القطيعة مع العنف وسؤال الشرعيات السورية/ جمال الشوفي

22 ديسمبر 2025
هل يمكن للحراك المدني السلمي أن يستعيد مكانته في المشهد السوري ليشكّل حافزاً إلى إعادة التفكير في معطيات المرحلة الانتقالية السورية؟ سؤال يبدو مركّباً في بنيته الموضوعية، إذ تشهد المرحلة الانتقالية السورية متناقضات متعدّدة، فتحمل بين طيّاتها أثقالاً، وأحمالَ سنوات الثورة، من انهيار مادّي واقتصادي، وجرائم الحرب التي ارتكبها النظام السابق من تهجير وقتل واعتقال جماعي وفردي، شاركته فيها فصائل عديدة مدعومة من الخارج، وهذه تتطلّب سنوات لتداركها. في مقابل هذا، تواجه طريقة إدارة المرحلة الانتقالية تحدّيات متعدّدة الأوجه، سواء بانفلات السلاح العشوائي متعدّد الجهات عسكرياً وأمنياً، والعنف الممارس وما نتج منه من جرائم ومجازر في الساحل والجنوب السوريين، وما تسمّى “أحداثاً فردية” أو “خروقات أمنية” لعناصر متطرّفة كان جديدها أخيراً حادثة تدمر ضدّ قوات أميركية – سورية، وربّما نشهد تكرارها في مناطق أخرى. إضافةً إلى ذلك، هناك تفشّي الطائفية وخطاب الكراهية وصراع التفوّق المناطقي الطائفي الذي يهدّد النسيج والهُويَّة السوريَّيْن، إضافةً إلى الإعلان الدستوري والتباطؤ في تحقيق العدالة الانتقالية واضطرابات الأرضية المادّية والحقوقية لعموم السوريين.
لا تختلف المرحلة الانتقالية السورية عن شبيهاتها من فوضى وتضارب المصالح المادّية وصراعها ما بعد الثورات، فكيف والمتربّصون بتأجيجها، خصوصاً إسرائيل وإيران، يعملون ليل نهار لتأجيج أوتارها الطائفية إعلامياً ومادّياً، ولا يمكنهم النجاح إلا باستثمار تهتّك النسيج الداخلي السوري. هنا تبرز مسألة صراع الشرعيات السياسية المتناكفة والمتقاتلة، والمحمولة على نزعة شعورية تمتلك كامل الاعتقاد بحقّها المفرد بالتفرّد بالحكم، سلطويةً كانت أم معارضة.
“الشرعية” هي المقولة الأكثر حضوراً في تاريخ البشرية في الحكم وديمومته أو تغييره. وهي المترافقة مع نزعة الضدّ والبديل، نزعة الهدم والبناء المخالف لشرعية بديلة، وما تولّده من صراع وتناحر؛ وتبدو لعالم اليوم محرّك التاريخ وفحوى نزاعاته الدموية العنيفة والسياسية. وما محاولات ضبطها بالأطر الدستورية والقانونية إلا لضبط تنازع “الشرعيات” بأصنافها السياسية أو النصّية الدينية أو التقنية أو الأخلاقية، والذهاب إلى التنافس الاقتصادي وقوانينه الحاكمة والانتخابات الديمقراطية. ويبدو هذا زمناً معقولاً لم نعشه بعد.
