العدالة الانتقالية تحديث 28 شباط 2026

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
العدالة الانتقالية في سوريا.. مسار طويل نحو سِلم أهلي مستدام/ عبد الناصر الجاسم
2026.02.28
لا يمكن الحديث عن استقرار حقيقي أو استعادة لكيان الدولة السورية دون الولوج في عمق مفهوم العدالة الانتقالية والإدراك إنها ليست مجرد ترف إعلامي وفكري أو حزمة من الإجراءات القانونية الجافة، بل هي مسار شاق وطويل، يمثل الجسر الوحيد للعبور من ضفاف النزاع المستمر والتمزق المجتمعي إلى بر الأمان والاستقرار، تتطلب هذه العملية تكاملاً دقيقاً بين الأدوار القضائية الصارمة والمسارات الاجتماعية المرنة لتشكل في مجموعها إطاراً وطنياً شاملاً يهدف إلى معالجة ندوب الماضي، وتوفير آليات فعالة للمحاسبة وجبر الضرر، وضمان قطيعة تامة مع الاستبداد لضمان عدم تكرار الجرائم.
ويخطئ من يظن أن العدالة الانتقالية تنحصر في إصدار الأحكام القضائية خلف الجدران المغلقة وفي قاعات المحاكم، بل إنها في جوهرها جهد مجتمعي شامل يتطلب تضافر قوى جميع الأطراف، سواء كانت ذات صلة مباشرة بالنزاع أو غير مباشرة، وهذا المسار هو عملية “تطهير” للذاكرة الوطنية وإعادة بناء للثقة المفقودة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وبين المواطنين أنفسهم واستعادة لثقة المواطن بنفسه.
ويمكن تلخيص ركائز مسار العدالة الانتقالية في أربعة عناوين رئيسية وهي كشف الحقيقة والذي يمثل الخطوة الأولى لكسر حاجز الصمت بين المجتمع والضحايا، والمحاسبة لضمان إنهاء عصر الإفلات من العقاب، وجبر الضرر من أجل إعادة الاعتبار المعنوي والمادي للمتضررين والضحايا، والإصلاح المؤسسي لضمان عدم عودة آلة القمع مرة أخرى.
ولا شك أن كشف الحقيقة يرتبط ببناء السردية الوطنية الصحيحة، وتعتبر معركة “السردية” من أشرس المعارك في سياق النزاع السوري، لذا فإن العدالة الانتقالية تبدأ من توثيق الحقيقة وإشهارها، ولا يقتصر الأمر على تسجيل الوقائع، بل يتعداه إلى صياغة سردية وطنية صحيحة توثق الانتهاكات التي وقعت بحق السوريين من جميع الأطراف المرتكبة خلال سنوات النزاع.
وهنا يجب التأكيد بوضوح على دور “عصابات الأسد” كطرف رئيسي ومسؤول أول عن الجرائم المرتكبة، كما يجب التنويه بأن توثيق هذه الفظائع لا يهدف لنكىء الجراح، بل لحفظ الذاكرة الجماعية للسوريين، لتظل شاهداً حياً على تضحياتهم في مواجهة الاستبداد، وحصناً يمنع أي محاولة مستقبلية لتزييف التاريخ أو تبرير القمع.
إن استعادة هيبة القانون وسيادته تمر حتماً عبر محاسبة الجناة، أفراداً كانوا أو كيانات ممن تلطخت أيديهم بدماء السوريين أو ساهموا في هندسة القمع على امتداد الساحة السورية، ومع التأكيد أن المحاسبة وحدها لا تكفي لتضميد الجراح وجبر الكسور، ومن هنا تبرز أهمية عملية جبر الضرر والتي تتطلب ابتكار آليات خلاقة تتجاوز التعويض المادي التقليدي لتشمل التعويض المعنوي ورد الاعتبار، ويترافق ذلك مع ضرورة إجراء إصلاحات قانونية ومؤسسية جذرية، فالهياكل التي سمحت بوقوع الجرائم وأنتجت الانتهاكات يجب أن تفكك وتستبدل بمؤسسات قائمة على سيادة القانون و حقوق الانسان لضمان أن لا يكون المستقبل تكراراً مشوهاً للماضي.
وفي قلب هذا المسار المعقد للعدالة الانتقالية يقف الضحايا في محور الارتكاز والغاية النهائية للعملية تتمثل بإنصافهم من أجل دعم السلم الأهلي المستدام، وفي سورية اليوم يمكننا القول بأن المجتمع بأكمله وقع ضحية بشكل أو بآخر، فليس هناك عائلة سورية لم تذق مرارة الفقد، سواء كان فقداً مادياً بتدمير الممتلكات أو فقدان الأرواح بالقتل أو الغياب القسري خلف قضبان المعتقلات وذلك من خلال جميع قوى أمر الواقع التي كانت تسيطر على الجغرافية السورية، وبالتالي فإن نجاح أي مصالحة أو تسوية مرهون بالاعتراف الصريح بمعاناة هؤلاء الضحايا، وأي محاولة للقفز فوق الجراح أو تجاهل آلام المكلومين بدعوى الاستقرار السياسي لن يؤدي إلى استقرار دائم بل ما هي إلا انفجارات مجتمعية مستقبلية مؤجلة. والبداية الحقيقية تكون بالإنصات لصوت الضحايا والاعتراف بتضحياتهم ثم العمل على شق الطريق نحو السلم الأهلي المنشود، وهذا يفرض على هيئة العدالة الانتقالية أن تتحدث مع السوريين بصوت شفاف وواضح ولاسيما بعد القيام ببعض التسويات مع بعض المرتكبين والتي أوصلت إشارة سالبة فيما يتعلق بالثقة وحقوق الضحايا.
استراتيجيات تمكين الضحايا في مسار العدالة
من أجل تحويل الضحايا من “أرقام” في تقارير حقوقية وإعلامية إلى “فاعلين” في بناء المستقبل، يجب تبني استراتيجيات واضحة ومن هذه الاستراتيجيات:
الحوار المجتمعي المباشر: إطلاق منصات حوار مجتمعي تتيح للضحايا وأسرهم التعبير عن تجاربهم وتطلعاتهم، مما يعزز الفهم المجتمعي لحجم المأساة ويوثق السرديات الشخصية بعيداً عن القوالب الجاهزة والتنميط.
آليات التصنيف الرسمية: إن إنشاء نظام تصنيف دقيق للضحايا ليس مجرد إجراء إداري، بل هو وسيلة لتحديد الاحتياجات الخاصة لكل فئة من الضحايا، وتسهيل وصول التعويضات والمعونات، ودعم جهود منظمات المجتمع المدني في التأييد المناصرة.
التمثيل في الهيئات الوطنية: لا يمكن تقرير مصير الضحايا دون وجودهم في خطط وأهداف عملية العدالة الانتقالية، يجب أن يكون للضحايا تمثيل فعلي وصوت مسموع في الهيئات المعنية بالعدالة الانتقالية، مما يضمن واقعية وشفافية القرارات ومصداقيتها.
الدعم النفسي والاجتماعي: إن آثار النزاع عديدة و لم تكن مادية فقط بل تعدت ذلك إلى الجانب النفسي والوجداني لذلك لابد من العمل على توفير برامج متخصصة للتعافي النفسي هو شرط أساسي لتمكين الضحايا من المشاركة الفعالة في صياغة دورهم في مستقبل بلادهم، ولاسيما المعتقلين وعائلات المغيبين قسراً و سكان المخيمات.
الشفافية والاستقلالية
إن الثقة هي القيمة الأغلى والأعلى في مسار العدالة الانتقالية، وهذه الثقة لن تُبنى إلا من خلال الشفافية المطلقة في الإجراءات والقرارات بحيث يجب أن يشعر المواطن السوري، والضحية تحديداً، أن “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” هي كيان مستقل تماماً، لا يخضع لوصاية سياسية أو ضغوط حكومية.
استقلالية هذه الهيئة وتزويدها بالموارد البشرية والتقنية اللازمة والكافية هو ما يمنحها الشرعية والمصداقية، فبدون حصانة من التدخلات السياسية، ستتحول العدالة إلى أداة لتصفية الحسابات بدلاً من أن تكون وسيلة لبناء السلام.
وأخيراً وليس آخراً، إن العدالة الانتقالية في سورية ليست مجرد مطلب حقوقي، بل هي ضرورة وطنية ملحة لتحقيق التعافي والاستقرار المستدام. واليوم يتطلع السوريون بمختلف توجهاتهم إلى مستقبل يسوده الأمان والعدالة، حيث لا يُظلم أحد ولا يُغيب قانون وإن تحقيق هذا الحلم يتطلب إرادة سياسية حقيقية وجهداً جماعياً جباراً يضع حقوق الضحايا فوق كل اعتبار، لضمان بناء مجتمع سوري جديد، أكثر عدلاً، وتماسكاً، وأماناً.
تلفزيون سوريا
—————————–
هل تنجح سوريا الجديدة في استرداد أموال شعبها دون التفريط بالعدالة؟/ مازن الشاهين
يرى قانونيون أن الخطر يكمن في تحويل الاسترداد إلى “سوق للتنازلات”، ما يطرح أسئلة حول مقبولية التسوية المالية مقابل إسقاط الملاحقة الجنائية.
مازن الشاهين
2026-02-28
في بلد أنهكته الحرب والفساد، تبدو استعادة الأموال المنهوبة من رموز السلطة السابقة خطوة نحو العدالة وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، لكن الجدل يتصاعد حول الأبعاد الأخلاقية والقانونية لهذه الخطوة، والخوف من أن تتحول العدالة إلى سلعة يهدد العقد الاجتماعي، خصوصاً إذا أفلت كبار المتورطين من العقاب، بينما يؤكد خبراء الاقتصاد أن استرجاع الأموال قد يغيّر مسار الاقتصاد، ويرى القانونيون أن الخطر يكمن في تحويل الاسترداد إلى “سوق للتنازلات”، ما يطرح أسئلة حول مقبولية التسوية المالية مقابل إسقاط الملاحقة الجنائية وآليات ضمان عدم تحول العدالة إلى صفقة، لتبقى القضية المركزية: كيف تُستعاد الأموال، ومن يحاسَب، وأين تذهب؟
تجارب دولية: بين النجاح والإخفاق
يرى الناشط السياسي نجم العبدالله في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن استرداد الأموال المنهوبة يشكل ركيزة أساسية في العدالة الانتقالية وجبر الضرر، لكنه لا يغني عن كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات والمحاكمات العادلة وإصلاح المؤسسات. المبدأ واضح: المصالحة لا تعني الإفلات من العقاب، والتسوية لا تلغي المسؤولية الجنائية، فالمال جزء من العدالة وليس بديلاً عنها، كما تظهر تجارب جنوب أفريقيا، حيث ارتبطت العدالة الانتقالية بالمحاسبة وكشف الحقيقة وليس بالتسويات المالية فقط.
وتُظهر تجارب دول مثل المغرب وتونس والعراق أن الفصل بين التسوية المالية والملاحقة الجنائية ضروري للحفاظ على الثقة العامة وتفادي فقدان الشرعية، بينما تلعب الشفافية في إدارة الأموال المستعادة دوراً حاسماً في إعادة الثقة.
ويخلص العبدالله إلى أن استرداد الأموال وحده لا يحقق الإصلاح، فالعدالة لا تُشترى، وأي صفقة مالية مع المتنفذين السابقين قد تكرس فكرة أن الجريمة تُسوى بالمال، وتقوض مبدأ المساواة أمام القانون وتضعف القضاء، مما يهدد فرص الإصلاح البنيوي ويعيد تدوير النخب المرتبطة بالنظام السابق.
حجم الأموال المنهوبة: أرقام تخفي معاناة شعب
يقول الناشط الحقوقي محمود الدخيل في تصريحات لـ”963+” إن عائلة الأسد ورجال أعمال محسوبين على النظام السابق يمتلكون أصولاً مجمّدة ومخفية تقدّر بعشرات المليارات، وقد نقلوا أموالهم إلى دول ثالثة قبل سقوط النظام وبعده عبر شبكات تحايل على العقوبات، فيما تشير تقديرات دولية إلى أن المبالغ المحوّلة تتراوح بين 30 و40 مليار دولار، إضافة إلى الأراضي والعقارات والشركات المستحوذ عليها داخل سوريا، ما يخلق معادلة واضحة: ثروة هائلة في الخارج وبلد مدمر في الداخل.
ويرى الدخيل أن المجتمع السوري يواجه معضلة بين الحاجة الماسة للأموال لإعادة الإعمار وتعويض الضحايا، ومبدأ “عدم الإفلات من العقاب”، مؤكداً أن أي تسوية مالية تصبح جريمة إذا كانت وسيلة لإغلاق ملفات الفساد دون محاكمة، فالعدالة لا تُشترى، والثقة العامة تُبنى على الحقيقة والمحاسبة، التي يجب أن تشمل من نهب المال ومن تواطأ معه، لإعادة التوازن بين الدولة والمجتمع وبين القانون والسلطة.
وفي بنوك وعواصم وملاذات مالية متفرقة حول العالم، تنام ملايين الدولارات منهوبة من خزينة الدولة السورية على مدى عقود، في المقابل، يعيش آلاف السوريين في مخيمات التهجير، وتنتظر مدن بأكملها إعادة إعمار لم تبدأ بعد.
يرى المحامي نزيه بشير في تصريحات لـ”963+” أن غياب الشفافية في تتبع الأموال المنهوبة يعقّد جهود الاسترداد، والخطر الأكبر يكمن في تحويل القضية إلى “سوق للتنازلات” يدفع فيه المتهم مالاً لشراء حريته وطمس جرائمه، ما يقوّض مبدأ عدم الإفلات من العقاب ويضعف الثقة بالمؤسسات القضائية. فالمال العام حق مشترك للسوريين، ومسؤولية حمايته واجب دستوري، والاقتصار على استرجاع الأموال دون محاسبة جنائية يحوّل الجريمة الاقتصادية إلى استثمار مغرٍ للمستفيدين ويضعف هيبة القضاء، فيما القانون الدولي ومبادئ العدالة الانتقالية تشدد على أن مكافحة الفساد لا تكتمل إلا بالمحاسبة الجزائية.
ويشير بشير إلى أن المفاوضات غير الرسمية بعد سقوط النظام، القائمة على مبدأ “أعد المال واذهب بسلام”، تنطوي على مخاطر بالغة، إذ تساوي بين الجرائم المالية وجرائم الدم، وتُفقد الضحايا فرصة محاكمة من ظلمهم، وترسّخ فكرة أن السلطة تعمل بمنطق الصفقات وليس القانون. ويخلص بشير إلى أن استعادة الأموال دون محاكمة ليست عدالة انتقالية، بل مساومة على العدالة، ومن يساوم عليها يفتح الباب أمام فساد جديد.
مقترح قانوني نحو سياسة وطنية شاملة لاسترداد الأموال
قاضٍ سابق، تحدث لـ”963+” بشرط عدم الكشف عن اسمه، عن مجموعة من الخطوات العملية لبناء سياسة وطنية متكاملة في هذا الملف، من بينها: إقرار قانون خاص باسترداد الأموال والأصول المنهوبة، يحدد تعريفاً دقيقاً للأموال المتأتية من الفساد، وصلاحيات الجهات القضائية والرقابية، وآليات التعاون الدولي وتجميد الأصول في الخارج، وأيضاً إنشاء هيئة وطنية مستقلة لاسترداد الأموال المنهوبة، تضم ممثلين عن: وزارة العدل والنيابة العامة، وزارة المالية والجهات الرقابية المالية، وخبراء في القانون الدولي والجرائم الاقتصادية، مع ضرورة الانخراط الفعّال في المبادرات الدولية الخاصة باسترداد الأصول، بما فيها شبكات التعاون الإقليمي، لضمان تتبع الأموال المهرّبة ورفع السرية المصرفية عنها حيث أمكن، وأيضاً ربط ملف استرداد الأموال بملف “العدالة الانتقالية” الأوسع، بحيث تُعتبر الأموال المستردة جزءاً من مسار جبر الضرر ورد الاعتبار للضحايا والمجتمع، لا مجرد عملية مالية معزولة عن سياق الانتهاكات الأوسع التي ارتكبها النظام السابق.
ويتساءل: هل ستنجح سوريا الجديدة في استرداد أموال شعبها دون التفريط بالعدالة؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، لكن اليقظة المجتمعية والضغط الشعبي هما الضمانة الوحيدة لعدم تحويل الملف إلى صفقة جديدة على حساب السوريين، فالدولة التي تسعى لإعادة بناء عقدها الاجتماعي لا يمكن أن تبدأ بتسوية الجرائم الكبرى عبر اتفاقات مالية مغلقة.
المسارات القانونية لاسترداد الأموال: ما بين القضاء والتسوية
يرى الخبير القانوني عماد الدين شهاب في تصريحات لـ”963+” أن الخيار ليس محصوراً بين “استعادة المال بصفقة” أو “لا مال ولا محاكمة”، فهناك مسارات قانونية واضحة نجحت في دول مرت بتجارب مماثلة.
