Bugonia

Bugonia
في “بوغونيا” الاستعباد ليس نظرية مؤامرة/ سليم البيك
28/08/2025
يمكن القول إن للمخرج اليوناني يورغوس لانثيموس مرحلة جديدة، أو نقلة سينمائية مكثفة أنجزها في ثلاث سنوات بثلاثة أفلام متتابعة، “أشياء بائسة” عام ٢٠٢٣، “أنواع من اللطف” عام ٢٠٢٤، وفيلمه الأخير، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي اليوم، “بوغونيا” (Bugonia).
إنتاج مكثف لا بكمّه فقط، بل بنوعه. كان يكفي لانثيموس أن يَخرج بهذه الأفلام المبهرة في فترة بين واحدها والآخر تكون بالأعوام لا بالأشهر. كأنها، الكثافة كماً ونوعاً، استعجال من المخرج الغرائبي، في الخروج من يونانيته أولاً، في أفلامه الأولى، ومن اغترابه ثانياً، في أفلام قليلة عرّفته كمخرج (آخر) وافدٍ إلى السينما الأمريكية باتباع اللغة الإنكليزية بالاعتماد على ممثلين بالانكليزية.
في أفلامه الثلاثة الأخيرة خرج من حالة الهوية اليونانية والاغتراب اليوناني في أمريكا، ودخل مقتحماً المجال الحيوي للسينما الأمريكية، محتفظاً ببصمته التي بدأها في أفلامه الأولى، اليونانية، في “دوغتوث”، واستمر بها مغامراً في أفلامه الناطقة بالإنكليزية، في “ذا لوبستر” و”قتلُ غزال مقدس”، قبل أن يكون فيلمه “المفضَّلة” نقلة حملته إلى ثلاثة أفلام أوجدت لانثيموس الجديد، المريع والعجيب، تكرّست فيها الغرابة أسلوبياً وانغمس بها هو، مبتعداً، في خط خاص به، في تحطيم للمنطق بقدر قد لا يتقبّله أحدنا من غيره.
الفيلم، ويشير عنوانه باليونانية القديمة إلى أسطورة حول خلق النحل من خلال جثة ثور، يحوم حول اثنين، أحمقين، يعتقدان أن البشرية تحكمها كائنات فضائية على شكل بشر، يعيشون بيننا ويحاولون السيطرة على الكوكب، يخطفان مديرة شركة، أحدهما عاملٌ فيها، ليجبراها على الاعتراف بكونها مخلوقة فضائية. ويسير الفيلم بمعظمه بين الثلاثة، في حوارات لمّاحة وساخرة، وفي محاولات الامرأة للخلاص.
تستهل الفيلم مشاهد للنحل، من مزرعة الأحمقين، مع شرح للطبيعة الاستغلالية التي تجمع بين الملكة والعمّال، أي النحل المنتج للعسل، ومنه تمر إشارات إلى نظريات مؤامرة، أساطير حول جائحة كوفيد وكروية الأرض وغيرهما. يتقدّم الفيلم مع إدراك تام، منطقي، بأن الرجلين أحمقان وأنهما من أصحاب نظريات المؤامرة وأن السيدة، المستغلة لموظفيها بكل الأحوال، الأقرب لموقع الملكة، أنها إمرأة تحاول النجاة بمسايرتهما في كونها فعلاً فضائية. يتقدم الفيلم في ذلك قبل أن يقلب المنطقَ واستنتاجاته، وتقبّلات العقل لما هو واقعي وقابل للحدوث ومحصور بين السخرية والجريمة، من دون جهد فكري أبعد، كأن لا يكون الرجلين فعلاً أحمقين وأن المرأة، كما نقبله من أي فيلم لانثيموسيّ، يمكن أن تكون، وإن بهيئة إيما ستون، كائناً فضائيّاً.
