سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

سيرة «دار نقش» ومنشوراتها: من الخدمات الطلابية في إدلب إلى كتب الجهاد والخواطر الأدبية/ حسام جزماتي

10-02-2026

        قالت وكالة الأنباء العراقية إن جهاز المخابرات الوطني تَدخَّلَ لدى السلطة السورية لمنع معرض الكتاب الدولي، الذي افتُتحَ مؤخراً في دمشق، من عرض وبيع كتاب «هل أتاك حديث الرافضة» المفرَّغ عن سلسلة صوتيات لأبي مصعب الزرقاوي، الأمير الشهير لتنظيم «القاعدة» في العراق وواضع اللّبنات الأولى لقيام «الدولة الإسلامية» هناك.

        كان يمكن للقصة أن تقف هنا لولا أن التحليل مُغرٍ بالنظر إلى ناشر الكتاب؛ دار «نقش» التي طبعت فضلاً عن كتاب الزرقاوي سلسلة من آثار أبي مصعب السوري، وكتاباً بعنوان «كشف الأستار عن ديانة الرافضة الأشرار» صدر في العام 2024 نفسه مع كتاب الزرقاوي، وكتباً أخرى كثيرة.

        ظهرت «نقش» في البداية باسم «مكتبة قرطبة» في سنة 2016 التي تلت تحرير مدينة إدلب وتأسيس جامعتها، بهدف تأمين الكتب العامة والمراجع الدراسية وتقديم الخدمات الطلابية. ولذلك تَمدَّدَ مَقرُّها الرئيسي في حيّ الضبيط الشهير إلى فرع ثان على طريق كلية الطب. ثم انتقل، في العام 2024، إلى صالة عتيقة كبيرة في الساحة التي أُطلق عليها اسم غزّة بعد «طوفان الأقصى». وبالنظر إلى التكلفة العالية لكل ذلك، لم تَبدُ على «نقش» معالم صعوبات مالية، مع تَحوُّلها من «مكتبة» إلى «دار» نشرت مئات الكتب على مدى السنوات الماضية، فضلاً عن حيازتها وكالة عدد هام من دور النشر ذات التوجه الإسلامي أو المحافظ، فأصبحت أهم ناشر وبائع كتب في «المناطق المحررة» قبل «التحرير».

        في حزيران (يونيو) عام 2023 حمل العدد السابع من الجريدة الرسمية، التي كانت تصدرها «حكومة الإنقاذ السورية»، الجوابَ أو جزءاً منه، حين أَشهَر تسجيلَ «مطبعة دار نقش» باسم مصعب أحمد بدوي؛ أصغر الإخوة الأربعة النافذين في «هيئة تحرير الشام» من بنّش، وهم الدكتور مَعد وحذيفة (أبو حفص) وقتيبة (المغيرة).

        كما أن المكتبة تولت طباعة كتابَي «مسائل مهمة في الإمامة حق الأمة» و«اللّطائف في مفهوم وأحكام الطوائف» منذ أن كانت باسم «قرطبة». وكان لقبُ مؤلفهما، عبد الرحيم عطون، هو أبو عبد الله الشامي، شرعيّ «جبهة النصرة» قبل أن نصل إلى «هيئة تحرير الشام».

        كما دَلَّت واقعة أخرى على أهمية الدار وموثوقيتها، فحين أراد أبو محمد الجولاني، المعروف الآن باسمه الحقيقي أحمد الشرع، مُجامَلة والده حسين بطباعة عدد من مخطوطات المؤلفات التي تراكمت لدى الأخير، في طبعات غير مُعلَنة وبأعداد محدودة لاستعماله الشخصي؛ تولَّت «نقش» هذه المهمة في الأعوام 2020-2023.

        وفي مَعارِضِ الكتب الثلاثة التي أقيمت في إدلب كانت أبرز الحاضرين، يتوافد إلى جناحها المسؤولون وكأنهم يؤدون طقساً ضرورياً. وفي كل عام كانت تطرح مجموعة من العناوين الجديدة، ممّا جعلها بوصلة مناسبة لقراءة «ثقافة المحرر». ففضلاً عن الكتب المطلوبة التي كانت تعيد طباعتها، وهنا تبرز أسماء أبي مصعب السوري وسيد قطب وإياد قنيبي؛ تَولَّت «نقش» طباعة عشرات الكتب لمؤلفين/ات ينشرون لأول مرة، سرعان ما تَشجَّعَ أكثرهم لإعادة التجربة فصار صاحب كتب عديدة قد يستضيفه المعرض لتوقيعها. وبالاطلاع على مؤلفات هؤلاء نستقرئ رافداً مركزياً يُسهم في تشكيل ثقافة البلاد بعد التحرير، إثر توجه هؤلاء إلى المؤسسات الثقافية والإعلامية.

