للنظام، كانت أيضاً رسالة نفسية موجّهة إلى باقي الأحياء في حلب: اقترب سقوط “الأسد”.
في الجنوب والجنوب الغربي لمدينة حلب (مركز ثقل ميليشيات إيران)، سيطرت الفصائل على معظم البلدات والقرى، أبرزها: “الحاضر، تل حدية، زيتان، خلصة، برنة، الصالحية، تل الكراتين، تلة العيس (الاستراتيجية)”، إضافةً إلى مركز البحوث العلمية، وسط انهيار وتخبط كبير في صفوف النظام وميليشياته.
كذلك، دخلت منطقة الراموسة جنوبي حلب على خط الأخبار العاجلة، حيث السيطرة على هذه المنطقة تعني عملياً التحكّم بعقدة مواصلات رئيسية تربط المدينة بريفها الجنوبي والطريق الدولي نحو العاصمة دمشق، إضافة إلى المنطقة الصناعية الكبيرة هناك.
الراموسة التي شهدت معارك قاسية، خلال السنوات السابقة، عادت لتكون ساحة مواجهة، لكن هذه المرة في سياق انهيار متسارع لخطوط دفاعات النظام، وليس مجرد “كرٍّ وفرٍّ” على خطوط تماس ثابتة.
وفي الشمال الغربي، بدأ اقتحام “مدفعية الزهراء”، واحدة من أكثر النقاط تحصيناً طيلة سنوات الحرب، هذا التقدّم داخل الأحياء والنقاط العسكرية في الموكامبو والراشدين، ترافق مع انسحاب عناصر الأمن العسكري نحو السجن المركزي شمالي حلب والتحصن داخله، في مشهد يختصر انتقال النظام من مرحلة “الدفاع عن المدينة” إلى مرحلة “البحث عن ملجأ آمن”.
مع ساعات الليل، كانت خرائط السيطرة التي تنشرها غرف المتابعة تظهر حلب وقد تحوّلت عملياً إلى مدينة مقسومة: أغلب أحيائها الغربية والجنوبية والوسطى بات تحت سيطرة الفصائل، في حين تقلّص وجود قوات النظام إلى جيوب متفرّقة ومراكز أمنية محاصرة، مع استمرار خروج الأرتال نحو السفيرة وخناصر شرقي حلب.
تقارير دولية تحدّثت في اليوم نفسه عن أن فصائل “ردع العدوان” دفعت “جيش النظام” إلى خارج أحياء المدينة، مؤكدة أن “سقوط حلب الفعلي كان نقطة التحول التي أعادت إشعال الحرب السورية على مستوى البلاد”.
محور إدلب.. سراقب وتل مرديخ وخان السبل
بالتوازي مع معارك حلب، كان الشرق الإدلبي يعيش يومه الأكثر سخونة، فمنذ الصباح، توالت إعلانات “إدارة العمليات العسكرية” عن السيطرة على (تل مرديخ، ثم معردبسة وخان السبل)، قبل أن يُعلن في المساء عن السيطرة الكاملة على مدينة سراقب، العقدة الاستراتيجية التي تتقاطع عندها الطرق الدولية، والتي قاتل الطرفان حولها لسنوات.
مسيّرات “شاهين” التي أعلن عنها في اليوم الأول كـ”سلاح نوعي” أثبتت في اليوم الثالث أنها عنصر فارق، حيث دمّرت ثلاث دبابات للنظام، واستهدفت رتلاً منسحباً في محيط سراقب، ما سرّع في انهيار خطوط الدفاع الشرقية للنظام.
هذه التطورات، فتحت الباب أمام الحديث عن عمليات لاحقة جنوبي إدلب، وهو ما لمّحت إليه القيادة العسكرية حين تحدّثت عن خطط جاهزة للعمل على محاور ريف إدلب الجنوبي، مع إنشاء غرفتين، عسكرية وخدمية، لإدارة المناطق الجديدة.
“السياسة في سباق مع الميدان”
في مساء يوم الـ29 من تشرين الثاني 2024، كان واضحاً أن “إدارة العمليات العسكرية” تحاول اللحاق بالإيقاع السريع للميدان، حيث أصدرت “إدارة الشؤون السياسية” بياناً موجهاً إلى أهالي “نبل والزهراء” (ذات الغالبية الشيعية) شمالي حلب، شدّدت فيه على أن المدنيين في البلدتين -مهما كانت هويتهم المذهبية- يجب أن يُستثنوا من أي استهداف.
ودعت سكان المنطقتين إلى النأي بأنفسهم عن مشروع إيران و”حزب الله” اللبناني، وعدم السماح بأن يُستخدموا “وقوداً” لصراع لا يخدم مصالحهم، حيث كانت الرسالة محاولة مبكرة لتفكيك البعد الطائفي الذي حاول النظام استثماره طويلاً في تلك المنطقة.
وفي بيان آخر، وجّهت “إدارة الشؤون السياسية” رسالة إلى روسيا، انتقدت فيها القصف الذي طال المدنيين في إدلب وحلب، لكنها في الوقت ذاته تحدثت عن إمكانية بناء علاقة مستقبلية مع موسكو، شرط أن تفصل الأخيرة مصالحها عن شخص “الأسد” ونظامه.
كانت الرسالة تحمل محاولة مبكرة لإعادة تعريف “الخصومة” مع روسيا بوصفها خصومة مع سياسات معينة، لا مع الشعب أو الدولة الروسية ككيان، في قراءة واضحة لـ”مرحلة ما بعد الأسد”.
وجاء البيان بعد ساعات من تصريحات للرئاسة الروسية (الكرملين)، حيث قال المتحدث باسمها، ديمتري بيسكوف، إن الوضع في حلب “يشكل انتهاكاً للسيادة السورية”.
ودعا “بيسكوف”، نظام الأسد إلى “استعادة النظام الدستوري في المنطقة بأسرع وقت ممكن”، بالتزامن مع إخلاء القوات القوات الروسية مواقعها ونقاطها في منطقتي تل رفعت شمالي حلب ومعصران شرقي إدلب.
أمّا موقف تركيا، فقد أصدرت خارجيتها بياناً اعتبرت فيه أن التصعيد في شمالي سوريا “غير مرغوب فيه”، محذّرة من أن الهجمات على إدلب تقوّض اتفاقيات أستانا، مؤكدة أن الحفاظ على الهدوء في إدلب ومحيطها يمثّل أولوية.
وعلى مستوى أوسع، بدأت وسائل إعلام عالمية، تتعامل مع ما جرى في حلب بوصفه “انهياراً مفاجئاً” لـ نظام الأسد في ثاني أكبر مدن سوريا، وأنّه خطوة أولى في مسار، سينتهي لاحقاً بالوصول إلى العاصمة دمشق نفسها.
وفي العاصمة أيضاً، كان وزير خارجية نظام الأسد يتصل بنظيره الإيراني، متحدثاً عن هجوم “خدمةً لمشاريع إسرائيل وأميركا”، في حين يكرّر المسؤول الإيراني رواية “إحياء الجماعات الإرهابية” ويتعهد بالاستمرار في دعم النظام.
لكنّ هذه اللغة الكلاسيكية اصطدمت على الهواء مباشرة بصور أرتال منسحبة من مدينتي حلب وسراقب، ما عمّق الفجوة بين خطاب النظام وواقع قواته على الأرض.
“خلاصة اليوم الثالث”
يمكن القول إنّ اليوم الثالث (29 من تشرين الثاني 2024) كان اليوم الذي تحوّلت فيه حلب من “هدف” إلى واقع جديد مفروض، فالسيطرة الواسعة على أحيائها والتقدّم الكبير شرقي إدلب، جعلت الصورة الاستراتيجية أكثر وضوحاً، حيث بات الشمال السوري مركز ثقل، والطريق إلى وحماة وحمص ودمشق هو السيناريو التالي والمتوقّع.
وجاءت الساعات الأخيرة من ليل الجمعة-السبت (29-30 من تشرين الثاني 2024)، لتشهد تحوّلات حاسمة على صعيد عملية “ردع العدوان”، ساحتها مدينة حلب، خاصة بعد انتشار الفصائل في أحياء أبرزها: “الشعار، الصالحين، الفردوس، الكلاسة، بستان القصر، السكّري، صلاح الدين، سيف الدولة، دوار الكرة الأرضية، شارع النيل، الفرقان”، بالإضافة إلى أحياء حلب القديمة، في حين بالنظام يتمركز -شكلياً- في أحياء معدودة داخل المدينة، أبرزها “الميدان، السليمانية، العزيزية”.
غداً في تقرير اليوم الرابع (30 من تشرين الثاني 2024) من “ردع العدوان”، حيث ستُعلن السيطرة الكاملة على مدينة حلب، وجّهت “إدارة العمليات العسكرية” عبر معرفاتها، كلمة إلى أهالي حلب لطمأنتهم، متعهدين بسلامة أرواحهم وممتلكاتهم وصون حقوقهم، خاصة بعد محاولات إعلام نظام الأسد، بثّ الخوف والذعر بين سكان حلب إزاء مقاتلي الفصائل.
———————–
ريف حلب… بوابة “ردع العدوان” إلى عمق سورية/ محمد أمين
28 نوفمبر 2025
لطالما كان الريف الغربي والشمالي الغربي مسرح اقتتال دامٍ بين قوات نظام بشار الأسد والمليشيات الإيرانية والفصائل السورية عبر سنوات الصراع الطويل، فهو بوابة “ردع العدوان” الرئيسية التي تُفضي إلى حلب كبرى مدن الشمال ومنها إلى عمق سورية. وكان النظام السابق يُدرك الأهمية العسكرية لهذا الريف، لذا عمل طيلة سنوات على تحصين الجبهات ونقاط التماس مع فصائل المعارضة، التي أعدت طيلة أشهر خططاً من أجل كسر هذه التحصينات والاندفاع إلى حلب وحسم المعركة في شمال سورية خلال أيام.
وشكلت المعارك التي خاضتها فصائل المعارضة السورية التي انضوت في غرفة عمليات “ردع العدوان” بداية نهاية نظام بشار الأسد، والتي أدت إلى تراجع قوات النظام السابق بشكل دراماتيكي بعد نحو 13 عاماً من القتال.
بداية عملية “ردع العدوان”
وفي فجر الأربعاء 27 نوفمبر/ تشرين الثاني العام الماضي بدأت عملية “ردع العدوان” التي قُدّر لها أن تكتب الفصل الأخير في سيرة نظام الأسد، انطلاقاً من ريف حلب الغربي، وعلى عدة محاور، ما باغت قوات النظام في حينه والتي لم تكن خاضت معارك برية منذ مارس/آذار 2020. وبدأت العملية انطلاقاً من منطقة دارة عزة غربي حلب باتجاه بلدات: الشيخ عقيل وقبتان الجبل وعنجارة وبالا، وكان الهدف المعلن استعادة مناطق في ريفي حلب وإدلب وكسر حالة الجمود في الجبهات. ولكن دلت الأحداث بعد ذلك أن غرفة عمليات “ردع العدوان” كانت تعتبر السيطرة على مدينة حلب هدفاً ماثلاً أمامها.
وفي اليوم الأول لمعركة “ردع العدوان” سيطرت الفصائل على بلدات وقرى قبتان الجبل وعنجارة والشيخ عقيل والقاسمية وبالا وبسرطون وكفربسين وحير دركل وأورم الصغرى والهوتة والسلوم وجمعية السعدية وجمعية العمري، والفوج 46 بمساحة تُقدر بـ 140 كيلومتراً مربعاً بريف حلب الغربي، شمال غربي سورية. وقتل وأصيب العشرات من قوات نظام الأسد، التي خلّفت وراءها دبابات وعربات مدرعة، وعدد كبير من الأسلحة المتنوعة والسيارات. وفي المقابل، قتل 32 عنصراً من “هيئة تحرير الشام” والفصائل المساندة لها. وشنت الطائرات الحربية الروسية وتلك التابعة للنظام السوري عشرات الغارات على القوات المهاجمة، وعلى المدنيين للضغط عليها، إلا أنها لم تستطع إيقافها عن التقدم على الأرض باتجاه الأطراف الغربية من مدينة حلب. واستهدفت طائرات النظام البائد، وقتها، الأحياء السكنية ومحال تجارية في مدينة الأتارب غربي حلب، ما أسفر عن مقتل 14 مدنياً، بينهم ثلاثة أطفال وامرأتان، وإصابة خمسة آخرين، بينهم طفلان.
وفي اليوم الثاني للمعركة قطعت فصائل المعارضة الطريق الدولي الذي يربط حلب بحماة والمعروف باسم “أم 5″، وواصلت السيطرة على ما بقي من قرى وبلدات في محيط حلب، ومنها بلدة الزربة الاستراتيجية، وأخرى في ريفي إدلب الشرقي والجنوبي، وهو ما شد انتباه السوريين الذين أيقنوا أن هذه العملية ليست كسابقاتها. وفجر الجمعة، قال المقدم حسن عبد الغني، المتحدث باسم إدارة العمليات العسكرية في المعارضة المسلحة، في بيان عبر منصة إكس، إن قواتهم سيطرت بالكامل على ريف حلب الغربي بعد معارك ضارية مع قوات النظام استمرت 36 ساعة.
وخلال اليومين الأول والثاني سيطرت الفصائل السورية على كامل الريف الغربي لحلب وجانب من الريف الجنوبي الغربي، في خطوة سبقت الدخول إلى مدينة حلب من كل المحاور يوم الجمعة 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2024. وانهارت قوات النظام والمليشيات الإيرانية، التي اندفعت من داخل مدينة حلب بشكل غير منظم إلى منطقة السفيرة جنوب شرقي المدينة، وفشلت في الإعداد لهجوم مضاد، سيما وأن أرياف حلب باتت كلها تحت سيطرة غرفة عمليات “ردع العدوان”. واستخدمت فصائل المعارضة حينئذ طائرات مسيّرة أطلق عليها اسم “شاهين” كان لها دور بارز في حسم معركة حلب وأريافها.
وبحسب قياديين في إدارة العمليات العسكرية تحدثوا إلى وسائل إعلام مختلفة بعد إسقاط نظام الأسد، في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، فان الاستعدادات للمعركة بدأت قبل عدة أشهر من انطلاقها، وتضمنت عمليات معقدة من نزع الصواعق في الألغام التي زرعها النظام على كامل خط النار المحيط بحلب لمنع فصائل المعارضة من التقدم على الأرض. كما تمكنت “العصائب الحمراء” (مجموعات مدربة على الاقتحام)، التابعة إلى “هيئة تحرير الشام”، وهو الفصيل الذي قاد العمليات، من قتل أعضاء غرفة عمليات النظام السابق في جمعية ريف المهندسين الثاني بريف حلب الغربي، والتي كانت تضم ضباطاً إيرانيين، وأبرزهم العميد الإيراني كيومرث بورهاشمي، المعروف بلقب “الحاج هاشم”، والذي كان من كبار المستشارين العسكريين الإيرانيين في سورية، وهو ما شكل ضربة كبيرة لقوات نظام الأسد التي كانت تدافع عن حلب، حيث فقدت القيادة والسيطرة.
عمليات استطلاع سبقت الهجوم بشهر
وبيّن محمد الأصفر، والذي كان قيادياً في سلاح الاستطلاع في فصائل المعارضة أثناء عملية “ردع العدوان” في حديث مع “العربي الجديد”، أن عمليات استطلاع واسعة وتفصيلية جرت في ريف حلب الغربي والشمالي الغربي قبل بدء المعركة بنحو شهر. وأشار إلى أنه “أحيطت العمليات بالسرية الكاملة”، موضحاً أن “فرق الهندسة العسكرية دخلت إلى الأماكن التي تنتشر فيها الألغام مستفيدة من الظروف الجوية، ونزعت الصواعق وأبقت هذه الألغام في مكانها”.
وفي السياق، أوضح الخبير الأمني والعسكري رشيد حوراني في حديث مع “العربي الجديد” أن “عملية ردع العدوان بدأت تحركاتها الأولى باتجاه مدينة حلب من خلال الريف الغربي”، مضيفاً: كانت هيئة تحرير الشام تسيطر على جزء من نقاط استراتيجية كدارة عزة ودير سمعان وغيرهما. وبيّن أن “الهيئة” نفذت قبل بدء معركة “ردع العدوان” عدة عمليات على خطوط التماس مع قوات نظام الأسد والمليشيات الإيرانية، منها عملية ضد قوات النظام في دير سمعان لـ”جس نبضها ومعرفة تفاصيل التعاون بينها وهو ما سهّل لاحقاً التعامل معها”.
وأوضح أن “المنطقة من جهة النظام لم يكن ينقصها التحصين والتدشيم للقوات المنتشرة فيها (النظام، وحزب الله، والمليشيات الإيرانية) عبر غرف عمليات منتشرة على ثلاثة خطوط دفاع مهمتها إحباط أي عمل للمعارضة باتجاه حلب”. وتابع: اعتمدت غرفة العمليات في معركة “ردع العدوان” على عامل مهم في المعارك المصيرية، وهو العامل المعنوي بنفس القدر في الاعتماد على العتاد. وبيّن حوراني، وهو ضابط كان انشق عن قوات الأسد، أن بدء المعركة من ريف حلب الغربي “مرده وجود الحاضنة الاجتماعية المؤيدة للثورة فيه، والتواصل مع هذه الحاضنة قبل المعركة سهل دخول القوات إلى بلدات استراتيجية مثل خان العسل. وتابع: السيطرة على وحدات عسكرية في المنطقة، كالفوج 46، والعتاد الموجود فيها أعطت دفعاً قوياً للقوات المهاجمة، فضلاً عن التدريب العالي الذي تلقّاه المهاجمون على مدى سنوات، واستطلاع حالة قوات العدو بشكل جيد ورسم الخطط المناسبة لإجهاض تحركاته، مهّد الطريق أمام السيطرة على كامل ريف حلب الغربي، ما أدى بعد يوم واحد للسيطرة على مدينة حلب، والتي كانت المفتاح للدخول إلى حماة بعد أيام.
