عدنان قصّار: تفوّقت بالفروسيّة على باسل الأسد فسجنني 22 عاماً/ أسامة سعد الدين

30 ديسمبر 2025
في تاريخ الرياضة السورية صفحات كثيرة طُمست عمداً، لكن قلّما حملت حكاية ما اختزنته قصة الفارس السوري عدنان قصّار من مفارقات مأساوية وبطولية في آن. قصّار، الاسم الذي لمع في ميادين الفروسية العربية والدولية منذ سبعينيات القرن الماضي، تحوّل في لحظة إلى رمز للتحدي والمظلومية بعد أن دفع ثمن تفوقه الرياضي على ابن مؤسس النظام البائد حافظ الأسد.
22 عاما في المعتقل، تحدث عنها نصّار بألم خلال الحوار التالي مع “سورية الجديدة”.
* كيف تعرّف نفسك للقارئ اليوم: فارساً، سجيناً سابقاً، أم ناجياً يحمل حكاية جيل؟
أنا الفارس عدنان قصّار، سجين الظلم والقهر من آل الأسد الذين حكموا سورية بالحديد والنار عقوداً طويلة. أنا لستُ مجرّد فرد، بل رمز لجيل كامل عاش الرياضة ثم دفع ثمنها بالسجن والتعذيب، ونجا ليشهد سقوط الظالمين وتحرير الوطن.
* كيف تشكّلت علاقتك بالحصان؟ هل كان ذلك خياراً رياضياً أم قدراً عائلياً وثقافة زمن كامل في سورية؟
كانت خياراً رياضياً بحتاً، فأنا أعشق الفروسية منذ طفولتي. في سورية آنذاك، كانت الفروسية رياضة شعبية تجمع الشباب، خاصة في نواد مثل دمشق للفروسية، حيث تدرّب معظم الفرسان السوريين. لم تكن عائلتي من الفرسان التقليديين، بل اخترتها حباً وشغفاً، وأصبحت جزءاً من حياتي اليومية قبل أن تتحوّل إلى سبب لمعاناتي.
* متى التقيت بباسل الأسد، الملقّب في الإعلام السوري بـ “الفارس الذهبي”، أول مرّة على الميدان، وكيف كانت الديناميكية بينكما أنتما الفارسَين قبل أن تتعقّد وتخرج عن مضمار الفروسية وأخلاق الرياضة؟
أول لقاء مع باسل الأسد في 1975 أو 1976، في نادي دمشق للفروسية في صحنايا، والذي تأسس فيه معظم فرسان سورية. وكان باسل يتدرب في نادي الديماس للفروسية الذي بدأ فيه ولم يكن يضم سوى عدد محدود من الأحصنة، فأحضر باسل حصانه إلى نادي دمشق، بهدف التدريب وإقامة معسكر تدريبي، وشاركنا في بطولة الجمهورية للفروسية لفئة الأشبال دون سن الثامنة عشرة.
هناك بدأت معرفتنا الأولى، واستمرّت اللقاءات بحكم مشاركتنا الدائمة في البطولات، فكل فرسان سورية يلتقون باستمرار في المنافسات المحلية، وامتدت هذه العلاقة أكثر من 25 عاماً، قبل أن تنقلب الأمور من طرفه في النصف الثاني من 1992.
بمرورالزمن، ومع اتساع حضوري في البطولات الخارجية، بدأ يشعر بغيرة من نجاحاتي، فمثلاً في دورة البلقان للفروسية عام 1988 في أنقرة وإسطنبول، شاركت في بطولات قوية وفزت بميداليتين ذهبيتين وأخرى برونزية على مستوى دول البلقان كافة، وكانت شعبيتي تكبر، والرهان في المباريات ينحاز لي من الجمهور، فبدأ يشعر أنني منافس حقيقي يجب إبعاده عن الطريق.
* هل كان ثمة خلافات واضحة بينك وبين زميلك باسل الأسد، وهل تتذكّر تلك البطولة التي تفوقت فيها على باسل الذي كان يهيئه والده حافظ الأسد ليورثه الحكم، وما الذي تغيّر في نظرات المحيطين بك بعد الفوز؟
كان الخلاف بيني وبينه حصيلة تراكماتٍ طويلة امتدت سنوات، غير أن ذروته تجلّت في البطولة الدولية الثالثة ضمن مهرجان المحبة والسلام في اللاذقية، منتصف أغسطس/ آب 1992، وكانت بطولة كبرى من شوطين، شارك فيها فرسان عرب وأجانب كثيرون من دول عديدة، منها السعودية وقطر والأردن والكويت وليبيا وتركيا وغيرها.