كان يمكن للفيلم أن ينحصر في السخرية من طرفين: حمقى يتطرفون في نظريات المؤامرة إلى درجة أنّ كانات فضاية تعيش بيننا على هيئة بشر، وامرأة مجسّدة لرأسماليةٍ نيوليبرالية تعيش بأقنعة على وجهها، أثناء النوم لتغمض عينيها وأثناء الركض لتشهق وتزفر وأثناء الاستلقاء لتعالج بشرتها، وبقناع آخر غير مرئي، هو الشاشة، في حديثها الدعائي، لشركتها، عن التنوع العرقي، وأخيراً قناع أقرب ليكون رأسها بكامله، حليقة، أشبه، فعلاً، بالكائنات الفضائية، وهو ما سيكون أخيراً موحياً إلى حقيقة واحدة لهذه السيدة، في ما يمكن أن تكونه أسوأ بدرجات من مديرة استغلالية (ملكة استعبادية)، فتكون، فعلاً، كاناً فضائياً سيبيد، أخيراً، الجنس البشري.

في الفيلم الكثير مما يقال، ولا تكفي مقالة قصيرة له في المهرجان، وهي الأولى وسيليها غيرها يومياً. من حسن الحظ، مثلاً، أن الفيلم التالي له، في المهرجان، كان سطحياً فلا اضطرار ولا رغبة في الكتابة عنه، هو “جي كيلي” لنوا بوماك. أما أن يكون فيلم ما في المهرجان، مع ضرورة الكتابة عنه خلال عشرة أيام يشاهد فيها أحدنا ما يفوق العشرين فيلماً، فهذا ما لا يستحقه فيلم عظيم كـ “بوغونيا”، فيه من السخرية والهزء، لا من المستحمَقين بل من المستحمِقين، لا من المستعبَدين بل من المستعبِدين. العالم هنا يمكن أن يكون أشد غرابة وبأساً من تسلّط رأسمالية بأساليب نيوليبرالية بغطاءات هي خطابات عن التنوع العرقي والجندري. هو، الأسوأ، عالم يكون فيه لهذه الرأسمالية منشأ فضائي، كامل التحكمّ، سيودي أخيراً إلى إبادة البشرية.
السخرية هنا مزدوجة، لا من نظريات المؤامرة، وإن بدا ذلك في ثلاثة أرباع الفيلم، قبل أن يقلب الفيلم أخيراً الطاولة على المسلَّمات، بل من إمكانية أن تكون هذه النظريات واقعية، وإن لم يتقبلها العقل، مع احتمال في كارثية تحقيقها، ما يعود بنا إلى سؤال أوّلي، هو عن المحرّض الأساسي في أن يخطر على بال أحدنا سؤال يستفتح نظرية مؤامرة، وهو يخص، بالضرورة، عالماً كالنحل، فيه أغلبية مستعبَدة من قبل أقلية مستعبِدة. لمَ قد يتطرّف أحدنا في الظن بآخرين متطرفين في الاستغلال؟
—————————————–
«بوغونيا» ليورغوس لانثيموس: كابوس معاصر بين أوهام المؤامرة وفشل الإنسان في الإنقاذ
1 – سبتمبر – 2025
نسرين سيد أحمد
منذ بزوغ نجمه على الساحة السينمائية، صنع المخرج اليوناني يورغوس لانثيموس عالماً خاصاً به؛ عالماً بارداً، ساخراً، غريباً، يشعرنا بالانقباض والغربة، لكنه في الوقت ذاته آسر بتفاصيله، يضع فيه البشر تحت عدسة مجهرية لا ترحم.
في فيلمه الجديد «بوغونيا» (Bugonia)المشارك في المسابقة الرسمية للدورة الـ82 من مهرجان البندقية السينمائي (27 أغسطس/آب ـ 7 سبتمبر/أيلول 2025)، يقدّم لانثيموس واحداً من أكثر أفلامه إثارة للجدل، مزيجاً من الكوميديا السوداء والرعب النفسي والتعليق السياسي المباشر، في إطار يبدو أحياناً عبثياً، وأحياناً أخرى مأساوياً حد القسوة. الفيلم مأخوذ عن العمل الكوري الجنوبي «أنقذوا الكوكب الأخضر» (2003) للمخرج جانغ جون – هوان، غير أن لانثيموس لا يكتفي بمجرد إعادة إنتاجه، بل يشبعه بروحه الخاصة، ويغيّر بعض العناصر المفصلية مثل، جنس الشخصية الرئيسية في الشركة الدوائية، ليحوّل النص إلى مواجهة أكثر وضوحاً مع حاضرنا، الذي تملؤه الريبة، وانهيار الثقة بالمؤسسات، ونظريات المؤامرة العابرة.