ويقترح شهاب إنشاء محاكم وطنية متخصصة في قضايا الفساد الكبير للبت في الجانبين الجنائي والمدني، وفتح تحقيقات رسمية في الجرائم المالية المرتبطة بالمسؤولين الكبار، وإصدار أحكام تتضمن تجريم الأفعال ومصادرة الأموال والأصول داخل البلاد وخارجها بالتنسيق مع الجهات الدولية، مع ضمان المصادرة الجنائية استناداً إلى حكم قضائي نهائي.
ويشير شهاب إلى أن التسويات المالية ممكنة فقط تحت رقابة قضائية، بحيث تخفف العقوبة دون إسقاط التهم، مع الاعتراف بالذنب وتعويض شامل، حفاظاً على استمرار المسؤولية الجنائية.
ويختم بأن أي مقايضة بين المال والعدالة تُرسّخ الفساد وترسخ فكرة أن الجريمة مربحة والعقاب مرن، مؤكداً أن استرداد الأموال المنهوبة لا يكتمل إلا بالمحاسبة، فالأموال حق للشعب، والعدالة والمحاسبة يجب أن تسيران معاً لإرساء دولة القانون وتجنب دولة الصفقات.
إلى أين تذهب الأموال المستعادة؟
الخبير الاقتصادي الدكتور حسان مراد أكد في تصريحات لـ”٩٦٣+” إذا كان استرداد المال شرطاً أساسياً للعدالة، فإن طريقة إدارة هذا المال لا تقل أهمية عن استرداده نفسه، فالأموال المستعادة هي مال عام، ويجب أن تُدار بشفافية مطلقة، من خلال صندوق وطني خاص تحت إشراف قضائي وبرلماني مباشر، مخصص لتعويض الضحايا كأولوية أولى، خصوصاً عائلات الشهداء والمعتقلين السابقين والمفقودين، وتخصيص نسبة لدعم الخدمات العامة المنهارة (مستشفيات – مدارس – بنية تحتية)، وبرامج إعادة الإعمار في المناطق الأكثر تضرراً، مع نشر تقارير ربع سنوية مفصلة حول حجم الأموال الواردة والمصروفات يضمن معرفة المواطنين بحجم الأموال المستردة وأوجه صرفها، وهو ما يمنح هذه العملية شرعية اجتماعية، ويحّولها من مجرّد إجراء مالي إلى ركن من أركان العدالة الانتقالية.
ويختم مراد في ميزان العدالة، لا يمكن اختزال حقوق السوريين في أرقام تُضاف إلى حسابات الخزينة العامة أو صندوق خاص، مهما بلغت قيمتها، فالمال المنهوب ليس مجرد عجز في الموازنة أو فجوة في ميزان المدفوعات، بل تجسيد لعقود من الفساد والإفلات من العقاب وتهميش المجتمع عن مراقبة ثرواته وقرارات حكامه، من هنا، تبدو “استعادة الأموال” خطوة ضرورية، لكنها لا تكتمل إلا حين تقترن بـ “محاسبة قضائية جدية”، و”إدارة شفافة” لتلك الأموال لصالح عموم السوريين، والتزام صارم بمبدأ أن العدالة ليست صفقة، وأن الثروة المستردة ليست ملكاً للسلطة الجديدة، بل حقٌ للشعب لا يقبل المساومة.
+963
—————————–
العدالة الجزائية في سوريا: بين تقادم النصوص وضرورة الإصلاح الشامل/ أحمد الجابر
بين إرث 1949 واستحقاقات المرحلة الانتقالية: هل تنجح سوريا في إعادة صياغة قانونها الجزائي وترسيخ استقلال القضاء؟
2026-02-28
في ظل التحولات السياسية والاجتماعية العميقة التي تشهدها سوريا بعد سقوط النظام السابق وإعادة بناء المؤسسات، بات إصلاح النظام القانوني والقضائي قضية محورية لا تقل أهمية عن التحديات الأمنية والاقتصادية.
وتُظهر منظمات حقوقية دولية، مثل أمنستي إنترناشيونال، أن الحكومة الانتقالية أمام فرصة حقيقية لكسر إرث الانتهاكات التي طالت البلاد منذ 2011، عبر اتخاذ خطوات ملموسة في مجال العدالة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، بما يُهيئ أرضية لمنع تكرار التجاوزات في المستقبل ويُرسّخ سيادة القانون ومعايير حقوق الإنسان في الإصلاحات القادمة.
إضافة إلى ذلك، تشدد تقارير خبراء وناشطين في حقوق الإنسان على ضرورة أن تكون أي مراجعة تشريعية شاملة متضمنة لقوانين العدالة الانتقالية، تشمل آليات مساءلة واضحة، وإعادة هيكلة المؤسسات القضائية، وتعزيز استقلال القضاء وإشراك المجتمع المدني في صياغة التشريعات الجديدة، وذلك لتفادي ممارسات تكرس عدم الثقة وتُضعف مصداقية النظام القانوني.
في الوقت نفسه، تُشكل قضية العدالة الانتقالية محور اهتمام واسع في النقاشات الأكاديمية والسياسية، حيث يرى بعض المراقبين أن إصلاح المنظومة القانونية يجب أن يرتبط بشكل مباشر بآليات مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، وإحداث إصلاحات جوهرية في بنية القانون نفسه، لا سيما في مجالات ضمانات المحاكمة العادلة، ومواءمة القوانين مع المعايير الدولية، وحماية الحقوق الأساسية للمواطنين.
علاوة على ذلك، يبرز في السياق السوري الحديث تركيز على العدالة الانتقالية كآلية لتحقيق المساءلة، كشف الحقيقة، جبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وخاصة في مرحلة ما بعد الصراع، وذلك لضمان عدم تكرار الانتهاكات وبناء قاعدة قانونية صلبة تحترم حقوق الإنسان وتدعم استقرار المجتمع.
في هذا التقرير، نتناول رؤى متعددة حول الحاجة إلى تطوير المنظومة الجزائية السورية، ويستعرض مقترحات الخبراء والباحثين لمسار إصلاحي شامل يربط بين تحديث النصوص القانونية وترسيخ مؤسسات مستقلة وقادرة على إنفاذ القانون بإنصاف وشفافية، ضمن إطار العدالة الانتقالية الشامل التي تتطلع إليها قطاعات واسعة من المجتمع السوري.
مراجعة لقانون العقوبات وتعزيز استقلال القضاء
يقول إبراهيم كابان، مدير شبكة الجيوستراتيجي للدراسات، ويقيم في ألمانيا، لـ”963+”: إن قانون العقوبات السوري الصادر عام 1949 وُضع في سياق تاريخي مختلف تماماً عن الواقع الراهن، ويشير إلى أنه في بنيته العامة يعكس فلسفة تشريعية تقليدية تركز على الجرائم الكلاسيكية.
ويضيف أنه مع التحولات العميقة في بنية الجريمة، خصوصاً الجرائم الإلكترونية وجرائم غسل الأموال والاتجار بالبشر والجريمة المنظمة العابرة للحدود، بات واضحاً أن النصوص الحالية غير كافية من حيث التعريفات وأدوات الإثبات ونطاق المسؤولية الجزائية.
ويوضح أنه صحيح أن هناك قوانين خاصة صدرت لاحقاً، كقانون الجرائم المعلوماتية، إلا أن المعالجة بقيت جزئية وردّ فعلية، ولم تأتِ ضمن رؤية تشريعية متكاملة تعيد مواءمة المنظومة الجزائية برمتها مع التطورات التكنولوجية والاجتماعية.
ويعتقد أن الإشكالية لا تتعلق فقط بتجريم الأفعال، بل بآليات التحقيق وحجية الأدلة الرقمية وضمانات الخصوصية والتوازن بين الأمن والحقوق الأساسية.
ويتابع أن التطبيق العملي كشف عن عدد من الإشكاليات، أبرزها: اتساع بعض النصوص ومرونتها المفرطة، ولا سيما المواد المتعلقة بجرائم أمن الدولة، ما يسمح بتفسيرات واسعة قد تمسّ مبدأ الشرعية الجزائية الذي يقوم على وضوح النص وتحديده. بالإضافة إلى عدم التناسب بين الجريمة والعقوبة في بعض الحالات، سواء من حيث التشدد أو الغموض في معايير التقدير.
ومن بين الإشكاليات تداخل الصلاحيات بين القضاء العادي والاستثنائي، الأمر الذي أثّر تاريخياً على ضمانات المحاكمة العادلة واستقلال القضاء. وقصور في تنظيم الأدلة الحديثة، خصوصاً في الجرائم التقنية، ما يفتح المجال لاجتهادات متباينة، وفق كابان.
ويفسر أن هذا الغموض أو الاتساع التشريعي ينعكس مباشرة على ضمانات الدفاع وقرينة البراءة وحق المتهم في محاكمة عادلة أمام قاضيه الطبيعي، ويجعل التطبيق أحياناً خاضعاً لاعتبارات تفسيرية أكثر من كونه منضبطاً بنصوص دقيقة.
ويشير إلى أن الإشكالية مركبة، ولا يمكن اختزالها في أحد الجانبين فقط؛ فثمة قصور موضوعي في بعض النصوص من حيث الحداثة والصياغة، لكنه يوضح أنه في المقابل تلعب آليات التنفيذ والتفسير القضائي دوراً حاسماً في تكريس المشكلات أو الحدّ منها.
ويعلل أن النص القانوني، مهما بلغ من الدقة، يبقى رهناً بثلاثة عناصر: استقلال القضاء، ومهنية أجهزة إنفاذ القانون، وضمانات المحاكمة العادلة.
ويرى أنه في البيئات التي يضعف فيها استقلال السلطة القضائية أو تتداخل الاعتبارات السياسية مع المسار الجزائي، يصبح الخلل في التطبيق أخطر من الخلل في النص ذاته، وبالتالي فإن أي إصلاح حقيقي يجب أن يتناول البنية المؤسسية بقدر ما يتناول النصوص.
ويضيف أنه من الناحية النظرية يُفترض أن ينسجم قانون العقوبات مع الدستور، خاصة فيما يتعلق بمبادئ الشرعية والمساواة أمام القانون وصون الحرية الشخصية، إلا أنه يشير إلى أن بعض النصوص الجزائية، خصوصاً المرتبطة بحرية التعبير والتجمع، تثير تساؤلات حول مدى اتساقها مع المعايير الدستورية ومع الالتزامات الدولية لسوريا، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
ويؤكد أن هناك فجوات تشريعية واضحة في مجالات مثل حماية الخصوصية الرقمية وتجريم بعض أشكال العنف المستحدث وضمانات منع التعذيب وسوء المعاملة وفق المعايير الدولية، كما يعزو التباين بين النصوص والممارسة العملية إلى ضعف فعالية الضمانات القانونية، حتى وإن كانت موجودة شكلياً.
ويقول: “نحن أمام حاجة إلى مراجعة شاملة ذات طابع منهجي، لا مجرد تعديلات تجميلية أو متفرقة، ويعتقد أن الإصلاح ينبغي أن ينطلق من رؤية فلسفية جديدة للسياسة الجنائية تقوم على: تحديث تعريفات الجرائم بما يواكب التطورات المعاصرة”. وتعزيز مبدأ الشرعية والوضوح التشريعي. وإعادة النظر في العقوبات السالبة للحرية وتوسيع بدائلها. ومواءمة النصوص مع الدستور والمعايير الدولية لحقوق الإنسان. وتعزيز استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة.
ويتابع أن هذا الإصلاح الشامل يمكن أن يُنفذ على مراحل، تبدأ بأولويات ملحّة كقوانين الجرائم الإلكترونية وجرائم العنف وضمانات الإجراءات الجزائية، ثم تمتد إلى إعادة صياغة متكاملة لقانون العقوبات في إطار إصلاح عدلي شامل.
ترسيخ استقلال القضاء أولوية
يقول درويش خليفة، الكاتب والسياسي، لـ”963+”: إن أهم ما تقتضيه المرحلة الراهنة في سوريا، قبل الشروع في سنّ قوانين وتشريعات جديدة، هو ترسيخ استقلال القضاء فعلياً، والالتزام الصارم بالمبادئ الدستورية وتفعيلها دون الالتفاف عليها أو تعطيلها تحت ذرائع المرحلة الانتقالية.
ويضيف أن التجربة التي أعقبت سقوط النظام السابق أظهرت أن القفز على الضوابط الدستورية يُنتج اختلالاً بنيوياً في منظومة العدالة، ويعيد إنتاج الذهنية السلطوية بأدوات مختلفة.
ويشير إلى أنه في هذا السياق تبدو مراجعة التشريعات الناظمة للفضاء الرقمي ضرورة موضوعية في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، ويعتبر أن القانون رقم 20 لعام 2020 المتعلق بالجريمة المعلوماتية جاء أساساً لسدّ فراغ لم يستطع قانون العقوبات التقليدي معالجته.
غير أنه يوضح أن صياغته اعتمدت مفاهيم فضفاضة من قبيل “النيل من هيبة الدولة” و”إثارة الرأي العام”، وهي تعبيرات تفتقر إلى التحديد الدقيق، ما فتح الباب أمام توظيفه كأداة لتقييد حرية الرأي والتعبير أكثر من كونه إطاراً لحماية الأمن الرقمي.
ويتابع أن الإشكالية تتفاقم في بيئة تعاني أصلاً من ضعف الثقافة القانونية والدستورية، حيث تُترك نصوص مبهمة عرضة لتفسيرات أحادية تمنح جهات التحقيق، ومن بعدها القضاء، سلطة تقديرية واسعة تُمارس غالباً وفق اعتبارات أمنية. ويستشهد بتجربة المحاكم الاستثنائية، ولا سيما محكمة الإرهاب سابقاً، التي جسّدت تغليب المنطق الأمني على الضمانات القضائية.
ويضيف أنه إلى جانب ذلك تظهر فجوة تشريعية واضحة بين بعض نصوص قانون العقوبات، من جهة، والإعلان الدستوري لعام 2025 والالتزامات الدولية لسوريا، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، من جهة أخرى.
ويشير إلى أن مواد “جرائم النشر” و”الجرائم المعلوماتية” تتعارض في بنيتها الحالية مع مبدأ حرية الرأي المكفول دستورياً، إذ يُجرَّم النقد السياسي تحت توصيفات جنائية مطاطة، بما يقوّض جوهر الحماية الدستورية.
ويخلص إلى أنه، بناءً على ذلك، لا يحتاج السوريون إلى ترقيع تشريعي محدود يسدّ ثغرات آنية، بل إلى إصلاح قضائي شامل يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس سيادة القانون.
ويعتقد أن الإصلاح المطلوب يتجاوز تعديل النصوص إلى مراجعة الفلسفة العقابية ذاتها، والانتقال من منطق الردع الانتقامي إلى مقاربة إصلاحية تأهيلية تعالج الجذور التشريعية والمؤسسية للاختلال، لا مظاهره فقط.
—————————–
أهمية الحفاظ على الفصل بين السلطات خلال مراحل الانتقال السياسي/ فضل عبد الغني
2026.02.27
يُعدّ مبدأ الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية من أكثر المبادئ تأثيراً في تطوّر الحكم الدستوري الحديث. وقد صاغ مونتسكيو هذا المبدأ بصورة منهجية في كتابه «روح القوانين» (1748)، تأسيساً على قناعة مفادها أن تركيز وظائف التشريع والتنفيذ والقضاء في يد جهة واحدة يولّد الاستبداد.
غير أنّ هذا المبدأ يواجه أقسى اختباراته خلال فترات الانتقال السياسي، حين تمرّ المجتمعات بثورة، أو انهيار للنظام، أو صراع مسلح. إذ تُنتج البيئات الانتقالية ضغوطاً هيكلية تميل لصالح المركزية التنفيذية: هشاشة المؤسسات، وتنازع الشرعية، وتشتت المجتمع المدني، وتنامي خطاب الاستعجال في الإنجاز بوصفه مبرراً جاهزاً لتعليق الضوابط والتوازنات. وتُظهر تجارب ما بعد الصراع وما بعد السلطوية أن تآكل الفصل المؤسسي في المرحلة الانتقالية كثيراً ما يرسخ أنماطاً جديدة من السلطوية بدلاً من تعزيز الترسّخ الديمقراطي. لذلك، فإن فهم أسباب وكيفية صون الفصل بين السلطات في هذه المنعطفات الحرجة يُعدّ ضرورة نظرية وعملية في آن واحد.
الأسس النظرية: مونتسكيو، وماديسون، ومنطق الكبح المؤسسي
يفترض التصوّر الكلاسيكي للفصل بين السلطات إسناد الوظائف التشريعية والتنفيذية والقضائية إلى مؤسسات متميزة ومستقلة. وقد جادل مونتسكيو بأن اجتماع السلطتين التشريعية والتنفيذية في شخص واحد أو هيئة واحدة يفضي إلى زوال الحرية، لأن الجهة ذاتها التي تضع قوانين استبدادية ستملك أدوات إنفاذها على نحو استبدادي. ويمتد هذا المنطق إلى السلطة القضائية؛ إذ حذّر من أن اقتران القضاء بالتشريع يجعل السلطة على حياة المواطنين وحرياتهم تعسفية. وقد أسهم هذا التصور الثلاثي في تشكيل هندسة الديمقراطيات الدستورية الحديثة، ولا سيما في نموذج الدستور الأميركي الذي يوزّع السلطة بين فروع متساوية، ويزوّدها بآليات متبادلة للكبح والتقييد.