اجتاز جميع الفرسان المسار في الشوط الأول. وفي الثاني ارتكب باسل الأسد أخطاء كثيرة أدت إلى انسحابه من المباراة، بينما واصلتُ المنافسة حتى النهاية رغم أخطاء التي وقعت بها، وفزت بالمجموع العام للشوطين، محققاً المركز الأول، وحصلت على الميدالية الذهبية، وأطلق عليّ الفارس الذهبي، في حين ذهب المركزان الثاني والثالث إلى فرسان من قطر.
كان الملعب يومها يضم نحو 75 ألف متفرج، وكانت تلك أول مرة يشهد فيها ميدان الفروسية هذا الحجم من الحضور الجماهيري. في تلك اللحظة شعرتُ أن باسل امتلأ بالغيرة التي تحولت إلى حقد قاتل، خصوصاً أنه اعتاد أن يشارك في بطولات تنظم داخل سورية فقط، ولم يكن يخوض بطولات خارجية، بل يقتصر حضوره على البطولات المحلية في دمشق واللاذقية.
لم يكن الخلاف وليد تلك البطولة وحدها، بل تراكم فوق ممارسات سابقة، بحكم أنني كنتُ كابتن المنتخب ومدرّبه والمشرف الفني على اللعبة في سورية، وكان باسل يتدخل باستمرار في شؤون توزيع الخيل على الفرسان، مع أن الفروسية تقوم على علاقة خاصة بين الفارس والحصان تحتاج إلى وقت للتفاهم والانسجام.
كان يطالب أحياناً بأخذ حصان معيّن من فارس يشعر أنه قد يتفوّق عليه، بحجة إعادة التوزيع، فأرفض لأن في هذا ظلماً للفارس وخرقاً لروح المنافسة. وكان هذا الرفض ينعكس عليه سلباً فيتعامل معه نوعاً من التحدّي أو العناد، ما زاد من حدّة التوتر، إلى أن جاءت تلك البطولة الدولية في اللاذقية لتكون القشّة التي قصمت ظهر البعير. وانتظر نهاية موسم الفروسية، الذي تضمن بعدها الدورة العربية السابعة والبطولة الدولية في العقبة، وبعد انتهاء جميع المباريات قرّر أن ينصب لي كميناً، فكان الاعتقال في مطلع 1993 ثم السجن.
* كيف جرى اعتقالك فعلياً: هل دُعيت إلى مقرّ رسمي أم مباشرة من الميدان؟
كانت لحظة اعتقالي بعد انتهاء موسم الرياضة في يناير / كانون الثاني 1993، وكان اليوم يوم الجمعة، يوماً شتوياً بارداً، والخيل في فترة تلقيح، ولذلك لم يكن هناك تدريب رسمي. كنت متوجهاً إلى نادي دمشق للفروسية للاطمئنان على الخيل بوصفها مسؤوليتي، فالتقيتُ في الطريق بعسكري من عناصر النادي وفارس فيه، اعتاد أن يصعد معي في السيارة من ساحة الأمويين متجهاً نحو النادي. أخبرتُه بأنه لا تدريب ذلك اليوم فهو يوم عطلة، وأنني سأكتفي بتفقّد الخيل والعودة، فأصرّ على مرافقتي مدّعيا أنه يحتاج لإثبات وجوده كونه عسكريا، وكان يحمل حقيبة رياضية وضعها في المقعد الخلفي للسيارة.
وبعد أن تفقدت الخيول، هممتُ بالخروج والعسكري يرافقني بسيارتي، وعند وصولنا إلى باب النادي، أطلقت المنبّه ليُفتح الباب، فخرج اثنان من الحرس، وفجأة وجدتُهما يتوجّهان إلى المقعد الخلفي ويفتحان الحقيبة بسرعة ويستخرجان منها قنبلة، ثم وجّها مسدّسيهما إلى رأسي، ولم يُسمح لي بالكلام… غطّوا عينيّ، وضعوا قيوداً في يدي، ونقلوني إلى فرع التحقيق في المخابرات العسكرية تحت الأرض. بقيت هناك ستة أشهر، في حالة ذهول كامل، لم أفهم سبب اعتقالي، ولا كيف تحولت مرافقة عسكري من النادي إلى تهمة خطيرة مبنية على دليلٍ مفبرك من حقيبة لم تكن حقيبتي، واتضح أن الأمر كان كميناً معدّاً سلفاً.