العربي الجديد
———————————
مجسمات على الخطوط وسلاح بالأنفاق.. ما التكتيكات التي حررت حلب في ردع العدوان؟/ عمر حاج حسين
2025.11.29
قبل شهرين من معركة ردع العدوان التي أدت في النهاية إلى تحرير سوريا وسقوط نظام الأسد، كانت المؤشرات الأولى تتشكل شمال غربي سوريا، على هيئة تسريبات مبهمة تتحدث عن تحضيرات عسكرية استثنائية في ريف حلب الغربي وريف إدلب الشرقي، قبل أن تتكشف تدريجياً عبر خطوات عملية لافتة، أبرزها خصم رواتب موظفي حكومة الإنقاذ وتوجيه تعزيزات يومية نحو خطوط التماس مع النظام البائد، مع غموض هيمن على المشهد بالكامل، رافقه وسط صمت دولي وإقليمي.
ومع اقتراب الموعد، أخذت تلك الإشارات طابعاً أكثر وضوحاً، إذ انتشرت تسريبات قبل نحو 25 يوماً من العملية تشير إلى أن الوجهة هي مدينة حلب، وأن ساعة الصفر باتت وشيكة، رغم غياب أي تأكيد رسمي من أي جهة، بالإضافة لتسريبات بعقد اجتماعات بين هيئة تحرير الشام وفصائل الجيش الوطني السوري، لإطلاق معركة مشتركة ضد نظام الأسد البائد.
في تلك الفترة المشحونة بالترقب، يروي القيادي في حركة نور الدين الزنكي، محمد بركات، أنه كان يواجه أسئلة لا تهدأ من عسكريين ومدنيين حول حقيقة المعركة وقرب اندلاعها، ولكن كنت أقول للجميع إن الفصائل قادرة على دخول حلب، لكن ما لم أكن أعرفه هو توقيت العملية وما سيواجهه المقاتلون عند الاقتحام”.
ويُضيف بركات في حديثه لموقع تلفزيون سوريا: “كان التخطيط العسكري يجري منذ شهرين كاملين قبيل اندلاع المعركة، فقد كانت سرايا النخبة والعصائب الحمراء وسرايا الحراري تنفذ بشكل شبه يومي عمليات تسلل نحو الخطوط الأولى حول حلب، بهدف رسم خرائط تفصيلية لحقول الألغام المنتشرة على امتداد الجبهة، بالإضافة إلى تعطيل صواعق تلك الألغام، لتبقى الحقول موجودة ومرئية أمام جنود نظام الأسد، ليمنحهم شعوراً بالأمان، بأنها كفيلة بإفشال أي هجوم مفاجئ.
وقال: “قبل 20 يوماً من المعركة بدأت هيئة تحرير الشام بالتعاون مع فصائل الجيش الوطني على نشر مجسمات لمدفعية ودبابات على خطوط التماس بريف حلب الغربي، في حين كان السلاح الحقيقي يُنقل ليلاً إلى أنفاق وحفر مجهّزة مسبقاً، وأما العتاد الثقيل، فكان يُرسل إلى الجبهات بغطاء شوارد تحمل إعلانات تصدر بهدف إيصال المعدات العسكرية للجبهات بعيداً عن الاستطلاع الروسي والإيراني”.
اختراق ومفخخات قبل المعركة
لم تكن التحضيرات للمعركة تجري على خطوط النار فقط، بل في عمق مدينة حلب، وفقاً لـ”بركات” الذي أكّد أنه خلال الأسابيع التي سبقت المعركة، بدأت شخصيات من عشائر محلية في المناطق المحررة بالتواصل مع شخصيات مقربة من لواء الباقر في مدينة حلب، من باب الحرص على أبناء عشيرتهم وعدم التعرض لهم مقابل مكاسب مادية، لتتحول مع الوقت إلى قيام شخصيات من العشائر بعرض للواء، انتهى بعد محاولات عديدة بالتوصل إلى اتفاق يقضي بالتزام اللواء بتحييد قواته في حال حدوث معركة، وعدم استهداف مواقعه داخل مدينة حلب، مقابل تمرير معلومات حول التحركات العسكرية الحساسة لقوات نظام الأسد البائد.
وأشار إلى أنه وبعد الوصول إلى الاتفاق، دخل سبعة مقاتلين من فصائل المعارضة إلى مدينة حلب، وتركزوا في أماكن قرب مواقع اللواء، دون أن يحملوا سلاحاً، ولكن بعد أسبوعين زوّدوا بأسلحة قادمة من الريف الشمالي، عبر خطوط التهريب.
ولكن التطور الابرز أيضاً، كما يروي بركات، أن المعركة ساندها أيضاً مجموعة شبان يعملون في مجال الاختراق الإلكتروني مقيمون في تركيا وإدلب، إذ عملوا على مساعدة غرفة عمليات ردع العدوان في اختراق أجهزة هواتف عدد من ضباط قوات نظام الأسد، عبر ثغرة تقنية، وإرسال رسائل إلى عناصرهم وزملائهم في جيش الأسد، بهدف بث الرعب في قلوبهم.
يوم المعركة
مع حلول ليلة السادس والعشرين من تشرين الثاني، وتحديداً عند الساعة 7 مساءً، بدأ صوت القصف يتصاعد شيئاً فشيئاً حتى غطّى سماء ريف حلب الغربي وأصبح صوته مربكاً لكثافته، وخلال أقل من ساعتين فقط، أصبحت بلدات “الأتارب ودارة عزة والقصر وكفر عمة والإبزمو” تحت نيران قوات النظام البائد، ومع كل ضربة كان الشعور يترسخ بأن المعركة لم تعد احتمالاً، بل بدأت فعلاً.
في تلك اللحظات، خرج الناس إلى الطرقات التي فوجئوا بأنها مجهزة مسبقاً (لا مطبات، ولا عوائق، ومسارات منفصلة لمرور الإمداد العسكري والطبي)، ومع ازدياد القصف، بدأت موجة نزوح كبيرة تتحرك من القرى والبلدات باتجاه مدينتي “الدانا وسرمدا وما حولهما”.
على الجانب الآخر، كان الناشط الإعلامي محمود طلحة ينقل تفاصيل ما يجري في ريف حلب عبر المعرفات الرسمية لـ “غرفة عمليات ردع العدوان”، يقول في حوار خاص مع موقع تلفزيون سوريا: “بدأ هجوم قوات ردع العدوان قرابة الساعة 12 بعد منتصف ليلة الـ26 تشرين الثاني، باتجاه بلدة قبتان الجبل التي تتميز بطبيعتها الجغرافية الوعرة، إذ ضمت القوات مجموعات عسكرية متنوعة، شملت عناصر من “هيئة تحرير الشام والجبهة الشامية ونور الدين الزنكي وفرقة السلطان سليمان شاه والجبهة الوطنية والحزب الإسلامي التركستاني وأحرار الشام وأنصار التوحيد”، بعدما توزعت على خمسة محاور قتالية.
وأوضح طلحة أن الاشتباكات بدأت بإسناد جوي من مسيرات “الشاهين” التي عملت على استهداف مدافع النظام البائد وحقول الألغام المتبقية، لتدور معركة عنيفة، انتهت قرابة الساعة الخامسة فجراً، بالسيطرة على البلدة وعشرة قرى محيطة بها، واستشهاد قرابة 25 عنصراً وإصابة أكثر من 30 من غرفة عمليات ردع العدوان.
وعند حلول الساعة الواحدة من اليوم التالي الموافق 27 تشرين الثاني، خرج العميد “حسن عبد الغني” في بيان مرئي، معلناً انطلاق “عملية ردع العدوان”، وبعدها، تحركت المجموعات العسكرية للغرفة نحو “الفوج 46” الذي يعد أبرز مواقع النظام في ريف حلب الغربي، ليتم السيطرة عليه بعد مضي قرابة 7 ساعات، إذ فشلت قوات غرفة العمليات المحاولات الخمس الأولى من اقتحام الفوج وأسفرت المحاولات الأولى عن استشهاد قرابة 40 عنصراً من قوات “ردع العدوان” حتى تمت السيطرة على الفوج في النهاية.
ومع حلول الليل، وانتهاء السيطرة على الفوج “46”، واصلت غرفة العمليات بالتقدم باتجاه القرى المتاخمة، لتسيطر على قرى “أورم الصغرى وريف المهندسين الثاني وعاجل وكفر تعال وتقاد وبسرطون”، فيما تسللت في تلك الليلة سرايا القنص بلدات “أورم الكبرى وكفرناها خان العسل وضاحية الراشدين”، والتي أربكت عناصر نظام الأسد وشتتت أهداف الطيران الروسي وطيران نظام الأسد، بقصف مناطق خالية، ومع حلول الساعة الثانية بعد منتصف الليل، كانت حصيلة سيطرة غرفة العمليات تُقدر بـ154 كيلو متراً بريف حلب الغربي، في المقابل ارتفع حصيلة شهداء غرفة العمليات إلى 70 عنصراً، بينما تجاوز عدد المصابين الضعف، وفقاً لـ”طلحة”.
السيطرة على خاصرة حلب
في اليوم التالي، وتحديداً في صباح الثامن من تشرين الثاني، لم يعد الهجوم عشوائياً بعد الخسائر التي تلقتها غرفة العمليات، إذ اتجهت قوات إدارة العمليات العسكرية نحو الجنوب، ووصلت إلى منطقة الزربة ثم قطعت طريق “حلب – دمشق” الدولي، الشريان الذي يزوّد عناصر النظام بالإمداد وخاصة من مدينة سراقب بريف إدلب الشرقي.
ولكن في الجهة المقابلة، حاول عناصر قوات الأسد وبإسنادٍ جوي روسي وسوري مكثف، تثبيت دفاعات جديدة عند أطراف سراقب ولكنها فشلت، بسبب الضغط الذي استمر في ريف حلب الغربي، الذي استطاع كشف مواقع المدفعية وغرف عمليات النظام في سراقب والقرى المحيطة بها، واستهدافها جويّاً عبر مسيّرات “الشاهين”، الأمر الذي خلق حالة من القلق والهشاشة في صفوف قوات الأسد حينذاك.
اقتحام مبنى التدريب الجامعي
وفي اليوم التاسع والعشرون حمل اللحظة القاضية التي غيرت كل المعادلة، مسجلة إحدى أكثر العمليات جرأة، بحسب القيادي في هيئة تحرير الشام “خالد أبو الوليد” الذي يشغل اليوم مسؤولاً أمنياً في مدينة حلب، والذي أكّد أنه في فجر ذلك اليوم، بدأ العاملون في غرفة عمليات ردع العدوان في المجال الإلكتروني والتقني بإختراق هواتف ضباط وعناصر من جيش الأسد، وإرسال رسائل إلى عناصر وقيادات في صفوفهم بالانسحاب وترك سلاحهم بسبب تخلي روسيا وإيران عنهم بالكامل.
وقال: “بعد مضي ساعات قليلة من بدء إرسال الرسائل، أقدمت مجموعة صغيرة كانت قد تسللت مسبقاً لمدينة حلب، على اقتحام مبنى غرفة عمليات النظام المركزية في حي “الفرقان” وسط مدينة حلب، لتدور اشتباكات داخل ممراته ومكاتبه، أسفر عن استشهادهم جميعاً بالاشتباكات.
يقول “أبو الوليد” لموقع تلفزيون سوريا، إنه بالتزامن مع اقتحام مبنى عمليات النظام البائد، انطلقت مسيّرات (الشاهين) من محيط بلدة خان العسل بريف حلب الغربي، واستهدفت أبراج الاتصالات الرئيسية للمبنى، لتخرج عن الخدمة ويتوقف أداء الغرفة نهائيا، وفي تلك الأثناء انتشر الرعب في صفوف قوات الأسد في مدينة حلب بالكامل.
ومع حلول الليل، بدأت قوات النظام البائد بإنشاء خط دفاع عند دواري أبي فراس الحمداني والسلام، حيث عززتهما بالدبابات والمدرعات، ولكن في الجهة المقابلة كان عناصر غرفة عمليات ردع العدوان كانت قد وصلت إلى حي “حلب الجديدة”، لتقوم الغرفة بتفجير عربة مفخخة إلى دوار باب السلام وفجرته بشكل كامل، لتبدأ قوات النظام بالانسحاب، وتتقدم عناصر ردع العدوان نحو ساحة سعد الله الجابري، بعد أن خاضوا اشتباكات مع عناصر فرع “الأمن العسكري” قرب دوار الباسل (سابقا) في حي حلب الجديدة وذلك أثناء انسحابهم، بحسب “أبو الوليد”.
وأوضح أن غرفة العمليات سيطرت في تلك الأثناء، أكثر من ثلاثين دبابة وعشرات المدرعات ومستودعات ذخيرة ضخمة، بعد أن رمى جنود الأسد أسلحتهم في الشوارع وفروا نحو مواقع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، التي تحركت عسكرياً في تلك الأثناء وسيطرت على أحياء الهلك والشعار والخالدية شرقي حلب.
وأشار إلى أنه في تلك الليلة، لم يبقى تحت سيطرة قوات نظام الأسد في مدينة حلب سوى (الأكاديمية العسكرية ومدرسة المدفعية)، اللتان تحصن فيهما مئات الضباط، وعلى إثرها قررت إدارة العمليات التفاوض معهم والتوصل إلى خروجهم بعد منتصف الليل عبر حافلات إلى منطقة خناصر بريف حماة الشرقي، لتصبح بعدها مدينة حلب خالية بالكامل لقوات نظام الأسد البائد.
ومع بزوغ فجر اليوم التالي لتحرير حلب، الموافق 30 من تشرين الثاني، بدأ الرد العنيف والمتوقع، فقد بدأ الطيران الروسي والسوري بشت غارات مكثفة على مدينة حلب وريفها الغربي، مسجلاً مجازر خاصة في الأتارب ودارة عزة وحلب الجديدة، راح ضحيتها قرابة 100 مدني.
الانهيار الأخير
في تلك الأثناء، انسحبت قوات النظام وميليشياته من مواقع حيوية من الريف الشرقي والجنوبي لمدينة حلب، ودخلت قوات “قسد” عوضاً عنها، بدءاًً من “مطار حلب الدولي وصولاً إلى معامل الدفاع في السفيرة”، حيث كان المشهد كارثياً عند قوات نظام الأسد البائد (ضباط عاجزون وجنود يرفضون الأوامر وعتاد ثقيل يُترك خلفهم لتسهيل حركة الهروب، فيما تحولت الاتصالات إلى نقل صور اليأس والانهيار إلى مواقع النظام البائد في إدلب، ما أشعل سلسلة انسحابات متتابعة امتدت جنوباً حتى ريف إدلب).
تزامن الانسحاب المذكور، بتحرك قوات “قسد” أيضاً بالتحرك في منطقة تل رفعت لتوسيع سيطرتها على حساب مواقع نظام الأسد البائد التي انسحبت من بلدتي “نبل والزهراء” ذات الغالبية الشيعية، لكن سرعان ما أعلن الجيش الوطني عن إطلاق عملية عسكرية تحت مسمى “فجر الحرية” من محورين (الريف الشمالي والريف الشرقي)، حيث استطاعت في ساعاتها الأولى السيطرة على مطار كويرس العسكري شرقي حلب، بعد اقتحام مباغت، ثم الفوج 111 والكلية الجوية ومطار حلب الدولي، حتى وصل الجيش الوطني إلى تخوم حلب الشرقية، بعد اشتباكات عنيفة مع “قسد” ليحاصرها شمال المدينة إلى اليوم.
وتمكّن المقاتلون، بفضل انهيار النظام، من اغتنام كميات ضخمة من العتاد، بينها دبابات ومنظومتان “بانتسير”، وامتد التقدم لاحقاً نحو دير حافر والسفيرة، حيث التقت قوات العمليتين، ودخلت قوات ردع العدوان معامل الدفاع وخناصر، وفقاً لـ”أبو الوليد”.
ومع إعلان غرفة العمليات إحكام سيطرتها على مطار حلب الدولي، أكدت في الوقت نفسه بسط نفوذها على كامل محافظة إدلب، مشيرة إلى تقدم واسع شمل 25 قرية وبلدة في ريفي إدلب الجنوبي والشرقي، ضمن مساحة تقدر بنحو 400 كيلومتر مربع، كما أوضحت أنها تمكنت من السيطرة على مواقع متعددة في ريف حماة، وأن عمليات التوسع ما تزال مستمرة نحو الشمال الحموي.
حلب بعد التحرير
يقول الناشط الإعلامي “درويش الصالح” لموقع تلفزيون سوريا: “في اليوم الأول الذي أعقب تحرير مدينة حلب، بدأ السكان يشعرون بأول إشارات التغيير على الأرض، وخاصة الطائفة المسيحية، التي انتابها مخاوف كبيرة من دخول القوات نتيجة وجود فصائل ذات خلفيات إسلامية، إلا أن الواقع جاء مختلفاً، حيث بدأت عناصر من إدارة العمليات بتأمين الخبز والمياه والاحتياجات الأساسية – (بعد أن حرموا منها السكان خلال الأيام الماضية نتيجة المعارك والوضع الأمني للمدينة) – مع تعليمات صارمة بعدم الاحتكاك بالسكان أو الاقتراب من المحال التجارية التي تبيع المشروبات الكحولية، ما أعاد شعور الطمأنينة إلى الأهالي”.
وأضاف: “الرسائل نفسها وصلت إلى بلدتي نبل والزهراء ذات الغالبية الشيعية، حيث سهلت الفرق العسكرية عودة السكان بعد نزوحهم مؤقتاً إلى مدينة السفيرة”.
وعلى الصعيد الأمني، أوضح الصالح أن التوغل السريع لردع العدوان مدينة حلب، خلف عددا كبيرا من عناصر النظام البائد الذين لم تسنح لهم فرصة الانسحاب، ما تسبب بخلل أمني مؤقت في بعض الأحياء، ما دفع وزارة الداخلية التابعة لحكومة “الإنقاذ” إصدار بطاقات مؤقتة لتسهيل حركة عناصر النظام التي تركت سلاحها ولم تقاتل، إذ حدّدت أربع مراكز استقبال في أقسام شرطة الصالحين والشهباء وباب الفرج وباب النصر في مدينة حلب، ومنحت هؤلاء العناصر بطاقات “حماية مؤقتة”، فيما دعت الراغبين للانتساب إلى جهاز الداخلية وفق شروط محددة من عمر وشهادة وسلوك وبنية جسدية سليمة.
وأمّا على الصعيد الخدمي، ركزت حكومة “الإنقاذ” حينذاك على معالجة أزمة الخبز، التي ظهرت فور السيطرة، حيث شهدت الأفران ازدحاما في اليوم الأول، وأعادت الإدارة تشغيل الأفران على مدار اليوم ودعت العاملين للعودة.
وفي اليوم الثاني، وزعت وزارة التنمية والشؤون الإنسانية 65 ألف ربطة خبز، فيما تدخلت منظمات المجتمع المدني وهيئات أهلية، بينها هيئة الإغاثة الإنسانية التركية (IHH)، التي وزعت 36 ألف ربطة يوميا، رغم استمرار نقص الكميات والعشوائية في التوزيع.
وبحلول اليوم الثالث، أعلنت “الإنقاذ” تشغيل جميع الأفران العامة وعددها 16 فرنا إلى جانب 143 فرنا خاصاً، لتنظيم التوزيع وضمان وصول الخبز إلى أكبر عدد ممكن من السكان.
فرحة العودة
بعد استعادة السيطرة على مدينة حلب بيوم واحد فقط، تحوّلت الطرق المؤدية إليها إلى مسارات لعودة آلاف العائلات التي اضطرت لمغادرة منازلها على مدار السنوات الماضية، إذ بدت مشاهد طوابير السيارات والدراجات النارية وهي تتجه نحو الأحياء السكنية، تعكس شغف الأهالي للعودة رغم حجم الدمار الذي لحق بالمدينة.
وظهر الأهالي العائدون في مشاهد مصورة منهم من يعبر عن فرحه وآخرون عن حالة الذهل؛ فالبعض احتضن جدران بيته المتهالك وكأنه يستعيد جزءاً من ذاكرة ضائعة، بينما جلس آخرون فوق الركام في لحظات صمت طويلة، يستعيدون صور أفراد عائلاتهم الذين فقدوهم خلال المعارك والقصف.
ورصدت تسجيلات أخرى عائدون وهي تحاول تنظيف الشوارع أمام منازلها وإزالة الأنقاض، في محاولة لإعادة شيء من الحياة الطبيعية إلى المكان، كما ظهرت مشاهد لعائلات تجتمع أمام أبواب محالها التجارية المغلقة منذ سنوات، تتذكر كيف كانت تلك الشوارع تضج بالحركة، قبل أن تفرغ تحت وطأة الحرب.
ومع ذلك، بقيت مشاعر الأمل حاضرة بين العائدين، فالأهالي تحدثوا عن رغبتهم في ترميم بيوتهم، وإعادة فتح محالهم، والعودة تدريجياً إلى نمط الحياة الذي عرفوه يوماً، وعلى الرغم من حجم الدمار ورحلة التعافي الطويلة التي تنتظر المدينة، فإن عودة الناس شكّلت أول خطوة عملية نحو استعادة حلب لنبضها، وبدء مرحلة جديدة يختلط فيها الواقع القاسي برغبة جماعية في البناء، وهو ما تجسد اليوم في قلب حلب، التي باتت تنبض بالحياة بعد مرور عام كامل على تحريرها.
———————–
في ذكرى ردع العدوان.. مظاهرات شعبية في سوريا تندد بعدوان الاحتلال وترفض التقسيم
2025.11.28
تجمع آلاف من السوريين، اليوم عقب صلاة الجمعة، في ساحات سوريا الرئيسية احتفالاً في الذكرى الأولى لانطلاق معركة “ردع العدوان” التي أطاحت بنظام بشار الأسد.
وندد المتظاهرون بدعوات تقسيم البلاد وبالعدوان الإسرائيلي على بلدة بيت جن بريف دمشق والذي راح ضحيته 13 شهيداً ونحو 25 جريحاً، كما أكدوا على وحدة الصف السوري.
في دمشق، انطلقت فعالية شعبية من أمام الجامع الأموي مروراً بالحميدية باتجاه شارع النصر ثم ساحة الأمويين، للتأكيد على وحدة الصف ورفضاً لكل مشاريع التقسيم، بحسب ما أفادت وكالة الأنباء السورية “سانا”.
كما شهد ريف العاصمة مشاركة واسعة في الاحتفال الشعبي في مدن دوما وحرستا وأشرفية صحنايا وبلدات أخرى.
وفي حلب، شهد مركز المدينة تجمعاً حاشداً للأهالي في ساحة سعد الله الجابري، بينما احتفل أهالٍ في قبتان الجبل والقرى المحيطة بها بذكرى معركة ردع العدوان التي اتخذت من البلدة منطلقاً للهجوم على مواقع قوات نظام الأسد في 27 من تشرين الثاني 2024.
ورصد مراسلو تلفزيون سوريا، تجمعات شعبية حاشدة في ساحات الساعة في حمص، والعاصي في حماة، والسبع بحرات في إدلب، وساحة الكورنيش البحري في طرطوس.
الشرع يدعو للنزول إلى الساحات
وجّه رئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع، كلمة هنّأ فيها الشعب السوري بالذكرى السنوية الأولى لانطلاق معركة “ردع العدوان”، ودعاهم إلى الاحتفال بالمناسبة في مختلف المدن والبلدات.
وقال الرئيس الشرع في كلمة متلفزة مساء أمس الخميس: “نبارك للسوريين بذكرى بدء معركة تحرير سوريا بكاملها، معركة ردع العدوان التي عملت على إسقاط النظام المجرم بكامل أركانه”.
وأضاف: “بهذه المناسبة العظيمة، أدعو كامل أطياف الشعب السوري، بكل فئاته ومكوناته للنزول إلى الساحات والميادين للتعبير عن فرحتهم بهذه المعركة العظيمة وإظهار اللحمة والوحدة الوطنية وسلامة التراب السوري ووحدة أراضيه
————————
“ردع العدوان”.. قصة اليوم الأول الذي غيّر كل شيء في سوريا
سعيد اليوسف
2025.11.27
عندما دقّت عقارب الساعة فجر يوم الأربعاء (27 تشرين الثاني 2024)، كانت جبهة شمال غربي سوريا على موعد مع لحظة مفصلية أنهت أربع سنوات من الجمود فرضته اتفاقية “خفض التصعيد”، عام 2020.
ففي ذلك الفجر، لم تبدُ عملية “ردع العدوان” كاشتباك محدود أو مناوشة اعتيادية، بل اتّضحت سريعاً بوصفها تحوّلاً عسكرياً أعاد خلط أوراق المشهد الميداني في سوريا، منذ ساعاتها الأولى.
ولم يتوقف أثر العملية عند حدودها الميدانية، إذ شكّلت أوّل اختراق نوعي للجبهة منذ أربع سنوات، وأعادت إحياء مسارٍ ظنّت بعض الأطراف الإقليمية والدولية أنه طُوي مع محاولات العديد من الدول، قبل أشهر، إعادة تعويم “الأسد”.
وخلال الساعات الممتدة من فجر اليوم الأوّل للمعركة حتى ليلته، شهدت المنطقة أكثر مراحلها حساسية وحسماً، إذ انهارت الخطوط الدفاعية للنظام على نحو متسارع، وتبدّلت خريطة السيطرة في مشهد غير مسبوق، منذ عام 2011، ووضعت عملياً اللبنة الأولى في مسارٍ انتهى بسقوط “الأسد”، بعد 12 يوماً فقط.
“ردع العدوان”.. فصائل المعارضة تحقق تقدماً كبيراً في ريف حلب
قراءة الساعات الـ24 الأولى، تُظهر أن زخم البداية كان عاملاً حاسماً في مسار المعركة، وأن سرعة انهيار قوات نظام الأسد -المدجّجة بعشرات الميليشيات الطائفية- ارتبطت أيضاً بتوقيت انطلاق المعركة، الذي جاء بعد ساعات من دخول وقف إطلاق النار بين الاحتلال الإسرائيلي و”حزب الله” في لبنان حيّز التنفيذ، عقب ضربةٍ قاصمة للظهر استهدفت قيادات الحزب في الضاحية الجنوبية، وقيادات “الحرس الثوري” الإيراني في طهران.
فجر 27 تشرين الثاني.. محور ريف حلب الغربي
مع الساعات الأولى من فجر الـ(27-11-2024)، شنّت فصائل “إدارة العمليات العسكرية” بقيادة “هيئة تحرير الشام” هجوماً واسعاً انطلق من بلدة قبتان الجبل في ريف حلب الغربي.
و”إدارة العمليات العسكرية” اسم لم يكن معروفاً سابقاً، وغالباً هو الاسم الجديد لـ”غرفة عمليات الفتح المبين”، وأُشير إلى انضوائها ضمن “القيادة العامة”، التي أعلنتها “هيئة تحرير الشام”، وتتشكّل الإدارة من:
هيئة تحرير الشام بقيادة “أبو محمد الجولاني” (الرئيس أحمد الشرع حالياً)، وهي من تقود إدارة العمليات العسكرية ومعركة “ردع العدوان”.
حركة أحرار الشام في إدلب بقيادة عامر الشيخ.
فصائل الجبهة الوطنية للتحرير، وهي مظلة لفصائل الجيش السوري الحر المتبقية في إدلب، والمنضوية تنظيميّاً في الجيش الوطني السوري، أبرزها: (فيلق الشام، صقور الشام، كتائب نور الدين الزنكي، الفرقة الوسطى).
مجموعات إسلامية-جهادية، أبرزها: (الحزب الإسلامي التركستاني، أنصار التوحيد).
فصائل الجيش الوطني السوري في ريف حلب، والتي أطلقت لاحقاً معركة “فجر الحرية” لاستعادة مناطق تسيطر عليها “قسد”، ولا سيما منبج وتل رفعت ومطار منغ العسكري.
في تلك اللحظات، التي ستنكشف أبعادها تباعاً خلال الأيام التالية، أعلنت “إدارة العمليات العسكرية” رسمياً، انطلاق معركة “ردع العدوان”، والتي وُصفت بأنها معركة وجود، هدفها المعلن تنفيذ “ضربة استباقية” ضد قوات نظام الأسد والدفاع عن ملايين المدنيين، وسط تصاعد التهديدات العسكرية من قبل النظام وميليشياته.
وعند الساعة الواحدة ظهراً، خرج الناطق باسم “إدارة العمليات العسكرية” حسن عبد الغني، مؤكداً أنّ المعركة “ليست خياراً بل واجباً”، وأنّها جاءت لحماية الأهالي من اعتداءات عصابات الأسد وميليشيات إيران، موجهاً رسالة واضحة لهم: “لن نسمح لكم بتحقيق أهدافكم، ولتعلموا أن معركة الحق قد بدأت”.
وبحسب مصادر عسكرية لـ موقع تلفزيون سوريا، نُفذ الهجوم بعدة آلاف من المقاتلين، مع دعم مدفعي واستخدام مسيّرات “شاهين” محلية الصنع، في أوّل إعلان رسمي عن استخدامها في المعارك، حيث لعبت دوراً حاسماً في مسار المعركة.
كذلك، استخدمت الفصائل مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، إلى جانب قناصات بعضها محلي الصنع، كما شاركت لاحقاً “سرايا القتال الليلي” المجهزة لعمليات ومعارك ليلية.
وخلال ساعات، استهدفت فصائل “ردع العدوان”، مراكز اتصالات ميدانية وغرف عمليات فرعية ونقاط مراقبة حول “الفوج 46″، كما قطعت طرق الإمداد بين دارة عزة وجبل سمعان، ما شلّّ حركة النظام.
“تقدم خاطف.. ست ساعات قلبت الخريطة”
بعد ساعات من انطلاق معركة “ردع العدوان”، تبدّلت خريطة السيطرة بسرعة هائلة، إذ تمكّنت الفصائل من السيطرة على بلدات وقرى (أورم الكبرى، أورم الصغرى، الشيخ عقيل، تقاد، السحارة، بشقاتين)، إضافة إلى أجزاء من محيط “الفوج 46” في منطقة الأتارب.
وبحلول ظهر يوم الـ27، بدأت قوات نظام الأسد تنسحب من مواقع يُفترض أنها حصينة، وسط فرار مجموعات من ميليشيا “الدفاع الوطني”، وفقدان الاتصال بين الحواجز، وانتقال ضباط إلى مواقع خلفية من دون أوامر واضحة.
وحين حاول نظام الأسد إرسال تعزيزات من الأكاديمية العسكرية في مدينة حلب، لم تصل تلك القوات إلى خطوط التماس بعد قطع طرق الريف الغربي، ما دفع مئات العناصر إلى الفرار، تحت ضربات الفصائل ومسيّراتها.
ومع تصاعد القصف الروسي وقصف النظام بالصواريخ والقذائف والقنابل العنقودية، ووقوع ضحايا مدنيين، بينهم نساء وأطفال، نزحت مئات العائلات من ريفي حلب الغربي وإدلب الشرقي، في حين ظلّ تقدّم الفصائل نحو مشارف مدينة حلب مستمراً.
“خريطة السيطرة خلال 24 ساعة”
عند الساعة الـ12 ليلاً، وثّق الرصد الميداني أكبر تغيّر جغرافي في سوريا، منذ معارك 2015، حيث سيطرت فصائل “ردع العدوان” على مساحة تقدّر بنحو 140 كليومتراً في محيط مدينة حلب، بعد سيطرتها على أكثر من 30 نقطة بين حاجز وموقع وبلدة وقطعة عسكرية، فضلاً عن انهيار أوّل عقدة عسكرية مهمة هي “الفوج 46″، مفتاح السيطرة على كامل ريف حلب الغربي.
والبلدات التي سيطرت عليها الفصائل في ريف حلب الغربي هي: (قبتان الجبل، عينجارة، الشيخ عقيل، أورم الكبرى، أورم الصغرى، بالا، حير دركل، السلوم، جمعية المعري، القاسمية، كفربسين، حور، عاجل، الهوتة، جمعية السعدية).
وقد قُتل خلال ذلك أكثر من 15 ضابطاً وعنصراً -وفق إعلام النظام- كما أسرت الفصائل نحو 20 عنصراً من قوات النظام، بينهم اثنان من الميليشيات الإيرانية، واستولت على خمس دبابات وعربة “BMP”، ومستودع صواريخ “كورنيت”، في حين قضى أوّل مقاتل من فصائل “ردع العدوان”، وهو الشاب (محمد معتوق)، ابن مدينة قطنا في ريف دمشق.
ومع هذا الانهيار، فقد النظام القدرة على شن أي هجوم مضاد، إلّا أنّه ردّ بقصفٍ جوي مكثّف على ريفي حلب الغربي، كما استهدف مناطق متفرّقة من ريف إدلب، في أوّل خرق كبير منذ اتفاق وقف إطلاق النار بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين، عام 2020.
ومع ساعات المساء الأولى، كانت فصائل “ردع العدوان” تضع نصب عينيها هدفين رئيسيين، يشكّلان خطراً وجودياً على نظام الأسد:
الوصول إلى مدينة حلب: حيث بات المقاتلون على مسافة قريبة من الأحياء الغربية لمدينة حلب، ما أجبر النظام على سحب جزء من قواته لإعادة التموضع والدفاع عن مركز المدينة.
قطع طريق M5 الدولي (حلب-دمشق): بدأت العمليات تتوجه نحو المواقع التي تسمح بالسيطرة النارية على هذا الشريان الحيوي، تمهيداً لقطعه بشكل كامل، وهو ما تحقّق لاحقاً في اليوم الثاني من العملية.
الـ24 ساعة الأولى من المعركة، أكّدت أنّ الطريق إلى السيطرة على مدينة حلب فُتح تماماً، وأن دفاعات النظام ضعيفة وجميع إمداداته باتت مقطوعة، وقواته في حالة تخبّط تبحث عن مخرج للفرار فقط، خاصّةً بعد أنّ تغيّر المشهد العسكري جذرياً، حيث لم يعد الهجوم مجرّد “ردع”، بل تحوّل إلى اختراق واسع قلب كلّ الموازين.