وفي السياق نفسه، شدد جيمس ماديسون في «الورقة رقم 48» من «الأوراق الفدرالية» على ضرورة توفير ضمانات عملية لكل فرع ضد تغوّل الفروع الأخرى. ويستهدف نظام الضوابط والتوازنات الناتج عن ذلك منع هيمنة أي فرع منفرداً، بما يعزّز التفاوض والتعاون والمساءلة. وجوهر هذا التقليد ليس إجرائياً فحسب، بل موضوعي أيضاً؛ إذ يعمل الفصل المؤسسي كآلية لحماية الحرية الفردية ومنع إعادة تركيز السلطة. وبناءً عليه، يشكّل هذا المبدأ كذلك أساساً للثقة العامة عبر ترسيخ الشفافية والمساءلة الأفقية، بحيث يراقب كل فرع سلوك الفروع الأخرى، بما يعزز المصداقية المؤسسية اللازمة للشرعية الديمقراطية.
المفارقة الهيكلية للمراحل الانتقالية: لماذا تشتد الحاجة للضمانات
تكشف التحولات السياسية مفارقة بنيوية مفادها أن الشروط التي تجعل الضوابط والتوازنات أكثر إلحاحاً هي نفسها التي تجعلها أكثر قابلية للتفكيك. فبيئات ما بعد الصراع تتسم عادةً بتضرر الهياكل الحكومية أو غيابها، وضعف الخبرة الإدارية، وهشاشة تقاليد سيادة القانون، وتمزق المجتمع المدني. وفي مثل هذه السياقات، تتعرض السلطة التنفيذية لضغوط وحوافز كثيفة نحو تمركز السلطة، ويجري تبرير ذلك غالباً بضرورات إعادة الإعمار، أو مواجهة التهديدات الأمنية، أو متطلبات «السرعة» في القرار.
وتعزّز دراسات الدساتير المقارنة في الدول الخارجة من النزاع هذه الديناميكية؛ إذ تشير خبرات سياقات متباينة مثل البوسنة والهرسك، وجنوب إفريقيا، ولبنان، وأوغندا إلى أن تركيز السلطة الذي تخلقه هياكل تنفيذية قوية في مراحل ما بعد الصراع قد انتهى، في غير حالة، إلى إنتاج حكومات مهيمنة تتمحور حول شخص أو كتلة ضيقة. والأكثر أهمية أن هذه البنى، متى ترسخت، يصبح التراجع عنها بالغ الصعوبة. ويلاحظ أيضاً أن هذا النمط قد يتكرر بغض النظر عن كون النظام رئاسياً أو برلمانياً، بما يوحي بأن الخطر لا يكمن في «التسمية الدستورية» بقدر ما يكمن في توزيع السلطة الفعلية الكامن في تصميم المؤسسات.
وتوضح الأدبيات المعاصرة حول التراجع الديمقراطي أن «التغوّل التنفيذي» بات أحد المسارات الأكثر شيوعاً لتآكل الديمقراطيات المعاصرة، عبر تركيز تدريجي للسلطة يقوّض القيود التشريعية والقضائية والمجتمعية من خلال قنوات تبدو قانونية ظاهرياً. وتتخذ هذه العملية أشكالاً متعددة: تقليص دور البرلمان والمحاكم، الاستحواذ التشريعي بواسطة أغلبية موالية، الالتفاف على المعارضة عبر استفتاءات مُسيّسة، أو تفريغ المعايير الديمقراطية من مضمونها عبر تواطؤ نخبوي. وبذلك، فإن وجود فروع منفصلة شكلياً لا يكفي دون استقلال مؤسسي حقيقي ومعايير سياسية راسخة تمنع هيمنة فرع على آخر.
القضاء والمشرّع: الاستقلال شرطٌ للانتقال الديمقراطي
يضطلع القضاء المستقل في التحولات السياسية بوظائف حاسمة: الفصل الحيادي في النزاعات بين الدولة والأفراد، كبح تجاوزات السلطة التنفيذية، حماية الحقوق الأساسية، وترسيخ سيادة القانون. ويعني الاستقلال القضائي أن تُبنى الأحكام على مبادئ قانونية لا على اعتبارات النفوذ السياسي، وهو ما يُعد ضرورياً لتعزيز الثقة العامة في النظام القانوني الجديد. وفي هذا الإطار، تؤكد «الإرشادات العالمية لتعيينات المحاكم العليا» الصادرة عن Constitution Hill Human Rights Precinct أن من الأهداف المركزية لأي نظام سياسي في مرحلة انتقالية إنشاء قضاء مستقل بالتوازي مع إدماج القواعد الدستورية الجديدة، لأن قضاة مستقلين وحدهم قادرون على تحويل أهداف العدالة الانتقالية، بما فيها الحقيقة والمساءلة والمصالحة، إلى وقائع مؤسسية لا مجرّد تطلعات.
وتعرض الخبرات المقارنة طيفاً واسعاً من النتائج: ففي بعض الحالات، أسهم تعيين قضاة دستوريين ذوي سمعة مهنية رفيعة واستقلالية ظاهرة في خلق قيود شرعية على السلطة الحكومية وفرض المقتضيات الدستورية حتى حين كانت مكلفة سياسياً. وفي حالات أخرى، عزّز حضور قضاة دوليين مستقلين في محاكم انتقالية القدرة على إعادة الانتظام الدستوري رغم هشاشة البيئة السياسية. وعلى النقيض، حين تعرضت الأجهزة القضائية لعمليات تطهير سياسي أو افتقرت إلى ضمانات دستورية وآليات تعيين شفافة، انهار الاستقلال القضائي. وتنبثق هنا مسألة تحليلية مركزية في الأدبيات المقارنة: التباين بين الاستقلال القانوني (de jure) والاستقلال الواقعي (de facto)، إذ كثيراً ما تفشل النصوص وحدها في إنتاج استقلال عملي ما لم تسندها ثقافة مؤسسية وآليات تنفيذ فعّالة.
أما السلطة التشريعية فتواجه ضعفاً موازياً في البيئات الانتقالية. ففي الديمقراطيات المستقرة، يعمل البرلمان كقيد مؤسسي أساسي على الجهاز التنفيذي، غير أن الدراسات المقارنة تُظهر أن البرلمانات في مراحل ما بعد الصراع غالباً ما تكون ضعيفة الفعالية، سواء كان النظام رئاسياً أو برلمانياً. ويفضي ضعف البرلمان إلى فراغ رقابي يسمح بترسيخ نزعات سلطوية؛ لذلك تُصبح مسألة تعزيز القدرات التشريعية، وضمان احترام مدة الولاية، وتحصين أدوات الرقابة البرلمانية، جزءاً لازماً من أي مقاربة دعم دولي أو إصلاح داخلي. وفي
مسارات التراجع، يتحول البرلمان أحياناً إلى أداة لترسيخ السلطة التنفيذية، عبر تشريعات مواتية، وإضعاف القضاء، ومنح الغطاء السياسي لتجاوزات غير دستورية.
الفصل بين السلطات والعدالة الانتقالية
تقوم العلاقة بين الفصل بين السلطات والعدالة الانتقالية على ترابط عضوي. فقد أكدت رؤية الشبكة السورية لحقوق الإنسان عن مسار العدالة الانتقالية في سوريا أن عمل لجان الحقيقة، ومحاكمات المساءلة، وبرامج جبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، يتطلب قضاءً مستقلاً وبرلماناً فاعلاً. فإذا خضعت المحاكم لهيمنة السلطة التنفيذية غدت المحاكمات عرضة للتسييس، وتراجعت حقوق الضحايا أمام ضرورات الملاءمة السياسية. وإذا ضعفت المجالس التشريعية أو استُقطبت على نحو حاد، أمكن سن قوانين عزل أو «تطهير» واسعة من دون مداولات جادة أو رقابة قضائية كافية. ومن ثمّ، فإن آليات العدالة الانتقالية لا تعمل في فراغ؛ بل تحتاج إلى سند من إصلاح قضائي أوسع، وإعادة هيكلة قطاع الأمن، وإصلاحات اقتصادية، ومشاركة مجتمعية فعالة.
كما لا يقتصر أثر الفشل في صون الفصل المؤسسي في المراحل الانتقالية على إدارة الحكم الآنية؛ إذ إن تركيز السلطة التنفيذية يغذّي منطق الانتقام على حساب المصالحة، ويزعزع التنافس السياسي، ويقوّض الأساس المؤسسي للتداول السلمي للسلطة. فالتداول الديمقراطي يفترض وجود سلطات ثلاث مستقلة: تشريعية تشرّع، تنفيذية تُدير وتحكم، وقضائية تفصل في المنازعات وتكفل الحقوق. ومن دون هذه البنية، تصبح التحولات عرضة لاستيلاء الفصائل المهيمنة على الدولة، وتفتقر إلى قاعدة مؤسسية لحكم ديمقراطي مستدام.
وتضيء الأبحاث التجريبية حول الضوابط والتوازنات على هذه الديناميكية؛ إذ يميل بعض المواطنين، تحت ضغط الانسداد السياسي أو الخوف من الفوضى، إلى تفضيل تجاوز القيود المؤسسية، حتى عندما تكون النتائج بعيدة المدى ضارة. وهو ما يعني أن «المزاج الانتقالي» ذاته قد يدفع نحو مركزية تنفيذية متنامية. وكل توسع استثنائي في سلطة الجهاز التنفيذي خلال هذه الفترات يخلق سوابق يصعب التراجع عنها لاحقاً، على نحو تؤكده الخبرات المقارنة باستمرار.
في الختام، كشفت لنا الأطر الانتقالية التي تستدعي الفصل نظرياً؛ في حين تركز السلطة موضوعياً في يد الجهاز التنفيذي عن فجوة مستمرة بين الالتزام الخطابي والواقع المؤسسي. ويتمثل التحدي أمام السلطات الانتقالية، ومصممي الدساتير، والمجتمع المدني، والشركاء الدوليين، في ترسيخ ضمانات هيكلية قابلة للإنفاذ منذ البداية، مع إدراك أن الخيارات المؤسسية المتخذة في المرحلة الانتقالية هي التي تحدد ملامح النظام السياسي اللاحق.
تلفزيون سوريا
——————————–
مناورات وزارة العدل السوريّة: نظام الأسد ليس فرداً واحداً فقط!/ ياسر شالتي
27.02.2026
تغييب مفاهيم “جرائم الحرب” و”الجرائم ضد الإنسانية” في سوريا، يحمّل الحكومة السورية مسؤولية قضائية دولية. كما أن إعادة توصيف هذه الجرائم كجنح أو كجرائم قتل عادية تشكّل تزويراً قانونياً مقصوداً، يهدف إلى إسقاطها سياسياً وإخراجها من نطاق المساءلة الدولية.
يتصدّر ملف العدالة الانتقالية النقاشات السورية، سواء القانونية أو السياسية أو حتى المجتمعية، خصوصاً مع عودة شخصيات محسوبة على الأسد إلى الساحة، إما عبر “تسويات” تقوم بها اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع، أو عبر مصالحات “السلم الأهلي”، أو – وهذا الأخطر – ترك بعض المتهمين أحراراً وعدم توجيه اتهام لهم، بحجة غياب اتهام شخصي.
هذه المناورات تقود بوضوح نحو تمييع “الجرائم الجسيمة”، وآخرها العفو العام الذي أصدره الرئيس في المرحلة المؤقتة أحمد الشرع، والذي يخالف بشكل واضح الإعلان الدستوري.
“العفو العام”: هل الفرد فوق القانون؟
ينص الإعلان الدستوري السوري بوضوح على أن رئيس الجمهورية يملك حق العفو الخاص فقط، أي العفو الذي يُمنح لأشخاص محددين بعد صدور أحكام قضائية مبرمة بحقهم. ومع ذلك، صدر عفو عام، وهي صلاحية تشريعية لا يملكها الرئيس في المرحلة المؤقتة، ولا سيما في غياب مجلس الشعب، الجهة المخوّلة حصراً بإقرار العفو العام.
هذا الخرق برّره وزير العدل بالقول إن حق الرئيس المؤقت في إصدار المراسيم في حال غياب مجلس الشعب لم يُذكر في الإعلان الدستوري، وإن ما حصل هو إجراء قانوني “موجود في سوريا”. إلا أن هذا التبرير، القائم على غياب مجلس الشعب، يتجاهل البعد السياسي لتعطيل تشكيله، ولا يمكن اعتباره تفصيلاً إجرائياً، بل هو مؤشر واضح إلى إعادة إنتاج سلطة الفرد أو “السيد” الذي يتحرك فوق القانون.
وعندما تبدأ المرحلة الانتقالية بمخالفة النص الذي تستمد منه شرعيتها، فهي تهدم من الأساس مفهوم دولة المؤسسات، وتبعث برسالة واضحة مفادها أن العدالة ما زالت خاضعة لإرادة السلطة لا لحكم القانون.
والمفارقة أنه، وعلى الرغم من الفيديوهات الدعائية التي بثّتها السلطة لإطلاق سراح المشمولين بالعفو، أطلق سراح “مخطوفون” من السويداء محتجزون في سجن عدرا من دون توجيه أي اتهام لهم، بل يوصفون بأنهم “أمانة”.
تفتيت الجريمة: من المنظومة إلى الأفراد
الخلل الجوهري في منطق التعامل مع الجرائم التي ارتكبتها ماكينة القتل التي أدارها “النظام السوري”، يتمثل في التعامل معها بوصفها أفعالاً فردية معزولة، في حين أن جرائم النظام السابق لم تكن نتاج تصرفات شخصية، بل نتيجة منظومة أمنية وعسكرية واقتصادية متكاملة.
إهمال اتهام هذه المنظومة وتعريفها يؤدي إلى تفتيت الجريمة الكبرى، ويضيّع خيوط الأدلة التي تقود إلى القيادات العليا، ويستثني الأدوار التي لعبها من كانوا جزءاً أساسياً من آلة القتل.
هذا التمييع، وتغييب مفاهيم “جرائم الحرب” و”الجرائم ضد الإنسانية” في سوريا، يحمّلان الحكومة السورية مسؤولية قضائية دولية. كما أن إعادة توصيف هذه الجرائم كجنح أو كجرائم قتل عادية تشكّل تزويراً قانونياً مقصوداً، يهدف إلى إسقاطها سياسياً وإخراجها من نطاق المساءلة الدولية.
وتتجلّى هذه المواربات في تصريحات وزير العدل في الحكومة السورية الانتقالية، مظهر الويس، عن قرب انطلاق أولى جلسات المحاكمة بحق رموز النظام السابق، وهي محاكمات وصفها بأنها “علنية حسب القانون السوري، وفوق العلنية، ستكون إعلامية”، في إشارة إلى من أُلقي القبض عليهم سابقاً. لكن السؤال الجوهري يبقى: ما هي التهم الموجّهة إليهم؟
فبحسب الفيديوهات التي بثّتها وزارة العدل، والخاضعة للمونتاج، وجّه قاضي التحقيق إلى أربعة من رموز النظام (المفتي السابق أحمد بدر الدين حسون، ووزير الداخلية الأسبق محمد إبراهيم الشعار، ومدير إدارة المخابرات الجوية الأسبق إبراهيم الحويجة، إضافة إلى عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي في درعا) تهماً غير واضحة الترتيب بسبب المونتاج، إذ وُجّهت إلى كل شخص تهمة واحدة، بينما مجموع التهم هو: “القتل العمد، ارتكاب أعمال التعذيب والموت الناجم عنه، الاعتداء الذي يؤدي إلى إثارة الحرب الأهلية، والتحريض والاشتراك والتدخل بالقتل”.
غير أن هذه التهم تحاسب الأفراد بوصفهم أشخاصاً، لا باعتبارهم جزءاً من منظومة قتل متكاملة.
بماذا اتُّهم الأسد ورجاله؟
كشف تحقيق صحافي نشرته وكالة رويترز العام الماضي، عن إعادة هيكلة للنظام السوري عبر لجنة سرية تقوم بتسويات مع رجالات النظام السابق. وكان محمد حمشو أول من اعترفت حكومة دمشق بإجراء تسوية معه، لتتبع ذلك تسريبات عن تسويات مع واجهات اقتصادية للنظام، مثل سامر فوز وطريف الأخرس، الخاضعين لعقوبات دولية.
ولا يمكن اعتبار هذه التسويات المالية إجراءات اقتصادية بحتة، بل هي صفقات سياسية على حساب العدالة. فهؤلاء موّلوا آلة القمع وأدوات الالتفاف على العقوبات الدولية، ومقايضة المال بتأجيل الملفات القضائية تحوّل الجريمة إلى استثمار يمكن دفع ثمنه لاحقاً، وتنسف أي أساس لبناء ثقة حقيقية بين الدولة والمجتمع.