الشخصية الرئيسية في الفيلم هو تيدي (جيسي بليمنز)، الذي يعمل في وظيفة بسيطة في شركة دوائية كبرى، ويربي مجموعة من خلايا النحل. يعيش تيدي على هامش المجتمع، محاصرا بهواجس انهيار مستعمرات النحل التي يرى فيها نذيراً بانهيار الأرض نفسها. تيدي ليس مجرد هاوٍ لحماية البيئة، فهو رجل مثخن بالجراح الشخصية. ترقد والدته في غيبوبة بعد مشاركتها في تجربة دوائية فاشلة أنتجتها شركة «أوكسوليث» العملاقة، التي يعمل تيدي كعامل توصيل فيها. هذه الشركة تديرها وترأس مجلس إدارتها ميشيل فولر (إيما ستون)، في أداء مميز. تتحوّل فولر في ذهن تيدي إلى تجسيد للشر المطلق، ليس فقط بسبب فسادها الرأسمالي، بل لأنه يؤمن بأنها ليست بشرية أصلاً، بل كائن فضائي متنكّر جاء لتدمير الكوكب. يستدرج تيدي ابن عمه البسيط دون (إيدن ديلبس) إلى مخطّط يدبر له منذ أمد طويل، وهو خطف ميشيل وتعذيبها حتى تعترف بهويتها ككائن فضائي، وتتعهد بسحب جنسها من الأرض. ومنذ لحظة الخطف، يدخل المشاهد إلى فضاء مغلق، أقرب إلى مسرحية كابوسية، يتنقل فيها بين لحظات سخرية بالغة، ومشاهد عنف جسدي قاسٍ، وصولاً إلى جدل فكري لا يقل قسوة عن أدوات التعذيب.
تتميز إيما ستون، التي باتت ملهمة لانثيموس الثابتة، قدرتها على التنقل بين أدوار نسائية متطرفة في تباينها. هنا، تبتعد كلياً عن جرأة بطلتها في «أشياء مسكينة» (Poor Things)، لتقدم شخصية باردة، متعالية، تُخفي قسوتها بابتسامات مزيّفة أمام الموظفين.
تحضر ميشيل إلى الشركة في الصباح الباكر، بعد تدريباتها الرياضية اليومية، لتلقي محاضرات عن التوازن بين العمل والحياة. تقول كل مصطلحات الصوابية السياسية، وتباهي بأنها تسمح لموظفيها بالمغادرة عند الخامسة والنصف مساء، وكأنها تمنحهم نعمة سماوية، ولكنها في الواقع تمارس ضغوطا بالغة عليهم لتحقيق حصة الإنتاج المقررة. حين تقع ميشيل أسيرة في قبو تيدي، تستخدم كل ما لديها من مقدرة على المراوغة لمحاولة الفرار. تحاول الاستعطاف والغضب والسخرية، وحتى مسايرة تيدي في اعتقاده بأنها كائن فضائي. ستون تتماهى تماماً مع الشخصية، حتى أنها تبدو بشعرها الحليق تماماً وعينيها الواسعتين كما لو أنها حقاً كائن فضائي. أما بليمنز، فيقدّم أحد أبرز أدواره. يبدو نحيلا للغاية، كما لو أنه كان في حمية خاصة نفذها خصيصاً للدور. يبدو كما لو كان في مهمة قتالية، يتدرب يومياً، يتناول عقاقير للقضاء على الشهوة الجنسية، حتى لا يعطله الجسد عن مهمته القتالية. هناك فارق شاسع بين تصور تيدي لذاته كمقاتل في سبيل إنقاذ البشرية، وصورة المريض النفسي الذي يراه الآخرون.
