برهان غليون.. إعادة تعريف المثقف العضوي في السياق السوري

ترحمة ربى خدام الجامع
لعل أحد أسباب الخروج بنتائج مخيبة للأمال من ثورات الربيع العربي التي انطلقت بين عامي 2010-2011 هو عدم وجود خطاب عضوي بين المثقفين والناس، إذ من دون قائد وأيديولوجيا يعملان على توحيد الجموع، صار بوسع الثورات حشد أعداد غفيرة من البشر، إلا أنها لم تحول تلك الطاقات إلى نتائج سياسية ملموسة. ولهذا تتطرق هذه المقالة إلى تلك الجدلية عبر البحث في فكرة غرامشي عن المثقف العضوي بهدف دراسة حالة النشاط الثوري التي تمثلها برهان غليون خلال الانتفاضة السورية، وهو أستاذ جامعي ومثقف معروف متخصص في علم الاجتماع بجامعة السوربون، وقد أصبح أول رئيس للمجلس الوطني الانتقالي لدى المعارضة السورية خلال الفترة ما بين عامي 2011-2012. ونقدم في هذه المقالة نقاشاً على مستويين، إذ نبدأ بتطبيق نهج غرامشي على الانتفاضة السورية بما يؤكد مدى صعوبة العثور على مثقفين عضويين في تلك المرحلة، فقد اعترف الناشطون والمحللون على حد سواء بالحاجة الماسة لدى مثقفي الشعب للخوض في العمل الثوري بصورة أوضح. غير أن ما حدث هو العكس، إذ من خلال دراسة الانتفاضة السورية يتبين لنا بأننا قد لا نفكر كثيراً بالفكرة الأصلية التي قدمها غرامشي بصيغة المفرد، بل بصيغة الجمع. إذ بخلاف الشخصية الأيديولوجية الطليعية التي تتصدر الجموع، يستنطق تحليل برهان غليون للنشاط الثوري فكرة وجود زمرة من المثقفين العضويين في الانتفاضة السورية ودورهم.
“إلى أن يصبح الفلاسفة ملوكاً..”
أفلاطون، من كتاب الجمهورية الصادر في القرن الرابع قبل الميلاد
” لم يبق من جيلنا غير كلمات، ومعارضتنا ارتدت إلى معارضة أشباح، أرواح منفصلة عن أجسادها، لا يكاد يكون لها وزن حيال نظام هو جسد كثير العضلات، وكثير الألسنة أيضا، لا يكف عن الكلام”.
ياسين الحاج صالح من مقالته في الشبيحة والتشبيح ودولتهما المنشورة في 3 آذار 2014.
في المراجعات الأولى للانتفاضات العربية التي قامت خلال الفترة 2010-2011 والتي ظهرت قبيل الذكرى السنوية العاشرة لقيام تلك الثورات، كثرت التوصيفات التي تتحدث عن نتائج مخيبة للآمال تمخضت عن تلك الثورات، فقد تكررت كلمات مثل “سقوط” وإخفاقات” بالنسبة لهذا الربيع، هذا إن لم تصف تحوله إلى شتاء مترع “بأعراض مرضية” و”انتكاسات” وذلك سعياً لفهم أسباب فشل ذلك الهجوم القوي ضد الأنظمة الاستبدادية المتجذرة إلى هذا الحد. ومن الأسباب الكثيرة التي طرحت: غياب المثقفين والمثقفات الرواد أو المنظمات الرائدة خلال مرحلة الثورات، إذ من دون قائد وأيديولوجيا يعملان على توحيد الجموع، أصبح بوسع الثورات حشد أعداد غفيرة من البشر، إلا أنها لم تتمكن من تحويل تلك الطاقات إلى نتائج سياسية ملموسة.
تخوض هذه المقالة في خضم ذلك النقاش عبر البحث في فكرة أنطونيو غرامشي المتعلقة بالمثقف العضوي، وحتى تتمكن من ذلك، بحثت في الحالة الاستثنائية المحيرة التي أبداها المفكر غليون الذي سعى لتقديم خطاب عضوي، لكنه فشل في تلك العملية بنهاية المطاف. فبرهان غليون (المولود في عام 1945)، هو مثقف جماهيري سوري ذائع الصيت وأستاذ جامعي متخصص بعلم الاجتماع في جامعة السوربون بباريس، وقد أصبح أول رئيس للمجلس الوطني الانتقالي للمعارضة السورية خلال المرحلة الأولى من الانتفاضة. وعند التركيز على مشاركة المثقف الجماهري في إحدى المؤسسات الثورية الرائدة التي تأسست على أمل إسقاط نظام بشار الأسد، تصبح حالة غليون مفيدة على نحو خاص بالنسبة لدراسة الارتباط العضوي عند تحليل الأمور بدقة، كما يساعدنا ذلك على طرح أسئلة مثل: ما طبيعة النشاط الثقافي العضوي خلال مرحلة الثورة؟ وما مدى تأثير هذا المجهود الفكري؟
في هذه المقالة تناقش الحجة المطروحة على مستويين، إذ يؤكد نهج غرامشي عند تطبيقه على الانتفاضة السورية صعوبة العثور على مثقفين عضويين في تلك الانتفاضة، ولهذا اعترف النشطاء والمحللون على حد سواء بوجود حاجة ماسة لمشاركة المثقفين الجماهيريين بشكل أكثر مرئية في العملية الثورية. وبالمقابل، علمتنا دراسة الانتفاضة السورية بأننا قد لا نفكر كثيراً بصيغة المفرد عند الحديث عن المفهوم الأصلي الذي طرحه غرامشي، بل نتطرق لذلك بصيغة الجمع، إذ بخلاف الشخصية الأيديولوجية الطليعية التي تقود الجموع، يبحث التحليل المعني بدراسة نشاط برهان غليون في مسألة وجود ثلة من المثقفين العضويين ودورهم في الانتفاضة السورية.
وبعد مراجعة بسيطة للطرائق والأدبيات التي كتبت حول ذلك، خرجت هذه المقالة بتلك الحجة عبر البحث أولاً في المسار الفكري الذي انتهجه غليون، ثم في موضوعات متنوعة قدمها غرامشي، والمقصود بذلك تقسيم الفكرة الأصلية للثقف العضوي إلى مفرد وجمع، وطبيعة النشاط الثقافي الثوري، والتنظيم السياسي، والوعي الوطني الشعبي، وقبل كل ذلك، لابد أن نقدم معلومات عن المصادر.
حول المصادر والطرائق: هل ثمة منعطف في التطرق لهذه السيرة الذاتية؟
اعتمدت هذه المقالة على مقابلتين مفتوحتي النهايات أجريتا مع برهان غليون، وتم التطرق خلالهما للحديث عن بعض كتبه ذات الصلة، والمراجع التي استمد منها أفكاره، وما قدمه عبر وسائل الإعلام وما ذكرته عنه الكتب والمقالات. أجريت المقابلة الأولى معه عبر الإنترنت في نيسان من عام 2022، فيما أجريت الثانية بشكل وجاهي بعد ذلك بخمسة أشهر. وبخلاف التحقيقات المعدة سلفاً أو الأعمال الأرشيفية، سمحت لنا هاتان المقابلتان المعمقتين حول “تاريخ حياة” هذا الشخص بتناول موضوعات مهمة بالنسبة للمشاركين مع فهم التجارب ضمن سياقها. وبناء على ذلك، فإن هذا المقال يتبع التوجهات الجديدة في تاريخ الفكر العربي والتي تطالب بدراسة الأيديولوجيا في منطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا من خلال عدسة الأنثروبولوجيا السياسية، أي عبر التركيز بنسبة أقل على المفكرين العظام، وبنسبة أكبر على الأفكار السياسية التي اختبرها جميع الناس في حياتهم اليومية. وعبر البحث في تجربة الحياة الواقعية التي خاضها غليون، وكيف ربط ذلك بنظرية غرامشي، نستعرض كيف يناقش المثقفون الأفكار السياسية في خضم حالة التعبئة الثورية.
وإننا ندرك من خلال المقابلات المعمقة حول الحياة الشخصية كيف يمكن لدراسات الحالات الموسعة أن تثري فهمنا للنظريات التي تعنى بالمستوى الوسيط بين الدقيق والموسع، وذلك عبر إظهار كيف تفهم جماعة معينة العالم من منظورها، وكيف تراكم دراسات الحالة معارف ظرفية تصف السيرورة الاجتماعية. وتظهر فائدة تلك التحليلات المفصلة والدقيقة بشكل خاص في الكشف عن السيرورات الاجتماعية المعقدة والتناقضات الداخلية التي تختزلها التحليلات التي تجرى على نطاق واسع، ولهذا فإن الاستعانة بالمقابلات تقدم الفائدة نفسها بشكل أو بآخر، لأن محاولة فهم كيف ينظر شخص معين للعالم تسهم في ردم أي فجوة تظهر في التحليلات الأوسع التي تعنى بدراسة السيرورات الاجتماعية.
أنجزت هاتان المقابلتان اللتان قامت عليهما هذه المقالة بعد مرور عقد على الأحداث التي شكلت فكرتنا الأولية للحوار، والتي تتمحور حول تجربة غليون كرئيس للمجلس الوطني، إلا أن جزءاً من عملية التحديد هذه شكل “منعطفاً في السيرة الشخصية” بالمعنى المطروح في علم الاجتماع السياسي، ويقصد بذلك التحولات الهامة في مسيرة حياة الفرد، سواء على المستوى الشخصي (كوجود حالة وفاة أو خوض تجربة الزواج) أو على المستوى الجمعي (كالمشاركة في نشاط تحفه مخاطر شديدة، أو الخروج للتظاهر)، وما يصاحب ذلك من صدمات تؤثر على التنشئة الاجتماعية للفرد ضمن أي حركة اجتماعية. ولهذا تمثل تلك الأمور مراحل انتقالية في “مسيرة الناشط”. وبالنسبة لغليون، فقد شابت فترة توليه لرئاسة المجلس الوطني حالات تواصل وانقطاع على حد سواء. إذ خلال “مسيرته” الطويلة في معارضة النظام السوري، لم ينضم غليون لأي حزب سياسي، بل انضم لعدة تنظيمات معارضة وجلسات حوارية عامة. ولم نتأكد إن كانت هذه التجربة قد شكلته بطريقة مختلفة اجتماعياً خلال العقد اللاحق، وذلك لأنه واصل عمله الأكاديمي. غير أن المسؤوليات الجسيمة المرتبطة بتلك التجربة التي امتدت لعام واحد، واستقطبت انتباه العالم كله جعلت من رئاسته للمجلس الوطني حدثاً مفصلياً في حياته، والمقابلتان اللتان ركزتا على رئاسته بوصفها حدثاً مفرداً بلغت من الأهمية ما يكفي لفتح نقاش حول دور المثقفين الجماهيريين في الثورات، وذلك من دون العودة للخوض في مسار غليون الفكري بشكل كامل.
وإننا لا ننظر لهاتين المقابلتين بوصفهما مصدراً لجمع البيانات أو للتحقق المزدوج، بما أن تلك الأمور تستخدم عادة في العلوم السياسية، بل إننا اعتمدنا عليهما بوصفهما تمثلان حالتين من حالات “التفاعل الاجتماعي” التي يجب أن تخضع للتحليل لكونها كذلك، إذ لم نطلب من غليون أن يسرد لنا تجاربه وفقاً لتسلسلها تاريخياً (على الرغم من أن تلك النواحي السردية قد ظهرت في الحوار فعلاً)، وذلك حتى نقوم في مرحلة لاحقة بمقارنة ما سرده بمجموعة من التأويلات البحثية الخاصة بالمثقف العضوي، بل إننا بدلاً من أن نفرض عملنا الإطاري النظري، سبرنا خلال المقابلتين أغوار غليون بشكل صريح فيما يخص فكرة غرامشي، وطلبنا منه أن يحلل تلك الفكرة أثناء استرجاعه لتجاربه الشخصية.
والتحليل الذي خرجنا به من خلال هذا التفاعل الذي تكرر مرة أخرى اتخذ وجهتين متعاكستين تماماً، على الرغم من أن إحداهما تكمل الأخرى، فمن جهة أولى، استعنا بغرامشي ليمثل العدسة التي يتم من خلالها تحليل السياسة السورية، بما أنه من الرائج نسبياً الاستعانة بالنظرية لتحليل ظاهرة اجتماعية، ومن خلال تلك الحالة بالتحديد، استفدنا من فكرة المثقف العضوي في طرح أسئلة حول المفكرين العرب وكيف أصبحت الثورة جزءاً من حياتهم، فهذه الفكرة زودتنا بفرضيات وأفكار شاملة ساعدتنا على البحث في هذه الحالة على وجه الخصوص، ونعني بذلك أنها أكدت أهمية البحث عن الارتباط العضوي بين المثقفين والحركة الثورية بصرف النظر عن عامل الزمن، إذ تنبع تلك الرغبة أو الحاجة لوجود ارتباط عضوي بشكل واضح من خلال فهمنا المشترك لأهمية طرح ومناقشة تلك الفكرة التي تتساءل عن وجوب أو عدم وجوب خوض الأستاذ الجامعي في سياسة الثورة، وكيف بوسعه فعل ذلك.
ومن جهة أخرى، استعنا بسوريا بوصفها العدسة المعتمدة لتحليل غرامشي، وبحثنا في تلك الفكرة في ضوء الاستخدامات المعاصرة لها، وهنا ندين بالفضل للأفكار المتعارف عليها حول عملية “الاقتراض الإبداعي” والتي تحدث بشكل حتمي عند تناقل النظريات. فعندما انتقى غليون تلك العناصر من فكرة غرامشي والتي ساعدته في التفكير بأمر سوريا، أخبرنا بأمور تتصل بالطريقة التي يمكن أن نفسر بها تلك الفكرة من منظور سوري. وبطريقة ما، تحول الكاتب السوري ياسين الحاج صالح إلى شخصية ملهمة بالنسبة لنا، بعد أن اقترح فكرة البحث في عالم “مسورن” بما يخالف التصنيفات المعهودة لفكرة المركز والأطراف في بناء النظريات، فهذه التوصية بدراسة عمليات الانتقال من الأطراف إلى المركز أصبحت أشد وضوحاً في الفكر السياسي المقارن، إذ خلال تحليل الطريقة التي تنتقل من خلالها النظرية إلى الأطراف يمكن إعادة بناء ما يبدو في كثير من الأحيان بأنه نظريات مجردة وشاملة، لأن دراسة عمليات الانتقال من الأطراف إلى المركز تسهم في الكشف عن السرديات والآراء المهمشة التي قد لا تكون طرفية أو هامشية دوماً، وهذا ما اكتشفنا أهميته بالنسبة للحالة السورية على وجه الخصوص، لأن هذا السياق المحلي يساعدنا على التفكير بالدور الفردي والجمعي في فهم نظرية غرامشي حول نشاط المثقف العضوي، وهذه الفكرة قد تتجاوز نطاق الشرق الأوسط كله.
قد تمثل هذه القراءة قراءة تقليدية لغرامشي، لكنها تقدم منظوراً جديداً حول طريقة قراءة النظرية ضمن سياق مختلف، وكما سنكشف لاحقاً في هذه المقالة، فقد ذكر غليون بأنه اعتبر ذلك التقسيم بين الفردي والجمعي بمثابة عنصر جوهري لأي تعريف يتصل بالمثقف العضوي، أي أن فهمه للفكرة يختلف مثلاً عن فهم باتريسيا ماندوتشي مثلاً، والتي تؤكد على أهمية وجود مشروع سياسي يحمله المثقف حتى يصبح مثقفاً “عضوياً”.
مقاربات نظرية: المثقف العضوي في العالم العربي
بقيت أعمال أنطونيو غرامشي مهمشة في بحوث المفكرين العرب، كونهم تأثروا بمجالين أكاديميين اثنين في هذا المضمار، إذ خلال فترة من الفترات، كانت نظرية بيير بورديو حول السلطة الرمزية والتمييز الاجتماعي أبرز مرجعين للدراسات في المجالات الفكرية والثقافية، وقد ظهر الاهتمام بأعماله من جديد في دراسات تناولت الروائيين المصريين والمفكرين الجزائريين والأدب اللبناني والمجال الفكري. ومنذ فترة قريبة، سعى الباحثون في ميدان الفكر السياسي المعاصر للبحث من جديد في تاريخ اليسار بالعالم العربي، وقد جمع نهجهم هذا ما بين تاريخ الفكر والدراسات ما بعد الكولونيالية (أي بعد مرحلة الاستعمار) والتحليل لمسار الجهات الفاعلة من منظور علم الاجتماع. وفي خضم بحثهم حول طريقة تناول المفكرين للمقاومة المناهضة للاستعمار والاستبداد، خاض هؤلاء الكتاب في إرث غرامشي وأفكاره ونظرياته بالنسبة لهذه المنطقة، أما أعمالهم فقد رسمت معالمها الحدود التاريخانية “الطبيعية” للربيع العربي.
عاود هذان المجالان الأكاديميان اللذان خلفا أثراً كبيراً على هذا المضمار الظهور من جديد في قراءات جديدة لغرامشي حول انتفاضات عام 2011، إلا أن استخدام مصطلح المثقف العضوي لتحليل تلك العمليات بقي مهمشاً، ولعل الفرضية التي تشاركها المفكرون العرب أنفسهم خلال بعض الفترات ترى بأنه لم يرافق المثقفون العضويون الانتفاضات التي منعت قيام تلك الاجتهادات النظرية، إذ بالفعل، أكد آصف بيات (2017) على وجود “غياب صارخ لأي قيادة محفزة ولأي مفاهيم فكرية” في الانتفاضات، وفي موضع آخر، يرى جون تشالكرافت بأن “ظهور المشكلات في التوجيه العضوي للتعبئة الثورية” يعود أحد أسبابها لنتائج الثورة المخيبة للآمال. وعلى النقيض من ذلك، يؤكد جيلبيرت أشقر أن الامتدادات اللاحقة للحركات ترجع لعدم وجود “أمير معاصر”، أي قيادة واضحة قادرة على تنظيم الثورات العفوية. ورداً على أحداث وقعت منذ فترة قريبة، ذكر أشقر بأن الثورة السودانية 2018-2019 تفادت بعض أخطاء الربيع العربي، تجلى أبرزها بتأسيس “قيادة سياسية استثنائية”. وهنا تبدو القيادة والأيديولوجيا ضروريتين بشكل لافت حتى تحقق الثورة نتائج إيجابية، وهذا ما خلص إليه غرامشي.
لم يتطرق مؤلف دفاتر السجن إلى تعريف المثقف العضوي بشكل دقيق، ولكن في الفصل الذي يحمل عنوان: “صياغة المفكرين” درس دور المفكر، وكتب بأن لكل طبقة مفكريها المرتبطين بها عضوياً عبر علاقة وظيفية، وبحسب غرامشي، فإن هنالك فئات كثيرة للمثقفين العضويين كما هي حال الطبقات الاجتماعية، إذ يرى أن:
“كل مجموعة اجتماعية تنشأ في التربة الأصلية لوظيفة أساسية في عالم الإنتاج الاقتصادي، تخلق مع بعضها وبنفسها وبشكل عضوي، طبقة أو أكثر من المثقفين الذين يمنحونها حالة من التجانس والوعي بوظيفتها ليس فقط في مجال الاقتصاد، بل أيضاً في المجال الاجتماعي والسياسي”.
إذ على سبيل المثال، هنالك “رائد الأعمال الرأسمالي” الذي “يخلق إلى جانبه شخصية الفني التقني في المجال الصناعي” المرتبط عضوياً بالطبقة البرجوازية، وتؤكد هذه القراءة للمثقف العضوي على الوظيفة الاجتماعية للمثقفين وضرورة انخراطهم ضمن مجموعة اجتماعية، وقد توسع غرامشي في شرح حالة العضوية مع تطور العلاقة الوظيفية حينما كتب:
“نلاحظ بأن المثقفين “العضويين” الذين تخلقهم كل طبقة جديدة إلى جانبها لتوسع من مجال تطورها، معظمهم من أصحاب “التخصصات” في نواح جزئية من النشاط البدائي للنمط الاجتماعي الجديد الذي أبرزته تلك الطبقة”.
يتطرق غرامشي لوصف هذه الوظيفة في بضعة مقاطع، إذ في بداية الفصل، وصف المثقفين بأنهم يمنحون “حالة تجانس ووعي بوظيفة الطبقة نفسها [سواء أكانت اقتصادية أم اجتماعية أم سياسية]. ولهذا فإن دور المثقفين يتلخص في طرح كيان أيديولوجي وحالة وعي ذاتي”. وبحسب ما أوردته الباحثة كريهان، فإن المثقفين يشاركون في خلق سردية تخلق حالة تلاحم بين أبناء وبنات الطبقة التي يرتبط هؤلاء المثقفين بها. أي أن عمل المثقف العضوي يتجسد في إنتاج المعرفة، وفي التعبير عن المشكلات وتوجيه المبادئ التي تطرحها الجموع، أو في التحول إلى “وسيط ثقافي” كما وصفه فورغاكس.
وبتعابير عملية أكثر، يمكن للمثقف أن يحقق وظيفته الاجتماعية بكل بساطة عبر الانضمام إلى الحزب السياسي الذي يمثل تلك الجماعة. وقد كتب غرامشي عن “الارتباط بشكل وثيق مع الجماعة”، فمثلاً، عند التطرق لتحليل الهيمنة، يقول غرامشي:
“إن الوظائف المعنية ما هي إلا وظائف تنظيمية تلعب دور همزة الوصل، لأن المثقفين هم أبرز من ينوب عن الجماعة في ممارسة الوظائف الفرعية للهيمنة الاجتماعية والحكم السياسي”.
ولهذا يمكن أن تعبر صفة “العضوية” عن حالة التعبير عن الأيديولوجيا أو الممارسة السياسية، وهنا يظهر توتر بين حالة “العضوية” بوصفها صفة ثقافية والعضوية بوصفها مشاركة تنظيمية خالصة.
في مقاطع أخرى من كتابه، أكد غرامشي على الفرق ما بين المثقف التقليدي والمثقف العضوي، إذ كتب عن المثقفين التقليديين الذين وصفهم غير مرة بـ”رجال الأدب، والفلاسفة والفنانين”. ويقصد غرامشي بالمثقف التقليدي ذلك المثقف الذي يتبع لطبقة مهيمنة، فبما أن هذا المثقف لديه تصورات حول أفكار عالمية شاملة، لذا فإنه يرى نفسه بأنه قد تسامى وتجاوز حدود المجموعات الاجتماعية، أي أن المثقف التقليدي في الحقيقة ما هو إلا مثقف عضوي يتبع لمجموعة اجتماعية كان لها نصيبها من الهيمنة في الماضي. ولهذا فإن موقفه المهيمن ضمن التركيبة الاجتماعية يتيح له خلق روح جماعية تجعله يرى نفسه مستقلاً بنفسه عن غيره، إلا أن هذا الاستقلال الذاتي الذي يتصوره يخفي وراءه حالة استمرارية تاريخية بينه وبين المجموعة التي كانت مهيمنة في السابق.
أستاذ جامعي يشارك في الانتفاضة السورية
ولد برهان غليون في حمص عام 1945 لأسرة سنية، ودرس الفلسفة وعلم الاجتماع بجامعة دمشق، قبل أن يسافر إلى فرنسا في عام 1969، حيث حصل على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع السياسي عام 1974. وبعد أن درّس في جامعة الجزائر لفترة قصيرة ما بين عامي 1975-1978، أصبح أستاذاً في علم الاجتماع بجامعة السوربون عام 1990.
اشتهر غليون كمثقف معارض من خلال كتابه (بيان من أجل الديمقراطية) والذي نشر في عام 1978 أي بعد استيلاء حافظ الأسد على السلطة في سوريا، واشتمل هذا الكتاب على انتقاد شديد لدول الشرق الأوسط، وخاصة للطبقات الحاكمة فيها، إذ اتهمها غليون بمنع قيام الديمقراطية. ومن وجهة نظر تاريخ الفكر، يمثل هذا البيان حجر الأساس على طريق خلق حالة طلاق وابتعاد ما بين المثقفين العرب والدولة. إذ بعد الصدمة التي أصيب بها هؤلاء إثر هزيمة عام 1967، أدرك المثقفون الذين رافقوا في السابق عملية تشكل الأيديولوجيات التي بنيت عليها الدول مثل القومية العربية والماركسية والبعثية بأن الدول المستقلة حديثاً أثبتت عجزها عن توفير مناخ تسوده الحرية السياسية والتنمية الاقتصادية. وقد احتل هذا الإدراك وخيبة الأمل التي أعقبته موقعاً مهماً في نقاشات المثقفين العرب، كما شكل سياقاً وظرفاً مناسباً لظهور الليبرالية السياسية كأيديولوجيا جديدة.
من خلال أعماله، تحدث غليون عن البعثية والحكم الاستبدادي في العالم العربي، ففي كتابه (المحنة العربية: الدولة ضد الأمة)، تحدث غليون عن المعضلة السياسية للدول العربية، عبر التصدي لأسلوبين من التفكير وهما منطق الدولة ومنطق الأمة، إذ رأى بأن هاتين الفكرتين فشلتا في التوحد ضمن كل واحد منسجم مع ذاته، بما أن الدول المستبدة تقصي المجتمع المدني في أثناء تشكلها.
مع انضمام غيره من المفكرين السوريين للجماعات اليسارية، حتى مع احتمال تعرضهم لخطر القمع الشديد، لم ينضم غليون لأي حزب سياسي، بل زاد من نشاطه السياسي عبر وسائل أخرى، فإلى جانب ظهوره بشكل كبير على المستوى الأكاديمي والإعلامي، شارك غليون في تأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في عام 1983.
إن الانفصال المؤلم للمثقفين العرب عن أيديولوجية الدولة، على الرغم من احتمال تحوله إلى محفز لتحقيق “تحول في النقد السياسي” لم يحدث بمعزل عن بقية العوامل، بل كان مبشراً بظهور بديل أتى على شكل الإسلام السياسي. إذ منذ بداية السبعينيات، عندما كان المفكرون اليساريون العلمانيون مايزالون مرتبطين بالدولة، انخرط المثقفون الإسلاميون في المجتمع المدني، كما شاركوا في تأسيس عدد كبير من الأحزاب والمؤسسات والجمعيات الخيرية التي سارت على هدي النشاط الديني. ولقد احتل تجديد الفكر السياسي الإسلامي محور اهتمام المثقفين العرب الذين انخرطوا في نقاش حاد حول التوتر بين الليبرالية والإسلام السياسي وما بين الحداثة والدين، وهنا أيضاً برز اسم غليون كمتحدث وخطيب في تلك النقاشات، إذ في كتابه (الإسلام والسياسة) صب غليون جام غضبه على من يرى بأن الإسلام في جوهره مناقض للحداثة، لكنه رأى في الوقت ذاته بأن الدين لا يمثل القيمة الجوهرية للانتماء السياسي في المجتمعات العربية، وأكد بأن القيم المعاصرة التي تشمل الحرية والمساواة والفردانية مستوحاة من المثل العليا المعاصرة للمواطنة، وقد طور هذه الفكرة بشكل أكبر خلال المناظرات التي حضرها حول فكرة إقامة “مجتمع مدني” ودعمه خلال ربيع دمشق ما بين عامي 2000-2001، أي فترة الانفراج السياسي القصيرة التي أعقبت وصول بشار الأسد إلى السلطة. وخلال تلك المناظرات التي شددت على التنوير وعلى حرية الفرد والجماعة، ألقى غليون محاضرات حظيت بجمهور عريض.
ومما زاد من عزلة المثقفين العلمانيين، وكان له تأثير أكبر في الحالة السورية، القمع المفرط الذي مارسه النظام المستبد هناك، إذ خلال حكم الأسد، اعتقلت أعداد لا تحصى من المثقفين واحتجزوا في السجون لسنوات طويلة وهكذا أضحى أدب السجون علامة مميزة للمثقفين السوريين خلال العشرية الأولى من الألفية الثالثة، ووسيلة مركزية للتعبير عن الليبرالية السياسية، بعد أن أفقدهم الحكم بالسجن قدرتهم على العمل الجماعي، كما حلت جميع الجمعيات والأحزاب، وحرم القمع المثقفين من تجربة النشاط السياسي، وخاصة الحزبي، وبحسب ما ذكره غليون، فإن المثقفين الجماهيريين الذين ظهروا في عام 2011 هم عبارة عن “جيل لم يدخل معترك السياسة بشكل فعلي، لأنهم أمضوا نصف قرن بين السجون والاعتقال والرعب”. وبالنسبة لهؤلاء ولغليون الذي لم يقض أي حكم بالسجن، لم يكن البديل في معظم الأحيان سوى المنفى الذي يصعب معه تنظيم أي نشاط سياسي.
غليون رئيساً للمجلس الوطني السوري
أوردت معظم الشهادات بأن الانتفاضة السورية بدأت في منتصف شهر آذار عام 2011 بعد اعتقال وتعذيب أطفال مدرسة استخدموا أداة رش الدهان ليكتبوا عبارات مناهضة للنظام على أحد الجدران في محافظة درعا، وسرعان ما قوبل المتظاهرون الذين طالبوا بإطلاق سراح الصبية بالذخيرة الحية، وخلال الأشهر التي أعقبت ذلك، توسعت الاضطرابات لتشمل جميع أنحاء البلد، إذ خرجت مظاهرات حاشدة صارت تطالب بإسقاط نظام الأسد، قوبل فيها المتظاهرون بقمع وحشي متصاعد.
إن حاول الباحثون اليوم معرفة ما إذا كانت تلك الانتفاضة عفوية أم أنها اعتمدت على أطر موجودة بالأصل، فيمكن القول إنها لم تخل من التنظيم بشكل قطعي، إذ بالتوازي مع خروج المظاهرات، تشكلت عدة هيئات وكيانات، داخل سوريا وخارجها، أما على الأرض، فقد نظم الناشطون أنفسهم ضمن “تنسيقيات” للتخطيط للمظاهرات وتوجيهها، ولهذا أصبحوا يوصفون بأنهم يمثلون ثورة أهلية، أي متجذرة ضمن المجتمعات المحلية. وإلى جانب الخروج بشعارات، وإعداد اللافتات، وتنفيذ أعمال احتجاج خلاقة، توحدت التنسيقيات تحت راية لجان التنسيق المحلية في سوريا، وقادت هذا الهيكل اللامركزي وبشكل سري شخصيات مجهولة في معظم الأحيان، أما في المجال العسكري، فقد تشكل الجيش السوري الحر في 29 تموز عام 2011 وكان قوامه جنود وضباط منشقون عن الجيش، بهدف حماية المظاهرات من هجمات رجال الشرطة وشبيحة النظام وعناصر الجيش، أي أن دوره كان دفاعياً ولكن سرعان ما أصبح هجومياً. وفي المجال السياسي، تأسس المجلس الوطني السوري في تموز عام 2011 فشمل في البداية طيفاً سياسياً واسعاً، إذ مثل المعارضة الشعبية إلى جانب ثلاث فئات أخرى من الممثلين وهم الإخوان المسلمون والمعارضون العلمانيون والأقليات. ثم تحالف المجلس مع الجيش السوري الحر فحظي باعتراف عدد من الدول الخليجية والغربية بوصفه ممثلاً للمعارضة الرسمية للنظام. وفي نهاية الأمر، طالب المجلس الوطني السوري حلفاءه من بقية الدول بدعم مسلح لمجابهة الأسد، من دون أن يطالبهم بـ”تدخل عسكري” بشكل صريح.
قام المجلس الوطني على أساس مجموعة من الموقعين والموقعات ظهرت قبل تشكله، عرفت باسم إعلان دمشق، إذ بعد المطالبة الشعبية في عام 2005 بالتعددية الحزبية وبالديمقراطية، أصبح إعلان دمشق مظلة لتحالف واسع ضم أفراداً وأحزاباً سياسية. وكان من بين الموقعين الإخوان المسلمون وأحزاب كردية وآشورية ومثقفون علمانيون مثل ميشيل كيلو، وغيره من الشخصيات التي برز اسمها في ربيع دمشق. وفي عام 2011، انضم معظم أعضاء إعلان دمشق للمجلس الوطني. وفي المقتطف التالي من المقابلة، شرح برهان غليون كيف استغل علاقاته الشخصية بعدد من المعارضين والهيئات المعارضة بهدف تأسيس المجلس الوطني ثم ترؤسه في ظل الانقسامات السياسية الحادة، وعن ذلك قال:
“عندما قامت الثورة، تابعت الأحداث منذ بدايتها يوماً بعد يوم، وصرت أعلق عليها عبر الفيس بوك وفي المقالات التي أكتبها. كما صرت أظهر في أحيان كثيرة على القنوات التلفزيونية الناطقة بالعربية والفرنسية لأدافع عن قضية هذه الثورة… وكنت على تواصل دائم مع المعارضين الذين ينتمون لأطياف مختلفة في المعارضة، لأشجعهم على تشكيل جبهة أو تحالف للعمل سوية، إذ رأيت أننا من دون هذا التوحد لن نتمكن من فعل أي شيء، ولهذا صرت أتصل بهم في أحيان كثيرة، وبعد مرور سبعة أشهر لم يتوحدوا، بل أسسوا هيئة التنسيق التي ترأسها حسن عبد العظيم من جهة، وإعلان دمشق وهو عبارة عن تحالف ضم عدداً من الأحزاب اليسارية، حتى إن تنظيم الإخوان المسلمين كان من بين المنضمين إليه.
وهنا رأيت عجزهم عن القيام بهذه المهمة الأساسية، أي تشكيل لجنة أو مؤسسة لتمثل المعارضة والوجه الحقيقي لهذه الثورة أمام الرأي العام العربي والعالمي، ولهذا اتخذت تلك الخطوات من هنا، من باريس، برفقة أشخاص من الداخل ومن الخارج، بينهم شباب وشابات عاشوا في أوروبا والولايات المتحدة. وبعد مفاوضات عديدة، تمكنا من تشكيل هذا المجلس، وكنت العنصر الوحيد الذي لم يعترض عليه أحد، أي الشخص الذي لم يتسبب بأي مشكلة بشكل أو بآخر، كما أنني لم أدخل في أي منافسة على السلطة، وهكذا نجح الأمر، إذ وافق الجميع على المضي معي وعند تشكيلنا للمجلس بنهاية المداولات، عرضوا علي رئاسة هذا التشكيل المعارض الموحد”.
عُيّن غليون رئيساً للمجلس في 29 آب عام 2011، ومنذ ذلك الحين فصاعداً، تحول الانقسام داخل صفوف المعارضة إلى نقطة ضعف كبيرة بالنسبة للانتفاضة. وكما يتبين لنا من خلال ما سرده غليون عن مساعيه لتحقيق حالة توحيد، تحول المجلس الوطني السوري إلى كيان مثير للجدل. إذ في الوقت الذي تشكل هذا المجلس في الخارج، تشكلت هيئة مماثلة له في الداخل السوري، ففي حزيران 2011، نجحت في التوحد عدة أحزاب سياسية محظورة، بينها عدد من الأحزاب اليسارية، بعد سنوات من الانقسام، فشكلت هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي برئاسة حسن عبد العظيم. وقد تسبب هذا الانقسام في حالة تشظي بين المثقفين والناشطين السياسيين، نظراً لعدم وجود أي اختلاف جوهري بين هاتين المؤسستين، وبما أن كلاً منهما ضمتا من وقعوا على إعلان دمشق عام 2005 (بمن فيهم حسن عبد العظيم نفسه).
غير أن هيئة التنسيق التي نشأت في الداخل والمجلس الوطني الذي تشكل في الخارج اختلفا على الاستراتيجية، إذ دعت هيئة التنسيق التي ترأسها عبد العظيم إلى الحوار مع النظام مع رفض أي شكل من أشكال التدخل الأجنبي، في حين ارتأى برهان غليون بأنه لا أمل يرجى في إجراء مفاوضات مع النظام، وهذا ما دفعه إلى القول:
“كان موقفي يتلخص بعدم إجراء أي حوار، إذ لا يجوز لنا أن نفكر بأوهام، ولن يتم التوصل إلى أي حل من خلال الحوار مع النظام، وذلك لأن النظام منذ البداية، ومنذ اليوم الثاني للثورة بدأ بإطلاق الذخيرة الحية على المتظاهرين، إلا أنه لن يكون هناك أي تدخل أيضاً، لأنني منذ البداية التقيت بوزراء خارجية الدول وجميعهم قالوا لي: لا تفكروا بأي تدخل على غرار ما حدث في ليبيا”.
عقب محادثات عقدت في الدوحة في أيلول من عام 2011 من دون أن تتوصل لنتيجة بخصوص دمج الهيكلين، اجتمعت هيئة التنسيق بدمشق لتعلن عن تبنيها لثلاثة مبادئ وهي: “لا” للتدخل العسكري الخارجي، و”لا” للطائفية، و”لا” للعسكرة. وقد حدث ذلك بعد يومين على تأسيس المجلس الوطني السوري الذي أصبح جهة واعدة بالنسبة للتحالفات، وهذا ما جعله يكتسب شرعية، إذ اعترف به الجيش السوري الحر بوصفه الممثل السياسي للثورة كما اعترفت به لجان التنسيق المحلية الشعبية في سوريا، على الرغم من أنها حذرت من كلفة التدخل الأجنبي في البداية، لكنها اعترفت بالمجلس الوطني في نهاية المطاف ليكون الهيئة الشرعية التي تمثل المعارضة، وتم ذلك في تشرين الأول من عام 2011.
القيام بالواجب.. اختيار المرء لمساره في عام 2011
عند الوصول إلى هذه المرحلة، نود أن نتوقف للحظة حتى نفكر بكل قرار شخصي اتخذه برهان غليون، إذ عندما كانت الثورة ماتزال في بداية أيامها، كان غليون بعيداً، حيث كان يدرّس علم الاجتماع بجامعة السوربون الجديدة التي تتبع لجامعة باريس الثالثة، إلا أن عقله كان في مكان آخر، إذ كمعظم السوريين الذين يعيشون في الخارج، انصب اهتمامه على الأحداث التي لا يمكن لعقل أن يصدقها والتي كانت تحدث في وطنه، ثم أصبح يتحمل مسؤوليات جسيمة، ويسهم في تأسيس تحالف سياسي موثوق للوقوف ضد نظام الأسد، إلا أن الأحداث دفعته لزيادة ظهوره الإعلامي، ومن غير المستغرب أن يؤثر ذلك بشكل سلبي على محاضراته، فقد أصبح يتحدث عبر الإعلام كل يوم تقريباً، ومن بعد ذلك يهرع إلى جامعته، ليجد نفسه يحدق بطلابه الفرنسيين وهو عاجز عن تذكر ما ينبغي أن يحدثهم عنه، وعندما أدرك صعوبة التحضير للدروس وإلقاء المحاضرات على الطلاب، قرر أن يمضي لمكتب رئيسة الجامعة ليناقش معها مسألة ضغط العمل، مع إمكانية الحصول على إجازة أكاديمية، فردت عليه بحرارة قائلة: “كنت على وشك اقتراح ذلك عليك”. إذ خلال تلك المرحلة من مسيرته المهنية، أصبح من حق غليون الحصول على إجازة تمتد لعام كامل، فكان ذلك الحل ناجعاً حتى يضع مهامه الجامعية جانباً لفترة مؤقتة، ويلتفت إلى طموحاته السياسية. وبتحرك سريع وغريب على أي إدارة في باريس، جرى التوقيع على الإجازة في غضون دقائق معدودات خلال الاجتماع مع رئيسة الجامعة، فتعهد غليون بتحويل تلك التجربة إلى موضوع بحثي سينشره لاحقاً، وهكذا أبصر كتابه النور في عام 2019.
تخبرنا هذه الحادثة عن شيء عملي لابد لنا من مراعاته، وهو أن الالتزام السياسي لدى المثقف يعتبر هو الآخر مسألة لها علاقة بالتفرغ المهني والفرص المتاحة، إذ يرى لوران جانبيير بأن الظهور الإعلامي للمثقف الجماهيري في فرنسا ليس مسألة تتعلق بما يفضله المرء ويختاره، بل إنها مسألة تتصل بعوامل بنيوية مثل النوع الاجتماعي والعمر والقرب من باريس والانتماء لمؤسسة شهيرة. وهنا قد يضيف المرء بأن تلك الأمور تعتمد بشكل كبير على وجود استقرار في عقد العمل، إذ في حال لم تطرح فكرة الإجازة الأكاديمية، لكان على غليون البحث عن سبل أخرى لإعالة نفسه مالياً في خضم سعيه لتحقيق طموحاته السياسية، أو لعله قد يضع حداً لتلك الطموحات بكل بساطة، لأن مهنة السياسي تختلف تمام الاختلاف عن مهنة الأستاذ الجامعي، وهنا يقر غليون: “كان من الصعب أن أجد وقتاً لأكتب، صحيح أنه يجب على المرء أن يكتب حتى ينحاز للنظرية، لأن المفكر موجود من أجل أن يقدم أفكاراً، ولكن في مرحلة من المراحل، يحتاج المفكر لتجربة عملية حتى يدرك كيف تحدث الأمور على الأرض”، ومن الصعب التوفيق بين الأمرين معاً، ولهذا يقول غليون: “هنالك وقت للتوقف، وللتفكير، وليكون المرء بمفرده حتى ينتج الأفكار، ولكن في بعض الأحيان تحتاج لأن تتوقف، فقد ألفت كتابي ما بين عامي 2017-2019… ولكن، عندما تصبح في معترك السياسة، تحتاج للتركيز على التواصل والتعاون مع الآخرين”. إلا أن إدارة الفرق والمجموعات وتوزيع العمل، ودراسة الاستراتيجيات، والعمل على إقناع أي حليف محتمل، أي ذلك النوع من الالتزام الذي تحدث غليون عنه، يبدو أقرب لعمل الدبلوماسي أو النقيب في إحدى النقابات منه لعمل المثقف الجماهيري.
إن التحالف السياسي الذي أسهم غليون في تأسيسه ضم ناشطين وناشطات سياسيين بصورة رئيسية، إلا أنهم كانوا عديمي الخبرة، ولهذا كان أستاذ علم الاجتماع الاستثناء بينهم، بما أنه مثقف جماهيري شذ عما عرف عنه من الابتعاد عن السياسة الحزبية، كونه ارتأى بأن الثورة مثلت “لحظة فاصلة” وهذه اللحظة بحاجة لإجراءات استثنائية. وبحسب ما ذكره، فإن المشاركات الفكرية في الفضاء العام أضحت عديمة الفائدة في مثل تلك اللحظة التاريخية الفارقة، إذ يقول:
“لست أدري ما فائدة تحصيل رأسمال رمزي وشهرة إن ظل المثقف يترقب وينتظر في زمن مثل زمن الثورة التي تمثل مواجهة مع الموت ولحظة حاسمة في تشكيل مستقبل البلد، إذن من الذي سيقود ويوجه؟ ومن الذي سيتولى المسؤولية ويواجه الانتهازيين الحقيقيين؟”
خلال السنوات الأولى للنزاع، كثرت العروض على المشاركة في أي تحالف سياسي، ولم تقبلها سوى قلة قليلة من المثقفين، إلا أن هذا لا يعني بأنهم كانوا أقل انشغالاً من غيرهم، لأن معظم الشخصيات السورية البارزة قررت المشاركة في الثورة عبر وسائل أخرى، فعندما سئلت الكاتبة سمر يزبك مثلاً عن سبب رفضها للمشاركة في أي جسم سياسي، ردت بالقول: “أشعر الآن بأن أهم عمل سياسي يتمثل في “لملمة الفراغ” وذلك من خلال مشروع مؤسساتي للمجتمع المدني سبق وأن تحدثت عنه، فبهذه الوسيلة يمكن ابتداع السياسة من قلب العنف وبناء قدرات الناس على الأرض في داخل البلد، أو في مجتمعات اللجوء، بحيث يصبح بمقدورهم مواصلة المقاومة، وبهذه الطريقة لن نجد أنفسنا في فراغ تام بمجرد انتهاء الحرب… وللعمل السياسي والديمقراطي ناسه، لكني لست منهم، وأعتقد بأن دوري الثقافي والإعلامي والتنموي هو عمل سياسي بحد ذاته”.
يعتبر رد فعل يزبك مثيراً للاهتمام، كونه يرى بأن النشاط الثوري الفكري لا يمر بالضرورة عبر مرحلة المؤسسات (أي الانضمام إلى حزب أو جماعة سياسية)، بل مايزال يرتبط عضوياً بالحراك الثوري. وقد كان لدى المثقفين العلمانيين الذين رفضوا الانضمام للمجلس الوطني بشكل مباشر عدة أسباب للرفض، أولها الخوف من احتمال تلاعب الداعمين الأجانب بهم، وعدم تحديد كفاءات معينة من أجل الانضمام، ورفضهم التعامل مع الإسلاميين أو حتى وجود عداوات شخصية معهم. غير أن فهمهم لفكرة العضوية على طريقة غرامشي لم يمنعهم من التفكير بتقسيم العمل، حيث يرتبط المثقف بنهاية الأمر بالمجتمع الثقافي، ولهذا أطلق كثيرون منهم مؤسسات ومبادرات ثقافية، وكمثال على ذلك نذكر أشهر المساعي الثقافية والفكرية في تلك الفترة والتي تجسدت بإطلاق مجلة الجمهورية عبر الإنترنت، إذ تأسست تلك المنصة في آذار من عام 2012 على يد ثلة من الكتاب الذين التفوا حول المفكر السوري ياسين الحاج صالح. وفي إحدى المرات، ذكر الكاتب ياسين سويحة وهو أحد الكتاب المشاركين في الجمهورية، بأنه: “لم يرغب أحد منا بالانضمام إلى المجلس الوطني لأننا مرة أخرى فكرنا بتقسيم العمل، ونحن لسنا مقاتلين ولا سياسيين”. وبالمقارنة مع الجدل الذي قام بين مفكرين فلسطينيين في سبعينيات القرن الماضي، والذين طرحوا تساؤلات حول وجوب انضمامهم لمنظمة التحرير الفلسطينية من عدمه، رأى المفكر الماركسي صادق جلال العظم بأنه ليس على المثقف الانضمام للتنظيمات السياسية، وأضاف: “ما صلة الرصاصة بالكلمة؟ هذا كلام فارغ”، قائم برأيه على فرضية خاطئة حول دور المثقف، إذ قال: “برأيي، تطالب هذه الفرضية المثقف والثقافة بالاضطلاع بأدوار وأعباء أكبر منهما، وذلك لأن المثقفين لا يصنعون الثورة أو يقودونها، بل لعلهم يمهدون الطريق لها ويحرضون عليها ويصوغون بياناتها وبرامجها، ويتحدثون عنها أمام الناس ويكتبون لها، ويصدحون بشعر من أجلها، ويقدمون تحليلات حولها، ثم يموتون من أجلها كما فعل غسان كنفاني وكمال ناصر ولوركا وغيرهم كثيرون. وأنا لا أريد للثورة في سوريا أن تتعثر بسبب إعادة إنتاج الاختلافات والانقسامات والجدالات، كما هي الحال عند الحديث عن “الخنادق” و”الفنادق”، والذي أثبت أنه حديث عقيم في مسيرة الثورة الفلسطينية”.
ويرى العظم بأن ما فعله معظم المثقفين في نهاية الأمر هو الانضمام لبدائل عن وزارتي الثقافة والإعلام من خلال “منظماتهم الثقافية الخاصة بهم، والمنتديات الأدبية، والأوساط الثقافية، والاتحادات المستقلة، حيث أداروها من دون الخضوع لأحد أو من دون هيمنة أحدهم على الآخر”.
مشكلة فترة التكليف في المجلس الوطني
للأسف، خسر تحالف المجلس الوطني السوري زخمه، وهنالك أسباب عديدة لظهور تلك المثالب، بعضها تعود للانقسامات الداخلية التي تجسدت في برنامج سياسي غير واضح المعالم ومحدودية الدعم الدولي، بما أن واشنطن ولندن وباريس بقيت ترسل رسائل مختلطة، إذ كررت في أحيان كثيرة بأن: “على الأسد الرحيل”، ولكنها عبرت عن شكوكها تجاه قدرة مؤسسات المعارضة على قيادة العملية الديمقراطية الانتقالية في حال سقوط نظام الأسد. وبالنسبة لبرهان غليون، كانت الأسباب داخلية أيضاً، وذلك لافتقار أعضاء المجلس الوطني للخبرة السياسية، وتفضيلهم مصالحهم الفردية على الاحتياجات الجمعية، وتنافسهم على المناصب داخل المجلس، وهذا ما أبطأ عملية اتخاذ القرار فيه.
كانت ميزة برهان غليون عدم ارتباطه بأي حزب سياسي، أي أنه لم يكن يمثل أي جماعة، ولهذا ظهر كشخصية عليها إجماع، ولكن بمجرد أن تولى رئاسة المجلس، ظهرت الخلافات حول فترة تكليفه، وعن ذلك قال: “بدأ التنافس على المناصب القيادية حتى قبل مغادرتهم للقاعة في آخر اجتماع، فقد عُرض علي ترؤس تلك التجربة، ولكن لمدة شهر واحد فحسب، وهذا على المستوى السياسي يعبر عن عدم قدرتهم على العمل نظراً لأن كلاً منهم لا يريد للآخر أن يشغل منصب الرئيس… غادرت الاجتماع وواصلت العمل بمفردي. فأتوا إلي ليحضروني قائلين إنهم سيحاولون التوصل إلى حل. وفي نهاية الأمر اتفقوا على مدة ثلاثة أشهر، وهذه المدة لم تكن مناسبة أيضاً، فقلت لهم إن ذلك غير ممكن، إذ لا يجوز أن نضعف الرئيس من البداية، لأنه سيكون رئيساً لثلاثة أشهر ولن يكون له مستقبل، فطمأنوني بالقول إنه لن يشغل أحد غيري هذا المنصب، وبأن المدة ستتجدد بصورة تلقائية”.
اعتقد غليون بأن الهوس بالتناوب على شغل منصب الرئيس لمدة ثلاثة أشهر يظهر بأن أعضاء المجلس “لا يمتلكون أي خبرة سياسية، لأنهم لم يستوعبوا أهمية التوحد والتماسك وضرورة الخروج بأجندة طويلة الأمد”، كما كشف ذلك عن حالة انعدام ثقة عميقة بين أعضاء المجلس، كونهم ربطوا الرئاسة برأسمال سياسي، وكأنها الخطوة الأولى نحو ترؤس الحكومة في النظام القادم. ولكن غليون سرعان ما وصلته بشائر الاعتراف الدولي والتي تمثلت باجتماعات رسمية مع وزراء ودبلوماسيين من دول أخرى، وهذا ما كان يجب أن يعتبر نجاحاً للمعارضة يشجعها على المضي قدماً، لكن ما حدث أتى عكس ذلك تماماً، إذ زاد ذلك من التوتر بين جميع الأطراف التي سعت للوصول إلى الرئاسة. ومما زاد التنافس على السلطة بشكل كبير التدخل الفرانكوبريطاني في ليبيا، بما أن ذلك زاد الأمل بوصول دعم غربي إلى سوريا، إلى جانب السقوط السريع لبن علي في تونس ومبارك في مصر، ولهذا كتب الأطفال في درعا: (جاك الدور يا دكتور)، فبدا وكأن نزق أعضاء المجلس قائم على ثقتهم الزائدة بالانهيار الوشيك للنظام.
في الكتاب الذي ألفه عن تجربته السياسية، اعترف غليون باحتمال أن تكون قلة صبره وخبرته السبب في ذلك، إلا أن المجلس الوطني السوري ابتلي في نهاية الأمر بـ”مصالح شخصية تافهة”. وطوال فترة وجوده، اعترت المجلس الوطني خلافات حول أصل تشكيله، فإلى جانب مشكلة الرئاسة، أضحى عدد أعضاء المكتب السياسي للرئاسة موضع خلاف، فقد بدأ هذا المكتب الذي تألف من ممثلين عن عدة تنظيمات مختلفة بسبعة أعضاء، ثم تسعة، ووصل عددهم أخيراً إلى ثلاثة عشر، وطوال فترة وجوده، عانى المجلس الوطني من تضخم في عدد أعضاءه، وهذا ما شرحه غليون بالقول: “كان هناك ما يعرف بأمانة السر العامة المؤلفة من خمسة وعشرين عضواً، تختارهم الجمعية العامة، ثم ظهرت مشكلة الجمعية العامة التي بدأناها بـ140 عضواً، وخلال فترة معينة بعد أن تركتهم، زاد عدد الأعضاء فيها، ليصل إلى نحو 300، فكانت تلك إحدى مشكلات المجلس، إذ من الخطأ زيادة العدد من دون تكليف بمهام محددة”.
المثقف العضوي: البحث عن طبقة المثقفين السوريين
تحدث ماندوتشي عن صعوبة توظيف مصطلح المثقف العضوي بما ينسجم مع العالم العربي، نظراً لتشوش الاختلاف بين المثقف التقليدي والعضوي كثيراً في هذه المنطقة، إذ في الوقت الذي خرج المثقفون اليساريون بأشكال للنقد الراديكالي للاستبداد، ارتبطوا لفترة طويلة جداً بأيديولوجيات الدولة اليسارية، وعمل سعيهم لنيل الحرية الفردية على عزلهم عن التنظيمات الحزبية. وفي تلك الأثناء، انخرط المثقفون الإسلاميون في التنظيمات الشعبية واستطاعوا إقامة علاقات مهمة مع الجمهور، ما جعل منهم خير مثال للمثقفين العضويين. ومقارنة بالمفكرين الإسلاميين، لم يكن لدى المثقفين العلمانيين صلة عضوية بالجماهير أو تجربة عملية في مجال العمل الجماعي.
إلا أنه من التضليل أن نساوي بين المفكرين السوريين والمثقف التقليدي في فكر غرامشي، إذ لعل ما ربط بين السوريين علاقات بينية شخصية، إلا أنها كانت تفتقر إلى التماسك الذي بوسعه تحويلها إلى جماعة مهيمنة. لذا، ومن منظور غرامشي، قد يرى المثقفون التقليديون أنفسهم مستقلين، غير أنهم مايزالون يشاركون في الحفاظ على الهيمنة. وبالمقابل، لم يشكل المثقفون السوريون طبقة دافعت عن النظام السياسي، إذ لو تحدث غليون عن النظام السياسي للأسد واصفاً إياه بأنه يمتلك “سلطة قسرية قهرية” وهو محق في ذلك، بدلاً من أن يصف هذا النظام بـ”المهيمن”، لكان المثقفون اليساريون لم يحافظوا على سيطرته القسرية القهرية تلك بكل تأكيد، غير أن هذا الدور بات منوطاً بجماعة ثالثة، ألا وهي جماعة المنظرين الحزبيين الذين لا يتمتعون بكبير مصداقية من أمثال بثينة شعبان.
وبدلاً من كل ذلك، كان الفرق الكبير بين المثقفين العضويين الإسلاميين ونظرائهم العلمانيين يكمن في دورهم الاجتماعي وخبرتهم في مجال العمل الجماعي، إذ يرى غليون بأن هنالك مسافة كانت تفصل بين النخب الفكرية والمجتمع، وهذا ما وصفه “بطريقة حياة منفصلة” شجعت عليها دولة الاستبداد. وبرأي غليون، لم تكن في سوريا طبقة تجمع المثقفين والمثقفات، إذ بالحديث عن “انعدام التماسك” بين المثقفين السوريين، عاد غليون لفكرة غرامشي عن المثقفين العضويين بوصفهم “جماعة” لا أفراداً، وقال:
“لم يفكر غرامشي مطلقاً بالمثقف العضوي بوصفه فرداً، بل طبقات وجماعات من المثقفين المرتبطين بطبقة ترتبط بدورها بحزب. واعتبر ذلك الحزب حزب المثقفين بطريقة أو بأخرى، ولهذا السبب لم تقم لدينا مجموعة متماسكة من المثقفين القادرين على إضفاء شيء من التماسك على هذه الثورات المتعددة التي تجسدت بالثورة السورية، إذ لا يمكن لأحد إلا المثقفين توحيد برنامج الثورة ووجهتها، لأن الناس في القرى والمدن والعاملين والموظفين، كل هؤلاء يمثلون أعداداً من الناس.. لذا من بوسعه إضفاء حالة من التلاحم على تلك المجموعات من الطموحات التي مثلتها الثورة؟ برأيي لا يوجد أحد إلا المثقفين، ولكن هذا لا يعني المثقف بحد ذاته بل جماعة وطبقة المثقفين التي تتمتع بروح ومشروع تشترك به مع الشعب… وطبقة المثقفين ما هي إلا عنصر جامع يستعين بمنطقه الذي يتطور ويضع الخطط والأفكار التي تدفع لقيام حركة ما”.
وبرأي غليون، لا يمثل المثقفون وطبقة المثقفين الشيء ذاته، إذ في الوقت الذي يُعرّف كلاهما من خلال علاقته بالمعرفة، يشير مصطلح مثقفين إلى أشخاص فرادى، في حين يشير مصطلح طبقة المثقفين إلى جماعة متماسكة.
ويؤكد الفرق الموضح هنا على الاختلاف ما بين فكرتين متمايزتين عن المثقف، إذ كان إدوارد سعيد في كتابه: “المنفى الثقافي: المغتربون والمهمشون” يقدم المثقف بصفته فرداً دوماً، مستخدماً ضمير “هو”، في حين كان أنطونيو غرامشي يتحدث عن “المثقفين” بصيغة الجمع في معظم الأحيان، ويستخدم عبارات مثل “جماعة اجتماعية” و”فئة المثقفين” و”طبقة المثقفين”. غير أن فكرة غرامشي عن المثقف تختلف عن فكرة سعيد من حيث أنه لم يركز كثيراً على جماهيرية المثقف (إذ تشير صفة “جماهيري” إلى وظيفة الخطابة في الفضاء العام، أو كما يقول سعيد: “طرح أسئلة محرجة”)، بل ركز على الوظيفة الاجتماعية، أي تقديم مصادر فكرية لطبقة معينة. وعندما ننظر إلى المثقفين السوريين، فإن عزلتهم وسعيهم للخطابة والحديث من هوامش حياة السجن يذكرنا على الفور بفكرة الفردانية التي تحدث عنها سعيد حول: “قول كلمة حق أمام السلطة”، بعيداً عن فكرة غرامشي عن “طبقة المثقفين”. وهكذا غابت حالة التماسك بوصفها شيئاً جمعياً في انتفاضة عام 2011 بشكل صارخ.
نرى بأن هذه النتيجة قد لا تكون سوى محصلة لآراء نظرية ضيقة لا لغياب حقيقي على المستوى التجريبي. فلو جرى التفكير بالنشاط الفكري بصيغة الجمع (أي الجماعة المتماسكة)، بدلاً من صيغة المفرد (أي المنظر الطليعي الفرد)، لأصبح بالإمكان التعرف على المثقفين الجماهيريين بين الشعب والأشكال الأفقية للتنظيم مثل التنسيقيات، على الأقل على مستوى المعارضة العلمانية لا الإسلامية. إذن فالمشكلة المتعلقة بحالة برهان غليون تكمن في عدم وجود صلة ضمن المعارضة المدنية بين المثقفين الجماهيريين التابعين للمجلس الوطني السوري وغيره من أشكال النشاط الفكري والثقافي ضمن الحراك الثوري. وبوسعنا البحث في الأسباب التي تكمن خلف هذه الثغرة عند مناقشة فكرة مهمة أخرى من أفكار غرامشي ألا وهي الوعي الشعبي الوطني.
رفع الوعي الوطني
ما الدور الذي يجب على المثقف أن يلعبه لحظة قيام الثورة؟ توحي تجربة برهان غليون بوظيفة معينة ضمن السياسة القائمة على وجود مؤسسات، وأيضاً ضمن عملية إنتاج الثقافة والأيديولوجيا.
يعتبر تشكيل حالة جمعية “وطنية-شعبية” هو المفتاح لفهم دور المثقفين في أعمال غرامشي، فالثقافة والأيديولوجيا نتاجان جوهريان للعمل الفكري الذي يمثل الهدف الذي يحقق المثقفون من خلاله وظيفتهم الاجتماعية بوصفهم مثقفين عضويين يتبعون لطبقة معينة. فعند تحليل ثورة عام 2011 في مصر، ذكر ماندوتشي بأن هذا الوعي “الوطني-الشعبي” لم يكف لخلق همزة وصل ما بين الطبقات الشعبية الإسلامية والناشطين الشباب الذين قادوا الاحتجاجات، ولهذا يقول: “يعاني أغلب شباب ميدان التحرير من انفتاح سطحي على العالم تحدث عنه غرامشي عندما وصف مثقفي حركة الوحدة الإيطالية، وهذا ما جعلهم عاجزين عن التحول إلى حركة “وطنية-شعبية” حقيقية، فأغلب هؤلاء الشبان والشابات درسوا في جامعات مرموقة، مثل الجامعة الأميركية بالقاهرة، ويتعاملون مع وسائل التواصل الاجتماعي بكل أريحية، ولكن لا يوجد ما يربطهم بأدنى الطبقات العاملة التي تعيش في العشوائيات الفقيرة بالقاهرة أو أي صلة مع سكان الريف. ناهيك عن أسلمة الطبقة المسحوقة التي تمت خلال العقود الأخيرة الماضية من جراء وجود فجوة ما بين النخب الفكرية العلمانية، سواء أكانت ليبرالية أم اشتراكية أم شيوعية، وبقية الشعب المحروم، ولهذا، وبدلاً من اعتماد رأي غرامشي، أصبح الخوض العفوي للجماهير في معترك الحياة السياسية تحت قيادة فكرية وأخلاقية يترأسها الأمير المعاصر أمراً أساسياً لتكوين إرادة وطنية-شعبية حقيقية”.
في سوريا، ما تزال موضع جدل ونقاش مسألة عدم تمكن الجموع الثورية من تشكيل إرادتها الوطنية-الشعبية، لأن أهم عقبة تعترض سبيل الهوية الوطنية تتمثل في التنوع الطائفي، ما خلق تحالفات وولاءات ما دون الدولة. ففي كتابه: (المحنة العربية: الدولة ضد الأمة)، ناقش غليون تلك الصعوبات، وذكر أن القومية في الدولة ما بعد مرحلة الاستعمار لم تظهر ببطء بل فرضت بقسوة، فالقيود الاستبدادية التي وضعت على حقوق المواطنين وحرياتهم توحي بأن المشاعر القومية كانت شبه غائبة وبأنها بقيت تتنافس مع انتماءات ثأرية طائفية أو مجتمع يتجاوز نطاق الأمة، ثم أتت انتفاضة عام 2011، ولو شرحت الهوية العرقية بعض ديناميات الحرب، فإن عدداً من الباحثين ذكروا أن تلك الهويات الطائفية لم تتمكن من شرح كل قضايا الانتماء والتحشيد. وهنا يمكن القول إن شكلاً علمانياً من القومية، يقوم على سرديات مدنية لاطائفية، قد تطور ضمن الحراك الثوري، وقد تشكل هذا الشكل القومي الصاعد من الأسفل إلى الأعلى في الثقافات الشعبية مثل الشعارات والأغاني، ورقصات الدبكة الفولوكلورية، وفي المطبوعات الثورية. وهكذا أعيد تصور القومية السورية في معظم أعمال الاحتجاج الرسمية التي قامت خلال عام 2011، لا سيما ضمن الاحتجاجات التي ضمت جموعاً غفيرة وأطلقت شعارات وأغاني علمانية.
ولكن في عام 2011، شكك عدد من المثقفين بالثورة وقدرتها على قيادة سوريا نحو أي شكل من أشكال الديمقراطية، وهكذا كثرت الشكوك التي أضمرها أشخاص مثل الشاعر السوري أدونيس الذي أعلن أنه لن يؤيد ثورة “خرجت من الجوامع”، ولكن بالنسبة لغليون، كان حضور الإرادة الوطنية – الشعبية التي تجاوزت الأيديولوجيات العلمانية والإسلامية جلياً وواضحاً، ولهذا قال: “أبدى [المثقفون العلمانيون] تردداً تجاه المشاركة في العمل السياسي بشكل مباشر، ولعل السبب الرئيس في ذلك يرجع إلى أنهم لم يروا أنفسهم جزءاً من هذه الثورة الشعبية، إذ كانوا في أغلب الأحيان يشكون بأنها إسلامية، وتقليدية لا علمانية، وفي ذلك خطأ كبير، لأن الشعارات وأسماء الجمع أظهرت بأن هذا الشعب لم يفكر بمصطلحات طائفية البتة، بل فكر ببناء دولة ديمقراطية تعددية حقيقية، ناهيك عن ترديد أسماء جميع المدن ورموز كل الطوائف الدينية.. فقد أطلقوا اسم جمعة آزادي (أي حرية باللغة الكردية) على أحد أيام الجمع التي خرجوا للتظاهر فيها”.
وبحسب ما ذكره غليون، فإن سردية الهوية الوطنية والإرادة الجمعية كانت موجودة على الدوام، أي أن الجماهير الثورية أدركت مشكلاتها وحددت مبادئها، فتجسد ذلك من خلال مطالبتها بـ”الحرية” و”الكرامة”، المفردتين اللتين أصحبتا من المفردات المركزية في سردية الثورة، غير أن المثقفين لم يكونوا فاعلين استباقيين في العمل الفكري، لأن الأحرى بهم “انتقاء” ما هو موجود في الشارع بالأصل، ثم صياغته وتوحيده، وتعليقاً على ذلك يقول غليون: “لقد دفع النظام جميع الشعب ليكون ضده، سواء الطائفيون أم العرقيون أم الإسلاميون أم العلمانيون، وهكذا أصبح الجميع ضده، وفي هذه الثورة الشعبية، ظهرت ألف أجندة، إلا أن دور المثقفين كان يتمثل بالتزامهم بتوحيد تلك الأجندات، وإسباغ مزيد من التماسك عليها، إلى جانب تمثيل الشعب… وبرأيي، كان ذلك ما افتقرت إليه الثورة، إذ كان المثقف العضوي هو الذي افتقدت إليه هذه الثورة بالضبط، فقد كان بوسع المثقفين والمثقفات مساعدة حالة التنوع هذه على صعيد الناس والأجندات والجماعات الاجتماعية لتصل إلى حالة انسجام وتخلق وضعاً توافقياً، لأن الشعب المشتت لن يخلق حالة توافق، بل إن المثقفين هم من يساعدون ذلك الشعب المتنوع على الخروج بأجندة والوصول إلى حالة توافق والخروج برموز ومعان مع إسباغ التماسك اللازم على كل ذلك، بما يخلق بالتالي وعياً ثورياً كبيراً، فلو قمنا بذلك، فإنني لا أظن أن شعبنا كان سيقع في براثن الإسلاميين ونفوذهم”.
نلاحظ هنا من خلال ما ذكره غليون إدراكه لوظيفة المثقفين، وهي إنتاج “رموز ودلالات” تؤدي إلى تشكيل وعي ثوري، من خلال بحثه عن الصلات العضوية، طالب غليون بشكل من أشكال النشاط السياسي الذي يشتمل على مشاركة مباشرة في مؤسسات الثورة، والأهم من كل ذلك هو أن دور المثقف يقوم على اختيار اللغة الثورية التي خرجت بصورة عفوية من رحم المظاهرات، ثم دمجها في توجه سياسي. إلا أن الأمور أثبتت استحالة ذلك، نظراً لعدم وجود طبقة مثقفين جامعة شاركت في توجيه الحراك الثوري بشكل مباشر، وهذا ما دفع غليون إلى القول: “لعب المثقفون دوراً كبيراً بسلبيتهم، ويمكن وصف ذلك بدقة من خلال عدم نشاطهم، إذ كان عليهم أن ينشطوا وألا يتريثوا وهم يتساءلون: هل ستتحول هذه الثورة إلى ثورة ديمقراطية أم لا؟ إذ لا يمكن للثورة أن تكون ديمقراطية إن اكتفوا بذلك، فقد ظهرت عدة ثورات داخل الثورة السورية، إذ كان هنالك إسلاميون وعلمانيون وكرد وعرب وغيرهم ضد النظام. ولكن من الذي سيوحد وسيخلق حالة تماسك بين كل هؤلاء الناس؟ من الذي سيخلق حالة انسجام بين كل تلك الأجندات؟ إنهم المثقفون، ولكن كيف يمكن لهؤلاء المثقفين أن يحققوا ذلك في حال عدم وجود حالة تماسك فيما بينهم؟ إن المثقف العضوي ليس فرداً، إنما مجموعة، وبالنسبة لغرامشي هو حزب، أي أشخاص مرتبطون بحزب، وهذه الثورة لم يكن لديها أي حزب… بل حشود شعبية. والمثقفون كانوا القوة الوحيدة القادرة على تذليل الاختلافات والتناقضات، وتكوين قيادة وتوجه واع واضح، وهذا ما افتقدناه فيها، أي أن المثقف العضوي لم يكن موجوداً”.