وحين وصفت اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية هذه التسويات بأنها “غير مرتبطة بمسار العدالة الانتقالية، ولا تشكّل بديلاً عن المساءلة القضائية، ولا تمنح أي حصانة قانونية دائمة أو إعفاء من المسؤولية”، يبرز السؤال: هل كانت اللجنة تدير هذه التسويات أم لا تعلم بها؟ وهل لعبت دوراً فيها؟ وكيف سيتم توجيه الاتهام الى هؤلاء في دعاوى الحق الشخصي؟
هذا التداخل – أو اللاتداخل – يفضي إلى ضياع الملفات بين الجهات، ويفرغ الهيئة من مضمونها، ويحوّل العدالة الانتقالية إلى عنوان شكلي بلا صلاحيات فعلية.
لكن السؤال الأهم يبقى: بماذا اتُّهم بشار الأسد؟ المعروف أنه متهم في فرنسا بارتكاب “جرائم ضد الإنسانية” و”جرائم حرب في سوريا” بوصفه “مهندس النظام” ومن يتربع على رأسه، وهي تهم تجعله مطلوباً للمحاكم الدولية، خصوصاً بعد سقوط الحصانة عنه كرئيس دولة.
في المقابل، أعلن وزير العدل في الحكومة السورية الجديدة أن الدولة السورية “طلبت رسمياً من الدول المعنية تسليم الرئيس السابق بشار الأسد والمتورطين كافة” الذين غادروا البلاد. غير أن هذا الإعلان يثير أسئلة قانونية جوهرية لم تتم الإجابة عنها: من هي الجهة القضائية التي أصدرت طلب التسليم؟ هل هو قاضٍ عادي؟ أم النيابة العامة؟ أم بناء على ملف من هيئة العدالة الانتقالية؟
وقبل هذا الإعلان، كان القضاء السوري أصدر في أيلول/ سبتمبر الماضي مذكرة توقيف غيابية بحق الأسد بتهم “مرتبطة بأحداث درعا 2011″، شملت القتل العمد والتعذيب المؤدي إلى الوفاة وحرمان الحرية. لكن يبقى السؤال: هل وُجّهت هذه التهم وفق قانون العقوبات السوري فقط، أم على أساس جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب؟
أسئلة كثيرة تُطرح هنا: هل عُمّمت المذكرة؟ هل أُرسلت إلى الإنتربول؟ أم إلى روسيا؟ أم إلى دول أخرى عبر وزارة الخارجية؟
لدينا مثال واحد في هذا السياق، إذ نقلت رويترز عن وفد أمني سوري زار لبنان مطالبته بتسليم 200 ضابط سوري. وقد علّق مسؤول أمني لبناني قائلاً: “لا مذكرات اعتقال بحق الضباط السوريين في لبنان، ولا طلبات من الإنتربول”، مضيفاً: “لا نستطيع فعل شيء تجاههم”. السؤال إذاً: من الجهة التي تُعد هذه القوائم، وبأي معايير قانونية؟
قانونياً، تختلف أهمية طلب التسليم جذرياً بحسب الجهة التي أصدرته وبحسب توصيف الجريمة. فطلب صادر عن قاضٍ محلي بتهمة قتل عادية غالباً ما تتجاهله الدول، بينما يكتسب الطلب المبني على جرائم دولية، والصادر عن جهة مختصة بالعدالة الانتقالية، والمدعوم بتحقيقات موثّقة، قيمة قانونية وأخلاقية حقيقية.
تمييع الجريمة تمهيداً لمحو الحقيقة؟
المفارقة في التهم الموجّهة إلى رجال الأسد أن قانون العقوبات السوري وتعديلاته لا يتضمنان حتى الآن تعريفاً لجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية كوحدات جرمية مستقلة. لذلك لا يستطيع القضاء السوري، وفق النصوص الحالية، توجيه اتهامات صريحة من هذا النوع استناداً إلى نص محلي واضح، فيلجأ إلى استخدام تهم عامة كالقتل أو التعذيب أو الحرمان من الحرية، وهي تهم لا تعكس الطابع المنهجي والواسع للجرائم الدولية.
وبالتالي، فإن الخطوة الأولى لعكس الجدية في التعاطي مع هذا الملف تقتضي إدخال التشريعات الدولية في القانون المحلي، وإلا فإن ما يحدث هو تصغير ممنهج للجريمة. إذ لا يُعقل أن يُتهم بشار الأسد، بغض النظر عن العقوبة، بقتل عمد لشخصين أو أكثر، وهي أقصى تهمة يمكن توجيهها وفق القانون السوري الحالي.
فحتى لو كانت العقوبة إعداماً أو مؤبداً، فإن العدالة لا تتحقق بالعقوبة وحدها، بل بتوصيف الجريمة وقيمتها أمام الضحايا وأمام القانون الدولي.
ما يحدث اليوم ليس مجرد ارتباك إداري، بل مسار خطير لتفكيك ملف الجرائم الجسيمة وتحويله إلى تسويات وصفقات ومذكرات غيابية بلا أثر. فالعدالة التي تُشترى بالمال أو تُدار بالإعلام ليست عدالة، بل إعادة إنتاج للإفلات من العقاب. وضياع الجرائم في دهاليز التداخل المؤسسي والمناورات القانونية الخاطئة هو جريمة ثانية بحق السوريين. والحل الوحيد يكمن في مسار عدالة انتقالية حقيقي، شفاف وموحّد، تقوده الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ويضع المحاسبة فوق المساومة، ويحفظ الجريمة من المحو، لأن محو الجريمة هو الخطوة الأخيرة في محو الحقيقة نفسها.
– محقّق مختصّ بجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية
درج
————————-
الإفراج والمساءلة: اختبار العدالة في سوريا/ عمار زيدان
غياب المحاسبة الفعالة عن الانتهاكات الجسيمة، بما في ذلك جرائم التعذيب والإخفاء القسري، يُضعف ثقة الضحايا وذويهم بالمنظومة القضائية.
2026-02-27
يُشكل تكرار الإفراج عن متورطين بارتكاب انتهاكات جسيمة أو تمويلها في عهد النظام المخلوع مسألة بالغة الحساسية، لا تقتصر آثارها على البعد القانوني فحسب، بل تمتد إلى صميم الثقة العامة بالمؤسسات القضائية وإلى تماسك النسيج الاجتماعي ذاته. ففي سياق دولة أنهكتها سنوات من الحرب والنزاع، تصبح العدالة ليست مجرد إجراء قضائي، بل ركيزة أساسية لإعادة بناء العقد الاجتماعي وترميم العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وعندما يُنظر إلى قرارات الإفراج أو التساهل في الملاحقة على أنها غياب للمساءلة، فإن ذلك يهدد بتكريس شعور واسع بالإفلات من العقاب، وهو ما حذرت منه تقارير حقوقية محلية ودولية.
ويؤكد تقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان في أيار / مايو من العام الماضي، أن غياب المحاسبة الفعالة عن الانتهاكات الجسيمة، بما في ذلك جرائم التعذيب والإخفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون، يُضعف ثقة الضحايا وذويهم بالمنظومة القضائية، ويعرقل أي مسار جاد للعدالة الانتقالية. كما شددت منظمة “العفو الدولية” على أن المساءلة ليست مطلباً انتقامياً، بل ضرورة قانونية وأخلاقية لضمان عدم تكرار الجرائم، وبناء مؤسسات قائمة على سيادة القانون.
إن أثر هذه القرارات على ثقة السوريين بالحكومة السورية يتجاوز الإطار النظري. فبحسب تقارير صحفية وحقوقية أن أحد أبرز أسباب تآكل الثقة يتمثل في الاعتقاد بأن بعض المتورطين يحتفظون بنفوذ يتيح لهم الإفلات من المساءلة، أو الحصول على معاملة تفضيلية. وفي مجتمع يعاني أصلًا من انقسامات عميقة، فإن أي انطباع بازدواجية المعايير أو غياب الشفافية يفاقم الشعور لدى الضحايا بإفلات المتهم والمتورط من العقاب، كما يعزز سرديات “المظلومية المتبادلة” بين المكونات الاجتماعية المختلفة.
وعلى مستوى السلم الأهلي، تحذر أدبيات العدالة الانتقالية من أن تجاهل مطالب الضحايا قد يدفع بعض الأفراد أو الجماعات إلى البحث عن أشكال بديلة للإنصاف خارج إطار الدولة، بما في ذلك اللجوء إلى آليات غير رسمية أو حتى العنف. وقد أظهرت خبرات دول أخرى خارجة من نزاعات، كما وثّقتها تقارير الأمم المتحدة، أن غياب المساءلة يعرقل المصالحة المجتمعية، ويؤدي إلى هشاشة الاستقرار الأمني والسياسي. وتؤكد الأمم المتحدة في العديد من التقارير التي نشرت خلال السنوات الماضية حول سيادة القانون أن بناء سلام مستدام يرتبط بشكل وثيق بإرساء قضاء مستقل، وضمان حق الضحايا في الحقيقة والإنصاف.
تعديلات جوهرية دون استثناءات
في هذا السياق، يقول الخبير القانوني أحمد سعدون، المقيم في لندن، إن تكرار الإفراج عن متورطين بارتكاب جرائم وانتهاكات بحق السوريين خلال السنوات الماضية، في عهد النظام السوري المخلوع، يُعدّ انعكاساً سلبياً وخطيراً على السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي. كما يسهم في خلق حالة من الغضب وردود الفعل القوية لدى شريحة واسعة من المواطنين السوريين، الأمر الذي قد تترتب عليه تبعات كبيرة مستقبلًا تطال الحكومة وجهاز القضاء، ولا سيما الجهاز الأمني على وجه الخصوص.
ويضيف سعدون في تصريحات لـ “963+”، “لا بدّ من إعادة النظر في قانون العقوبات السوري، الذي يبدو أنه بحاجة إلى تعديلات جوهرية نظراً لوجود ثغرات قانونية واضحة. فمن غير المقبول أن يكون هناك أشخاص متورطون استناداً إلى أدلة وإثباتات، سواء عبر مقاطع فيديو أو صور موثقة، ثم يُفرج عنهم. وهذا الأمر لم يكن استثنائياً، بل تكرر خلال فترة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، وشمل العديد من الشخصيات المعروفة لدى السوريين، ما سينعكس سلباً على صورة الحكومة السورية الحالية، التي ما تزال في مرحلة التأسيس، إضافة إلى تأثيره في شعبية الرئيس السوري أحمد الشرع”.
ويؤكد أن استمرار هذه الممارسات من شأنه إضعاف ثقة الشارع بمؤسسات العدالة، وتعزيز الانطباع بوجود ازدواجية في تطبيق القانون، الأمر الذي يتطلب خطوات عاجلة لإصلاح المنظومة القضائية وضمان استقلاليتها وتحصينها من أي ضغوط سياسية أو أمنية. كما يشدد على ضرورة اعتماد معايير شفافة في التحقيق والمحاكمة، ونشر نتائج الإجراءات القضائية للرأي العام، بما يعزز مبدأ المساءلة ويكرّس سيادة القانون
ويشير الخبير القانوني، إلى أن غياب العدالة الانتقالية في أي بلد يخلف آثاراً سلبية عميقة على المجتمع، قد تمتد لعقود طويلة، إذ يؤدي إلى ترسيخ مشاعر الظلم، وتعميق الانقسامات الاجتماعية، وإضعاف الثقة بمؤسسات الدولة، مما يهدد السلم الأهلي ويقوض فرص الاستقرار المستدام. ويؤكد أن الحفاظ على الأمن والاستقرار في سوريا، في المرحلة الراهنة وخلال المستقبل القريب، يقتضي إرساء عدالة حقيقية وشفافة تستند إلى سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.
ويوضح في الوقت نفسه أن من الضروري أن تعمل الحكومة السورية على تقديم صورة واضحة للمجتمع الدولي مفادها وجود التزام جاد بمحاسبة شاملة ودقيقة لجميع المتورطين في ارتكاب جرائم بحق السوريين، وألّا يفلت أي شخص من العقاب، أياً كان موقعه أو صفته. فسيادة القانون يجب أن تكون فوق الجميع، دون استثناء أو تمييز، وأن تُطبق المعايير القانونية بعدالة واستقلالية.
وتشير الأخبار المتداولة خلال الفترة الماضية عقب سقوط نظام الأسد إلى أن قرارات الإفراج شملت عدداً من الشخصيات التي شغلت مواقع عسكرية وأمنية خلال عهد النظام المخلوع، من بينهم على سبيل المثال مدلول العزيز الذي عرف ارتباطه الوثيق بالفصائل الإيرانية في سوريا إلى جانب شخصيات أخرى منها فادي صقر وغيره من الشخصيات التي ضمت أيضاً رجال أعمال ساندوا نظام بشار الأسد مالياً ودعموا العمليات العسكرية التي شنها قوات النظام المخلوع على المدن والمحافظات السورية كما ارتبط اسمهم بملفات انتهاكات حقوق الإنسان خلال السنوات الماضية.
وبحسب مصادر حقوقية، فإن بعض المفرج عنهم كانوا محل اتهامات موثقة عبر تقارير منظمات دولية ومحلية، تضمنت شهادات ضحايا وأدلة مصورة، غير أن مسار الملاحقة القضائية لم يستكمل أو انتهى بقرارات إفراج أثارت جدلاً واسعاً في الشارع السوري، وصلت إلى حد المطالبة بنفي هؤلاء الأشخاص.
ضرورة سياسية وأمنية
يذكر الناشط السوري سالم الأطرش إلى أن تحقيق العدالة الانتقالية لا يقتصر على المساءلة الجنائية فحسب، بل يشمل أيضاً كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وتعويض الضحايا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات من خلال إصلاح المؤسسات وتعزيز الرقابة والمساءلة. فالمصالحة المجتمعية الحقيقية لا يمكن أن تقوم على النسيان أو التجاهل، بل على الاعتراف بالانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها ضمن إطار قانوني عادل.
ويؤكد في تصريحات لـ “963+”، على أن سوريا تشهد مرحلة من الاستقرار التدريجي، وأن المشهد الراهن يختلف عما كان عليه في ظل النظام السابق، حيث كانت تُعقد مساومات سياسية على حساب العدالة وحقوق الضحايا. أما اليوم، فإن المرحلة تتطلب نهجاً جديداً قائماً على الشفافية، وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة، وبناء مؤسسات قوية ومستقلة تعيد ثقة المواطنين بالدولة.
ويشدد الأطرش على أن العدالة ليست مطلباً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة سياسية وأمنية لضمان وحدة البلاد وتعزيز مكانتها الدولية، إذ إن الدول التي تؤسس لمرحلة انتقالية عادلة تضع أساساً متيناً لاستقرار طويل الأمد وتنمية مستدامة قائمة على احترام الكرامة الإنسانية وسيادة القانون.
وفي إطار متصل، يتحدث المحامي فيصل ساره عن صعوبات تواجه القضاء في إدانة الشخصيات المتهمة بارتكاب جرائم بحق السوريين منها عدم معرفة المواطن بكيفية سير هذه العملية بشكل قانوني فهو يطالب الدولة بسجن الشخص المتهم دون تقديم شكاوى ضدهم مرفقة بإثباتات بالتالي فإن الدولة لديها الحق العام فقط لإدانة وتجريم هذه الشخصيات.
كما تبرز في هذا السياق إشكاليات قانونية معقدة في بعض الأحيان تتعلق بضعف الوصول إلى مسارح الجرائم، وصعوبة توثيق الانتهاكات حيث أن معايير الإثبات العالية في القضايا الجنائية، رغم أهميتها لحماية حقوق المتهمين، قد تشكل تحدياً أمام الضحايا الساعين للإنصاف، خصوصاً عند غياب الأدلة المادية الكافية التي تستند عليها الجهات القضائية في قراراتها والتي تحتاج إلى تقييم الأدلة المتاحة وشهادات الشهود وفق الأطر الإجرائية المعتمدة.
+963
—————————–
غسل الماضي وتبييض الوجوه في سورية الجديدة/ عدنان عبد الرزاق
27 فبراير 2026 ارالملخصicon
تأتي السريّة وعدم مكاشفة الشعب السوري، سواء خلال العقود ومنح الفرص الاستثمارية أو التسويات المالية مع رجالات النظام السابق، إضافةً ضاغطة للاحتقان الذي يلف الشارع الآن، جراء عدم العدل في منح الفرص واستئثار أعضاء “جبهة النصرة سابقاً” بالمناصب والمواقع التنفيذية، الخدمية والاقتصادية بعد العسكرية والأمنية.
إلى جانب سبب مباشر ومحق، وهو تردي الواقع المعيشي للسوريين الذين لم يتغيّر حالهم، بل زادوا فقراً وعوزاً بسبب ارتفاع فواتير الكهرباء وأسعار المحروقات والسلع الاستهلاكية اليومية، بواقع يفتقر إلى فرص العمل أو لأجور توازي المصاريف لمن يعملون. بيد أن الشعب السوري، الذي ضحى وناضل، ربما كما لم يعانِ غيره من شعوب بلدان الربيع العربي، حتى اقتلع عصابة الأسد ووصل إلى الدولة والمواطنة والكرامة، قد يصمت عن تردّي الوضع المعيشي مؤقتاً، على أمل التحسّن قريباً، بعد استرداد الجغرافية من الانفصاليين، في الشمال والجنوب وعودة الثروات إلى الدولة المركزية وبدء قدوم الاستثمارات وحركة الأسواق وإعادة الإعمار.