تيدي ليس وحشاً بالمعنى التقليدي، بل تجسيد لتناقضات عصرنا، فهو شخص يبحث عن حقيقة وسط طوفان المعلومات الكاذبة، يجرب كل الأيديولوجيات، من اليمين المتطرف إلى الماركسية، فلا يجد لنفسه هوية سوى نظرية المؤامرة، هو يستمع إلى مقاطع فيديو عن سيطرة الفضائيين على المؤسسات والمناصب الحيوية الرئيسية في الأرض، ويعتقد بهذا أنه مثقف وحظي بالعلم الذي يؤهله لخوض الحرب ضد المؤسسات الفاسدة. أسلوب لانثيموس حاضر بوضوح في الفيلم، يتمثل في نظرة باردة أشبه بمبضع جراح، مسافة ساخرة من الأحداث، ومشاهد عنف نجفل من قسوتها أحياناً، وموسيقى صاخبة تخترق الأذن، كما تمزّق المشاهد الداخلية أحشاء الشخصيات.
غير أن الفيلم، الممتد على ساعتين كاملتين، يعاني أحيانا من الترهل. الكثير من التكرار، الكثير من الدوران حول الفكرة ذاتها: هل ميشيل إنسانية أم فضائية؟ هل تيدي مريض نفسي وعقلي أم مقاتل يسعى لإنقاذ الأرض؟ كان يمكن لنسخة أقصر أن تكون أكثر تركيزاً وتأثيراً، لكن لانثيموس ارتأى أن الإغراق في الحيرة مع مشهد النهاية الكاشف لتحقيق رؤيته. تكمن قوة «بوغونيا» في تقديم صورة لعصرنا، انهيار الثقة في الشركات الكبرى، سطوة الشركات الكبرى، العقاقير التي تروج لها الشركات الدوائية على أنها الحل لمشاكلنا الصحية رغم آثارها الجانبية البالغة، التحولات البيئية وتلوث البيئة، جنون نظريات المؤامرة، هشاشة الديمقراطيات، كل ذلك حاضر. لكن لانثيموس لا يمنح أي طرف نصراً أخلاقياً.
نحن جميعاً عالقون بين الجلاد والضحية، بين إنقاذ العالم والاستسلام لفنائه.
العنوان ذاته «بوغونيا» يحيل إلى أسطورة قديمة عن ولادة النحل من جثة ثور نافق. في رمزية مباشرة، يذكّرنا لانثيموس بأن الحياة تنبع من الفساد، وأن الأمل، وإن وُجد، يولد من العفن ذاته. غير أن هذا الأمل يبقى هشاً، ملتبساً.
إذا كان فيلم لانثيموس السابق «مخلوقات مسكينة» قد كشف جانباً إنسانياً أكثر دفئاً لدى لانثيموس، وإذا كان فيلمه «أنواع من اللطف» قد غاص في ثلاثية من العبث والعدمية، فإن «بوغونيا» يقف بين الاثنين: فيلم يحمل قسوة فيلمه «مقتل غزال مقدس»، وغرابة فيلمه «السلطعون»، لكنه يتطلّع في الوقت نفسه إلى أن يكون رسالة عن حاضرنا. البعض قد يرى فيه انحرافاً نحو المباشرة أو الثقل الوعظي، والبعض الآخر قد يعتبره صياغة سينمائية جريئة لمعضلة إنسانية لا حل لها.
في المشهد الختامي، يقدّم لانثيموس رؤية تجعلنا نرى الأرض كألعوبة في أيادٍ تضمر الشر لكوكبنا المسكين. ويبقى «بوغونيا» عملاً مُربكاً، صاخباً، غير متوازن تماماً، لكنه، ككل أفلام لانثيموس، فيلم لا يمكن تجاهله، ولا يمكن الخروج منه دون شعور بالانقباض والدهشة في الآن نفسه.
للمشاهدة
للتحميل
حول الفيلم والمخرج والممثلين