انعكاسات اليوم الأول.. بداية النهاية
بين فجر 27 تشرين الثاني 2024 وليله، بدا أن نظام الأسد دخل معركة لم يستعدّ لها، أمام خصمٍ أتقن التخطيط واستثمار عنصر المفاجأة، فخلال ساعات قليلة انهارت دفاعاته، وارتبكت قياداته، وتبدّلت خريطة السيطرة، بينما حقّقت “إدارة العمليات العسكرية” تقدّماً واسعاً وطرقت أبواب حلب في يوم واحد.
كانت الساعات الـ24 الأولى لحظة انعطاف حاسمة، انتقل فيها المشهد السوري من ركودٍ طويل إلى هزّة سياسية وعسكرية قلبت الموازين وفتحت العدّ التنازلي لنهاية حقبة “الأسد”، وهكذا تحوّل ذلك اليوم إلى مفصل تاريخي، استكملت نتائجه في اليوم الـ12 (8 كانون الأول 2024)، حيث سقط “الأسد” وتحرّرت سوريا.
تلفزيون سوريا
———————-
الناطق باسم وزارة الدفاع السورية العقيد حسن عبد الغني: 12 شهراً على ردع نظام الظلم والإرهاب وحماية السوريين مسؤوليتنا
2025.11.27
أكد الناطق باسم وزارة الدفاع السورية العقيد حسن عبد الغني، اليوم الخميس، أن الجيش السوري سيظل درع السوريين المتين، وذلك خلال كلمة مرئية بمناسبة الذكرى الأولى لعملية “ردع العدوان”، التي أطاحت بنظام بشار الأسد في سوريا، مؤكداً على مسؤوليتهم في حماية السوريين في جميع أنحاء البلاد.
وجاء في الكلمة التي بثتها منصات وزارة الدفاع السورية: “شعبنا الأبي.. شعب سوريا الحرة.. 12 شهرًا مضت على ردعنا لنظام الظلم والإرهاب، 12 شهرًا مضت على تخليص أهلنا من حمم الموت والقصف والآلام”.
وأضاف العقيد عبد الغني: “في هذه الأيام ومع ما مر به وطننا الحبيب من فتوحات وانتصارات وإنجازات في كل المجالات، وفي ظل متابعتنا الدقيقة لكل ما يجري في جميع الساحات، نعلن من وزارة الدفاع السورية بإرادة لا تلين مرور عام على بدء معركة ردع العدوان”.
حماية السوريين مسؤوليتنا
وأكد عبد الغني أن الجيش السوري هو درع السوريين المتين، مشيراً إلى أن “حمايتكم مسؤوليتنا في كل شبر من أراضي الجمهورية العربية السورية، من شرق البلاد إلى غربها”.
ودعا المواطنين إلى “الالتفاف حول جيشهم ودولتهم في سبيل عمار وطنهم وبنائه من جديد ليكون كما كان موطنًا للحضارة والتاريخ والازدهار والعلم”، معتبرًا أن “عهد الظلم قد ولى، وانطلق منذ ذلك الحين عهد العزة والكرامة والبناء”.
عبد الغني بين ظهورين
أعاد ظهور العقيد عبد الغني اليوم – الذي كان الناطق الرسمي باسم “إدارة العمليات العسكرية” – ذاكرة السوريين إلى البيان الأول الذي أعلن فيه انطلاقة معركة ردع العدوان، رداً على التصعيد المستمر من قبل النظام والميليشيات الإيرانية.
وأكد العقيد عبد الغني في بيان يصفه السوريون بـ”التاريخي” أن العملية “ليست خيارًا بل واجبًا” للدفاع عن دماء السوريين وأعراضهم وأرضهم، مشيرًا إلى أن “ميليشيات النظام وإيران” أعلنت “حربًا مفتوحة على الشعب السوري”.
——————————–
“ردع العدوان”.. معركة أسقطت نظام الأسد في 11 يوما
“ردع العدوان”، اسم لمعركة تحل ذكراها الأولى اليوم الخميس على السوريين، حيث انطلقت في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي، لتطيح بنظام بشار الأسد خلال 11 يوما، بعد أن حكم البلاد 24 عاما.
بدأت المعركة في محافظة حلب شمالا، وصولا إلى العاصمة دمشق، التي دخلها المقاتلون فجر 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، معلنين الإطاحة بنظام الأسد، بينما فر رئيسه إلى موسكو.
تلك العملية العسكرية، التي حققت نهاية سريعة ومفاجئة لنظام الأسد، أطلقتها فصائل سورية، شكلت من أجلها “إدارة العمليات المشتركة”، التي ضمت كلا من “هيئة تحرير الشام” و”حركة أحرار الشام” و”الجبهة الوطنية للتحرير”.
وبذلك أنهت “ردع العدوان” 61 عاما من حكم حزب البعث، و53 من سيطرة عائلة الأسد على البلد العربي.
وأصدر الرئيس السوري أحمد الشرع، قبل أسابيع، مرسوما حدد فيه 8 ديسمبر عطلة رسمية وعيدا وطنيا يحتفل فيه السوريون في كل عام بإسقاط نظام الأسد.
ومرت “ردع العدوان” التي قادها الشرع حينها، بمراحل محورية من خلال سيطرتها السريعة على محافظات مهمة، وسط انهيار غير مسبوق لقوات الأسد وحلفائه، بعدما كان الخلاص من نظام البعث أشبه بحلم صعب المنال بالنسبة للسوريين.
وحكم بشار الأسد البلاد بين عامي 2000 و2024، خلفا لأبيه حافظ الذي جثم على سدة السلطة في 1970 إثر انقلاب عسكري قاده حينما كان وزيرا للدفاع في ذلك الوقت.
وفيما يلي أبرز المحطات المهمة لمعركة “ردع العدوان”:
شرارة البدء
كانت الانطلاقة في ريف حلب الغربي، في 27 نوفمبر 2024، ثم تمكن المقاتلون من قطع الطريق الدولي الذي يربط بين حلب ودمشق، بهدف قطع الإمدادات عن قوات الأسد وتشكيل عامل ضغط، مع وجود عنصر المفاجأة، حيث استبعد النظام المخلوع آنذاك أن تكون الفصائل السورية جهزت نفسها لهذه المعركة الفاصلة.
وشهد اليوم الأول تقدمًا كبيرًا على محور غرب حلب، حيث استُعيدت السيطرة على 18 قرية، ما عزز تموضع المقاتلين السوريين على الأرض.
في اليوم الثاني، اتجهت العمليات نحو محور سراقب في ريف إدلب، وهو محور استراتيجي نظرًا لموقعه الحيوي على الطريق الدولي.
وتمكن المقاتلون السوريون من تحرير أكثر من 50 بلدة وقرية، ونجحوا في قطع هذا الشريان الاقتصادي والعسكري لنظام الأسد.
30 نوفمبر
أُعلن المقاتلون السيطرة الكاملة على مدينة سراقب بعد معارك شرسة مع قوات الأسد.
بالتزامن، شهدت أحياء مدينة حلب معارك حاسمة انتهت بانسحاب قوات الأسد، وتسليمها بعض المناطق لتنظيم “بي كي كي/ واي بي جي”، في خطوة عكست حالة التخبط وفقدان السيطرة داخل معسكر الأسد وحلفائه.
وأطلق الجيش الوطني السوري عملية “فجر الحرية” من أجل إفشال مخططات تنظيم “بي كي كي/ واي بي جي” لإنشاء ممر إرهابي بين مدينة تل رفعت وشمال شرق سوريا.
وتم تطهير منطقتي تل رفعت ومنبج اللتان كانتا تحت سيطرة التنظيم منذ عام 2016.
في المقابل، نفذت الطائرات الحربية السورية والروسية ضربات ضد المناطق التي سيطر عليها المقاتلون، في محاولة لاستعادة موازين القوى.
تحرير حلب
مطلع ديسمبر أعلن المقاتلون السيطرة على مدينة حلب بالكامل، ما عزز نفوذهم العسكري، وسط صدمة كبيرة لدى قوات الأسد التي تراجعت إلى محافظة حماة وسط البلاد.
وكان لافتا حينها الدخول المنظم للمقاتلين السوريين الذين حموا مؤسسات الدولة وطمأنوا المدنيين، وانتشروا في الشوارع، مؤكدين حرصهم على حماية السلم الأهلي.
الأنظار على حماة
لم يتوقف المقاتلون بعد تحرير حلب، إذ أعلنوا مباشرة بدء معركتهم لتخليص حماة، والتي استغرقت نحو 5 أيام.
وبدأت المعركة بهجوم واسع على ريف حماة الشمالي، حيث سيطر المقاتلون على عدة بلدات ومدن، منها مدينتا صوران الاستراتيجية وطيبة الإمام.
ومن أبرز محطات المواجهة في حماة، معركة جبل العابدين الذي كانت تتمركز فيه قوات الأسد، ودافعت عنه بشراسة باعتباره خط الدفاع الأخير عن حماة وحمص.
ويطل الجبل الاستراتيجي على مدينة حماة، وقد شهد معارك كر وفر بين الطرفين، أسفرت عن قتلى وجرحى بينهما، وانتهت بسيطرة المقاتلين بعد عملية التفاف ناجحة.
كما تمت السيطرة على مدينة قلعة المضيق الاستراتيجية، قبل أن يعلن المقاتلون دخولهم مدينة حماة في 5 ديسمبر.
وشكلت السيطرة على حماة نقطة تحول كبيرة، نظرا لقربها من محافظة حمص وسط البلاد، التي تبعد عن العاصمة أقل من 200 كيلو متر.
درعا تدخل المعركة
رغم عدم وجود صلة جغرافية بين مدينة درعا في الجنوب ومناطق معركة “ردع العدوان”، إلا أن المقاتلين المدينة دخلوا على خط المعركة وتمكنوا خلال ساعات من السيطرة عليها في 7 ديسمبر.
انسحبت قوات الأسد حينها إلى مواقع عسكرية في مدينة إزرع بريف المحافظة، لتتابع انسحابها باتجاه العاصمة، في حين بدأت من هناك عمليات إلقاء السلاح في الشوارع.
وانتقلت عدوى الانسحابات إلى محافظة السويداء المحاذية، حيث نشط المقاتلون هناك وسيطروا على مركز المدينة، تزامنا مع التطورات في درعا، لتتحرر المحافظتان بالكامل خلال أقل من 24 ساعة.
بعد ذلك توجه المقاتلون من المحافظتين باتجاه العاصمة، في محاولة لتضييق الخناق على قوات الأسد.
كما بدأت جماعات المعارضة المحلية في القنيطرة جنوب البلاد الاشتباك مع قوات النظام، وسيطرت على مركز المحافظة في 7 ديسمبر 2024.
مواجهات في حمص
بالتزامن مع الانسحابات من درعا والسويداء، كان المقاتلون السوريون على أبواب مدينة حمص يضيقون الخناق على قوات الأسد.
ولمنع تقدم المقاتلين السوريين نحو حمص، استهدفت الطائرات الحربية الروسية جسر الرستن الواصل بين المدينة وحماة، ما أدى إلى تضرره بشكل كبير.
ورغم ذلك، تمكن المقاتلون من تجاوز هذه المعضلة، ووصلوا تباعا عن طريق الأرياف، فيما عبر جزء منهم الجسر رغم خطورته.
انسحابات درعا والمعارك على تخوم حمص، جعلت من تبقى من قوات الأسد في العاصمة بحالة قلق شديد مع إطباق الحصار عليها، إذ كانت الأنظار تتجه حينها إلى منطقتين: القصر الجمهوري الذي يقيم فيه بشار الأسد، وسجن صيدنايا.
إعلان سقوط النظام
الساعة السادسة و18 دقيقة بتوقيت دمشق (ت.غ+3)، صباح الأحد 8 ديسمبر، أعلن رسميا عن دخول المقاتلين السوريين للعاصمة، وسقوط نظام بشار الأسد الذي اختفى عن الأنظار.
ثم أُعلن في مساء اليوم نفسه، وصوله إلى موسكو وتقديمه طلب “اللجوء الإنساني”، الذي وافقت عليه روسيا.
مأساة صيدنايا
عمت الاحتفالات في مدن سورية تزامنا مع الخلاص من نظام الأسد، بينما تكشفت في الساعات الأولى مأساة سجن صيدنايا، مع خروج آلاف المعتقلين، بينما لم يظهر أثر لآلاف آخرين أعدمتهم قوات الأسد.
وبالفرح والحزن معا، عاش السوريون لحظات خلاصهم من أكثر الانظمة التي حكمتهم دموية، بعد ثورة شعبية بدأت في درعا في مارس/ آذار 2011، وحرب استمرت 14 عاما، وخُتمت بمعركة “ردع العنوان”.
(الأناضول)
——————————-
الفوج 46.. عقدة معركة ردع العدوان إلى حلب وبوابة تحرير سوريا
تشرين الثاني 27, 2025
تلقى أهالي المنطقة المحررة في شمال غرب سوريا بلاغات عدة، كفض التجمعات وإخلاء الطرق الواصلة إلى ريف حلب الغربي، استنفار لمنظومات الإنقاذ والطوارئ والكوادر الطبية، تعطيل الدوام في كل المؤسسات، إيذاناً ببدء معركة “ردع العدوان” فجر السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024، لتكون لحظة فارقة كسرت ميزان القوة في سوريا، الذي لم يطرأ عليه أي تغيير منذ اتفاق وقف إطلاق النار التركي–الروسي عام 2020، لتتحول المعركة خلال ساعاتها الأولى إلى حدث مفصلي غيّر خريطة السيطرة في البلاد، بتحرير الفوج 46 أحد أهم مواقع النظام البائد، وفتح الطريق نحو مدينة حلب.
بوابة الاختراق الأولى
لم يكن الهجوم المفاجئ من غرب حلب اختياراً عشوائياً، فريف حلب الغربي يشكّل عقدة جغرافية تربط بين إدلب وحلب، ويتيح قطع طرق الإمداد الحيوية للنظام البائد.
وشهد اليوم الأول تحرير 15 بلدة، بينها عنجارة وأورم الكبرى، وشكلت السيطرة على الفوج 46 اختراقاً استراتيجياً فتح الباب أمام التقدم نحو مدينة حلب.
الفوج 46 كان العقبة الأبرز في مسار العملية العسكرية في يومها الأول، فهو أحد النقاط الحاكمة والمتسلطة نارياً على كامل المنطقة المحيطة به، والعديد من العوامل كمساحته البالغة نحو 10 كيلومترات مربع وارتفاعه الذي يصل إلى 388 متراً وتوزع الأسلحة المتوسطة والثقيلة وقاذفات الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى إلى جانب الصواريخ الموجهة المضادة للدروع، كانت تتطلب وضع خطة محكمة لاستغلال الثغرات الجغرافية الممكنة وفتح ثغرات في خطوط الدفاع عنه.
نقاط قوة وضربة قاصمة
دخلت إدارة العمليات العسكرية المعركة وهي تمتلك نقاط قوة لا يملكها النظام البائد، أهمها حسب الباحث والمحلل الأمني العميد أحمد حمادة، الروح المعنوية العالية والإيمان بالقضية، حيث كان لإدارة العمليات العسكرية هدفاً سامياً وهو تحرير سوريا من نير عصابات الأسد المفسدة والفاسدة التي قتلت الشعب السوري في الكيماوي والفوسفوري وشتى أنواع الأسلحة، واستجلبت 62 ميليشيا إيرانية، إضافة إلى الطيران العسكري الروسي الذي فتك بالمناطق السورية.
ويوضح حمادة لموقع الإخبارية: “في المقابل، كان مقاتلو النظام البائد يفتقرون إلى الحافز، ويساقون إلى المعركة دون هدف واضح سوى النهب والسرقة، بينما يعتمد النظام البائد على الميليشيات الإيرانية والغطاء الجوي الذي كانت توفره القوات الروسية”.
وكانت السيطرة على الفوج 46 ضربة قاصمة للنظام البائد، إذ يمثل بوابة حلب وعقدة مواصلات تربط بين المدينة والريف الغربي وصولاً إلى إدلب ومعبر باب الهوى، وسقوطه حرم النظام من قوة نارية هائلة، وفتح الطريق أمام إدارة العمليات العسكرية للتقدم نحو خان العسل وعنجارة، كما لعب عامل المفاجأة دوراً حاسماً، إذ “من يكسب المفاجأة يكسب نصف المعركة”، كما يقول حمادة.
وأضاف الباحث والمحلل الأمني “استخدمت فصائل الثورة أسلحة جديدة مثل طائرات “الشاهين”، ونفذت عمليات خلف خطوط العدو، ما أربك النظام وأفقده القدرة على الدفاع، ورغم أن النظام كان يمتلك أكثر من 35 ألف جندي في حلب، فإن ثلاثة آلاف مقاتل من إدارة العمليات العسكرية تمكنوا من السيطرة على المدينة خلال ثلاثة أيام فقط، إضافة الى ردع “قسد” التي حاولت السيطرة على المداخل الشرقية للمدينة حلب وخاصة مطار كويرس والمطار الدولي.
تكتيك خاطف وكومندوس ليلي
من زاوية أخرى، يرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد الركن مصطفى الفرحات، أن اختيار فصائل الثورة السورية غرب حلب كنقطة انطلاق عكس قراءة دقيقة لثغرات النظام، فريف حلب الغربي كان نقطة ضعف متراخية، والنظام كان مطمئناً إلى أن فصائل الثورة لن تهاجم، إذ اعتاد أن يكون هو المبادر بالقصف اليومي، لذلك جاء الهجوم كصدمة أربكت قياداته وأحدث انهيارات سريعة في صفوفه.