هناك في التاريخ شرعياتٌ يمكن اختصارها في نموذجين: الهيمنة الكلّية وقد أزاحت ما دونها، مثل شرعية الإمبراطوريات الكبرى ومنظومات العبيد، وشرعية الأيديولوجيات المغلقة والمكتملة، ماركسوية وقوموية ومعولمة ودينية، وشرعية منظومات الدول التسلطية، وشرعية الفعل الثوري المشحون حتى النهاية في الثورات وما بعدها، وهذا قول يظهر ألمنا الدفين في محاولة أمّة تنهض ولكنّها تتعثّر. وهناك نموذج آخر في العقد الاجتماعي، مثل شرعية عليا تنتظم في قوانين الحكم ومصلحة الوجود الإنساني في رقعة من الأرض تُسمَّى وطناً. هي شرعية الإرادة العمومية، بحسب جان جاك روسّو (1712-1778)، بوصفها جماعاً للإرادات الفردية والجماعية النسبية وشرعياتها الخاصّة والعامّة، لتصل إلى التعاقد الرضائي على آليات الحكم. هي أساس الدولة الحديثة المؤسّسة على نفي الهيمنة والسيطرة الفردية والديكتاتورية وخطر الاستئثار بالسلطة، ومأسَسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بمرجعية القوانين الوضعية التي ينظّمها الدستور المُعبِّر عن عموم الشعب كما وضع أسسَها جون لوك (1632ـ1704) في كتابه “في الحكم المدني”، وهذا سؤالُ حاضرنا المرير؛ إنه سؤالُ الإرادات الحرّة وقبولها الرضائي في ضبط معادلات الأمن والاستقرار والدخول في أتون حوار وطني واسع حول الحكم وطرائقه، مع تهيئة المناخ الأمني والسياسي ونفي استخدام القوة وضبط السلاح المنفلت، ونبذ خطاب الكراهية والطائفية المقيت وتجريمه، والعمل في المصالحات الوطنية في مساحات الجغرافيا السورية كلّها، وليس ذلك فقط، بل إرضاء نفوس السوريين المقهورة والمضطهدة السابقة والمُستحدَثة بحكم تكرار الجرائم، وهذا مسؤولية السلطة الانتقالية في سورية أولاً، ومسؤولية عقلاء هذا البلد الكليم لليوم أيضاً. ويبدو أن اللغز المُحيِّر يكمن في هذه الكلمات ذاتها، فهل نستفيد من تجارب التاريخ ونختصر الزمن؟ أم لا بدّ من المرور في نفق (وعتمة) الشرعيات الموصوفة بالهدامة والقاتلة؟
في المسارات السورية المتجدّدة الكليمة، بكلّية شعبها، تحضر الشرعيات بكل صنوفها حاضراً بارزاً واضحاً؛ شرعيات القوة العسكرية غير منضبطة لليوم؛ شرعية الثورة وحواملها السلمية-المدنية مقابل الفصائلية وقيادة المرحلة الانتقالية؛ شرعية القوى الدينية، متطرّفة كانت أم طائفية وانفصالية؛ شرعيات التزاحم العالمي على تقاسم النفوذ في سورية، قلب العالم وجارة إسرائيل؛ وشرعيات “سلطات الأمر الواقع” المنتشرة في كل بقعة وزاوية، وكلٌّ يحاول تمديد بساطه قدر ما تطاول يده.
ولك أن تعدّ ألفاً من الشرعيات: قومية، إثنية، أبوية، جندرية، مدنية، متعلمنة، متأسلمة… أفراد هنا وهناك، وكلٌّ منها يعتقد ويجزم بأحقيته وأهليته المطلقة، إلى درجة أنه لا يسمع لقول آخر، بل يكرّر نفسه وكأنّه إذاعة متنقّلة من مكان إلى مكان. ويبدو أنه زمن الشرعيات، وكلٌّ في محراب الكلِّ يتشاركون ويتصارعون، أمّا شرعية منظومة الدولة الحديثة وعقدها الاجتماعي، فهي الغائب الحقيقي من ساحة المشهد السوري، والمُغيَّبة قسراً، وكأنّ كل شرعية، معارضة/ موالية، متطرّفة/انفصالية، تحاول الاكتفاء بشرعيتها الجزئية على رقعة من الأرض، صغرت أم كبرت؛ فكيف وأن غياب العدالة الانتقالية وإنصاف المظلومين والمضطهدين السوريين لم يتحقّق بعد بالقانون والقضاء لتَشفي النفوس المقهورة بعد طول سحقٍ عقوداً، ما يجعل الانتقام وضدّه سائداً ردّةَ فعلٍ طبيعية.