        الطابع العام لهذه المؤلفات هو أنها منتجات هواة. وتتنوع بين كتب قليلة في العلوم الشرعية واللغوية، وكتب إسلامية حركية من «الساحة الشامية»، مثل «إليك أخي المجاهد» الذي حظي بتقديم مظهر الويس وزير العدل حالياً، وبعض الترجمات عن الإنكليزية. وتُلبي بعض الكتب حاجات مباشرة، مثل دليل التوعية بالاضطرابات النفسية الموضوع «للعاملين في تقديم خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي» أو كتاب المعين على ترك التدخين.

        فيما تكثر المحاولات الأدبية، المعزولة عن سياق الثقافة السورية العام. كالشعر العمودي غير الموهوب، والقصص التي تَتحوَّلُ إلى حكايا ميلودارمية من الواقع «على هامش مخيمات النزوح» أو «آلام وآمال ودموع»، كما جاء عنوان عن «مآسي السوريين في طريق هجرتهم إلى الغرب». وينزلق التأليف إلى خواطر. ففي كتاب «خيوط أمل»، الذي حقَّقَ طبعة ثانية، تقول المؤلفة «إن المرء في أيامنا لا يحتاج سوى كلمات دافئة تلتف حول قلبه لتقيه برد السوء»، فيما تُقدّم زميلة لها كتابها «طيب الأثر» بأن هدفها هو أن: «أستنهض فيه الهمة وأدعو للتفوق، وأطلق صافرة الانطلاق للقبض على تلك الأحلام السارحة، فيكفي تَهيُّب من صعود القمم». وتقول ثالثة عن كتابها «خربشات على جدار الصمت» إنه يحوي «كلمات خُطّت في زمن الأسى والأمل». وتعبّر رابعةٌ «كن وطناً». وتحقق خامسةٌ طبعتين من كتاب «ثنائية الحب» بين «الحب المسموم والحب اللطيف». ويتساءل صاحب رواية «يا قدري»: «هل من الممكن للحب أن يدفع شخصاً ما إلى القتل؟ وإن كان ذلك ممكناً، من تكون الضحية؟». أما مؤلف «الياسمين المُعذَّب» فيقول إنه وضعه كي يشكو لنا «حالي وغربتي». فيما يأتي كتاب «الياسمين القرمزي» بعنوان فرعي: «منحوتات على جدران الكرامة» كي «يأخذك في رحلة عبر نفق ترى فيه أحداث الثورة السورية رؤية متعددة الأبعاد». في حين تُستلهَم الصور والخواطر من «بين طيات العمر» كما عبّرت كاتبة، أو «صدى الحياة» كما عنونَ آخر. فيما يتساءل آخر «أين أمتي؟» بإشارة استفهام متضخمة على الغلاف.

        بعد سقوط النظام انشغلت «نقش» بنشر كتب الظفر، مثل «على ضفاف النصر» و«ملحمة الحرية: أربعة عشر خريفاً نحو الربيع»، والشهادات عن «ردع العدوان: تاريخ من أرض الميدان» الذي يذكر فيه الكاتب «ما شاهدت عيناه في أرض المعركة»، و«المعركة من الألف إلى الياء» لقائد «كتيبة أنصار المهاجرين»، والسؤال الصعب عن «التدرج وجدلية الشريعة بعد سقوط النظام البائد».

        وفي جناحها في معرض الكتاب تستضيفُ «نقش» بعض هؤلاء المُؤلِّفين للتوقيع، لكن من دون معالم التمييز التي كانت تحصل عليها في إدلب حيث بقيت ولم تنتقل مع القادمين إلى دمشق، ومنهم مالكها مصعب بدوي الذي ترأس «هيئة التخطيط والتعاون الدولي» تاركاً للمدير المخلص للدار، مصطفى جمعة، رئاسة فرع اتحاد الناشرين السوريين في إدلب.

        يبدو أنها لم تمر عبر مصفاة العبور إلى العاصمة، وظلت مع الـ«Grassroots» في الماضي.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى