عن طبقات رجال بني أميّة الجدد!/ عمّار المأمون

26.02.2026
هم ذوو العضلات المفتولة وتمارين البار المستقيم، حيث تستعرض القدرة على رفع الجسد بيد واحدة وغيرها من الحركات الأكروباتية أما الكاميرا، فالدولة الجديدة بحاجة الى لياقة عالية، فاخشوشن الرجال، وأضحوا جاهزين للحركة والنفير والفزعة دوماً، لا يقاس ولاءهم بالمسافة التي يقطعونها بل بسرعة الاستجابة للنداء، أي نداء كان!
تتكشف في سوريا علناً مظاهر “رجولة” جديدة ترافقت مع سقوط نظام الأسد، وانهيار صورة الطاغية، الذي تحول إلى مهرّج يرتدي الكيلوت، ونقصد الأسد الأب والابن على حد سواء، “الرجولة البعثية” انهارت بجيشها وأمنها ولهجتها، لتولد مع هذا الانهيار، رجولة جديدة يمثلها “الثوار/ المجاهدون” القادمون من الشمال، رجال تيمّنوا بشخص أحمد الشرع، صاحب البذلة الرسمية والبارفان الذي أهداه إياه دونالد ترامب.
هذه الرجولة الأموية، لا تمتلك شكلاً أو صورةً واحدة، هي نتاج تقمص صورة الشرع من جهة، وتاريخ الميليشيات الإسلامية من جهة أخرى، إلى جانب التركيز على القوّة الجسدية، وخبث ونفاق يتخفّيان وراء البلاغة اللغوية وعناصر الدعوة وإصلاح المجتمع، وأحياناً، الشعر وتنويعات إدغام الأحرف.
نحن أمام طبقات من رجال الأمويين الجدد، الذين للمفارقة، بعضهم ليسوا موظفين في الدولة، بل تبنوا “الولاء والبراء” مجاناً من دون أجر، هم مستهلكو علامات السلطة، تلك التي يعني تبنيها دخول نادي الرجال الجديد، رجال بعضهم بايع، وبعضهم قرر التماهي مع “الشكل” الجديد، في حرب معلنة ضد “النعانيع” و”الكيوت” .
رجال “الدولة”
رجال الدولة الأمويّة، على رغم انتشارهم في “كلّ مكان”، وتمثيلهم الصفّ الأول في الحكومة، هم الأشد غموضاً، لهم أسماء متعددة، وهويات مختلفة، ومناصب لا تحصى، كأحمد الشرع نفسه، تتراوح صفاتهم بين “الفخامة” و”المعالي”، بعدما غدت “سيادته” التي عمَّت أزلام “البائد” غير لائقة بالمحررين.
من الصعب رؤية معاليه أو فخامته بعيداً عن الشاشات ببزته الرسمية، المقتضى البروتوكولي الذي لا يمكن تفاديه، لكن العلامة الفارقة الدالة على عبوره بين الرعيّة هي الموكب الطويل من سيارات الدفع الرباعي السوداء حصراً، فنرى مرافق رئيس هيئة الطيران المدني يمتدح دماثة مديره وتواضعه لأنه :”لا يحب قصص القفز من فوق الناس” عندما رآه أحد المارة يقف في طابور الازدحام بسيارتي كاديلاك إسكاليد موديل 2025 وسيارة رانج روفر فقط.
وفيما كان السوريون لا يلقون بالاً لمن يشغل مناصب مدنية مثل محافظ دمشق أو وزير الأوقاف، وبالكاد يستطيعون التعرف على وجوههم، بات الجميع قادراً على التعرف على مواكبهم، لا يهم عدد الشوارع التي ستُغلق بمرور المواكب أو حتى آثار عبورها في شوارع لم تُعبّد منذ عقود على إطاراتها. المهم تحصين رجال الدولة بالكاديلاك والشيفروليه من “أعداء الدولة”.
رجال الدولة، يتجاوزون المؤسسة، والقانون، والإعلان الدستوري، والشؤون الإدارية التي تعرقل الاستثمار، صلاحياتهم متداخلة علناً، لكنها مضبوطة سراً، فللغنيمة شروط وحصص، يضبطها “السلم الأهلي” و”إعادة الإعمار”، وصور الذكاء الاصطناعي التي تنشرها الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية.
رجال البزّة السوداء والعُقاب
بعد سقوط النظام، ظهرت فئة جديدة، ينطبق على أزيائها ما وُصف به جهاديو إدلب حين وصلوا العاصمة، رجال خلعوا ثياب القتال وارتدوا البذلات الرسمية، العبارة التي قيلت حرفياً لرجال أحمد الشرع المجهولين، المسؤولين عن “التسويات” مع رجال نظام الأسد.
وهنا بالضبط أول معالم الرجولة الأموية على المستوى الشعبي، الطقم الرسمي، العلامة الأشهر على الانتماء إلى نادي الرجال، يونيفورم موحد، يرتديه كل من يرى في نفسه جزءاً من “الدولة الجديدة”.
خطورة الطقم الرسمي، أنه يجعل الواحد جزءاً من كلٍّ متجانس، لا اختلافات فردية إلا في بعض التفاصيل، هو زيّ القتال الحديث دفاعاً عن “الدولة” باللسان والبوستات والصور، البذلة هنا ليست جزءاً من “زيّ رسمي” بل علامة انتماء وسطوة، لون واحد وحواف حادة، وضبط للبدن والكسم، هي زيّ العمل خارج الخنادق وبعيداً عن البراميل، زيّ يلغي الانتماء الطبقي والمناطقي، فـ”الكلّ” في خدمة الدولة الناشئة، بل ويدافع عنها وعن قراراتها، وهذا ما نلحظه في الاحتفالات والاجتماعات، حيث عشرات المسيرين والمسهلين، و”الحويصة” والمستشارين.
رجال بني أمية يرتدون البزة الرسمية من دون أن يكون هناك أي سبب رسمي أو بروتوكولي أحياناً، وكأن سقوط الأسد، والفراغ في مقاييس الرجولة، الذي تركه انهيار مؤسسات الرجولة التقليدية (الجيش، الأمن..) لابد لهما من بديل رسمي، خال من الأيديولوجيا، وهذه هي صفات البذلة الأهم، لا تكشف عن صاحبها شيئاً، سوى أنه من “الرجال”، إذ لا مكان للكويرية في سوريا الجديدة.
لكن، ترسانة رجال بني أمية، أكبر من بذلة وشاربين محفوفين، هناك تشات جي بي تي، والشهادات المزيفة وشبه المزيفة، وأرشيف لا نهائي من انتهاكات الأسد التي ترمى بوجه أي منتقد، لكن الأهم ، هو “عقاب البين” على صدورهم، علامة الاصطفاف وراء الدولة، وأمامها، وتحتها، العقاب هنا، كيتش، رمز للسلطة لا معنى له دستورياً وقانونياً، ولا يهم إن احتفظ بنجماته الثلاث فوق رأسه أم لا، ما يهم هو لمعته الذهبيّة، أشبه بمكافأة رمزية على الخضوع الطوعي.
أصحاب البزّات الرسمية في الصفوف الأولى من أي احتفال أو تجمع، يعملون للدولة، بأرقامهم التركية والسورية، لا ينتقدون إلا بحذر ولا يخرجون عن عباءة أحمد الشرع، يتأففون سراً من “تقصير” الدولة، انتقاداتهم رقيقة ومدروسة، فالدولة الوليدة كالطفل الرضيع، لكن عين ثاقبة فقط تقدر على تمييز نوع البذلة وثمنها، أما سؤال أين كنت من 14 عاماً، فجوابه سهل، أنا من رجال الثورة!
لكن، البزة تحوي فخاً يقع به من تبناها، إذ فضح ذوق البعض عبر أزرار البزّة، تلك التي لضمها وتركها إيقاع وحركات لا بدّ من إتقانها، وهنا خطورة البزّة الرسمية، خطأ واحد في الشكل والحركة ينقل من يرتديها من خانة الحاد المتسق إلى المزعبراتيّ الذي لم يتقن الدور الجديد بعد!
رجال اللياقة المفرطة
شهد معرض دمشق للكتاب، عرض رياضات قتالية متنوعة، هذه الرياضات بأنواعها المختلفة، لا تقتصر على مساحة استهلاك الكتب، هناك عوالم أخرى يظهر فيها هؤلاء الرجال الأمويون، ذوو العضلات المفتولة وتمارين البار المستقيم، حيث تستعرض القدرة على رفع الجسد بيد واحدة وغيرها من الحركات الأكروباتية المشابهة للاعبي السيرك لا الجمباز، فالدولة الجديدة ربما بحاجة الى لياقة عالية، فاخشوشن الرجال، ومرّنوا سواعدهم أمام الكاميرات.
فيديوهات غريبة تمر على وسائل التواصل الاجتماعي لهؤلاء، كمدرب يضرب طفلاً على خصيته تحت وصف “أحفاد الإسلام قادمون”، وآخر يدرب مجموعة أطفال على رياضات القتال باليد والاشتباك، وآخرون يلقون خطباً عن الإسلام وضرورة الدفاع عن الوطن، بالعصيّ والحركات البهلوانية، والمشترك غالباً بين جميع هذه الفيديوهات أنشودة “وعادت أمية بفرسانها” تصدح في الخلفية.