إن فكرة برهان غليون عن عمل المثقف العضوي تبحث في أعماق البحث النظري القائم على التجربة العملية، إذ بحسب ما يراه غرامشي، فإن المثقفين يسبغون على الطبقة حالة من: “الانسجام والوعي بوظيفتها [الاقتصادية والاجتماعية والسياسية]”. وقد ذكر غليون بأنه كان على المثقفين السوريين انتقاء العديد من الرموز والإشارات والسرديات من الانتفاضة، ومن هوياتها الاجتماعية والطائفية العديدة، ليسبغوا على الحركة حالة من التجانس. يدفعنا ذلك عملياً للتفكير بالخيارات التي قدمها غليون والتي توحي بوجود طرق متعددة لإدراك هذا الجهد الفكري. فإن كانت وظيفة المثقفين العضويين تتمثل بإسباغ حالة من التماسك والإنسجام على حراك معين، فهل يجب أن يقتصر ذلك العمل على الإسهامات الثقافية، أم يتعين على المثقفين أن يتحولوا إلى أعضاء نشطين في الأحزاب والمؤسسات السياسية، وبذلك يختفي الخط الفاصل ما بين العنصر الفاعل المثقف والعنصر الفاعل السياسي؟
قد نعثر على إجابة في قراءة ديفيد فورغاكس لغرامشي، إذ في تقديمه لنصوص غرامشي حول المثقفين، ذكر أن الحزب السياسي هو المفتاح لفهم دور المثقف ووظيفته، فالمثقفون ليسوا مجرد “وسطاء ثقافيين” بل هم فاعلون سياسيون أيضاً، وأحد الأسباب التي تدفع لظهور مثقفين عضويين بين الطبقات المهمشة الدنيا يعود للعمل: “من خلال حزب سياسي جماهيري، يعمل كحزب “ثقافي جامع” ويدرب كوادره على مهارات التشاور والتنظيم”. ولهذا يصبح بوسع المرء أن يميز ما بين المثقفين والعناصر الفاعلة الثقافية، والتي يتمثل دورها في إنتاج سردية مهيمنة مخصصة للطبقة العاملة (أو كما قال غليون: “الوعي الثوري)، وللمثقفين بوصفهم أعضاء في حزب ناشط. ولهذا فإن ما كان ينقص مشاركة المثقفين السوريين في المجلس الوطني السوري هو “مهارات التشاور والتنظيم” التي تأتي عبر الخبرة السياسية.
يقول غليون: “بعد مدة، اكتشفت بأن هذا لم يعد يناسبني، لأني صرت أعاني، إذ بدأت أخصص وقتاً أكبر لصد النزاعات الداخلية وإدارتها بدلاً من القيام بأنشطة تعمل على الدفاع عن الثورة، ولهذا قدمت استقالتي، نظراً لوجود عدد كبير من الناس الطامعين في هذا المنصب، لكني كنت على يقين من أننا كنا نتجه نحو نهاية تجربة المجلس”.
بعد بقائه لمدة تقل عن تسعة أشهر في منصبه، استقال برهان غليون في 17 أيار 2012، وإلى جانب الأمور التي دفعته للاستقالة والتي تحدث عنها سابقاً، ثمة أسباب لاستقالته منها انتقاد رفضه لدعم النضال المسلح وقربه من الإخوان المسلمين. وخلال تلك الفترة، كانت الاحتجاجات السلمية قد تحولت رويداً رويداً إلى انتفاضة مسلحة، وظهرت الجماعات الإسلامية بين ظهراني المعارضة، لتقف ضد احتكار المجلس الوطني السوري لها ولتعارض شرعيته. وفي نهاية المطاف، أتى التدخل الأجنبي الذي تمنى بعضهم اجتنابه على شكل غارات جوية ترأستها أميركا ضد تنظيم الدولة الإسلامية في الشام الذي كان قد تأسس حديثاً، في حين وصل الدعم الإيراني والروسي للنظام السوري، فضلاً عن العمليات العسكرية التركية التي قامت ضد الجماعات الكردية. ومنذ عام 2023، لم يعد لدى الثوار سوى جيب واحد في إدلب، في حين استعاد النظام معظم الأراضي في ذلك البلد المدمر إلى أبعد الحدود. وفي تلك الأثناء، بقيت المعارضة السورية مشتتة وعاجزة أكثر من أي وقت مضى، في حين استحال المجلس الوطني السوري إلى مجرد دعوات غير واقعية رأت بأن: “الأسد يجب أن يسقط”.
أما الأستاذ الجامعي برهان غليون المتخصص بعلوم الاجتماع والذي أصبح رئيساً للمجلس الوطني السوري خلال الفترة ما بين 2011-2012، فقد كان مثالاً للمثقف العضوي، إذ من منظور ثقافي، أسهم بعمله الأكاديمي الذي امتد لسنوات طويلة في قيام الثورة، ومن خلاله شارك بصياغة الأفكار والمفاهيم التي استخدمت طوال فترة الحراك الثوري. ومن حيث الممارسة السياسية، انضم غليون إلى مؤسسة سياسية تتبع للمعارضة، سعياً منه لتوحيد جهود الجموع الثورية خلف مؤسسة ثورية، وعبر قيامه بذلك، حاول أن يوجه الحراك الثوري نحو وجهة معينة، إلا أنه لم يتمكن من تحقيق ذلك وحده، إذ توحي تجربته السياسية بأن المثقفين غير قادرين على العمل بصورة فردية على الخروج بالتوجيه العضوي اللازم لأي حراك ثوري، ثم إن الانتفاضة السورية كانت مفتقدة لطبقة المثقفين، وهي عبارة عن مجموعة متماسكة من المثقفين المنخرطين فيها، إذ منعتهم عقود طويلة من القمع من أن يعيشوا تجربة النشاط السياسي الجماعي، فلو أدت تجربة السجن إلى ظهور نتاج ثقافي ضئيل لكن مكثف، فإن وعي المثقفين بالنشاط المعارض كان معظمه نظرياً ويفتقر للخبرة السياسية. ولقد دمر هذا الإرث القاتل الحراك الثوري، فهو السبب الذي جعل المصالح الفردية تتغلب على المصلحة الجمعية عند تشكيل المجلس الوطني السوري بحسب رأي غليون.
إن الخطوات التي شهدتها السيرة الذاتية لحياة برهان غليون في هذا المقال، حيث خرج من عالم الكتب ليتولى رئاسة المجلس الوطني وليخوض جدالات حول البنية التنظيمية للمجلس وعن فترة ولاية رئيسه داخل صفوف المعارضة السياسية، تجسد حالة توتر كبير ما بين الالتزام الشخصي (أي كيف يطبق المثقف أفكاره على السياسة)، وبين حالة غياب الموارد والخبرات التنظيمية (أي عدم تعود المثقفين على العمل سوية). وبالعودة إلى فكرة غرامشي، فإن هذا المثال التجريبي يفيد بتقديم معلومات حول تلك النظرية على مستوى متوسط، بما أن هذا المثال يكشف عن حالة انقسام وتشعب ما بين الفرد والجمع بالنسبة لمفهوم المثقف العضوي. فعلى المستوى النظري، تشير هذه الحالة إلى وجود تأويلين محتملين لهذا المفهوم: فمن جهة أولى، يقدم المثقف العضوي كفرد، ومن جهة ثانية، يقدم نشاط المثقف العضوي بوصفه حالة عمل جماعية، وهذا الاستنتاج النظري قد لا يلاقي أي صدى ضمن السياقات الشرق أوسطية وغيرها حيث ظهرت مشكلة التنظيم السياسي مع انعدام وجود طليعة فكرية مثقفة. إذ عندما نقول مثلاً إن السودان كان لديه تنظيم سياسي بين عامي 2018-2019، في حين لم يكن في لبنان ذلك، فإننا قد نهمل بذلك الأشكال الأفقية للنشاط الفكري والثقافي والذي لم يتجسد في شخصيات عامة، بل ضمن أطر خفية غير مركزية.
نظرياً، توحي تجربة برهان غليون أيضاً بأن إحدى تأويلات مفهوم أنطونيو غرامشي للمثقف العضوي تقوم على تحديد دور اجتماعي للمثقف بعيداً عن مهاراته الثقافية. إذ بالنسبة لغليون، يجب على المثقف العضوي أن يكون عضواً في حزب، أو زعيماً سياسياً، أو نائباً، بحيث ينخرط بصورة مباشرة في السياسة من خلال المؤسسات، وذلك حتى يقود الجموع الثورية المتنوعة الموجودة في الداخل، وليسبغ عليها حالة من التماسك والتلاحم. ونظراً لانخراط غليون المباشر في مؤسسة تنظيمية تتبع للانتفاضة السورية، أصبحت تجربة غليون تشير إلى أن الارتباط العضوي مع الجماهير لا يقف عند الإسهامات النظرية، إذ من منظور غليون، يجب على المثقفين العضويين أن يكونوا أكثر من مجرد وسطاء ثقافيين يشكلون الوعي الذاتي للطبقة، بما أن عليهم أن يتحولوا أيضاً إلى أعضاء سياسيين نشطين في مؤسسات الثورة.
المصدر: The Interventions