وقد يرى السوريون، أو بعضهم على الأقل، مبرّرات للدولة بتوزيع بعض الاستثمارات الخارجية لاعتباراتٍ سياسيةٍ لها علاقة بالتوازنات واستبعاد الأذى عن دولة تتشكل للتو، وهي في أمسّ الحاجة للدعم لا للإعاقة، كما نظروا، وإن بحيرة وعلى مضض، لتوزيع المناصب، كحلول مؤقتة من شأنها بسط الأمن والأمان ريثما تستقر البلاد، ليُعاد تشكيل حكومة واستقطاب السوريين ومشاركتهم بنهوض بلدهم، على حسب الكفاءة والخبرة والنضال خلال الثورة، ليس إلا.
ولكن، أن يرى السوريون رجالات نظام بشّار الأسد يتجولون في العاصمة دمشق، أو يعود أباطرة المال وسادة الاستثمارات والفرص، فهذا ما لا يستطع عليه صبراً، من ضحّى وعانى من هؤلاء، إلى درجة القتل والتهجير وسرقة المنازل وحديد الأسطحة. وجاء خبر تداوله السوريون أخيراً، عن تسوية مالية مع طريف الأخرس (قريب زوجة بشار الأسد أسماء الأخرس) لينكأ جراحاتهم ويعيد مشاهد التفقير والقتل والتهجير للذاكرة، رغم ما حملته بقية الخبر من تسكين” التسوية المالية لا تلغي حق المتضررين في المقاضاة الشخصية، بل يقتصر أثرها على الحق العام والمستحقات المادية للدولة” أو آمال مالية تتعلق بمصادرة 80% من إجمالي ممتلكات الأخرس، بما في ذلك الأصول السائلة من عقارات ومنقولات.
وزاد الصفعة التي تلقاها السوريون جراء صفقة التسوية مع الأخرس، أنها جاءت تالية لتسويات سابقة معلنة، وربما أكثر وجعاً ودلالات، كالتي حصلت مع أعمدة للنظام المالي لبشار الأسد من أمثال سامر فوز ومحمد حمشو. لتزيد الخيبة ويتعاظم هاجس دور المال وسطوة أباطرته، بواقع استمرار وجود وغرق المخيمات وزيادة البطالة والغلاء وتفشي الفقر الذي يكابده السوريون حتى بعد انتصار ثورتهم. وتبدأ تتبلور قناعة، أو ملامح قناعة، أن “سادتكم في الجاهلية.. سادتكم في الإسلام”.
قصارى القول: المنطق والعدل وبناء الدولة، جميعها تتطلب ولا شك، تشكيل لجنة لمكافحة الكسب غير المشروع وملاحقة مجرمي العهد البائد، كالتي حدثت في سورية وفق المرسوم 13 العام الماضي، علها تسترد الأموال العامة المنهوبة وتفكك شبكات الاحتكار المالي التي تشكلت خلال العقود الماضية وأثناء ثورة السوريين، بل تؤسس لإفصاح تطوعي يتيح لرجال الأعمال والمسؤولين في النظام السابق، ما دون القتل والحقوق الشخصية، تسوية أوضاعهم والمساهمة في البناء، ضمن نظام حوكمة شفاف، يعيد الحقوق لأصحابها والمال العام للدولة لتستثمره في الدورة الاقتصادية وتحسين المعيشة وإعادة الإعمار. على أن تجري التسويات، في العلن وليس وراء الأبواب المغلقة، لمعرفة حجم وكيفية استرداد الأموال التي تعوض للدولة خسائرها، وتنتهي ملفات الملاحقة والتهرب الضريبي، قبل رفع الحجز الاحتياطي وتجميد الأموال وعودة هؤلاء، الذين يصفهم جل السوريين بمجرمي الحرب وتجار الأزمات، للتجول في دمشق والتوقيع على العقود والتحكم بمسارات الاقتصاد من جديد.
وهو مالم نسمعه أو نقرأ عنه، خلال اجتماع وزير المال، محمد يسر برنية قبل أيام، خلال لقائه لجنة إدارة الأموال المصادرة واستثمارها والإعداد لخريطة استثمارية شاملة تهدف إلى خلق بيئة تنافسية قادرة على جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية لدفع عجلة البناء والتنمية، كما قال. أو يصدر حوله بيان، من لجنة مكافحة الكسب غير المشروع المشكلة منذ العام الماضي وفق نظام الإفصاح التطوعي والتي يترأسها، باسل سويدان. بل كل ما لدى السوريين من معلومات متناقلة وغير رسمية، أن سويدان ترأس اللجنة بعد “الشيخ أبو مريم”، وأنها لجنة طارئة تهدف إلى معالجة الفساد المالي، وأنها تلاحق 950 اسماً من أصحاب الأعمال والمسؤولين السابقين بنظام الأسد لاسترداد المال وتحوله إلى الصندوق السيادي السوري. وهذه السوانح أو شذرات المعلومات، غير كافية لطمأنة شعب مكلوم، كالسوريين الذين سرقت أموالهم وحيواتهم وتشتتوا لدول العالم قاطبة، جراء نظام القتل الأسدي الذي أيده هؤلاء المُسوّاة أوضاعهم.
نهاية القول: من الصعوبة البالغة بمكان، الحديث عن أمر بالغ الأهمية والخطورة بواقع شح المعلومات والتستر المتعمد من السلطة السورية الجديدة، في أمر، من المفترض أنه قضية رأي عام. من أبسط حقوق السوريين المنهوبين من هؤلاء التجار والمقتول ذويهم على يد مسؤولي النظام السابق والذين ما يزالون مهجّرين في أصقاع الأرض، الطمأنة أولاً بأن ما يجري من تسويات، هي اقتصادية وليست جنائية، ولن تمتد اليد وسطوة المال على حقوقهم الشخصية ودم ذويهم وأرزاقهم. لتأتي الشفافية والحوكمة وفق المعايير الدولية وتجارب الدول السابقة، باستعادة الأموال المنهوبة ومحاكمة المجرمين، ثانياً. فمخاوف السوريين من عودة آليات تعاطي النظام السابق مع أرباب المال والعقود والمناصب والتسويات، بدأت تتعاظم في الشارع السوري، وتتجلى، أقوالاً فقط، حتى اليوم.
من بعدها يأتي ثالثاً هدف رفد خزينة الدولة بموارد مالية سريعة تسيّر عبرها الضرورات، من أجور وتحسين معيشة وإقلاع إعمار، ورابعاً من طمأنة ورسائل اقتصادية وسياسية، داخلية وخارجية، بأن باب المشاركة بسورية الجديدة، مفتوح لمن يدفع ثمن آثام الماضي من السوريين وضمان الحقوق والعدالة لرأس المال الخارجي وأن القطاع المالي بسورية موضع ثقة والمناخ العام جاذب، خاصة بعد رفع العقوبات الاقتصادية الدولية عن سورية، وبمقدمتها “قيصر” الأميركية. وإلا، وفق ما يجري وما نرى، ستأتي آلية تلك التسويات وفق تلك الحوكمة والتكتم والسرية، على شعبية السلطة السورية الجديدة وتتحول التسويات إلى طريقة لتبييض وجوه وأموال الفاسدين، ليعود سادة الأسد سادة سورية الجديدة.
لأن استبدال المصادرة الشاملة عبر قضاء عادل شفاف بتسويات سريّة وبراغماتية ستكرّس ثقافة إفلات من معه المال من العقاب وقدرته على شراء البراءة وصكوك الغفران وتشرعن ما يفيض من أمواله ليعود ويهيمن على الاقتصاد، وإن بأسماء شركات جديدة ووجوه وشركاء جدد، هذا إن لم نأت على ما يمكن أن يكوّنه المستثمر الخارجي عن المناخ السوري بأنه محكوم بقوانين الصفقات والتسوية، لا بقانون القضاء العادل.
والأهم ربما، زعزعة ثقة المواطن السوري بسلطته التي أيدها للأقصى بعد اقتلاع عصابة الأسد، فالشعور بالقهر والظلم وسطوة المال، بواقع الفقر اليوم، يزيد من احتقان الشارع السوري الذي لا يعرف شيئاً عن أموال التسوية وحجمها، ولماذا لم يلمسها بأسعار قوته ونور كهربائه واستعادة حقوقه. كما لم يعلم شيئاً عن معايير التعيين ومقاييس المشاركة في بناء وطنه وحلمه الذي ضحّى للوصول إليه، ربما، كما لم يضحِّ سواه.
—————————–
“العفو العام” يختبر النظام الدستوري في سوريا/ حايد حايد
مرونة السلطة التنفيذية لا تُعد تجاوزا للصلاحيات، بل شرط أساسي للحفاظ على النظام
25 فبراير 2026
عندما أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع عفوا عاما مع بداية شهر رمضان الكريم، لم يقتصر أثر المرسوم على إفراغ السجون فحسب، بل أثار واحدا من الإشكالات الدستورية الكبرى في المرحلة الانتقالية في سوريا.
قدّمت الحكومة المرسوم باعتباره خطوة إنسانية وضرورية. فالسجون مكتظّة، والمحاكم مثقلة بقضايا عالقة منذ سنوات، فيما لا تزال التوترات الاجتماعية قائمة في دولة تسعى إلى ترسيخ السلطة عقب الاضطرابات. وفي ظل هذه الظروف، صُوّر العفو على أنه خطوة لتحقيق الاستقرار، تهدف إلى تخفيف الضغط عن مؤسسات لم تُستكمل إعادة بنائها بعد.
لكن الجدل الذي أعقب ذلك لم يتمحور حول المستفيدين، بل حول حدود السلطة الدستورية. فهل يمكن لضرورات المرحلة الانتقالية أن تُبرّر اتخاذ إجراءات تنفيذية تتجاوز الصلاحيات الممنوحة صراحةً في الإعلان الدستوري الصادر في مارس/آذار 2025؟ وبصورة أكثر تحديدا، هل يحقّ للرئيس أن يطالب بصلاحيات يُنيطها النص بفرع آخر من فروع السلطة؟
إذا كان من المقرر أن يشكّل الإعلان الدستوري السوري أساسا لنظام جديد، فلا يمكن التعامل مع توزيع السلطة فيه بوصفه أمرا مؤقتا. فالدستور الذي يلين كلما تعثّرت المؤسسات يُخاطر بفقدان هيبته في اللحظة التي يُفترض أن يُرسّخها فيها.
يبدو المرسوم، ظاهريا، متزنا؛ إذ يخفّف أحكام السجن المؤبّد إلى عشرين عاما، ويلغي العقوبات المفروضة على الجنح والمخالفات البسيطة، ويسقط بعض العقوبات الاقتصادية والجنائية. كما يستثني الجرائم التي تنطوي على “انتهاكات جسيمة بحقّ الشعب السوري”، فضلا عن جرائم التعذيب والإتجار بالبشر واختلاس الممتلكات العامة.
وعلى الرغم من أن بعض هذه الخيارات الجوهرية أثارت بعض التساؤلات، فإن النقاش الأكثر حدّة كان ذا طابع مؤسسي. فمن يملك صلاحية إصدار عفو عام بموجب الإعلان الدستوري الصادر في مارس/آذار 2025؟
ويرى كثير من المحامين السوريين أن الرئيس تجاوز صلاحياته. فالمادة 40 تُخوّل الرئيس منح عفو خاص، من دون أن تشير إلى العفو العام. أما المادة 30 فتُخوّل مجلس الشعب اقتراح القوانين وسنَّها، بما في ذلك قوانين العفو العام. ويرى المنتقدون أن الفارق واضح: فالعفو الخاص إجراءٌ تنفيذي يُطبَّق على الأفراد، بينما يُعدّ العفو العام إجراء تشريعيا. ومن هذا المنطلق، يُقال إن المرسوم يتجاوز حدود الدستور.
وتدافع وزارة العدل عن القرار باعتباره قانونيا وضروريا. ويقول وزير العدل مظهر الويس، إن الإعلان الدستوري وإن لم يمنح الرئيس صراحة صلاحية إصدار عفو عام، فإنه لا يحظر عليه ذلك على نحو واضح أيضا… ويستند الوزير في دفاعه إلى نصوص في قانون العقوبات السوري النافذ، وإلى ما يصفه بالعرف الدستوري الذي- على حد تعبيره- يجيز للرئاسة ممارسة هذه الصلاحية في حال عدم انعقاد المجلس التشريعي.
على نطاق أوسع، يُؤطِّر الويس القضية بوصفها مسألة بقاء. فالحكم الانتقالي، من وجهة نظره، لا يمكنه التوقف بانتظار اكتمال نضوج مؤسسات لم تستكمل بعد. فالسجون المكتظة والمحاكم المتعثرة تتطلب حلولا فورية. ومن هذا المنظور، فإن مرونة السلطة التنفيذية لا تُعد تجاوزا للصلاحيات، بل شرط أساسي للحفاظ على النظام.
كما استند في دفاعه إلى مفهوم الشرعية الثورية، محاججا بأن سوريا لم تبلغ بعد مرحلة الاستقرار الدستوري الكامل التي تستوجب التقيّد التام بإجراءات زمن السلم. فالمرحلة الانتقالية، برأيه، تتطلب استجابات عملية تُعطي الأولوية للمصلحة العامة على حساب الإجراءات الرسمية الصارمة.
يرى خبراء القانون الدستوري وعدد من أعضاء لجنة الصياغة المسألة من زاوية مختلفة. فبالنسبة إليهم، قد انتهت مرحلة الشرعية الثورية مع اعتماد الإعلان الدستوري في مارس/آذار 2025. ومنذ تلك اللحظة، دخلت سوريا في نظام دستوري مؤقت لكنه ملزم، وأصبحت ممارسة السلطة مقيدة بالنصوص الدستورية التي تحكمها.
فور وجود إطار رسمي، يجب أن يخضع منطق الاستثناء لمنطق القواعد. ويرى القانونيون أن غياب السلطة التشريعية أو الفراغ التشريعي لا يمنح السلطة التنفيذية صلاحية ممارسة اختصاصات لم تُمنح لها صراحة بموجب الدستور.
ويشيرون أيضا إلى المادة 41، والتي تمنح الرئيس صلاحية اتخاذ تدابير استثنائية في حال وجود تهديد جسيم لوحدة الدولة أو سير مؤسساتها. غير أن هذه الآلية تستلزم إعلانا رسميا لحالة الطوارئ، وإذا ما طُبقت على نحو سليم، فقد توفر مسارا قانونيا لاتخاذ إجراءات تشريعية مؤقتة. لكن مرسوم العفو لم يُصغ في إطار هذه المادة، ولم يُستند إليه كأساس قانوني للقرار.
يرى النقاد أن هذا الإغفال يمثل نقطة جوهرية، فحتى لو أمكن تبرير نتائج القرار سياسيا، فإن تجاوز الآلية الدستورية المقررة يقوض الإطار القانوني الذي وُضع أصلا لتوجيه المرحلة الانتقالية وضبط إيقاعها.
وغالبا ما تعمل الحكومات الانتقالية ضمن مساحات رمادية، حيث المؤسسات هشة والضغوط السياسية شديدة، وهو الأمر الذي يجعل بعض الارتجال أمرا لا مفر منه.
لكن شرعية النظام السياسي الجديد لا تُبنى على قدرته على الارتجال بقدر ما تقوم على التزامه بالقواعد التي أعلنها. فإذا جرى تجاوز الحدود الدستورية كلما تعثرت المؤسسات، فإن هذه الحدود تفقد قوتها الملزمة تدريجيا، وتتحول إلى مجرد حبر على ورق.
يتفاقم هذا القلق على نحو خاص في سوريا، التي تخرج من عقود من احتكار السلطة التنفيذية. فحتى التدابير المصممة بعناية قد تثير القلق إذا بدت وكأنها تتجاوز الضوابط الدستورية. وفي هذا السياق، لا تُعدّ هذه الإجراءات مسألة شكلية فحسب، بل جزء من الوعد بأن النظام الجديد سيختلف عن القديم.
لا يكمن السؤال في ما إذا كان العفو سيخفّف اكتظاظ السجون أو يقلّل التوترات على المدى القصير، بل في ما إذا كان يعزّز أو يضعف مبدأ ضرورة عمل السلطة السياسية ضمن حدود واضحة.
ولا تلغي الضرورة القيود الدستورية، بل تختبرها. والحل الهيكلي للفراغ التشريعي في سوريا لا يكمن في توسيع نطاق النص الدستوري لتلبية الاحتياجات الآنية، بل في تسريع تشكيل سلطة تشريعية فاعلة قادرة على معالجتها. ويتطلّب ذلك أيضا محكمة دستورية عليا فاعلة ومستقلة، مخوّلةً بالفصل في النزاعات والحفاظ على التوازن بين سلطات الدولة.