هذه الفئة من الرياضيين الأشداء لا تتصدر الشاشات والمشهد الإعلامي، هؤلاء، يراهنون على الأداء الجسدي أمام شاشات الهاتف، مع مزيج من القيم الإسلامية والتمارين الرياضيّة، أما الأزياء، فبسيطة، ثياب رياضية، وبعض الأكسسوارات المتوافرة حتى على وسائل التواصل الاجتماعي، راية العقاب وشعار “لا إله إلا الله” مطبوعان على “كلّ شيء”.
يندرج تحت هؤلاء محبي المخاطر على الدراجات النارية، أولئك الذين يحرقون مطاط الدواليب على إسفلت الطرق السريعة السورية، حاملين رايات الإسلام، بعضهم مسلح وبعضهم الآخر غير مسلح، ملثمون في بعض التسجيلات وغير ملثمين في أخرى، لا هويات واضحة لهم ولا لحساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن ما يجمعهم، هو حب المخاطرة الجسدية، واختبار حدود السرعة، هم جاهزون للحركة والنفير والفزعة دوماً، لا يقاس ولاءهم بالمسافة التي يقطعونها بل بسرعة الاستجابة للنداء، أي نداء كان!
رجال “الرعيل الأول”
ينتمي رجال الرعيل الأول إلى زمن خارج زماننا هذا، يتغنون بسني الإسلام الأولى ونصوصه عبر هواتف الآي فون والسامسونغ، هم لا ينتمون الى هذا العصر، يتبنون سذاجة من نوع ما، لبث الحِكَم والتحريض أحياناً، لا يرتدون الأزياء السلفية التقليدية القادمة من التراث الأفغاني، بل تضاف إليها تعديلات جديدة، أو تنويعات على زي الأمن العام الذي يباع ببساطة في المدن السوريّة.
هؤلاء منتشرون في الشوارع وعلى الشاشات، والأهم المساجد، التي تحولت (خصوصاً المسجد الأموي في دمشق)، إلى فضاءات يزورها الوزراء لمخاطبة “الرعية”، وتقام فيها ألعاب رياضية، هؤلاء أصحاب “الدعوى” أيضاً ليسوا موظفين، ناشطون سلفيون، فُصحاء، يتسوكون ويتعطرون، ويتسكعون حول مقامات بني أمية، أحدهم يشتكي من الوحدة لأن مهر الزوجة غال، والعائلات لا تزوج لأصحاب الدين بل لأصحاب المال.
رجال هذا الرعيل نراهم أحياناً يوزعون كتب أان تيمية، أو يدعو أحدهم المسيحيين الخارجين من إحدى الكنائس إلى دين الله، هم ينعمون بـ”الحرية” الجديدة التي جاءت مع سقوط نظام الأسد، يمشون في الأرض السورية خفافاً، يفترشون ساحات المساجد والحدائق وأحياناً ساحة الأمويين، هم يمارسون حريتهم لأقصاها، لكن بعضهم رقيب على حريات الآخرين، وهذه مساحة تفاوض استغلوها فلا قانون يجرّمهم، بل خوف الآخرين من المواجهة.
القرين الساخر
جهاديون، ميليشياويون، متواطئون، ورجال منظمات، كلها معالم جديدة لرجولة ما زالت تتلمس طريقها لترسيخ الأعراف الجديدة، خصوصاً أمام فحش انهيار رموز “الثورة السوريّة”، وظهور طبقة جديدة من المطبلين والمدافعين عن القائد والقيادة.
اللافت أيضاً، أنه بينما تتكون معالم رجولة جديدة، قوامها البذلة والبلاغة والعقاب، نشهد تشويهاً وتحطيماً للرموز السابقة، عبد الباسط الساروت نفسه، تحول إلى نكتة في الشارع، أحد مقلّديه لطالما ردد بعد سقوط النظام الموال الشهير “يا يمّا توب جديد…”، لاحقاً، تحول الأمر إلى نكتة، أساسها الموال ذاته، بوصفه يردَّد أمام أي عقبة قد يواجهها أحدهم.
هناك الجوكر السوري، الذي يقول إنه معتقل سابق، و”مليون شخصية وهمية”، وتحول الآن إلى نموذج “النرجسية السورية” وأضحى واحداً من مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، هؤلاء، نسخ عن رموز ماضي الثورة وضحاياها، تحولوا إلى نسخ ساخرة تهيم في الشوارع.
بصورة ما، الرجولة الجديدة، اغتالت كل الرموز السابقة بفحش يهدد رمزيتها سواء كنا نتحدث عن ضحايا أو مقاتلين، لا مكان لرموز الماضي ورجاله، أحمد الشرع نفسه، نفض الزيّ الميليشياويّ، وأصبح رجل دولة، يوبّخ الرجال العالقين في الميليشياوية، فما حصل ماضياً ينتمي الى الماضي وطيش الشباب حسب تعبيره.
درج