خلال المعارك السابقة بين فصائل الثورة السورية كانت قوات النظام البائد تلجأ إلى الهجوم ليلاً بعد أنّ أضافوا أنظمة الرؤية الليلية إلى البنادق الحربية، القناصات، الرشاشات المتوسطة والثقيلة، الدبابات، وناقلات الجند، وذلك كله في ظل شح هذه التقنية لدى فصائل الثورة.
حلّ مساء اليوم الأول من المعركة حاملاً مفاجأة جديدة، إذ لم تتوقف العملية العسكرية على غرار المعارك السابقة، وكل القوات المشاركة واصلت تقدمها، إذ أخذت إدارة العمليات العسكرية حالة المعارك الليلية على مستوى عالٍ من الأهمية وزوّدت العتاد العسكري بأنظمة الرؤية الليلية، وهنا أصبحت معركة الند للند على مداخل مدينة حلب وتحديداً الكليات العسكرية وحلب الجديدة.
ويشير الفرحات في حديثه لموقع الإخبارية إلى أن الفصائل أعادت هيكلة وحداتها لتعمل كمجموعات اقتحام ليلية، أشبه بالكومندوس الليلي، ما سمح لها بالتسلل إلى العمق وتنفيذ هجمات منسقة أربكت النظام، كما أن استخدام القتال الليلي كان عنصراً جديداً أربك الطيران الداعم للنظام، إذ تحولت المعركة إلى “معركة قريبة” وجهاً لوجه، ما حدّ من تأثير سياسة الأرض المحروقة التي كان يعتمدها النظام.
كسر العمود الفقري
ووفق العميد الركن مصطفى الفرحات، فإن سقوط الفوج 46، كان بمثابة هدم جزء من العمود الفقري الدفاعي للنظام، وتركت القوات المنسحبة كميات كبيرة من العتاد والأنظمة الدفاعية، ما عزز قوة المهاجمين وسرّع التقدم.
ويعتبر الفرحات أن نجاح إدارة العمليات العسكرية لم يكن ظرفياً بسبب غياب الإسناد الروسي، بل نتيجة تطور تكتيكي وتنظيمي حقيقي، ظهر في العمليات الليلية واستخدام الطائرات المسيّرة، لكنه يشير إلى أن تحقيق مكاسب استراتيجية دائمة يتطلب بنية لوجستية مستدامة وقيادة مركزية فعالة، وهو ما تعمل عليه وزارة الدفاع اليوم في بناء جيش منظم بعقيدة دفاعية واضحة.
إعادة الأمل للسوريين
وفي قراءة سياسية للمعركة، يرى الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان، أنها كانت مفاجأة كبرى أعادت الأمل للسوريين بعد إحباط طويل، حيث الشعب كان يعيش حالة يأس، بينما الثوار كانوا يراقبون التغيرات الإقليمية والدولية ويستعدون للحظة المناسبة، مشيراً إلى أن قرار الهجوم كان سورياً خالصاً، هدفه ردع العدوان المستمر للنظام وحلفائه.
ويوضح علوان لموقع الإخبارية أن النظام البائد كان منهكاً بالفساد والانهيار المعنوي، بينما إيران وحزب الله اللبناني عاجزان عن تقديم الدعم، وروسيا المستنزفة في أوكرانيا لم تجد جدوى من تدخل واسع، وهذا الموقف الروسي لم يكن وليد اللحظة، بل بدأ يتبلور منذ عام 2020، حين أدركت موسكو أن النظام البائد غير قادر على ضمان مصالحها في المنطقة، وتجسد الموقف الروسي بوضوح خلال المعركة، إذ اعتبرت روسيا أن الاستثمار في النظام أصبح عبئاً وخسارة.
تحرير حلب منطلق لتحرير سوريا
وحول موقف الدول الداعمة للثورة السورية وتلك الحليفة للنظام البائد من المعركة، يشرح علوان، أن الدول الحليفة للمعارضة كانت تخشى ردة الفعل الروسية والإيرانية والقصف الذي سينهال على إدلب وحجم المآسي البشرية، وتدرك إجرام النظام وحلفائه واستهدافهم للمدنيين، ومع ذلك كان هناك قرار بأن تنطلق هذه المعركة وأن تتحرر حلب، لكي تكون بداية لتحرير سوريا.
وفي المقابل، كان حلفاء النظام البائد متفاجئين بشكل كبير، وحسب تقديرهم فإن هذا التحرك قد يكون محدوداً على جبهات حلب الغربية، ولم تكن إيران وروسيا تدركان أن الثوار يعدون العدة بشكل كبير وواسع وعينهم على حلب المدينة والمحافظة كاملة، حسب ما يراه علوان.
وأشار علوان إلى أن الثوار كانوا قد درسوا اللحظة والفرصة، وانطلقوا بشكل ذكي جداً على المستوى الجغرافي وعلى مستوى التوقيت، واستطاعوا أن يحددوا هدفاً واضحاً، لذلك كانت الفتوحات تتوالى في اليوم الأول والثاني والثالث من المعركة.
ويرى علوان أن المعركة أسهمت في إعادة مفهوم التحرير والوعي السياسي للسوريين، ورسمت الأمل من جديد، مشيراً إلى أن الثوار امتلكوا العزيمة أكثر من المدنيين الذين كانوا في حالة تعب شديد، لكن التحرير أعاد الحياة للشعب بأكمله.
المصدر: الإخبارية
————————————-
السيطرة على الفوج 46.. بوابة الدخول إلى مدينة حلب
تشرين الثاني 27, 2025
ساعات قليلة على إطلاق معركة ردع العدوان من يوم 27 تشرين الثاني 2024، كانت كافية لتحقيق نصر عسكري لاقى صدى مفاجئاً في معقل النظام البائد بدمشق، من خلال سقوط قطعة عسكرية استراتيجية في شمال البلاد، ما شكّل حدثاً مفصلياً من يوميات معركة التحرير.
ومع الذكرى الأولى لمعركة ردع العدوان، كان لابد من استحضار تفاصيل عملية السيطرة على الفوج 46 بالقرب من مدينة الأتارب بريف حلب الغربي، الممتد على مساحة 12 كيلو متراً، والذي صدّر الموت لسكانها على مدار سنوات، وشكّل مصدر رعب لعشرات القرى والبلدات في المناطق المجاورة.
أهمية الفوج
الفوج 46 في ريف حلب يعد أضخم القطع العسكرية المتواجدة في مناطق الشمال، ويقع على تلة مرتفعة قرب مدينة الأتارب، كما يبعد عن معبر باب الهوى نحو 20 كيلومتراً، وزادت خطورته بعد أن عمد النظام البائد، عقب استعادته السيطرة عليه عام 2020، إلى تزويده براجمات وسرايا مدفعية ودبابات، وقواعد مضادة للدروع.
وتميز بمقاره العسكرية المحصنة وخطوطه الدفاعية المتنوعة، ويعدّ حلقة وصل بين ريفي إدلب وحلب من جهة معرة النعسان، وبرزت أهميته بكونه مقر ما يعرف بـ”القوات الخاصة لعمليات الإنزال الجوي” في جيش النظام البائد.
الرقم العسكري الصعب
كان تحييد استخدام النظام البائد لقواته البرية في المنطقة رقماً صعباً أمام قوى ردع العدوان، حيث عوّل كثيراً في عملياته بريف حلب على هذا الفوج، ومن خلاله كانت تخرج الإمدادات لدعم جميع العمليات التي شنّت من قبل قواته والمليشيات الإيرانية الداعمة له.
وظلّ الفوج 46 خارج سيطرة النظام البائد حتى شباط 2020، بعدما خسره في تشرين الثاني 2012، عقب سيطرة فصائل الجيش الحر عليه، بعد حصار دام لمدة 45 يوماً، ومنذ ذلك التاريخ (شباط 2020)، كانت مناطق وبلدات محاذية للفوج ومنها الأتارب تتعرض لقصف شبه يومي.
ما الذي تغيّر؟
في 27 تشرين الثاني 2024، أعلنت المعارضة بدء معركة ردع العدوان، ولم تمر ساعات فقط حتى جرى الإعلان عن نصر كبير تمثّل في السيطرة على الفوج 46، ما طرح تساؤلات حول سبب هذا الإنجاز الميداني من حيث المكان والزمان، وسقوط الفوج بهذه السرعة، رغم تمتعه بتحصينات وإمكانات كبيرة بشرية، وعسكرية، ولوجستية، وجغرافية!
وربط الخبير العسكري العميد أحمد حمادة في حديث لموقع الإخبارية الانهيار السريع لجيش النظام البائد ومليشيات إيران بالجانب المعنوي المتناقض بين الطرفين، عبر تمتع القوات المهاجمة “بنقاط قوة لا تتوفر عند النظام وقواته”.
وتتمثل هذه القوة، وفق العميد حمادة، في “الروح المعنوية العالية والروح القتالية الكبيرة للقوات المعارضة، والإيمان المطلق بقضيتها، مقابل روح معنوية منهزمة لقوات اعتمدت لسنوات على المليشيات الإيرانية وعلى الطيران الروسي”.
كما أشار كذلك إلى “انخفاض تدخل القوة الجوية الروسية، التي كانت داعماً رئيساً لعمليات قتالية سابقة”.
عامل المفاجأة
وفي تفسيره لسهولة السيطرة كذلك، يرى الخبير العسكري أن عامل المفاجأة كان له الدور المهم، “ما شلّ قدرة الخصم بعد المفاجأة الكبيرة التي استخدمتها القوات المهاجمة”، مذكّراً أن “من يكسب المفاجأة يكسب نصف المعركة، وهذا الذي حصل بالفعل”.
وتابع: “لذلك رأينا من الساعات الأولى سقوط النظام في الفوج 46، وفي قبتان الجبل وعنجارة وأكثر من 15 قرية، وهذا ما سمح بفتح خطوط المعارضة باتجاه مدينة حلب”.
بوابة حلب
يعد الفوج 46 بوابة الدخول إلى مدينة حلب (يبعد عنها 15 كيلومتراً)، والخط الدفاعي الأول والرئيس لجيش النظام البائد ومليشيات إيران في الجهة الغربية للمدينة، لذلك تميّز بكونه أحد أعتى قطعه العسكرية تحصيناً وعتاداً، وبناء عليه وعقب تحريره، أصبح ريف المحافظة الغربي خارج سيطرة النظام بشكل كامل.
وفي هذا المجال، يؤكد العميد حمادة أن الفوج 46 كان بوابة حلب فعلاً، مشيراً إلى أنه “قريب من خطوط التماس الأولى بين قوات ردع العدوان وقوات الأسد، ويعتبر نقطة حاكمة تسيطر على السهول الغربية في حلب، وخاصة أورم الكبرى باتجاه عنجارة، ومن ثم باتجاه المناطق حتى خان العسل”.
وحول الأهمية كذلك، يضيف الخبير العسكري أن الفوج 46 “عقدة مواصلات بين حلب وإدلب، وبين حلب والريف الغربي لجهة باب الهوى، لذلك السيطرة على الفوج تعني السيطرة على مداخل مدينة حلب”.
مكاسب إضافية
تأثيرات السيطرة على الفوج 46، إضافة إلى ما سبق، طالت إمدادات قوات معركة ردع العدوان لاحتواء الفوج على مخزون عسكري من العتاد، الأمر الذي أيّده العميد حمادة، مشيراً في هذا المجال إلى اعتماد قوات ردع العدوان على “التذخير من مستودعات القطع العسكرية التي يسيطر عليها بعد طرد قوات النظام، ومن بينها الفوج 46”.
وفيما يخص الأسلحة التي كان يحتويها الفوج 46، قال العميد حمادة: إنها تشمل الأسلحة الخفيفة والدبابات والصواريخ المضادة للدروع، منوهاً بإمدادات أخرى لوجستية؛ مثل الوقود، إضافة إلى وجود مكاسب إضافية بينها حرمان النظام من القوة النارية التي كان يتمتع بها بوجود الفوج تحت سيطرته.
المصدر: الإخبارية
——————————–
من «الطوفان» إلى «ردع العدوان»: أي دروس؟
كشفت الأحداث التي تتالت بعد عملية «طوفان الأقصى» في 7 تشرين أول/ أكتوبر 2023، بشكل واضح، أن الخيار الوحيد الذي تقدّمه إسرائيل للفلسطينيين هو اقتلاعهم من أرضهم عبر التطهير العرقي والإبادة، وأن هذه المنظومة التي لا تشبه دولة استعمار واستيطان أخرى سبقتها ليس لديها مشروع لدمجهم «حتى كمجموعة مقموعة مضطهدة».
لا يستطيع الفلسطينيون في مواجهة خصم إقصائي إبادي، كما تخلص دراسة طويلة للأكاديمي القانوني والأنثروبولوجي الأمريكي داريل لي، أن يشقوا طريقهم للخروج من الاستعصاء بالتصويت والاحتجاج والاضطرابات، ولا حتى بالقتال، لكن كفاحهم أثبت على الأقل قدرتهم على تهديد الاستقرار الإقليمي والدولي، وأجبر الدول على الاستجابة، من خلال المحافل الدولية.
ولو أن الفلسطينيين، كما يقول المؤرخ العراقي عبد العزيز التكريتي، «لم يطوروا قدرتهم العسكرية الخاصة المستقلة لكانت قضيتهم للتحرر قد محيت منذ زمن بعيد، ولما حققت حقوقهم غير القابلة للتصرف أي اعتراف دولي».
صعّد الفلسطينيون حراكهم الجماهيري المسلّح في سبعينيات القرن الماضي مما جعلها قضية عالمية، وأعادت عملية «طوفان الأقصى» بعد خمسين عاما هذا الاهتمام العالمي مثيرة حربا إقليمية شملت آثارها الكبيرة لبنان واليمن وسوريا وإيران والعراق، كما هزت استقرار الأردن ومصر.
أدّت الديناميات التي أطلقها «الطوفان» إلى خلخلة التوازنات العسكرية ـ الأمنية في سوريا ولبنان مما فتح الباب أمام تغيّر سياسي هائل، بعد أن قامت فصائل المعارضة السورية، بدفع من أقواها، «هيئة تحرير الشام»، إلى فتح معركة «ردع العدوان»، التي مرّت أمس الخميس، الذكرى الأولى لها.
عكس الاسم المتواضع للعملية الأهداف التكتيكية التي كانت تتوقعها فصائل المعارضة، وبدت تلك العملية نقيضا غريبا لحالة التسليم والإحباط التي تملكت السوريين الآملين بانتهاء «نظام الأبد» الأسدي الذي تعامل مع شعبه بمنطق الإبادة عبر الأسلحة الكيميائية والصواريخ والبراميل المتفجرة، وزرعها بالمقابر الجماعية، وكبّلها سياسيا، وعوّقها اقتصاديا، واجتماعيا.
كان حلفاء نظام الأسد وأعداؤه يراقبون النجاحات السياسية التي يحققها ضمن المنظومة العربية، التي أعادت عضويته في جامعة الدول العربية، وتم استقبال زعيمه في قمتين عربيتين، كما كان واضحا أن بعض الدول الغربية بدأت بالاقتناع ببقائه واستأنفت التواصل معه، بل إن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، الذي كانت بلاده المقرّ الأبرز للمعارضة السورية، عرض اللقاء عليه أيضا، فرفضه.
قدّم «طوفان الأقصى»، بهذا المعنى، أطروحة الفلسطينيين لتحريك فاعلية قوانين العالم ضد الطبيعة الإبادية لإسرائيل، كما فتح الباب للسوريين لتقديم أطروحتهم للخروج من الاستعصاء الأبدي لنظام العائلة الأسدية.
بعد عملية «حماس»، كرّست أعلى محكمة في منظومة الأمم المتحدة، «العدل الدولية» أكثر من ثلث جلساتها لفلسطين، وقبلت دعوى الإبادة الجماعية التي قدمتها جنوب افريقيا، ثم أمرت المحكمة بإنهاء احتلال إسرائيل للقدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة، وهو أول حكم يصدر عن محكمة دولية يصف إسرائيل بالفصل العنصري، وأول حكم يأمر بانسحاب إسرائيل كامل من الأراضي الفلسطينية 1967 من دون اشتراط تسوية، كما أدى، لاحقا، إلى قرار بصياغة أمريكية في مجلس الأمن يلحظ مشروع الدولة الفلسطينية.
يكشف «ردع العدوان»، ببساطة، الارتباط الوثيق للتاريخ السوري الحديث، بالحدث الفلسطيني، ومن ذلك أن أول انقلاب عسكري (30 آذار/مارس 1949) جرى بعد شهور من حرب الإنقاذ التي شارك فيها الجيش السوري في فلسطين (كانون ثاني/ يناير 1948) وانقض حافظ الأسد على السلطة بعد هزيمة سوريا أمام إسرائيل عام 1967، وجاءت مجزرة حماة السورية في شباط/ فبراير 1982، قبل أشهر من مجزرة صبرا وشاتيلا الفلسطينية في أيلول/ سبتمبر 1982 الخ.
إضافة إلى جدل التاريخ السوري ـ الفلسطيني الجليّ هذا، فإن تأدية «الطوفان» إلى «ردع العدوان»، تكشف وجود منطق داخليّ لا يمكن اكتناه كل أسراره، حيث تتشابك الإرادة الإنسانية، مع الجرأة على قرار يبدو مستحيلا، والاندفاع ثم البناء على التطوّرات وصولا إلى النهاية غير المتوقعة التي تغيّر توازنات المنطقة، وتبدأ حقبة جديدة.
القدس العربي
————————————
تظاهرات سوريا.. الشرع وجّه رسائل عبر “الأكثرية المؤيدة”/ مصطفى محمد
الجمعة 2025/11/28
حملت دعوة الرئيس السوري أحمد الشرع، السوريين للنزول إلى الساحات والميادين للتعبير عن فرحتهم بذكرى انطلاق معركة “ردع العدوان” التي أدت إلى سقوط النظام المخلوع، العديد من الرسائل، أبرزها وفق مراقبين تحدثوا لـ”المدن”، التأكيد لأطراف محلية وخارجية على فشل محاولات زعزعة نظام الحكم المسنود بأكثرية شعبية.
وفي كلمة مصورة مساء الخميس الماضي، بارك الشرع للسوريين ذكرى بدء معركة تحرير سوريا، معتبراً أن “احتفال أبناء الشعب كافة بذلك، يأتي بإظهار اللحمة الوطنية والوحدة وسلامة التراب السوري ووحدة أراضيها”.
قاعدة اجتماعية واسعة
وربط مراقبون في حديثهم مع “المدن”، توقيت دعوة الشرع السوريين للاحتفال، بزيادة التحريض على الدولة من قبل الأقليات السورية. ويرى الأكاديمي والباحث عبد الرحمن الحاج، أنه لا يمكن إهمال سياق دعوة الشرع السوريين للنزول للساحات.
ويوضح الحاج لـ”المدن”، أن سوريا تشهد حاليا محاولات تحريض طائفية غير مسبوقة من قبل رجال دين دروز وعلويين يقابلها استثمار قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لها.
ويلفت إلى تزامن كل ذلك مع زيادة توغلات الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب السوري، وتصاعد التحرش من قبل جيش الاحتلال بسوريا، ويقول: “بذلك فإن الاحتفالات الشعبية التي شهدتها سوريا أمس الجمعة، تؤكد أن هذه المحاولات لن تنجح في نهاية المطاف، والحكم لديه قاعدة اجتماعية واسعة”.
وأمس، احتفل السوريون بمناسبة ذكرى مرور عام على بدء معركة “ردع العدوان”، في استجابة لدعوة الرئيس الشرع، ليبدو أن الأخير أراد من التجمعات الحاشدة أن تكون بمثابة “استفتاء شعبي” على حكم البلاد.
رد على مظاهرات الساحل
وجاءت الاحتفالات بعد أيام قليلة من مظاهرات شهدتها مناطق الساحل السوري دعت إلى نظام حكم “لا مركزي” في سوريا، وفي هذا الاتجاه يؤكد مدير مركز “الحوار السوري” الأكاديمي أحمد قربي، أن الرئيس الشرع أراد تسخير ذكرى بدء معركة تحرير سوريا، للرد على التظاهرات من قبل المكون العلوي.
ويضيف قربي لـ”المدن”، أن أولى رسائل الاحتفالات هي للجهات التي تطالب بانفصال سوريا، أو بنوع من الحكم الذاتي، من شيخ عقل الدروز حكمت الهجري والشيخ غزال غزال، وقسد.
ويقول إن الشرع رد على الجهات التي لا تريد سوريا موحدة، حيث كانت الشعارات الرئيسية في الاحتفالات “سوريا واحدة”، علما أن سياقها مختلف نوعاً ما عن مناسبة تحرير سوريا، وهذا يؤكد أن دعوة الشرع حملت رسائل لتلك الأطراف والدول التي تقف خلفها.
الوقوف على مسافة واحدة
من جانب آخر، وفق قربي، أرادت دمشق القول إنها تقف على مسافة واحدة من جميع فئات الشعب السوري، فإن كانت هناك أصوات تطالب بالحكم الذاتي، فإن الغالبية (دمشق، حلب، حمص، درعا، إدلب) تريد سوريا موحدة.
ويتابع: “إن كانت هناك فئة تريد تغيير حكم سوريا، فإن الأكثرية تعارض ذلك، وهي مستعدة للدفاع عن منجزات الثورة السورية”.
وأعطى توغل جيش الاحتلال في قرية بيت جن بريف دمشق، الذي أوقع 13 شهيداً، زخماً قوياً للاحتفالات، حيث عبرت عن تنديدها بانتهاكات الاحتلال، في موقف شعبي متطابق تماماً مع السلطة التي نددت بالعدوان الإسرائيلي.
————
30 تشرين الثاني.. يوم انهيار “جيش الأسد” من حلب إلى مشارف حماة/ سعيد اليوسف
2025.11.30
شهد اليوم الرابع من معركة “ردع العدوان” (30 تشرين الثاني 2024)، تحوّلاً حاسماً في المشهد العسكري شمالي سوريا، مع انهيار غير مسبوق لقوات نظام الأسد وميليشياته داخل مدينة حلب، التي باتت معظم أحيائها خارج سيطرته للمرة الأولى منذ سنوات.
جاء ذلك بالتزامن مع توسّع مناطق التحرير في ريف إدلب الشرقي والجنوبي وصولاً إلى معرة النعمان، واستكمال السيطرة شبه الكاملة على محافظة إدلب، إضافة إلى تقدم نحو الحدود الإدارية لمحافظة حماة.
وفي اليوم الرابع، ظهر نظام الأسد في موقف دفاعي بحت، حيث لم تصدر تصريحات رسمية واضحة عنه، واكتفت وسائل إعلامه بالحديث عن “إعادة تموضع” في حلب و”إحباط محاولات تسلل” في إدلب، في حين تصاعدت الأسئلة السياسية عن مستقبل المنطقة، وموقع تركيا وروسيا وإيران وإسرائيل من التطورات.
حلب.. مدينة “تُسلّم نفسها”
كان العنوان الأبرز ليوم “30 تشرين الثاني”، الانهيار الكبير والمتسارع لخطوط النظام داخل مدينة حلب، التي بدت منذ الساعات الأولى لليوم الرابع من المعركة، وكأنها تُسلّم من الداخل أكثر مما تُنتزع بالاقتحام، كما جرى خلال الأيام الثلاثة السابقة في ريفها الغربي.
في 29 تشرين الثاني.. دخول “ردع العدوان” حلب وحسم معركة سراقب
ووفق تغطية تلفزيون سوريا ومصادر ميدانية متقاطعة، كانت فصائل “ردع العدوان” قد دخلت، منذ مساء 29 تشرين الثاني، إلى أحياء عديدة شملت: “الكلاسة، بستان القصر، السكري، صلاح الدين، سيف الدولة” في القسم الشرقي، بعد سيطرتها سابقاً على معظم الأحياء الغربية.
مع صباح اليوم التالي، أظهرت تسجيلات مصوّرة انسحاباً منظّماً لقوات النظام من وسط حلب ومحيط قلعة حلب، مع ترك الحواجز والمقار الأمنية من دون عناصر، ما عزّز الانطباع بأن المدينة شهدت انهياراً دفاعياً ومعنوياً سريعاً، لا معارك استنزاف طويلة، كما تحدّثت مصادر محلية عن فرار محافظ حلب وعدد من القيادات الأمنية باتجاه الريف الجنوبي.
في المقابل، حافظ النظام على وجود محدود في “الأكاديمية العسكرية” ومحيطها، إلا أن تقارير تلفزيون سوريا أكّدت أن هذا الوجود أقرب إلى جيوب محاصَرة بلا فعالية، مع انتشار الفصائل في معظم الأحياء الحيوية داخل المدينة وكامل ريفها الغربي والشمالي، بما فيها بلدتا “نبل والزهراء”.
وأفادت “مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا”، بأنّ ميليشيا “لواء القدس” التابعة للنظام، فرّت من مخيم النيرب للاجئين الفلسطينيين شمال شرقي حلب، ودخلته الفصائل دون قتال، حيث قال أحد المحللين العسكريين لـ تلفزيون سوريا: إنّ ما جرى يشكّل “أكبر انهيار للنظام منذ 2015″، قياساً إلى حجم المدينة وأهميتها الاستراتيجية.
وبعد السيطرة على معظم أحياء مدينة حلب، شنّت طائرات حربية -تابعة لـ قوات نظام الأسد- فجر (30 تشرين الثاني 2024)، غارات على أحياء سكنية في المدينة، وارتكبت مجزرة عند “دوّار الباسل” راح ضحيتها قرابة 16 مدنياً وإصابة أكثر من 70 آخرين.
دوار الباسل
كذلك، أفاد مراسل تلفزيون سوريا بمقتل الناشط الإعلامي (مصطفى الساروت)، برصاص “وحدات حماية الشعب – YPG”، استهدفت سيارةً كانت تقله في حي الأشرفية بمدينة حلب، خلال مشاركته في تغطية عملية “ردع العدوان”.
وأشارت مصادر محلية، إلى أنّ قوات “YPG” (المتمركزة إلى الآن في حيي الشيخ مقصود والأشرفية)، استغلت انسحاب قوات نظام وتقدّمت في حيي الهلك وبستان الباشا، كما تسلّمت من النظام مطار حلب الدولي، قبل أن تسيطر عليه لاحقاً، فصائل “ردع العدوان”.
“فجر الحرية”.. فتح الجبهة الشرقية لـ حلب
لم تكن “ردع العدوان” وحدها على خريطة العمليات، فقد أطلقت فصائل الجيش الوطني السوري عملية موازية في ريف حلب الشرقي تحت اسم “فجر الحرية”، مستهدفة قوات النظام و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) معاً.
وفي بيانها، أوضحت فصائل “فجر الحرية” أن العملية تهدف إلى:
-تنسيق جهود القوى الثورية لاستعادة الحقوق وبسط الأمن.
حماية المدنيين في المناطق المحررة سابقاً والجديدة.
التأكيد على حق المهجرين في العودة إلى ديارهم وإنهاء معاناتهم.
وأعلن الجيش الوطني السيطرة في يوم واحد، على 20 بلدة وقرية، أبرزها: “تادف، طومان، الشماوية، شيخ دان، خربشة، عران، دير قاق، بريج، تل القبان، المشرفة، عويشة، جب سلطان، أبو جبار” وغيرها في منطقة الباب شرقي حلب.
وأشار الجيش الوطني إلى استيلائه على دبابات وراجمات صواريخ وعربات مدرعة وذخائر تعود لقوات النظام و”قسد”، ما يعني أن العملية لم تقتصر على فتح ثغرات في خطوط التماس، بل أسفرت أيضاً عن استنزاف مباشر لقدرات النظام وعتاده.
بهذا التزامن بين “ردع العدوان” في غربي حلب وإدلب، و”فجر الحرية” في شرقي حلب، وجد نظام الأسد نفسه تحت ضغط ثلاثي: (حلب المدينة، ريف حلب الشرقي، كامل محافظة إدلب)، على امتداد جغرافي واسع قٌدّر بنحو 850 كليومتراً مربعاً، يصعب عليه إسناده أو الدفاع عنه.
وبالتوازي أيضاً، أفادت مصادر خاصة لـ تلفزيون سوريا، بأنّ “جيش سوريا الحرة” في منطقة التنف عند المثلث الحدودي (سوريا، الأردن، العراق) شرقي حمص، رفع الجاهزية القتالية في منطقة انتشاره، عقب سيطرة فصائل “ردع العدوان” على مساحات واسعة في حلب وإدلب وحماة.
إدلب.. استكمال التحرير والوصول إلى مشارف حماة وشمالي حمص
بالتوازي مع تحوّلات حلب، كانت إدلب تعيش يومها الفاصل، فقد أعلنت “إدارة العمليات العسكرية” استكمال السيطرة على كامل محافظة إدلب تقريباً، مع التوسع جنوباً وشرقاً على محاور الطرق الدولية.
ففي ريفي إدلب الشرقي والجنوبي سيطرت الفصائل على عشرات البلدات والقرى، أبرزها: “كفرومة، الدير الغربي، بسيدا، معرحطاط، حيش”، قبل أن يُعلن لاحقاً تثبيت السيطرة على كامل مركز مدينة معرة النعمان وريفها، بعد تحرير أكثر من 50 بلدة وقرية خلال ساعات.
وأظهرت تسجيلات حصل عليها تلفزيون سوريا: “عربات للنظام متروكة على الطرقات، نقاط محصنة أُخليت على عجل، انهيار الخطوط الدفاعية الأولى كلياً”.
كذلك، سُجّل تقدّم للفصائل في ريف حماة الشمالي، بينما بدأت قوات النظام بتحصين مواقعها حول مدينة حماة، وإنشاء خط دفاعي يبعد نحو 7 كم عن مركزها.
وقالت مصادر خاصة لـ تلفزيون سوريا، إنّ قوات نظام الأسد انسحبت من مطار حماة العسكري، كما شوهدت أرتال عسكرية تتجه نحو محافظة حمص، إضافة إلى تجمع آخر يستعد للانسحاب قرب دوار السباهي.
وفي محافظة حمص، بدأت “قوات الأسد” بالانسحاب من “كتيبة الهندسة” في مدينة الرستن بالريف الشمالي، وأخلت حاجز الجسر ومبنى مديرية الناحية في مدينة تلبيسة المجاورة، والتي سيطر عليها أهالي المدينة.
“بشار الأسد يعود من روسيا وسط قلق داخل النظام”
وفي مساء “30 تشرين الثاني”، أكّدت مصادر خاصة لـ تلفزيون سوريا، أنّ بشار الأسد عاد من العاصمة الروسية موسكو، مشيرةً إلى وجود قلق حقيقي داخل دوائر النظام.
وكان “الأسد” قد أجرى زيارة سرية إلى موسكو -يُشار إلى أنّها بسبب حضوره حفل تخرّج ابنه (حافظ)- تزامنت مع إطلاق الفصائل عملية “ردع العدوان”، التي تمكّنت خلالها من السيطرة على مساحات واسعة في محافظات إدلب وحلب وحماة.
وعقب وصوله، أجرى “الأسد” مباحثات مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، تناولت المستجدات في سوريا وعدداً من القضايا العربية والدولية، حيث أشارت “سانا”، حينذاك، أنّ “السوداني أبدى استعداد العراق لتقديم كل الدعم للنظام لـ(مواجهة الإرهاب وكل تنظيماته)”.
كذلك، أفادت “سانا” بأنّ الرئيس الإماراتي محمد بن زايد بحث مع “الأسد” التطورات الأخيرة في سوريا، قائلاً: إنّ “النظام قادر بمساعدة حلفائه، على مواجهة (الإرهابيين وداعميهم مهما اشتدت هجماتهم)”.
“العراق.. بين تهديد الميليشيات وإغلاق الحدود”
على الضفة الشرقية من سوريا، جاء موقف العراق في اليوم الرابع لـ”ردع العدوان” مزدوجاً، فمن جهة هدّدت ميليشيات عراقية مدعومة من إيران، مثل “حركة النجباء” و”كتائب سيد الشهداء”، بالتدخل عسكرياً داخل الأراضي السورية لـ”مواجهة الفصائل”.
من جانبها، تبنّت الدولة العراقية خطاباً مغايراً وأكثر تحفظاً، إذ أكّد نائب قائد العمليات المشتركة وقادة حرس الحدود أن الحدود العراقية-السورية “مؤمّنة ومحصّنة بالكامل” بالتحصينات والكتل الأسمنتية ومراقبة بالطائرات المسيرة.
وفي مساء اليوم نفسه، أعلنت الحكومة العراقية إغلاق الحدود مع سوريا بشكل كامل وتجهيز خطوط إسناد قوية على طول الشريط الحدودي، في رسالة واضحة بأنّ العراق يريد حصر دوره في حماية أراضيه ومنع أي اختراق، دون الانجرار رسمياً إلى قلب المعركة الدائرة في سوريا.
“تركيا وروسيا وإيران وإسرائيل”
قبل اليوم الرابع بيومين، قالت مصادر أمنية تركية إنّ عملية “ردع العدوان” تقع داخل حدود منطقة “خفض التصعيد” المتفق عليها في إدلب بين تركيا وروسيا وإيران، عام 2019، وأن أنقرة تتابع من كثب تحركات الفصائل، وقد اتخذت كل الاحتياطات لضمان أمن قواتها في المنطقة.
وفي قراءة أعمق نُشرت على موقع تلفزيون سوريا، أشار محللون إلى أنّ أنقرة ترى في دعم العملية وسيلة للضغط على “الأسد” من أجل انتزاع تنازلات سياسية وأمنية، مع الإبقاء على قواتها وقواعدها العسكرية في الشمال، ما يفسّر صمتها العسكري المباشر، مقابل ضوء أخضر غير معلن لحركة الفصائل.
وبالنسبة لـ روسيا، اكتفت بغارات محدودة، دون أن تدخل بثقلها، كما فعلت في معارك سابقة، حيث قرأ بعض المحللين هذا الموقف كإشارة إلى برود تجاه نظام الأسد، أو ربما جزء من تفاهمات أوسع تتعلق بإعادة ترتيب السلطة والنفوذ شمالي سوريا.
وقد رصد تلفزيون سوريا، غارات جوية لطائرات حربية روسيّة، استهدفت أحياء سكنية في إدلب، وأطراف مدينة الباب في ريف حلب الشرقي، أوقعت ضحايا مدنيين -بينهم أطفال وامرأة- في بلدة عران جنوبي الباب.