تسابق الفترات الانتقالية الزمن، ولذلك تتخذ القرارات على عجل. غير أن الاستعجال لا يُعفي القادة من الالتزام بربط أفعالهم بالإطار الدستوري الذي أقرّوه.
قد يتبيَّن في نهاية المطاف أن العفو مجرد استجابة معزولة للتأخير المؤسسي، أو قد يرسِّخ نمطا تُعامل فيه القيود الدستورية على أنها قابلة للتفاوض. وسيُحدِّد هذا الاختلاف ما إذا كان الانتقال في سوريا سيترسَّخ في حكم قائم على القواعد، أم سينزلق مجددا نحو هيمنة السلطة التنفيذية.
المجلة
—————————–
عدالة انتقالية أم لم شمل البلد؟/ غسان المفلح
فبراير 25, 2026
تناقض صارخ تعيشه سوريا منذ التحرير وحتى الآن. لايزال هذا التناقض يعيش في نفوس الناجين من المذبحة الأسدية. على هذا المنبر كتبت مادة بعنوان” العدالة الانتقالية ضحية” حاولت أن أوضح ببساطة أن سوريا لن تعرف العدالة الانتقالية التي ينتظرها الجميع. أيضاً ببساطة لأنها ملف دولي لا يريد أحد التعامل معه حتى الآن.
دون استيعاب هذه المعادلة سنبقى كسوريين جراحنا مفتوحة. الجراح المفتوحة إن لم تلتئم لا تبني بلداً. ربط التئام الجراح بملف العدالة الانتقالية غير الممكنة على الأقل في المدى القريب، يجعلها حاضرة دوماً في رؤية وضع البلد، وكيفية التعامل معها. استمرار هذه الرؤية ليس في مصلحة البلد. هذا يحيلنا أيضاً للحديث عن المظلومية التي يرتبط انتهاء الحديث عنها بتحقيق العدالة الانتقالية. وهذا وجه من وجوه هذا التناقض الأساسي الذي تعيشه البلد.
وأنا أكتب هذه المادة أصدر الرئيس الشرع عفواً رئاسياً عاماً، بخلاف ما ينص عليه الإعلان الدستوري، الذي ينص أن العفو العام من مهام مجلس الشعب. هذا العفو العام دليل إضافي بأن ملف العدالة الانتقالية كله، يجب إعادة قراءته وفقا لمعادلات القوة في الداخل ومع الخارج.
هذه المعادلات تشير ببساطة أن هذا الملف خارج اهتمام المجتمع الدولي الفاعل في المنطقة لعدة أسباب، لكن أهمها هو تورط هذا المجتمع الدولي بشكل مباشر أو غير مباشر في الهولوكوست الأسدي. كان يتدخل عسكرياً ويساعده في إكمال المذبحة. فهل هذا مجتمع دولي يمكن أن يساهم في فتح الملف الحقيقي للعدالة الانتقالية؟ دعونا لا نبقى نصدّر وهم قيام عدالة انتقالية حقيقية للسوريين وضحاياهم والناجين منهم.
انطلاقاً من هذه القناعة بالنسبة لي يطرح السؤال التالي: في ظل عدالة انتقالية ناقصة، كيف يمكن لم شمل المجتمع السوري الذي شرذمه الأسد؟ هذه الغاية في النهاية مما يسمى المرحلة الانتقالية. هل العفو العام الآن في هذه المرحلة يساعد في لملمة المجتمع؟ أعتقد أنه كان من الأفضل ترك هذا الأمر لمجلس الشعب القادم، لا نعرف متى يعقد أولى جلساته.
هنالك مجرمون لم تمض أشهر على وجودهم في السجن. هذا خطر. كان ممكناً أن يكون أفضل لو أن الوضع الاقتصادي للناس قد تحسن بشكل ملحوظ. لكن في ظل وضع اقتصادي سيء من جهة، وغلاء الأسعار المرتبط برمضان من جهة أخرى يزيد الحمل على كاهل العائلات السورية، مما يفتح الباب للسرقة والجريمة. ببساطة أولية، العفو الآن لا يساعد بلم المجتمع.
نأتي الآن إلى دور مسلسلات رمضان التي أنتجت على عجل، ويمثل فيها ممثلون كانوا شبيحة للأسد بكل معنى الكلمة، ومنهم من لا يزال حتى اللحظة!
هل تساعد هذه الأعمال الدرامية على لم المجتمع السوري؟ أم أنها تعيد فتح الجراح بطريقة ما؟
باستثناء عمل الكاتب المهم الصديق سامر رضوان “الخروج إلى البئر” الذي كُتب قبل التحرير حسب معرفتي، وباستثناء العمل المشتق من رواية الصديق فواز حداد”السوريون الأعداء”، وهي رواية كتبت منذ سنوات، فإن بقية ما قرأت عنه من مسلسلات كتب على عجل!
هذه الدراما تفتح جراحاً، لكنها ربما تتحول إلى مزيد من الكراهية في ظل غياب العدالة الانتقالية، التي هي ضحية وضع دولي واقليمي ومحلي. مع ذلك مطلوب من الناس، ومن أهالي الضحايا، أن يضعوا الأولوية في لم المجتمع، هذا يعتبر جزء تعويضياً عن غياب هذه العدالة. أتمنى ألا يتم السماح بخلق مزيد من ردود الأفعال تجاه هذه الأعمال. هي مجرد أمنية.
يجب أن يعرف الناجون أنهم حتى لو كانت هنالك عدالة انتقالية كاملة، فإنهم أمام شرائح اجتماعية كانت مع الأسد، لاعتبارات كثيرة لسنا بصدد التفصيل فيها، أخص هنا من لم تتلطخ أيديهم مباشرة بدماء السوريين. هذه الشرائح يجب أن يتم التعامل معهم بوصفهم مواطنين. وأن تقوم مؤسسات الدولة الأمنية بواجبها في حماية المواطنين. لم شمل المجتمع يتم عبر إنتاج عقد اجتماعي جديد. من يعتقد أن دعوته لتعليق المشانق تحقق عدالة في ظل هذه الوضعية السورية يكون واهماً ومحرضاً في نفس الوقت.
العض على الجراح هو المطلوب من أهل الثورة. هذا ما ذكرته منذ الأسبوع الأول للتحرير. العض على الجراح كي يلتئم المجتمع السوري. المسلسلات التي تعرض الآن هي حالة تكويع إنتاجية واخراجية وتمثيلية. التكويع حالة معروفة تشهدها كل البلدان التي مرت بمرحلة انتقالية شبيه بالمرحلة السورية.
العدالة الانتقالية تحاكم المسؤولين عن القتل مباشرة. حتى ما يمكننا تسميته بالمحاكم الأدبية للمجتمع، يجب ألا تستمر طويلا في ظل هذا الوضع الذي لا يزال يحمل بؤراً تشكل خطراً على السلم الأهلي في سوريا، كالجرائم التي تحدث في حمص ودرعا مثالا.
في جنوب أفريقيا، وقف نيلسون مانديلا جنباً إلى جنب مع من كان رئيساً لنظام الأبارتيد. هذا ما فرضه الوضع الدولي والمحلي على أهل جنوب افريقيا للتخلص من نظام الفصل العنصري.
التعرض لهذه المسلسلات يكون من باب قدرتها على تصوير المأساة السورية هل نجحت أم لا؟ طبعاً لا أتحدث هنا عن الانتقادات العادية لأي عمل درامي.
العدالة الانتقالية في سوريا تعني بالدرجة الأولى جلب آل الأسد وكبار ضباطهم من روسيا ودول أخرى. هل هذا ممكن؟ مرة أخرى تحسن الوضع الاقتصادي للناس ودولة القانون والحريات معاً هي التي تساعد أكثر في لملمة الجراح ولم شمل المجتمع.
الثورة السورية
—————————–
من البوابة الإفريقية.. إلى أي مدى تستفيد سوريا من تجربة العدالة الانتقالية وإعادة الإعمار؟/ نور جوخدار
فبراير 25, 2026
تشهد السياسة الخارجية للدولة السورية نشاطا دبلوماسيا يقوم على تنويع الشراكات الاقتصادية والسياسية وإعادة بناء شبكة العلاقات خارج الأطر التقليدية. فانفتاحها على القارة الإفريقية، وتحديدا جمهورية جنوب إفريقيا، يعيد بناء توازنات تقوم على المصالح المتبادلة وتفعيل أدوات القوة الناعمة، وفي مقدمتها الدبلوماسية السياحية والتعاون التنموي.
ويندرج هذا التوجه ضمن مقاربة استراتيجية أوسع تعتمدها سوريا في المرحلة السياسية الجديدة، لكنه لا يلغي الدوائر العربية أو الغربية، بل يضيف إليها بعدا آخر، مما يدعم حضورها في المحافل الدولية ويمنحها مرونة أكبر في صياغة تحالفاتها وشراكاتها. فإلى أي مدى يمكن لدمشق أن تعيد تشكيل علاقاتها من البوابة الإفريقية؟
بحث مدير إدارة الشؤون الأفروآسيوية وأوقيانوسيا في وزارة الخارجية والمغتربين، أشهد الصليبي، مع سفير جمهورية جنوب إفريقيا لدى دمشق، أشرف يوسف سليمان، تعزيز العلاقات وتطوير آليات التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، جاء ذلك خلال لقاء عقد في دمشق.
واستعرض الجانبان التطورات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وتبادلا وجهات النظر حول عدد من القضايا، مؤكدين أهمية تعزيز التنسيق والتشاور بين البلدين في المحافل الدولية.
اختيار جنوب إفريقيا له ثقل
وحول تقدير هذا الأمر، أكد الباحث السوداني والخبير في الشؤون الإفريقية الدكتور محمد تورشين، أن عودة العلاقات بين بريتوريا ودمشق تمثل خطوة مهمة جدا في استئناف العلاقات السورية مع إفريقيا، مشيرا إلى أن جنوب إفريقيا لديها ثقل، وإمكانياتها مهولة اقتصاديا وسياسيا، إلى جانب نفوذها داخل القارة الإفريقية، وكذلك في إطار مجموعات دول “بريكس”.
ورأى الخبير تورشين، في تصريح خاص لصحيفة “الثورة السورية”، أن استعادة العلاقات مع جنوب إفريقيا يمكن أن تفتح الباب أمام دمشق لإعادة تفعيل علاقاتها مع عدد كبير من الدول الإفريقية، سواء الدول الإفريقية الناطقة بالعربية، أو الدول العربية في القارة، أو حتى دول إفريقيا جنوب الصحراء، لما تتمتع به تلك الدول من نفوذ وتأثير على الصعيدين الاقتصادي والسياسي.
وأضاف إن اختيار جنوب إفريقيا اختيار موفق، داعيا دمشق إلى أن تمضي أكثر في توطيد علاقاتها مع دول أخرى ذات أهمية مثل نيجيريا وغانا وتنزانيا، لما تمثله هذه الدول من نماذج رائدة في مجالات التنمية والنهضة.
وكان السفير الجنوب إفريقي قد قال خلال ندوة الترويج السياحي التي نظمتها السفارة الإفريقية في دمشق: إننا “نسعى لتعريف الشعب السوري بما تقدمه جنوب إفريقيا للسياح، وفتح مجالات أكبر للتعاون بين البلدين في هذا المجال”.
وأشار إلى أن السياحة تلعب دورا مهما في تعزيز العلاقات بين الشعوب، مبينا أنه في العام الماضي استقبلت جنوب إفريقيا نحو عشرة ملايين سائح من مختلف أنحاء العالم، لكن السياحة من سوريا كانت محدودة، لذلك أقيمت الندوة.
وأكد أن العلاقات بين جنوب إفريقيا وسوريا قوية ومتنامية، مبينا أن بلاده ستقوم في العام المقبل بتوسيع نطاق منظومة تراخيص السفر الإلكترونية لتشمل كل البلدان التي تتطلب تأشيرة دخول، لمعالجة طلبات التأشيرات السياحية إلكترونيا خلال 24 ساعة.
وكما أكد خلال مشاركته في معرض دمشق الدولي التزام بلاده بالمشاركة في إعادة إعمار سوريا، مشيرا إلى وجود آفاق واسعة للتعاون وبناء القدرات، بالتوازي مع استعداد سوريا لإرسال خبراء ورجال أعمال للمساهمة في التنمية، معتبرا كلا البلدين “طلاب حرية وبناء”.
السياحة كأداة قوة ناعمة
تعد الدبلوماسية السياحية إحدى أدوات القوة الناعمة الاستراتيجية التي تستخدمها الدول لتحسين صورتها الذهنية عالميا، وتعزيز علاقاتها الدولية، وجذب الاستثمارات وتنمية الاقتصاد عبر الترويج للمقومات الثقافية والتاريخية والطبيعية. وتعمل هذه الدبلوماسية جسرا للتواصل بين الشعوب وتسهيل حركة السياح، محولة الوجهات إلى “قصص تروى” ونموذج للاستقرار والتعاون.
وتؤكد الدراسات العلمية أن السياحة تعد وسيلة دبلوماسية مهمة، لأنها تتيح التعلم من الآخرين، ومشاركة التجارب وتعزيز التقارب بين المجتمعات، ولا سيما بين فئة الشباب الذين لا يقتصر دورهم على الاستهلاك السياحي، بل يمكنهم أن يكونوا مبتكرين ومؤثرين، وأن يسهموا في تعزيز السياحة المسؤولة والاستدامة.
كما تعد السياحة من أكبر الصناعات على المستوى العالمي، وتسهم بشكل مباشر في الإيرادات والتشغيل والتنمية الاقتصادية، ما يجعل بناء الثقة بين الدول ليس ثقافيا فقط، بل اقتصاديا أيضا.
وأضاف الدكتور تورشين أن توطيد العلاقات مع جمهورية جنوب إفريقيا سيسهم بشكل مباشر في الاستفادة من إمكانيات اقتصادية واستثمارية، مشيرا إلى أن بريتوريا دولة صناعية يمكن أن تكون حاضرة في سوريا. وأكد أن لدى سوريا ملفا مهما وفعالا ينبغي أن توليه وزارة الخارجية ووزارة الثقافة والجهات المعنية اهتماما خاصا، ألا وهو ملف السياحة والتراث.
وأوضح أن الأوضاع الاقتصادية الجيدة لمعظم المواطنين في جنوب إفريقيا تتيح فرصا حقيقية لزيادة حركة السياحة واستكشاف سوريا، لافتا إلى أن ذلك يتطلب مزيدا من المرونة في الإجراءات المرتبطة بدخول حاملي جوازات السفر الأجنبية وتسهيل الوصول، لما لذلك من أثر مباشر في جعل سوريا وجهة جاذبة للراغبين في زيارتها واستكشافها.
ثقل إقليمي وتجربة خاصة
تقع جمهورية جنوب إفريقيا في أقصى جنوب القارة الإفريقية، ويزيد عدد سكانها على 60 مليون نسمة، وتعد من أكثر دول القارة تنوعا ثقافيا وعرقيا، كما تتميز باقتصاد قوي وبنية تحتية متطورة.
وتعرف بتنوع تضاريسها وجمالها الطبيعي، وتعد وجهة سياحية مفضلة للمسافرين منذ إنهاء نظام الفصل العنصري عام 1994. وهي الدولة الوحيدة في العالم التي تمتلك ثلاث عواصم رسمية: بريتوريا Pretoria العاصمة الإدارية والتنفيذية، كيب تاون Cape Town العاصمة التشريعية “مقر البرلمان”، وبلومفونتين Bloemfontein العاصمة القضائية “المحكمة العليا”.
تتمتع جنوب إفريقيا بأكبر اقتصاد في القارة الإفريقية، وتعتبر واحدة من الدول الصناعية الرائدة في المنطقة. ويعتمد اقتصادها على قطاعات متنوعة مثل الصناعة والتعدين والخدمات المالية والسياحة، وتضم العديد من المعالم السياحية الشهيرة مثل محمية كروغر الوطنية وجبل الطاولة ومدينة الكاب ومنتجعات السفاري. وتعزز صناعة السياحة التنمية الاقتصادية وتوفر فرص عمل للسكان المحليين.
وتكتسب تجربة جمهورية جنوب إفريقيا أهمية خاصة في سياق النقاش السوري حول إدارة مرحلة ما بعد الصراع، كونها نموذجا عمليا تمكنت فيه الدولة الحديثة من مواجهة إرث نظام الفصل العنصري عبر مجموعة من الآليات كان أبرزها لجنة الحقيقة والمصالحة التي أتاحت للضحايا والجناة عرض رواياتهم، وأسست لتعويضات رمزية تعزز العدالة التصالحية.
كما لعبت رموز المصالحة الوطنية مثل نيلسون مانديلا وديزموند توتو دورا محوريا في خطاب حمل اسم “قوس قزح”، وأعادا تشكيل الوعي الجمعي على أساس التسامح بدل الانتقام، إلى جانب المبادرات المجتمعية كبرامج “شفاء الذكريات” ومنظمات مثل “خولوماني” التي هدفت إلى شفاء الذاكرة الجماعية وبناء الثقة بين المكونات المختلفة. ورغم ما شاب هذه التجربة من نواقص، ولا سيما محدودية التعويضات، إلا أنها نجحت في تجنيب البلاد الانزلاق إلى حرب أهلية.