بعد ذلك، توزعت سنوات سجني الممتدة نحو 22 سنة، بين عدة سجون: سبع سنوات ونصف في سجن تدمر، قضيت منها أربع سنوات ونصف سنة في زنزانة انفرادية، ثم 11 سنة في سجن صيدنايا، وثلاث أخيرة في سجن عدرا المركزي.
ولم أعرف تهمتي الحقيقية إلا بعد 19 سنة من الاعتقال والتعذيب، عندما نُقلت إلى سجن عدرا، حيث أُبلغت أن التهمة “تحقير رئيس الدولة” ويُقصد بها حافظ الأسد، و”الشروع بالقتل العام” في إشارة إلى باسل الأسد.
*هل طلبت عائلتك من الرئيس المخلوع بشار الأسد العفو والإفراج عنك؟ وماذا كان الجواب؟
نعم، طلب الأهل من حافظ الأسد، ثم من بشار الإفراج عنّي مرات عديدة، و كان الجواب دائماً “الذي سجنه هو من يخرجه ويفرج عنه”، ومعلوم أن من سجنني هو باسل، الذي توفّي في حادث سير غامض على طريق مطار دمشق مطلع 1994، فبقيت محبوساً من دون أمل في الإفراج.
* متى أدركت أن نتيجة سباق خيل يمكن أن تتحوّل إلى حكم بالسجن على حياتك كلها؟
أدركتُ ذلك تدريجياً بعد الاعتقال المفاجئ، لكن الصدمة الكبرى كانت في الساعات الأولى في الزنزانة، كنت مذهولاً، لا أعرف التهمة، وسرعان ما فهمت أن تفوّقي على باسل هو السبب الحقيقي، تحولت رياضة كانت فرحاً إلى سجن مدى الحياة، لكنّي شكوت أمري إلى الله.
* بعد كل هذه السنين، كيف تنظر إلى باسل: خصماً رياضياً، جلاداً سياسياً غير مباشر، أم صفحة أُغلقت في ذاكرتك؟
لم يكن باسل الأسد في جوهره رياضياً بقدر ما كان جلاداً سياسياً. كانت رؤيته إلى الرياضة قائمة على الصراع والسيطرة وتحقيق الغلبة، لا على الروح الرياضية والشرف التنافسي. وكان دخوله المجال الرياضي بغرض ترويج نفسه عسكرياً وسياسياً، في إطار مشروع توريثه لحكم سورية الذي كان والده حافظ الأسد يعمل عليه، أكثر من كونه حبّاً صادقاً للفروسية أو الرياضة.
لم يكن باسل خصماً رياضياً قط، هو نسخة طبق الأصل عن والده حافظ في الظلم والإجرام. لمّا تفوقت عليه في المضمار، حاول إبعادي من طريقه، لكن قدر الله كان أقوى، رحل هو في حادث سير، وبقيت أنا الفارس الذهبي، و إذا سنحت الفرصة لمخاطبته، أقول لروح باسل “رب العالمين أخذ حقي منك”.
* ما الذي تتذكّره من الساعات الأولى في الزنزانة مقارنة بسنواتك الأخيرة في السجن؟
كانت الساعات الأولى صدمة كاملة: الظلام، البرد، عدم معرفة التهمة. في السنوات الأخيرة، اعتدتُ على الجرح الذي لا يندمل، خصوصاً بعد أربع سنوات ونصف سنة في زنزانة انفرادية مع تعذيب يومي يصل إلى أربع مرات في اليوم، شعرتُ أنني لن أخرج حياً، إذ مات كثيرون جرّاء التعذيب، لكنّي صبرت شاكياً أمري إلى الله.
* نقل عنك أنك تعذّبت بقسوة في ذكرى وفاة باسل، كيف أثّرت هذه الطقوس المتكرّرة على إحساسك بالزمن والعدالة؟
لم أتعذّب في ذكرى وفاة باسل فحسب، بل يومياً وبشكل متكرّر بمختلف الأشكال، والعدالة غائبة تماماً، التعذيب كان قوتي اليومي. توفي باسل بعد أن أودعني السجن بنحو سنة، وكنت أتلقى جرعاتٍ زائدة من التعذيب القاسي في هذه الذكرى، واعتدت العيش مع جرح لا يندمل، فلا يمكن اختصار 22 سنة بلحظة، وأثقل ما حملته: ألم الجسد وخيانة الأصدقاء.