وسبق أنّ وصف “الكرملين” دخول فصائل “ردع العدوان” مدينة حلب، بأنّه “انتهاك للسيادة السورية”، داعيةً “الأسد” إلى “فرض السيطرة وإعادة النظام الدستوري بأقرب وقت ممكن”.
أمّا الاحتلال الإسرائيلي فقد أكّد وجود تنسيق وثيق مع الجيش الأميركي، تحسّباً من انهيار نظام الأسد وتداعياته، مشيرةً إلى أنّ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أجرى مشاورات أمنية عاجلة بشأن التطورات في سوريا.
الموقف الإيراني من “ردع العدوان”
وثّق موقع تلفزيون سوريا، أولى ردود الفعل الرسمية الإيرانية على معركة “ردع العدوان”، في 30 تشرين الثاني، حيث حاول وزير الخارجية الإيراني ومتحدثه التهوين من أخبار تحرير حلب، واعتبار ما يجري جزءاً من “مؤامرة لإعادة تفعيل المجموعات المسلحة” في سوريا.
وركّز الإعلام الإيراني الرسمي وشبه الرسمي على: نفي “شائعات سقوط حلب”، والتحذير من تهديد “منجزات مكافحة الإرهاب”، والدعوة إلى تنسيق إقليمي مع “جيران سوريا” لاحتواء ما وُصف بأنه “مؤامرة خطيرة”.
والأهم أن بعض المسؤولين الإيرانيين ربطوا توقيت المعركة بـ”وقف إطلاق النار في جنوبي لبنان”، ملمّحين إلى أن إطلاق “ردع العدوان” في اليوم نفسه الذي بدأ فيه تنفيذ اتفاق التهدئة على الجبهة اللبنانية-الإسرائيلية ليس مصادفة، بل جزء من مخطط لفكّ الارتباط بين جبهات “محور المقاومة” وإرباكه.
نبض الشارع السوري.. أمل في الشمال وترقّب في دمشق
في الشمال السوري (إدلب وحلب وريفهما)، كان المزاج مختلطاً، شعور بالاعتزاز بعد تحرير حلب ومعرة النعمان وأجزاء واسعة من الريف، مقابل خوف مشروع من “مرحلة ما بعد المعركة”: الفراغ الأمني، وشكل الإدارة المدنية، وعودة النازحين، وانتقام محتمل عبر الجو من النظام وحلفائه.
أمّا في العاصمة دمشق، فقد رصدت تقارير تلفزيون سوريا أحاديث خافتة وقلقاً من انفلات الوضع الأمني وتوسّع رقعة المعارك، في حين تابع كثيرون تطورات حلب وإدلب عبر الشاشات والهواتف، في إحساس بأن ما يجري في الشمال قد يغيّر مستقبل العاصمة نفسها.
وبالنسبة لـ عموم السوريين -في كلّ مكان- الذين تابعوا أحداث اليوم الرابع عبر الشاشات أو من نوافذ بيوتهم، لم يكن الأمر مجرد تبدّل ألوان على خريطة السيطرة، بل بداية شعور حقيقي بأن الحقبة التي بدأت في آذار 2011 تقترب من نهايتها، وأن معركة “ردع العدوان” لم تعد مجرد عملية “ردع” في الشمال السوري، بل عنوان مرحلة جديدة ستعيد رسم خريطة القوة والسلطة في سوريا لعقود مقبلة.
لماذا كان (30 تشرين الثاني) يوماً غيّر قواعد اللعبة؟
يمكن تلخيص أهمية اليوم الرابع من “ردع العدوان” في ثلاث نقاط مفصلية:
استكمال تحرير حلب وكامل إدلب والوصول إلى مشارف حماة في يوم واحد، ما بدّد سردية أن نظام الأسد قادر على الاحتفاظ بمدنه الكبرى حتى لو خسر الأرياف.
فتح جبهة شرقي حلب بعملية “فجر الحرية”، ما وسّع جغرافيا الاستنزاف وهدّد تماس نظام الأسد مع مناطق “قسد”، ومع طرق إمداده شرقاً.
كشف هشاشة بنية نظام الأسد وحلفائه: غياب واضح للحضور البري الإيراني، واكتفاء روسي بغارات جوية محدودة، وارتباك سياسي في دمشق وطهران، مقابل حضور ميداني وسياسي لـ”إدارة العمليات العسكرية”.
بهذا المعنى، لم يكن “30 تشرين الثاني” مجرد يوم نجاح ميداني في سجّل معركة “ردع العدوان”، بل كان فعلاً بداية الانهيار الكلّي لنظام الأسد، كما ستُظهره الأيام اللاحقة، وانطلاق مرحلة جديدة من الأسئلة الصعبة: مَن يحكم هذه الجغرافيا المحرّرة؟ ولحساب مَن ستُترجم هذه الانتصارات على الأرض؟
—————–
وكالة الأناضول تصدر كتاب “الثورة السورية.. من قبضة البعث إلى الحرية“
2025.11.30
أصدرت وكالة الأناضول كتابها الجديد بعنوان “الثورة السورية: من قبضة البعث إلى الحرية”، وذلك بالتزامن مع احتفالات السوريين بالذكرى السنوية الأولى لانطلاق عملية “ردع العدوان” التي أسقطت نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024.
يروي الكتاب الذي صدر باللغتين التركية والإنكليزية، وجاء في 327 صفحة، مسار انهيار نظام “حزب البعث” الدموي الذي حكم سوريا لمدة 61 عاماً.
ويتكون الكتاب من فصول تحمل عناوين: “12 يوما أدت إلى انهيار نظام البعث”، و”فرحة سوريا الحرة”، و”الأدلة: ملف جرائم النظام”، و”الشهود: ضحايا نظام الأسد”، و”المتهمون: مجرمو حرب النظام بانتظار المحاكمة”، و”أول انتخابات في العهد الجديد”.
يتناول الفصل الأول الأحداث التي شهدتها سوريا منذ الاستقلال عن الاحتلال الفرنسي عام 1946، وحتى وصول بشار الأسد إلى سدة الحكم.
ومن خلال صور التقطها مراسلو الأناضول، يوثّق الكتاب المراحل الحاسمة التي مهدت لانهيار نظام بشار الأسد، الذي رفض بإصرار كل دعوات الحل السياسي، واستمر في استهداف شعبه بكل ما أوتي من قوة عسكرية.
ويهدف الكتاب، من خلال تسليط الضوء على المقابر الجماعية ومراكز التعذيب وعمليات التهجير، والشهادات الحية المباشرة، إلى توثيق نظام القمع الذي استمر 61 عاماً والأسس التي بُنيت عليها ديكتاتورية البعث، ليكون بمثابة وثيقة تاريخية تروي أسباب هذا النصر ودليلاً لمساعي تحقيق العدالة.
فحص ديناميكيات الصراع في سوريا
وقال رئيس مجلس إدارة وكالة الأناضول ومديرها العام سردار قره غوز، الذي كتب مقدمة الكتاب، إن الانتفاضة الشعبية التي بدأت في سوريا عام 2011 تطورت بسرعة إلى حرب داخلية، وأصبحت أزمة متعددة الأبعاد، انخرطت فيها جهات خارجية فاعلة، شملت قوى عظمى وليس دول إقليمية فحسب.
وأشار إلى أن تقدم قوات المعارضة وتحقيقها النصر في سوريا، إلى جانب نهاية نظام البعث الدموي الذي استمر 61 عاماً وحكم عائلة الأسد الذي استمر 53 عاماً، أدى إلى ظهور وثائق شاملة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد.
وأكد قره غوز أنه تم الكشف عن أدلة مهمة، لاسيما بشأن جرائم الحرب ومراكز التعذيب والقمع المنهجي للمدنيين.
وشدد على أن هذه العملية تسمح بإجراء فحص معمق لديناميكيات الصراع في سوريا، فضلا عن المعاناة التي تحملها الشعب السوري في ظل سنوات من القمع والعنف.
وأضاف أن الكتاب يتناول في هذا السياق أبعادا مختلفة لما شهدته سوريا بنهج متعدد التخصصات، ويقدّمه بمنظور شمولي يجمع بين نصوص إخبارية وتحليلات وشهادات ومحتوى وثائقي.
وأوضح قره غوز أن الوثائق المتعلقة بجرائم الحرب، وشهادات ممارسات النظام، والبيانات الميدانية هي العناصر الرئيسية لهذه الدراسة.
ولفت إلى أن الدراسة تهدف إلى إيصال المعلومات الموثوقة التي تم الحصول عليها من الميدان إلى الرأي العام، وإتاحتها للمجتمع الأكاديمي، وتكون بمثابة مرجع، خاصة للأبحاث القائمة على حقوق الإنسان، معربا عن أمله في أن تكون الدراسة بمثابة مرجع للأبحاث حول سوريا.
وسبق لوكالة الأناضول أن أصدرت كتابين عن الثورة السورية، أولهما: الأمة اليتيمة سوريا، ضمن سلسلة كانت هناك، ويوثق للثورة في سوريا منذ اندلاعها عام 2011، مع شهادات مراسلين وصور وتقارير من الميدان، والثاني: سوريا.. على درب الثورة، ويقدم سرداً لأحداث الثورة السورية، وما رافقها من آلام، ودمار، وأحداث مأساوية، مع التركيز على قتل النساء والأطفال.
——————–
الشرع يشدد من حلب على بذل كل الجهود الممكنة «لإعادة الإعمار»
دمشق تواجه تحديات أمنية معقدة مع اقتراب عام على الإطاحة بنظام الأسد
دمشق: سعاد جروس
29 نوفمبر 2025 م
قال الرئيس السوري أحمد الشرع، السبت، إن كل الجهود الممكنة سيتم بذلها من أجل إعادة بناء سوريا.
وأضاف الشرع، خلال زيارته لمدينة حلب، أن الطريق لا يزال طويلاً؛ فقد «حُررت حلب… فإعمار حلب جزء رصين وضروري في بناء سوريا»، بحسب ما نقلت عنه «الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا)». ووصف الرئيس السوري حلب بأنها «منارة للاقتصاد ومنارة للعمران ومنارة للبناء والازدهار». ومعلوم أن هجوم المعارضة الذي أسقط نظام بشار الأسد، قبل عام، انطلق من ريف حلب الغربي قبل الوصول إلى دمشق. وذكرت «سانا» أن الشرع التقى فعاليات مدنية وعسكرية في محافظة حلب، بذكرى تحرير المدينة.
وجاء كلامه في وقت شهدت فيه دمشق، السبت، الإطلاق الرسمي للهوية البصرية الجديدة لمركبات وزارة الداخلية السورية، وسط تأكيد رسمي على أن هذا التغيير ليس شكلياً، بل هو تأكيد على حضور «الدولة وهيبتها».
يأتي ذلك فيما تواجه السلطات السورية تحديات بالغة التعقيد، بعد مرور عام على الإطاحة بنظام بشار الأسد؛ سواء على الصعيد الداخلي الذي يشهد هشاشة أمنية وانقساماً في الشارع على مستويات عدة، أو على الصعيد الخارجي مع تواصل التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
وقدمت وزارة الداخلية السورية، السبت، عرضاً لعرباتها بهويتها البصرية الجديدة، منطلقة من أوتوستراد المزة إلى ساحة الأمويين ثم دوار الكارلتون بدمشق، في أجواء احتفالية شعبية. وقال وزير الداخلية، أنس خطاب، إن الهوية الجديدة «ليست مجرد تغيير شكلي، بل هي تأكيد على حضور الدولة وهيبتها» وذلك في إطار مشروع وطني شامل.
ومع تواصل جرائم القتل الانتقامي في مناطق متفرقة من البلاد، يطالب السوريون بفرض هيبة الدولة وتطبيق القانون، وتسريع إجراءات العدالة الانتقالية لكبح الانفلات الأمني وتحسين الوضع الاقتصادي، وفق ما قالته مصادر قريبة من الحكومة لـ«الشرق الأوسط»، مقرة بأن دمشق تواجه «تحديات أمنية معقدة وذات حساسية عالية»، بدءاً بمجموعات مرتبطة بـ«فلول النظام السابق»، وأبناء أقليات متخوفين من الخلفية الإسلامية للسلطة، مروراً بدعاة اللامركزية سواء في السويداء جنوباً أو في مناطق سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» في شمال شرقي البلاد.
وأضافت المصادر أن التحديات الأمنية لا تقتصر على مطالب التقسيم واستدعاء الحماية الدولية التي تستثمرها إسرائيل لمواصلة شن هجماتها، إنما تنعكس على الحاضنة الشعبية للسلطة، وتثير حساسيتها، إلى حد يمكن أن يهدد أمن البلاد ويدفعها باتجاه الفوضى. وشرحت ذلك بالقول إن حاضنة السلطة ومؤيديها ينقسمون إلى مستويات عدة: الأول يشمل عتاة الموالين الذين يقولون إن ما يمنعهم من «الانقضاض على الفلول» وعلى «المناوئين للسلطة من الأقليات» هو «امتثالهم لأوامر الدولة»، وبشكل أدق للرئيس السوري أحمد الشرع، الذي يشدد على منع استهداف أي مكوّن من مكونات المجتمع السوري.
أما المستوى الثاني، فيتعلق بتشكيك بعض «رفاق الجهاد» السابقين، وبينهم بعض المقاتلين الأجانب، بموقف السلطة منهم، وتنحيتهم بعيداً «امتثالاً للضغوط الدولية»، بحسب ما يقولون.
ويتعلق المستوى الثالث بالثوار المدنيين، والمعارضة السورية التقليدية لنظام الأسد؛ إذ يوجد شعور لدى أطياف منهم بأن السلطة الحالية تقصيهم عن المشاركة الفعلية في بناء الدولة، وتتعاطى معهم كأفراد لا كيانات سياسية ساهمت في الثورة ضد النظام السابق.
وتوقفت المصادر عند مفارقة في المشهد السوري كشفت عنها الاحتفالات بذكرى سنة على بدء عملية إسقاط الأسد، التي جاءت تلبية لدعوة الرئيس الشرع، مشيرة إلى أن المظاهرة التي خرجت يوم الجمعة في ساحة الأمويين بدمشق كانت «عفوية»، وغاب عنها التنظيم، حيث علت خلالها هتافات متناقضة؛ بعضها ذو طابع طائفي، وبعضها يدعو إلى الوحدة الوطنية ونبذ الطائفية، وكل ذلك تحت عنوان التضامن مع السلطة الجديدة وإدانة العدوان الإسرائيلي على بلدة بيت جن جنوب سوريا.
وكانت بيت جن تعرضت لقصف إسرائيلي، صباح الجمعة، أسفر عن مقتل 13 شخصاً وإصابة 24 آخرين. جاء القصف عقب محاصرة دورية تابعة للجيش الإسرائيلي أثناء توغُّلها في البلدة، حيث اندلعت اشتباكات مع الأهالي، قبل انسحاب جنود الاحتلال الذين أُصيب ستة منهم بجروح متفاوتة الخطورة.
جاء احتفال وزارة الداخلية بإطلاق هوية بصرية جديدة في مناسبة الذكرى السنوية الأولى لمعركة «ردع العدوان» التي أطاحت بنظام بشار الأسد، ضمن سياق احتفالات شعبية حاشدة، بدا أن بعضها جاء مدفوعاً بزخم للرد على مظاهرات شهدتها مناطق يقطنها علويون في حمص واللاذقية وطرطوس وريف حماة (وسط سوريا وغربها) طالبت باللامركزية والإفراج عن الموقوفين من عناصر النظام السابق.
وكان الشيخ غزال غزال، رئيس المجلس الإسلامي العلوي، دعا إلى تلك المظاهرات، على خلفية أعمال شغب وقعت في أحياء ذات غالبية علوية بمدينة حمص، في إطار رد فعل على جريمة قتل رجل وزوجته من أبناء عشيرة بني خالد، إحدى أكبر العشائر في حمص.
ومع أن السلطات الأمنية أبدت أعلى درجات ضبط النفس لاحتواء التوترات وحماية المظاهرات المناوئة للسلطة في الساحل السوري، فإن التفاعلات في الشارع تواصلت. وخلال اليومين الماضيين قُتل أربعة أشخاص، بينهم سيدة، في حيي المزرعة وعكرمة بحمص وفي مدينة حماة.
وتحاول السلطات السورية كبح ترددات الاحتقان الذي تشهده البلاد، بإجراءات مضادة. وفي هذا الإطار، كان لافتاً الاحتفال بإنارة شجرة الميلاد في كنيسة مار ميخائيل بمدينة اللاذقية على الساحل السوري، بحضور محافظ اللاذقية محمد عثمان، والمطران أثناسيوس فهد، وعدد من المسؤولين ورجال الدين في المدينة. وفي سياق موازٍ لافت، أصدر محافظ حماة، عبد الرحمن السهيان، قراراً بمنع نشر أي منشورات أو إعلانات شرعية – دينية ضمن المؤسسات الحكومية أو الخدمية والمرافق العامة دون أخذ موافقة مسبقة من مديرية الأوقاف في حماة. واعتبر السياسي والإعلامي السوري أيمن عبد النور قرار محافظ حماة «مهماً للغاية» ويسهم في ضبط الوضع، بعد قيام دعويين بتعليق منشورات دينية ودعوية في أماكن وأحياء، بغض النظر عن طبيعتها وثقافة سكانها، ما قد يثير توتراً طائفياً وحساسيات.