وفي النسق السوري يصر الرئيس أحمد الشرع على التمسك بخطاب حازم يكرس وحدة سوريا وسيادتها الوطنية، وكان قد قال خلال جلسة حوارية مع عدد من وجهاء محافظة إدلب بحضور وزراء وسياسيين: “أسقطنا النظام في معركة تحرير سوريا ولا تزال أمامنا معركة أخرى لتوحيد سوريا، ويجب ألا تكون بالدماء والقوة العسكرية”، مؤكدا إيجاد آلية للتفاهم بعد سنوات منهكة من الحرب، موضحا: “لا أرى أن سوريا فيها مخاطر تقسيم، هذا الأمر مستحيل”.
وفي مقابلة مع شبكة “CBS” الأميركية أكد الرئيس الشرع: “لقد أنشأنا هيئة وطنية مستقلة للعدالة الانتقالية، تضمن محاسبة كل من ارتكب جرائم بحق السوريين، بمن فيهم بشار الأسد نفسه”، مشيرا إلى أن موضوع الأقليات في سوريا مبالغ فيه، وأن سوريا أرض الحضارة والتعايش، وعلمت الدنيا كيف تتعايش الأطراف المختلفة مع بعضهم بسلام وأمان، وأن سوريا قادرة على أن تعيش وقادرة على أن تبني قانونا يحمي الجميع ويحفظ الجميع”.
وأوضح الخبير السوداني، أنه يمكن لسوريا أن تستلهم الكثير من التجارب الإفريقية فيما يتعلق بإطار النهضة الاقتصادية، وفي إطار معالجة قضايا الانتقال السياسي والتحول من نظام انتقالي إلى ديمقراطي تداولي مع التأكيد على مبدأ العدالة الانتقالية، مشيرا إلى أن تجربة العدالة الانتقالية في بريتوريا زادت من أهميتها إلى جانب تجربة غانا، وأنه يمكن أيضا الاستفادة من تجربة دول منطقة البحيرات العظمى في رواندا وبوروندي.
وأكد تورشين أن تجربة جنوب إفريقيا تمثل نموذجا بالغ الأهمية لسوريا، باعتبار أن القارة الإفريقية عموما، وجنوب إفريقيا على وجه الخصوص، عانت طويلا من نظام الفصل العنصري وانعكاساته العميقة على الحياة السياسية والمدنية والاقتصادية، وهو ما جعل مسار المصالحة والعدالة الانتقالية جزءا أساسيا من إعادة بناء الدولة وتمكينها من النهوض خلال فترة وجيزة نسبيا.
ورأى أن سوريا بعد سقوط نظام الأسد باتت اليوم في حاجة إلى مصارحة وطنية حقيقية، وتطبيق مبدأ العدالة الانتقالية بصورة شاملة وعادلة لتفادي أخطاء المراحل السابقة، والمضي نحو تحقيق وحدة سوريا بشكل قوي، ما يعزز مسألة الاستقرار والتنمية الاقتصادية.
نظام الفصل العنصري
شهدت جنوب إفريقيا نظاما سياسيا قائما على التمييز العنصري “الأبارتهايد” بين البيض والسود، استمر نحو نصف قرن وسقط رسميا في مطلع تسعينيات القرن الماضي.
ويقصد بمصطلح “الأبارتهايد” نظام الفصل العنصري المؤسس في القوانين والسياسات والممارسات الرسمية بهدف إدامة سيطرة مجموعة عرقية على مجموعات أخرى. ويعود أصل الكلمة إلى لغة المستعمرين الهولنديين الذين استعمروا جنوب إفريقيا وفرضوا هذا النظام لإدامة سيطرتهم على السكان الأصليين واستغلالهم.
وقد شغل النزاع العرقي والعنصري بين الأقلية البيضاء والأغلبية السوداء حيزا كبيرا من تاريخ البلاد وسياساتها، منذ شروع الحزب الوطني في تطبيق سياسة الفصل العنصري بعد فوزه في انتخابات عام 1948، قبل أن يبدأ الحزب نفسه تفكيك هذه السياسة عام 1990 بعد صراع طويل مع الأغلبية السوداء ومجموعات مناهضة للعنصرية من البيض والهنود.
وكان نيلسون مانديلا الزعيم التاريخي لجنوب إفريقيا وأحد مؤسسي الجناح العسكري لحزب المؤتمر الوطني، وقد حكم عليه بالسجن من عام 1963 إلى عام 1990. وأسهم سجنه إلى جانب أقرانه في جذب الانتباه الدولي وحشد الدعم العالمي لقضية مناهضة الفصل العنصري.
وترافق ذلك مع موجات احتجاج واسعة من آلاف السود قوبلت بعنف شديد من الحكومة العنصرية، في وقت كشف فيه التردي الاقتصادي فشل هذه السياسة، فالفصل بين البيض والسود لم يجلب لا السلام ولا الازدهار.
وأثر الضغط الدولي والداخلي على تحولات مفصلية، كان أبرزها قرار مجلس الأمن الدولي عام 1977 فرض حظر إلزامي على بيع السلاح لجنوب إفريقيا، ثم فرضت بريطانيا والولايات المتحدة عقوبات اقتصادية عام 1985، ما دفع حكومة الحزب الوطني بقيادة بيتر بوتا إلى إجراء إصلاحات محدودة شملت إلغاء قوانين المرور وحظر ممارسة الجنس والزواج والعلاقات بين الأعراق.
غير أن هذه الإصلاحات بقيت دون مستوى تطلعات المجتمع، وأسهمت في تصاعد الضغوط التي انتهت بتنحي بوتا وصعود الرئيس فريدريك ويليم دي كليرك، الذي مضى أبعد في تفكيك البنية القانونية للفصل العنصري، فألغى عدة قيود أساسية على السود، أهمها قانون تسجيل السكان ومعظم التشريعات المؤسسة للتمييز.
وفي 11 شباط 1990 أطلق دي كليرك سراح مانديلا ووافق على مسار دستوري جديد منح السود وبقية المجموعات العرقية حق الاقتراع، ليدخل الدستور الجديد حيز التنفيذ عام 1994، وتجرى أول انتخابات عامة غير عنصرية في تاريخ البلاد، تنتهي بتشكيل حكومة ائتلافية بأغلبية غير بيضاء، ما مثل النهاية الرسمية لنظام الأبارتهايد.
وكان السبب الأساسي الذي جعل دي كليرك ينهي السياسة العنصرية في البلاد إدراكه أن العداء العرقي والعنف المتزايد سيقودان جنوب إفريقيا إلى حرب أهلية عرقية جديدة لن يتمكن البيض من الصمود أمامها، فاختار التفاوض مع مانديلا على تفكيك النظام من جذوره.
تولى نيلسون مانديلا رئاسة البلاد بين عامي 1994 و1999، وجرى خلال المرحلة تأسيس مؤسسات جديدة، أهمها لجنة الحقيقة والمصالحة التي هدفت إلى كشف انتهاكات الماضي وتثبيت الانتقال السلمي، وقاد مانديلا خلالها البلاد.
كما دفعت القيادة الجديدة نحو برامج تعليمية وثقافية تستهدف الأجيال الشابة، لترسيخ قيم التسامح ونبذ العنف والتمييز، وإعادة بناء الذاكرة الجماعية على أساس “تاريخ مشترك” لا على أساس ذاكرة انتقامية.
وقال مانديلا: “لا يولد أحد يكره شخصا آخر بسبب لون بشرته أو خلفيته أو دينه.. الناس يتعلمون الكراهية، وإذا كانوا قادرين على تعلم الكراهية، يمكن تعليمهم الحب، لأن الحب أقرب إلى قلب الإنسان من الضد”.
نجحت التجربة الجنوب إفريقية في تجنيب البلاد حربا أهلية جديدة وترسيخ انتقال سلمي إلى نظام ديمقراطي مع اعتراف دستوري بالحقوق والحريات، إلا أن التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية بقيت من أبرز التحديات.
وفي المقابل حققت خلال العقدين التاليين تقدما اقتصاديا ملحوظا، فتعزز موقعها كأكبر اقتصاد صناعي في القارة، واندمجت في التكتلات الاقتصادية الدولية لتصبح عضوا في مجموعة العشرين و”بريكس”.
وفي تقدير الباحث والخبير في الشؤون الإفريقية الدكتور محمد تورشين، فإن جمهورية جنوب إفريقيا تمتلك شبكة شراكات اقتصادية وصناعية يمكن توظيفها عمليا في ملف إعادة الإعمار في سوريا، ولا سيما عبر فتح المجال أمام الشركات الجنوب إفريقية الكبرى لإعادة افتتاح فروع لها والعمل داخل السوق السورية.
واختتم حديثه بالقول إن لدى بريتوريا حضورا قويا في مجموعة العشرين، إضافة إلى علاقاتها الجيدة مع قوى دولية متعددة، في وقت تمتلك فيه دمشق بدورها قنواتها وآلياتها الخاصة في الفضاء الدولي، معتبرا أن التعاون الثنائي المباشر بين دمشق وبريتوريا يمكن أن يحقق لسوريا مكاسب أكبر في المجالات التنموية والاقتصادية والسياحية، بالإضافة إلى ملف العدالة الانتقالية.
الثورة السورية
—————————–
هل تأخر مسار العدالة الانتقالية؟/ مظهر الويس
يناير 1, 2026
منذ انطلاقة الثورة، خرج الشعب السوري من أجل قيم العدالة ورفع الظلم وتحقيق الكرامة، وقد شكلت هذه القيم دائماً البوصلة التي توجه مسار الدولة السورية الجديدة. وتشكل العدالة الانتقالية أحد ركائز هذا المسار، لما تمثله من وفاء لقيم الثورة، وحفظ حق الشهداء، وإعادة بناء الدولة والمجتمع ليتمكن جميع أبنائها من التعايش، والمضي نحو الاستقرار والبناء.
العدالة الانتقالية مبدأ دستوري التزمت به الدولة على كل الصعد، وظهر واضحاً في الإعلان الدستوري، وقد تجسّد هذا الالتزام عملياً من خلال إجراءات واسعة وواضحة، منها إطلاق هيئة وطنية للعدالة الانتقالية ولملف المفقودين، وكذلك عبر المؤسسة القضائية ووزارة العدل، التي تشكل أحد أعمدة هذا المسار.
الإنجازات والإجراءات العملية
من الإجراءات التي تم اتخاذها:
• السير الجاد في إصلاح البنية المؤسساتية للقضاء وضمان استقلاله، وإعادة تنظيم المحاكم لضمان الكفاءة واستمرارية العمل القضائي.
• إعادة القضاة المنشقين ضمن إطار قانوني منظم، بما يعزز كفاءة واستقرار الجهاز القضائي.
• التنسيق مع وزارة الداخلية لملاحقة مئات المتورطين بانتهاكات جسيمة، والإحالة إلى القضاء.
• إنهاء العمل بالأحكام والإجراءات الاستثنائية، ورد الاعتبار لمئات الآلاف من المواطنين، وإزالة ملايين الإجراءات التعسفية السابقة، بما يعكس الالتزام بالعدالة وحماية الحقوق.
• فتح باب الانتساب للقضاء الجديد عبر المعهد العالي للقضاء لتأهيل جيل قضائي مهني مستقل بعد استبعاد القضاة المتورطين بانتهاكات لشرف القضاء وحقوق الإنسان.
• تجهيز البنية التشريعية المناسبة وحفظ وتوثيق الأحكام الجائرة للمحاكم الميدانية السابقة، للمساعدة في كشف مصير المفقودين ومحاسبة المتورطين.
• تعزيز التعاون مع المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية والدولية، من خلال بعثات عمل وورش تدريبية وتبادل الخبرات والمعلومات، لضمان مسارات متسقة وفاعلة للعدالة الانتقالية.
• متابعة الملفات الحساسة، بما في ذلك أحداث الساحل ولجنة التحقيق الخاصة بأحداث السويداء، وملف المفقودين، مع حفظ الأدلة والوثائق لضمان عدم ضياع الحقوق.
• معالجة ملفات العقارات، عبر تشكيل محاكم متخصصة ومراجعة الأحكام السابقة لضمان حقوق أصحاب الملكية واستعادة العدالة أمام المصادرات التعسفية.
• التعامل مع الجمهور بكل شفافية، وكشف الإجراءات المتعلقة بالمحاكمات لضمان الثقة والشفافية.
كل هذه الإجراءات تعكس التزام الدولة بمسار قانوني ومؤسساتي متدرج، يعزز الثقة بالمؤسسات الوطنية ويطمئن المواطنين بأن حقوقهم محفوظة، وأن كل تجاوز سيحاسب عليه القانون.
تصحيح المفاهيم والصور النمطية
رغم وجود بعض الإشكاليات المتعلقة بالصور النمطية والمقاربات المبسطة لمفهوم العدالة الانتقالية، من المهم التأكيد أن الهدف الحقيقي للمسار ليس الانتقام ولا الإفلات من العقاب، بل تحقيق العدالة لكل المواطنين، بما يعزز الثقة بمؤسسات الدولة، ويسهم في كشف الحقيقة وحق الضحايا وحفظ الذاكرة وحماية الأجيال القادمة.
وفي هذا السياق، يطرح البعض تساؤلات متكررة حول مستقبل العدالة الانتقالية، محملاً الدولة مسؤولية التأخير، وهذا الحديث مفهوم وطبيعي في ظل حجم الألم والقلق لدى الضحايا والمواطنين، ومن المهم توضيحه بشفافية دون تحميل أي طرف نوايا سلبية.
الالتزام العملي للوزارة
بصفتي وزير العدل، من واجبي أن أوضح أن هدفنا كان ولا يزال تحقيق العدل، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة كل من تورط بانتهاكات جسيمة بحق الشعب السوري. وقد تجسّد هذا الالتزام عملياً من خلال الإجراءات الواضحة والمتعددة التي تم ذكرها، والتي تعكس حرص الدولة على العدالة وسيادة القانون، وما سبق من حديث يسلط الضوء على جانب بسيط من الأعمال المبذولة.
إن أحد أوجه الخلل في النقاش يكمن في ربط العدالة الانتقالية بصور جامدة أو مقارنتها بصورة مباشرة مع تجارب أخرى. ورغم اختلاف الوقائع والأسباب والنتائج من حالة إلى أخرى، فإن الزج الدائم بهذا المفهوم لا يخلو من تبسيط مخلّ، وقد يخفي أحياناً مقاربات لا تخدم المصلحة العامة، دون مراعاة خصوصية الحالة السورية المثقلة بتركة ضخمة من الانتهاكات واهتراء المؤسسات والتحديات الكبيرة التي واجهتها ولا تزال الدولة، من تدخلات خارجية ووجود مجموعات مسلحة خارجة عن القانون لا تزال متمردة على الشرعية ومستقوية بالخارج.
ومن الطبيعي أن يبقى المسار غير مكتمل طالما كانت بعض هذه التحديات قائمة، إذ إن إخضاع الجميع لسلطة الدولة وسيادة القانون يحتاج وقتاً وجهداً تراكمياً، حتى تستطيع الدولة التركيز على مهامها الأساسية وبسط عدالتها، ولا ننسى ما حصل في العام المنصرم من نقاشات وجولات مطولة حول رفع العقوبات، دون بروز دعم دولي فعلي حقيقي لتأمين الموارد والمعلومات المطلوبة لإعادة الإعمار ودعم صناديق جبر الضرر وكشف الحقيقة.
البعد الأخلاقي للعدالة الانتقالية
المسار الذي يمضي اليوم يبرز الانتصار الأخلاقي للثورة السورية في إعادة بناء دولة تقوم على الحقوق والإنصاف والعدالة، بعيداً عن أي دوافع للانتقام أو الإفلات من العقاب، ومسير متوازن يسهم في تحقيق الاستقرار المنشود.
إن واجب النخب والمعنيين والمؤثرين تسليط الضوء على هذه المقاربة ومساعدة المؤسسات ودعمها، بدلاً من الضغط والتسرع الذي قد يؤثر على حالة الاستقلالية المطلوبة، ويصنع جواً من القلق والتحريض غير المقصود، الذي قد يعرقل المهمة بدلاً من إتمامها. فالعدالة لها متطلباتها وظروفها القانونية والحقوقية، وتحتاج إلى إتمام أدواتها وعوامل نجاحها.
لا بد من بث الأمل والتفاؤل، فكما انتصرت الثورة في معركة إسقاط النظام، سننتصر في معركة البناء ومعركة العدالة ومعركة الوحدة. بالوعي، والاستمرار، والثقة، والتعاون، والشفافية، ندخل عام 2026 ونحن على يقين بأن رواق العدالة سيمتد أكثر وأكثر، ويتجلى ويظهر بشكل واضح، بعد اكتمال فترة التأسيس والتحضير، وحينها سيتم الانطلاق بقوة وثبات.