* أفرج عنك يوم 14 يونيو/ حزيران 2014، في إطار تنفيذ مرسوم عفو أصدره بشار الأسد بعد أيام من إعادة انتخابه لولاية ثالثة. … عندما أُبلغت بالإفراج عنك، كيف كانت اللحظات الأولى خارج السجن؟
في البداية لم أصدّق، لكن عندما رأيت السجان ورأيت معه أوراقاً تحمل اسمي الثلاثي، أدركت أنّي حر. خرجتُ من سجن عدرا، ويصعب وصف الحالة في ذلك الوقت… مشيتُ في شوارع دمشق أنظر إلى السماء من دون حواجز، ذهبتُ إلى الأهل، التقيتُ أخواتي وزوجتي وابني وابنتي ووالدتي وعائلة قصّار وكل الأقارب والأصدقاء المخلصين في بيت العائلة.
* هل رجعت إلى الفروسيّة بعد الخروج؟ وكيف فوجئت بالتغييرات؟
رجعت إلى الخيل ورياضة الفروسية بشكل شخصي في الأندية الخاصة، لا رسمياً. فوجئت أن الوجوه تغيّرت تماماً بعد سقوط النظام الأسدي. كنت كابتن منتخب الفروسية ومدرّبه، وزاولت الفروسية أكثر من ربع قرن، وتفوقت في بطولات محلية ودولية عديدة، وحتى خلال سنوات سجني كنت أحاول المحافظة على لياقتي البدنية.
تحرّرت سورية البلد من النظام البائد، وتشكلت قيادة رياضية جديدة، لكني ما زلت مركونا في بيتي، لماذا لا يستفاد من خبرتي في رياضة الفروسية؟ هناك تهميش، ولا أدري الحقيقة.
* عندما وقفت في قصر المؤتمرات لتسليم خوذة “مسير التحرير” للرئيس السوري أحمد الشرع في عيد التحرير الأول 8 كانون الأول/ ديسمبر 2025، ماذا دار في ذهنك، وأنت ترى كل هذه الرمزية تتقاطع في لحظة واحدة؟
كانت الخوذة رمزاً لشهداء الثورة ككل منذ انطلاقتها وحتى إسقاط الأسد وتحرير سورية. كان حملها خياراً من الدولة بما هي رمز وطني. أما لحظة تقديم “خوذة الشهداء” إلى الرئيس أحمد الشرع، فكانت نقطة تحوّل استثنائية في حياتي، شعرتُ بفخر لا تصفه الكلمات، كان شرفاً عظيماً أن أقدّم رمزاً يجسد دماء شهداء الثورة السورية جميعاً لرئيس سورية الجديدة، رئيس خرج من رحم ثورة امتدت 14 عاماً من التضحيات.
كانت تلك الخوذة، في نظري، بوزن جبل، لأنها تحمل ذاكرة الشهداء وآلام المعتقلين وأحلام ملايين السوريين بالحرية والكرامة، وعندما وضعتها بين يدي الرئيس أحمد الشرع شعرتُ بأن جزءاً من تلك المعاناة الطويلة وجد أخيراً من يقدّر كلفتها ويصون معناها. وأن يُكرّمني فخامة الرئيس في عيد التحرير بقصر المؤتمرات بدمشق يعني لي الكثير بعد الظلم الذي لحق بي. وأعتز وأفتخر بهذا التكريم، فهو ليس لشخصي فقط، بل وسام لكل ضحايا النظام الأسدي. وحمل الخوذة وتقديمها للسيد الرئيس كان رمزاً للعدالة المنتظرة، وإعادة الاعتبار للرياضيين والسوريين الذين عُذّبوا بلا ذنب.
* ما رسالتك إلى جيل الشباب السوري اليوم؟
أقول للشباب إن السقوط بداية النجاح. حكايتي: رياضي عاقبته السلطة لكن الصبر والإيمان ينتصران، لا تخشوا الظلم، فالعدالة تأتي، كما جاءت لي بعد عقدين.
العربي الجديد