وقال عبد النور إن مثل هذا القرار كان من الأفضل لو صدر عن «وزارة الداخلية تحت طائلة المساءلة» بحيث تمنح وزارة الأوقاف الترخيص، بعد إخضاع الدعويين لدورات تدريبية حول التعامل مع طبيعة المجتمع السوري المتنوّع، فيما تتولى وزارة الداخلية تنظيم عملهم «لأن واقع الانقسام في سوريا بات خطيراً ومقلقاً للغاية». وأثنى عبد النور على طاقات وقدرات عناصر وزارة الداخلية والتطور المتسارع في أدائهم، قائلاً إنهم الآن أفضل بكثير عما كانوا عليه قبل عام، وأفضل بكثير أيضاً عما كانوا عليه قبل شهر، وأثبتوا أن لديهم القدرة على تمثيل البلد ككل «لكن واقع الانقسام لا يقتصر على الداخل الواقع ضمن مجال عمل وزارة الداخلية، وإنما وصل إلى الخارج وضرب الجاليات السورية، التي تدخل في مجال عمل وزارة الخارجية والمغتربين». ورأى عبد النور أن وزارة الخارجية السورية «تحتاج إلى كفاءات عمل تختلف تماماً عن عمل وزارت الخارجية في الدول الأخرى، لأن الأمر يستحق الاهتمام ويحتاج إلى متخصصين يتابعون هذا الوضع الدقيق والخطير للغاية»، بحسب تعبيره.
———————————
سرّ شاهين.. المسيّرة التي حسمت معركة ثوار سوريا/ يوسف موسى
مع إطلاق إدارة العمليات العسكرية عملية “ردع العدوان” يوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 -والتي قادت بعد 12 يوما إلى سقوط نظام الأسد وسيطرة الثوار على عموم المحافظات السورية- ظهر في المعركة سلاح فعال كان له دور حاسم في نتائجها، إنه طائرات شاهين المسيّرة.
فمنذ الأيام الأولى للمعركة نشرت “إدارة العمليات العسكرية” عدة مقاطع فيديو لاستهدافها آليات عسكرية وتجمعات لجنود النظام السوري بمسيّرة شاهين التي كانت تبدي فعالية كبيرة ودقة في إصابة الأهداف، فضلا عما بثته من استخدام هذه المسيّرات في عمليات الرصد والمراقبة، وإلقاء مناشير التحذير والتهديد لجنود النظام.
كما نشرت إصدارا عن “كتائب شاهين” المتخصصة في الطائرات المسيّرة والتي بات المناصرون للثورة يترقبون ما تسجله من مقاطع مصورة قبل إصابتها الهدف، فما أبرز هذه المسيّرات؟ وكيف تمكنت من تطويرها؟ وكيف أثرت على سياق المعركة؟.
البوادر الأولى
في ديسمبر/كانون الأول 2017 أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قاعدتيها العسكريتين في مطار حميميم بريف اللاذقية وفي طرطوس قد تعرضتا لهجوم بالقذائف، مما أدى إلى مقتل جنديين وإعطاب عدد من الطائرات، ليتبين لاحقا أن الهجوم كان بطائرات مسيّرة مصدرها فصائل المعارضة المسلحة.
وأشارت الوزارة إلى أن قواتها تمكنت من إسقاط 7 مسيّرات والسيطرة على 6 أخريات بمساعدة أجهزة الحرب الإلكترونية.
وعلى إثرها، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية اللواء إيغور كوناشينكوف إن مكافحة خطر الهجمات الإرهابية باستخدام طائرات مسيّرة تتطلب تعاون جميع الأطراف المعنية على المستوى الدولي.
كما نشرت وزارة الدفاع الروسية صورة إحدى الطائرات التي استولت عليها، وقالت “هذه المرة الأولى التي تقوم فيها فصائل المعارضة باستهداف القواعد الروسية بالطائرات المسيّرة”، وظهرت في الصورة طائرة مجنحة تحمل على كل جناح 4 قنابل.
وتعرضت القواعد في حميميم وطرطوس لعدة هجمات أخرى بالطائرات المسيّرة، وكانت وزارة الدفاع الروسية تصدر بيانات بإسقاطها، مشيرة إلى أنها لم تسبب أي أضرار، حتى أعلنت إدارة العمليات العسكرية خلال معركة “ردع العدوان” عن كتائب شاهين المتخصصة بالطائرات المسيّرة، وأظهرت الفيديوهات التي بثتها استخدام أنواع مختلفة من الطائرات، بعضها يطلق يدويا والآخر من منصات، وتتراوح الطائرات بين نماذج بـ4 مراوح وأخرى محلية الصنع مزودة بذخائر مثل القنابل أو القذائف.
صورة نشرتها وزارة الدفاع الروسية لإحدى الطائرات المسيرة التي استهدفت بها المعارضة السورية القواعد الروسية عام 2017 المصدر:
الطائرات المجنحة
وعلى غرار الطائرة التي نشرت وزارة الدفاع الروسية صورتها مع تحسينات عليها ظهرت طائرات مصنوعة من مواد رخيصة وموجهة بنظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس) يمكن أن تحمل ما يصل إلى 18 قنبلة صغيرة بحد أقصى، أو رأسا حربيا يزن أكثر من 30 كيلوغراما، ومنها ما هو معد لرحلات طويلة المدى، وقد زوّد بخزان وقود.
وظهر في المقاطع التي نشرتها غرفة إدارة العمليات نوعان من الطائرات المجنحة، النوع الأول منها يحتاج إطلاقها إلى دفعة يدوية، ولها محرك دفع مروحي، كما أنها مجهزة بكاميرات تنقل الصورة بشكل مباشر.
وبحسب الفيديوهات، فإن الطائرة تشبه المسيّرات الأوكرانية من طراز “إف بي في”، وهي طائرات انقضاضية (انتحارية) تستهدف الآليات العسكرية والمنشآت، ويمكن تحميلها بذخيرة متفجرة قد تصل إلى 30 كيلوغراما.
أما النوع الثاني فهو ما يُطلق من منصات، وهي طائرات انقضاضية أيضا، كما أنها مزودة بقذائف “آر بي جي” مضادة الدروع، ونشرت “إدارة العمليات العسكرية” فيديوهات للحظة استهدافها الآليات العسكرية وغرفة عمليات قوات النظام في مصياف وسيارة العقيد عدي غصة بريف حماة.
رباعيات المراوح
وهي مثل الطائرات المسيّرة التجارية المتوفرة في الأسواق، وقد أظهرت المقاطع التي نشرتها غرفة “إدارة العمليات العسكرية” نسخا منها أكبر حجما من الطائرات المعروفة، مما يرجح أن الثوار أجروا تعديلات على هذه الطائرات، وقد استُخدمت لـ3 مهام: الأولى هي التصوير والاستطلاع، والثانية إلقاء القنابل الصغير على المجموعات والأفراد، والثالثة إلقاء المنشورات.
وقد نشرت غرفة “إدارة العمليات المشتركة” عدة مقاطع فيديو تظهر لحظة إلقاء المنشورات على أماكن وجود جنود النظام، مع رسالة تدعوهم إلى الانشقاق، وتحتوي على إرشادات يمكنهم اتباعها للحفاظ على حياتهم.
وتساهم مقدرة هذه الطائرات على الطيران العمودي بفضل وجود المراوح الأربع في نجاح مهامها بإلقاء المنشورات أو القنابل الصغيرة، لكن حجمها الصغير نسبيا يجعلها غير قادرة على حمل أوزان كبيرة.
في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 نشرت قوات النظام السوري صورا قالت إنها لصاروخ أطلقته فصائل المعارضة المسلحة على منطقة جورين في سهل الغاب بريف حماة الغربي.
وتظهر الصور طائرة مسيرة بجناحين يبلغ طولهما 6 أمتار، ومحرك صاروخي نفاث يبلغ طوله 4 أمتار، وتحمل 100 كيلوغرام من المتفجرات، ويتم التحكم بها عن بعد، وبالتالي فإن هذه المسيّرة أقرب ما تكون إلى قنبلة انزلاقية تُطلق من الأرض تعمل تقنيا بالطريقة ذاتها التي يعمل بها صاروخ كروز.
وكانت هيئة تحرير الشام قد نشرت منذ عام 2021 صورا لصواريخ كبيرة محلية الصنع حملت اسم “زؤام” من عيار 240 مليمترا، وهي مشتقة من الصاروخ السوفياتي “إم-24 إف يو دي”، إلى أن نشرت قوات النظام الصور من جورين، والتي تظهر إجراء تعديل على الصاروخ بإضافة الأجنحة والمحرك النفاث، مما حوّله إلى مسيّرة بحمولة انفجار عالية.
وعلى عكس الطائرات المسيّرة التقليدية التي تعمل بمحركات المراوح فإن النماذج التي تعمل بمحركات نفاثة قادرة على حمل حمولات أكثر تقدما وتحقيق سرعات أعلى، مما يجعل من الصعب اعتراضها بواسطة أنظمة الدفاع التقليدية مثل صواريخ أرض جو والرادار.
وفي اليوم الأول من معركة “ردع العدوان” في 27 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي نشرت غرفة “إدارة العمليات العسكرية” مقطعا مصورا لما قالت إنه الصاروخ الموجه عن بعد “زؤام” خلال استهدافه مقر الفوج الـ46 في ريف حلب الغربي، قبل سيطرتها عليه، وبسبب حجم الصاروخ الكبير فقد تداول الناشطون المقطع في البداية على أنه لإسقاط طائرة لقوات النظام، قبل أن تنشر معرّفات أخرى تصحيحا للمعلومات.
كما نشرت لاحقا مقطعا مصورا يظهر تفاصيل استهداف الأكاديمية العسكرية في مدينة حلب بأحد الصواريخ الموجهة، بدءا من تجهيز الصاروخ وإطلاقه وتوجهه إلى لحظة وصوله هدفه وانفجاره.
صورة لطائرة مسيرة بجناحين يبلغ طولهما 6 أمتار، أطلقتها المعارضة المسلحة السورية على منطقة جورين، ونشرتها قوات النظام
اتهام روسي لأوكرانيا
بدورها، ذكرت وزارة الدفاع الروسية أن المعارضة المسلحة بدأت باستخدام الطائرات المسيرة منذ منتصف 2016 لأغراض الاستطلاع، وكان الاستهداف في نهاية 2017 هو أول استخدام عسكري للطائرات المسيرة.
وقال رئيس إدارة تطوير الطائرات المسيرة في هيئة الأركان العامة الروسية اللواء ألكسندر نوفيكوف إن تحليل المعلومات بشأن الطائرات المسيّرة التي يستخدمها “الإرهابيون” في سوريا أظهر أنه “تم تطويرها واستخدامها من قبل متخصصين خضعوا لتدريب خاص في بلدان تصنيع واستخدام أنظمة الطائرات المسيرة”.
وأضاف أنه لا يمكن تصنيع المتفجرات التي تحملها الطائرات المسيرة في سوريا في ظروف مؤقتة، وأشار إلى أن هناك أماكن عدة يتم فيها تصنيع هذه المادة، وأحدها أوكرانيا.
وقال نوفيكوف إن المسيّرات عبارة عن عبوات ناسفة بدائية تزن نحو 400 غرام، تحقق انفجارا نصف قطره 50 مترا، وكان ذلك قبل 5 سنوات من كشف الهيئة عن التطور الذي حققته في مجال المسيّرات.
وعلى الرغم من أن المرصد السوري لحقوق الإنسان قد وثق استهداف قاعدتي مطار حميميم وطرطوس الروسيتين بأكثر من 22 هجوما بالمسيّرات من 2018 ورغم الاتهام الروسي لفصائل المعارضة في جبال اللاذقية وريف إدلب بالوقوف وراءها فإنه لم تعلن أي جهة عسكرية في المعارضة السورية تبنيها العملية، ولم تعلق أوكرانيا على الاتهامات.
أوكرانيا تعلن
في يوليو/تموز 2024 نشرت صحيفة “كييف بوست” أنها حصلت على تسجيلات مصورة تظهر تنفيذ مجموعة “خيميك” -وهي قوة تتبع لمديرية الاستخبارات الأوكرانية- ضربات عسكرية على القوات الروسية قرب مطار “كويرس” العسكري شرق حلب.
ووقتها، رجّح محللون أن القوات الأوكرانية تتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة أميركيا، والتي تسيطر على مناطق شمال شرقي سوريا.
ونقل تقرير أعده “كلاش ريبورت” عن القيادي في كتائب شاهين أبو بكر قوله إن الأوكرانيين قدموا لهم ملفات الطباعة ثلاثية الأبعاد لمكونات رئيسية، مثل حاملات القنابل والذيل والرؤوس الحربية، مما سمح لهم بإنتاج وتجميع وتكييف المسيّرات بشكل مستقل.
وقال إن الأوكرانيين “علمونا عن ميكانيكا الطائرات وحاملات القنابل والطباعة الثلاثية الأبعاد”، في حين قال القيادي الآخر في الكتائب أبو مازن إن دور التدريب الأوكراني لعب دورا مهما في تطوير أنظمة نقل إشارات الطائرات المسيّرة واستهدافها بشكل عزز مدى الطائرات والكفاءة التشغيلية من خلال حل مشكلات الطاقة والإشارات.
وساهمت كتائب شاهين بمختلف أنواع الطائرات المسيرة التي استخدمتها في معركة “ردع العدوان” بتحقيق نوع من التوازن في سلاح الجو، بالإضافة إلى الدور المهم لسحب الروس العدد الأكبر من ترسانتهم الجوية من سوريا لانشغالها بالحرب في أوكرانيا.
وقد حسمت الطائرات المسيّرة عددا من المعارك، وربما أوقفت أخرى، فمثلا سقطت مدينة حماة بيد مسلحي المعارضة دون مقاومة من قوات النظام، وكانت مسيّرة انتحارية تتبع للكتائب قد استهدف غرفة عمليات قوات النظام في مدينة مصياف قبل أيام فقط من سيطرة “إدارة غرفة العمليات” على المدينة.
أما اليوم وقد سقط النظام في سوريا وأصبحت العاصمة دمشق في أيدي المعارضة فإن ملف تفاصيل أكثر عن ملف الطائرات المسيّرة وآلية تطويرها قد يظهر قريبا.
المصدر: الجزيرة
——————————–
ماذا كان يقلق الشرع وإدارة العمليات العسكرية قبل بدء عملية ردع العدوان؟
مع اقتراب الذكرى الأولى لانتصار الثورة السورية وسقوط نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، بدأت تتكشف كثير من التفاصيل عن معركة “ردع العدوان”، التي أطلقتها المعارضة السورية المسلحة في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وشكلت لها، ما عرف بـ إدارة العمليات العسكرية.
لكن، ما الذي كان يشغل قائد إدارة العمليات العسكرية حينها، أبو محمد الجولاني الذي أصبح لاحقا رئيس سوريا أحمد الشرع؟.
فقبل بدء المعركة، عقد الشرع اجتماعا مع قادة غرفة عمليات “ردع العدوان” وكبار القادة العسكريين المشاركين في العمل الميداني. وخلال الاجتماع، كان أبرز ما يشغل فكره ويؤكد عليه هو ضرورة منع أعمال الانتقام وسفك الدماء بعد بدء المعركة ودخول القوات إلى المناطق وتحريرها.
هذه التفاصيل كشفها العميد أحمد رزق، قائد الفرقة 80 في الجيش السوري، في حديثه لمنصة “سوريا الآن”، موضحا أن الرئيس الشرع شدد على أن القتل وإراقة الدماء يجب أن تستبدل بروح التسامح، وألا يسمح بالانجرار وراء تصفية الحسابات أو الثأر الشخصي، مؤكدا أن أبناء مدينة حلب لا يجوز أن يتعرضوا للتهجير أو الإقصاء.
وأضاف رزق أن الجانب الإنساني كان أكثر ما يقلق الرئيس، إلى جانب مناقشة خطة المعركة وتفاصيلها.
وبناء على توجيهات الرئيس الشرع، وقبل المعركة بشهر واحد، دعا رزق وجهاء مناطق الريف الغربي واجتمع بهم، وأوضح أن التحضيرات جارية لمعركة -دون تحديد موعدها- وطلب منهم أن يدركوا أن النصر لا يعني الانتقام، بل يعني العفو والتسامح، وألا يتحول الخلاف السياسي أو الشخصي إلى مبرر للانتقام.
وأشار إلى أنه، بفضل الالتزام بتعليمات الرئيس، مضت العمليات العسكرية دون تسجيل حالات انتقام تُذكر، وكان هناك انضباط واضح في تنفيذ هذه التوجيهات الإنسانية.
ومنذ بداية معركة “العدوان” التي أطلقتها فصائل المعارضة السورية آنذاك لإسقاط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، خرج الرئيس الشرع بتصريحات علنية يؤكد فيها أن المعركة لا مكان فيها للثأر.
وعند دخول الثوار إلى مدينة حماة، ظهر في مقطع فيديو: “أسأل الله أن يكون فتحا لا ثأر فيه بل كله رحمة ومودة”.
كما ظهر الشرع في عدة مقاطع أخرى بعد دخوله القصر الجمهوري بأيام، وأكد خلال لقائه مجموعة من صنّاع المحتوى أن عنوان المعركة كان: “اللهم نصرا لا ثأر فيه”، مشددا على أن العقلية الثأرية لا تبني دولة.
——————-
====================