وزير العدل
الثورة السورية
—————————–
“العفو العام”… عودة منطق النظام السابق بوجه جديد/ ميشال شمّاس
الأربعاء 2026/02/25
لم ينتفض السوريات والسوريون ضد نظام الأسد الإجرامي، ولم يضحّوا بالغالي والنفيس لتغيير الوجوه أو تبديل الشعارات، بل لإنهاء منطق الحكم الذي صادر القانون وحوّل القضاء إلى ملحق بالسلطة، ولإقامة دولة جديدة تقوم على سيادة القانون واستقلال القضاء. غير أن مرسوم العفو رقم 39 للعام 2026، الذي أصدره الرئيس الشرع خلافاً للإعلان الدستوري، جاء ليضع هذا الهدف موضع تساؤل: هل نسير فعلاً نحو دولة تحترم قانونها وقضائها، أم نعيد إنتاج الأدوات نفسها التي حكمنا بها البعث والأسدان؟
ولفهم الإشكاليات التي يطرحها هذا المرسوم على المرحلة الانتقالية، لا بد من تفكيكه ضمن محاور واضحة تُظهر موقعه من العدالة الانتقالية، ومن الدستور، ومن السلم الأهلي.
أولاً: العفو في سياق العدالة الانتقالية
العدالة الانتقالية ليست مكرمة ولا لفتة إنسانية، إنها منظومة غايات وأدوات واضحة: كشف الحقيقة، محاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، جبر ضرر الضحايا، وضمان عدم التكرار. وأي إجراء قانوني في سياق انتقالي لا يكتسب شرعيته من العطف، بل من مدى انسجامه مع هذه الأهداف.
من هذا المنظور، لا يمكن لعفو واسع يشمل جرائم جنائية وجنحية عادية كالقتل والسرقة والرشوة والاحتيال وإساءة الأمانة وحوادث السير، أن يُقدَّم كأداة عدالة انتقالية، ما لم يكن جزءاً من تسوية مضبوطة ومحدّدة الشروط، أو مرتبطاً بمنظومة متكاملة لكشف الحقيقة والمحاسبة وتعويض الضحايا.
عفو شامل عن هذا النوع من الجرائم، حتى لو كان مشروطًا، يضعف الردع العام، ويهز مبدأ المساواة أمام القانون، ويُحبط ضحايا اعتُدي على حقوقهم في مجتمع هش يعاني أزمة اقتصادية وأمنية عميقة.
والعفو العام، في جذوره التاريخية، أداة استعملتها أنظمة ملكية وشمولية كـَ “مكرمة” شخصية من الحاكم، لا كجزء من منظومة عدالة قائمة على مؤسسات مستقلة.
ثانياً: أين تكمن مشكلة مرسوم العفو رقم 39؟
تكمن المشكلة في أن المرسوم يعيد تشكيل الخريطة العقابية: يمحو عقوبات، ويُجزّئ أخرى، ويستثني جرائم، ويضع شروطاً جديدة. أي أنه يمارس فعلياً وظيفة تشريعية كاملة من دون أن يمر بأي نقاش عام أو مسار في مجلس الشعب. هكذا يصبح القاضي الذي يحكم بعد تحقيق ومحاكمة في موقع من تُمحى آثار أحكامه بقرار سياسي واحد، فتتحول الأحكام القضائية إلى محطة مؤقتة بانتظار مرسوم جمهوري، ويُعاد إنتاج منطق “الدولة المزاجية” بدل سلطة قضائية مستقلة.
فوق ذلك، يتعارض المرسوم مع الإعلان الدستوري الذي أسند لمجلس الشعب حصراً سلطة إقرار العفو العام، وحصر سلطة الرئيس بالعفو الخاص فقط. ما يعني أن الرئيس مارس صلاحية لم تُمنح له نصاً، متعدياً على اختصاص السلطة التشريعية.
والقول إن “الضرورة السياسية” أو “ظروف المرحلة الانتقالية” تبرر هذا المسلك، لا ينشئ صلاحيات جديدة من العدم. والاستشهاد بتجارب تونس أو مصر لا يصلح حجة، لأن إعلاناتها الدستورية منحت رؤسائها صراحة سلطات تشريعية، بينما الإعلان السوري لم يفعل ذلك إطلاقاً. بهذه الطريقة، يُضعف المرسوم مبدأ الفصل بين السلطات، ويفتح الباب لعودة منطق الاستثناء الدائم الذي حكم سوريا لعقود.
ثالثاً: تناقضات مضمون المرسوم وأثره على السلم الأهلي
عند تفحّص مضمون المرسوم، يتبين أنه ميّز بين الجرائم المنصوص عليها في مواد “أمن الدولة” و”النيل من هيبة الدولة” تبعاً لتاريخ ارتكاب الجريمة. فالأفعال المرتكبة قبل 8 كانون الأول 2024 تُعفى من العقوبة، بينما الأفعال نفسها إذا ارتُكبت بعد هذا التاريخ تبقى خاضعة للتجريم والعقاب. هذا التفريق الزمني لا يستند إلى معيار قانوني موضوعي. فهو يحوّل العفو من أداة لتصحيح مظالم الماضي إلى أداة لإعادة إنتاج منطق السلطة ذاته: يُزيل الصفة الجنائية عن أفعال كان نظام الأسد يصفها بالخيانة، لكنه يُبقي النصوص نفسها فعّالة على الأفعال ذاتها إذا ارتُكبت في عهد السلطة الحالية. وبذلك لا يعود معيار التجريم هو طبيعة الفعل، بل هوية السلطة التي تحكم.
المرسوم لم يقتصر على الجرائم ذات الطابع السياسي، بل امتد ليشمل العفو الكامل عن الجنح والمخالفات، والعفو عن نصف العقوبات في الجنايات المؤقتة، بما في ذلك جرائم القتل وأفعال تمسّ السلم الأهلي بصورة مباشرة. كيف يمكن لمجتمع مجروح، لم يختبر بعد عدالة حقيقية في مواجهة الجرائم الكبرى، أن يتقبّل تنازلاً واسعاً كهذا إزاء ما يُسمّى “جرائم عادية” مسّت أمنه اليومي وكرامته وممتلكاته؟ بهذا يتحوّل المرسوم إلى أداة فعلية لإفلات فاعلين خطيرين من العقاب.
وأيضا إن إدخال جرائم مثل السرقة والرشوة والاحتيال وإساءة الأمانة وحوادث السير ضمن نطاق العفو، وإمكانية إسقاط الملاحقة عبر إسقاط الحق الشخصي أو التعويض المالي، يحوّل الجريمة من اعتداء على النظام العام إلى علاقة مالية يمكن تسويتها بورقة إسقاط. وهذه مقاربة خطيرة، لأنها تفتح الباب أمام الضغط على الضحايا، خصوصاً في بلد يعاني من أزمة اقتصادية وأمنية وغياب ضمانات حقيقية للحماية.
رابعاً: أثر المرسوم في سياق سجون امتلأت من جديد
بعد سقوط النظام السابق، فُتحت السجون وأُفرغت بالكامل من نزلائها. لكن ما حدث لاحقاً في عهد السلطة الجديدة عادت السجون لتمتلئ تدريجياً، بأشخاص وجهت لهم تهم التورط في جرائم جنائية واعتداءات وملفات فساد. وبهذا المعنى، يصبح العفو موجّهاً عملياً إلى جرائم جديدة ارتُكبت في ظل السلطة الحالية، لا إلى مظالم قديمة ارتكبها النظام السابق.
وهذا ما يثير مخاوف حقيقية من أن يتحوّل العفو إلى أداة لإطلاق سراح متهمين بارتكاب انتهاكات خطيرة، بما في ذلك ما تسرّب من معلومات عن الإفراج عن بعض المتورطين في مجازر الساحل والسويداء، أو لإعادة تدوير شبكات الفساد والعنف، بدل أن يكون خطوة لمعالجة إرث الماضي أو لتعزيز الثقة بالعدالة في المرحلة الانتقالية.
في النهاية، لا يمكن النظر إلى هذا العفو باعتباره خطوة نحو العدالة، لا في مضمونه ولا في شكله. فالمرسوم استثنى ما سمّاه “الجرائم الجسيمة” من دون أن يعرّفها أو يحدّد معاييرها، تاركاً الباب مفتوحاً لتفسيرات سياسية لا علاقة لها بحقوق الضحايا أو بمعايير العدالة. وفي مرحلة لم تُكشف فيها الحقيقة بعد، ولم تُحدَّد فيها المسؤوليات، يصبح أي عفو عام، مهما بدا مقيداً تجاوزاً لحقوق الضحايا ومحاولة لطيّ الملفات قبل فتحها.
العدالة الانتقالية تُبنى بالمساءلة وكشف الحقيقة وحماية الضحايا. وأي تخفيف للعقوبة لا يجوز أن يصدر بقرار منفرد من السلطة التنفيذية، بل ضمن شروط دقيقة، وبمشاركة الضحايا، وبعد تعريف واضح للجرائم المستثناة، وتحت رقابة مستقلة وشفافة. ما عدا ذلك، يبقى “العفو العام” أداة سلطوية قديمة بثوب جديد، وتهديداً لقيام الدولة على أسس دستورية وقانونية.
المدن
—————————–
العفو العام والعدالة الانتقالية المؤجلة في سوريا/ فيصل علوش
24 فبراير 2026
إذا صحّ أن الهدف من مرسوم العفو العام الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع أخيرًا، (17/2/2026)، هو التهدئة وتخفيف الاحتقان الاجتماعي والسياسي في بلد يمر بمرحلة انتقالية صعبة ومعقدة، فهل يجوز للسلطة التنفيذية أن تتجاوز وتخرق “إعلانها الدستوري” الذي سبق لها ووضعته بنفسها، (وكان في الأساس محل جدل وانتقاد على خلفية الصلاحيات الواسعة التي منحها لرئيس الجمهورية)، بمسوغ الضرورات التي استوجبت العمل من أجل تلك التهدئة وتخفيف ذلك الاحتقان؟ أو لنقل هل يجوز هنا تطبيق القاعدة الفقهية التي تقول إن “الضرورات (السياسية) تبيح المحظورات (القانونية)”؟
الإعلان الدستوري الذي وقّعه الشرع في 13 آذار/ مارس 2025 ، والذي يفترض أن يشكل الإطار القانوني الذي وضعته السلطة لتنظيم عملها خلال المرحلة الانتقالية، نصّ في مادته الثلاثين على أن إقرار قانون العفو العام هو من صلاحيات مجلس الشعب، ولم يتضمن نصًا يمنح رئيس الجمهورية صلاحية التشريع، أو ممارسة صلاحيات مجلس الشعب في حال غيابه، وبالتالي، لا يوجد سند قانوني يجيز للرئيس إصدار مرسوم العفو العام. ومن هذا المنطلق، فإن إصداره شكل “سابقة”، وصفها بعض الحقوقيين بأنها بمثابة “انقلاب على الشرعية الدستورية”، لا يمكن تبريرها تحت أي سبب من الأسباب.
مخاطر تجاهل المعايير الدستورية
من وجهة النظر القانونية، فإنه كان يجب الانتظار حتى اكتمال تشكيل مجلس الشعب، في حال وجود ما يتطلب إصدار عفو عام، لأنه وحده من يحق له أن يفعل ذلك. والإشكالية، في نظر المنتقدين، لا تكمن فقط في تجاوز ما نصّ عليه الإعلان الدستوري، بل في ما ينطوي عليه هذا التجاوز والرسائل التي يشي بها؛ لجهة مدى احترام القانون والالتزام بالنصوص الدستورية، إضافة إلى التساؤلات التي يثيرها حيال الضمانات المستقبلية؛ سواء في ما يتعلق بوضع دستور دائم، أو بقوننة الحياة السياسية والحزبية، وتنظيم انتخابات تنهي المرحلة الانتقالية.
وفي الواقع، فإن الدستور، أو “الإعلان الدستوري” يوضع لتقييد السلطة، وليس لمنحها إمكانية تجاوزه، (حتى لو كانت هي من وضعته)، علمًا أن نجاح السلطة، والمرحلة الانتقالية في نهاية المطاف، يرتبط بمدى احترامها للمعايير القانونية والدستورية التي حددتها ووضعتها لنفسها، لا بمدى قدرتها على تجاوزها.
وقد أعاد إصدار هذا العفو إحياء النقاش حول بعض المفاهيم القانونية والسياسية التي يفترض مراعاتها في المرحلة الانتقالية، من قبيل ضرورة الفصل بين السلطات، وترسيخ القانون وبناء المؤسسات في سوريا الجديدة، وأن يكون القانون فوق الجميع، وفوق كل الشخصيات السياسية مهما علت مراتبها في السلطة التنفيذية، فضلًا عن عدم الإفساح في المجال أمام السلطة التنفيذية للهيمنة الكاملة على باقي السلطات التشريعية والقضائية، (على غرار العهد البائد)، الأمر الذي يؤسس لخلل حقيقي وفادح في بنية النظام السياسي وآليات عمله، وفي شكل الدولة السورية التي ما زالت في طور التشكّل، والتي يطمح السوريون أن تكون دولة حق وقانون وعدالة ومؤسسات، وهو ما أكد عليه الرئيس الشرع غير مرة في تصريحات سابقة.
عدالة انتقالية حائرة
وإلى ذلك، فإن العفو العام في سياق المرحلة الانتقالية التي يمر بها البلد، يفترض أن يراعي كذلك حقوق ضحايا الانتهاكات والفظائع المرتكبة، وضمانات عدم الإفلات من العقاب، واستحقاقات العدالة الانتقالية عمومًا. وهنا تحضر عبارة “الانتهاكات الجسيمة” التي وردت في المرسوم، ورأى كثير من الحقوقيين أنها لم ترفق بتعريف دقيق، أو بمعيار قانوني واضح لتحديد الجرائم المشمولة والمستثناة وفقها، مما يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة لها، ويخلق حالة من البلبلة وعدم اليقين القانوني إزاءها.
وقد ذهب البعض إلى أن مرسوم العفو بالشكل والمحتوى الذي صدر فيه، يشي بطبيعة البنية القانونية والسياسية لنموذج الحكم الذي يتشكّل، وذلك بالنظر إلى أن معيار الشمول والاستثناء في الجرائم التي يتم النظر بها قد لا يُبنى على طبيعة هذه الجرائم وخطورتها، بقدر ما يبنى على موقع الفاعل داخل البنية الجديدة للسلطة. أي أننا قد نكون أمام “عدالة انتقائية” تُدار وفق مقتضيات الولاء ومدى القرب من السلطة، وليس تبعًا لمسار الانصاف والمساءلة وجبر الأضرار التي لحقت بالضحايا.
وما يزيد طين هذه البلبلة القانونية بلّة، هو الخروقات والتجاوزات التي أقدمت عليها الحكومة السورية سابقًا؛ وخصوصًا لجهة إجراءات العدالة الانتقالية ومحاسبة رموز وأزلام الحكم الأسدي، من قبيل التسويات التي عقدتها مع شخصيات مرتبطة به، ومتورطة بارتكاب جرائم وانتهاكات انسانية أو اقتصادية ومالية؛ مثل قائد ميليشيا الدفاع الوطني فادي صقر، ورجل المال والأعمال محمد حمشو، وتجار الحصار والصفقات الشائنة؛ أمثال محمد المنفوش ومدلول العزيز وغيرهم.
هذه “التسويات” لم تشكل استفزازًا لمشاعر الضحايا ومعاناتهم فحسب، بل ضربت في صميم منظومة العدالة الانتقالية، وصولًا إلى مسار الانتقال السياسي ذاته، لأنه، ببساطة، لا يمكن بناء دولة جديدة بذات الآليات وأساليب الإفلات من العقاب التي كانت معتمدة. فالعدالة الانتقالية تعني في ما تعنيه إعادة تأسيس العقد الاجتماعي والأخلاقي بين الدولة والمجتمع، وأي تجاوزات يُشتبه بأنها ترقى إلى انتهاكات جسيمة، لا يمكن التعامل معها كملفات إدارية أو أمنية، بل هي قضايا تمس جوهر وشكل الدولة الجديدة.
وحسب الخلاصات التي ينتهي إليها كثير من الخبراء والحقوقيين، فإن مسار العدالة الانتقالية يحتاج إلى بيئة سياسية صديقة وداعمة تتطلب وتتضمن:
ــ توفر الإرادة السياسية ووجود استراتيجية وطنية لإنفاذ القانون وتحقيق العدالة.
ــ الاعتراف بكل الانتهاكات المرتكبة، وحقوق الضحايا والعدالة التي ينبغي أن تطال الجميع.
ــ اعتماد نهج وسياسة عدم الإفلات من العقاب، ومنع احتمال إعادة انتاج الاستبداد والمناخات التي تسمح بتجدد الانتهاكات المرتكبة.
ــ مشاركة قوى المجتمع المدني الحية والفاعلة، واندراج مسار العدالة في سياق عملية سياسية اجتماعية تطمح لبناء عقد اجتماعي جديد وتأسيس سلم أهلي مستدام.
وعليه، فإن مسار العدالة الانتقالية يرتبط على نحو لا فكاك منه مع مشروع إعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة، وفي حال غياب هذا المشروع، أو عجز بنية السلطة عن الاضطلاع به، فليس هنالك عدالة انتقالية ولا هم يحزنون!
ألترا سوريا
—————————–
======================