لم تهبط شرعية الدستور والعقد الاجتماعي من السماء، بل تدرّجت مع الزمن تنحت في سياق الواقع وتحدّ من شطط الشرعيات، كلّ الشرعيات، فالإقرار بضرورة وقف الموت الجزافي والانتقال إلى شرعية الوجود البشري في الحياة، وتغيير دفّة شرعيات العنف، حيث الكل خاسر، هو ما شكّل لحظة تاريخية عصرية قوامها القطيعة مع العنف وشهوة القتل الماكرة؛ تغيير أدوات الهيمنة السياسية وتحييد مفتعليها، تلك التي دشّنت شرعية حقوق الإنسان وإرساء مفهوم المواطنة المكتنف التعدّد والحقوق والحريات بمرجعية القانون، لا بالوصاية وتفوّق الشرعيات، هي المدخل العريض لمنظومات الفكر ومرتكزاته الأخلاقية ورفض شرعية الحرب والعنف، وشرعية الاستيلاء والاستحواذ بالقوة القهرية والتسلطية. ففي أوروبا، ذهب جورج لوكاش (1885-1971) إلى “تحطيم العقل” مُصنّع آلة الدمار والقتل البشري، والوجوديون أعلوا من حرية الفرد في وجوده الحرّ والإنساني. وذهب آخرون إلى تحديث الفنّ والأدب والشعر، والخروج من قفص التقييد والتقنين وفكّ أسر الروح الإنسانية، وتابعته حنّة أرندت في تفنيد “أسس التوتاليتاريا” فكرياً وتحليلياً، لتهدم أسطورة شرعية الفكر الأوحد المنغلق وحكم الطغمة الفردية.
سورية اليوم أمام الأسئلة نفسها، والاختبار التاريخي نفسه، فالوطنية، والتعاقد الإرادي الحرّ على المواطنة، ليست موضوعةً ناجزةً كلّيةً أو وصفةً سحريةً يمتلكها شخص أو حزب أو سلطة انتقالية يجب تنفيذها، بل هي موضوعة عمل وهدف وصيرورة حتى نصل إلى شرعية الكل المجتمعي ومشاركة الجميع، فالجميع عليهم التوقّف عن سياسات القوة وفرض الهيمنة المفردة، والتوقّف عن ادّعاء المظلومية كلّ لطائفته فحسب، والحضور في المشهد السوري من بوابة الحوار، وحتى التفاوض على حقوق أهلية ومدنية ما… فليكن، لكن القطيعة مع العنف والاستحواذ النفسي على أحقية الشرعية المفردة هو رائز القول، وإلا فستتكرّر مشاهد العنف والجريمة مرّةً أخرى، وحينها لن يبقى أمام عقلاء هذه الديار سوى التصوّف شرعيةَ وجود مختلفة تخرج من شرعيات القهر والقتل الجزافي.
ذات دهرٍ، وعندما أيقن الحسين بن منصور الحلّاج (858- 922) “أن الواقع استعصى على الحلّ، واستغنى الكلّ عن شرعية العقل والخير العمومي، وبات القتل والسحل وأمراء الوضع القائم وأحكام النصوص المغلقة سياسياً وأيديولوجياً شرعية مطلقة؛ حينها اختار تصوّفه وتفرّده، وشرعيته كانت التسامي عقلاً وروحاً، فكانت مأثرة في تاريخنا الممزّق. فهل يمكن للفعل المدني-السلمي أن يفتح طريقاً مختلفاً عن جمهرة الشرعيات القاتلة للوصول إلى شرعية الحقوق المدنية والسياسية والحياتية؟ فسورية في عامها الأول بعد سقوط النظام، والسلطة الانتقالية اليوم، أمام اختبار فعلي، اختبار محلّي وليس خارجياً كما وصفها ترامب، عنوانه القطيعة مع العنف والذهاب في مسار العدالة الانتقالية والحوار الوطني الموسّع. وإلا فالحلاج سيتكرّر فينا بأكثر من طريقة.
العربي الجديد



