منوعاتموسيقا

عمر البطش… مسيرة حياةٍ تَنبضُ بالموشحات ورقص السماح/ عامر الطرودي

03 مارس 2026

“رائد الموشّح العربي، شيخ الكار، كبير الوشاحين العرب، سيد درويش سورية، عبقري الموشح، عميد الوشاحين”. تلك بعض الألقاب التي لُقِّب بها الشيخ عمر البطش.

حافظ بألحانه على روح الموشح العربي وجمالياته، وساهم في إبداع الموشّح الحلبي الحديث، بهويته العربية الأصيلة، ليتحول إلى مدرسةٍ مرجعية مُتكاملة، ويصبح بمثابة امتدادٍ للموشح الأندلسي.

ولِد في حلب، حي الكلاسة، عام 1885، ومنذ طفولته ظهر شغفه بالفن، فتمكّن من حفظ عشرات الموشّحات، وكان يواظب على زيارة الزوايا والتكايا الصوفية، ليستمع لكبار المُنشدين، قبل أن يبدأ مُبكّراً بدراسة علوم الموشّحات والمقامات والإيقاعات، بالإضافة إلى فن رقص السماح، على يد كبار شيوخ الطرب، كالشيخ أحمد عقيل وبكري القصير وصالح الجذبة.

خلال خدمته العسكرية في الجيش العثماني، عام 1905، انضم إلى الفرقة الموسيقية العسكرية، عازف ترومبيت وآلات إيقاعية، وتعلم قراءة النوتة الموسيقية، ما ساعده على تدوين كثير من المؤلفات الموسيقية. ومع إنهائه الخدمة، دخل عالم التلحين، وبدأ يبرز واحداً من المراجع الموسيقية الهامة في حلب، نتيجة إلمامه بأغلب المقامات والإيقاعات الموسيقية.

عَمِل مُنشداً وعازف إيقاع مع كثيرٍ من الفرق الموسيقية الطربية والإنشادية، ثم انضم إلى فرقة الشيخ الحلبي الكبير علي الدرويش عام 1910، قبل أن يتجه إلى توثيق التراث الغنائي الحلبي، مساهماً في حفظ (وإحياء) كثير من كنوزه، خصوصاً الموشحات القديمة، التي قام بتدوينها وتطويرها، بإضافة خاناتٍ لحنيةٍ إليها.

بدأ في مرحلة العشرينيات يَضعُ بصمته في مجال تلحين الموشحات، حيث ابتكر أسلوباً جديداً، كَسَر من خلاله رتابة اللحن ووحدة الإيقاع، اللتين كانتا تَطغيان على كثيرٍ من الموشّحات القديمة، وأغنى بُنية اللحن بالتنويعات المقامية والإيقاعية، ليُساهم في تطوير قالب الموشح وجعله أكثر حداثة وملاءمة لذائقة العصر. ومن أبرز الأمثلة موشّح “قلت لما غاب عني”. 

 وخلال حياته الفنية، لحَّن نحو 135 موشحاً، من أغنى الموشّحات العربية وأهمها، استخدم فيها مختلف أنواع المقامات والإيقاعات، كما لحَّن موشحاتٍ خاصة على بعض المقامات النادرة، لكي يبرز شخصيتها الموسيقية ويوضِّح مساراتها اللحنية. وقد تحولت موشحاته إلى مراجع موسيقية للباحثين، وباتت تُستخدم أمثلةً ووسائلَ إيضاحٍ للتعريف بالمقامات والإيقاعات المُركَّبة، في كثيرٍ من المعاهد والأكاديميات الموسيقية.

ومن أشهر موشّحاته: موشّح يمر عجباً، في الروض أنا شفت الجميل (مقام حجاز كاركرد). مُنيتي من رُمتُ قربه، هذي المنازل (راست). داعي الهوى، يا مالكاً مني فؤادي (عجم عشيران). قم يا نديم (نوا أثر). سُبحان من صور، بدرُ حسنٌ زار،  يا ناعس الأجفان، ذا الأهيف المُعجب، يا مُنى القلب (نهاوند).

ولم يكتفِ البطش بتلحين الموشحات، بل سخَّر حياته لتدريس علومها وفنونها، حيث تتلمذ على يده عمالقة الطرب والإنشاد في حلب، مثل: صباح فخري، صبري مدلل، محمد خيري، زهير منيني، بهجت حسّان وغيرهم. ومع افتتاح معهد الموسيقى الشرقية في دمشق، منتصف الأربعينيات، وبدعوة من مؤسسه الزعيم الوطني فخري البارودي، انتقل البطش إلى المعهد ليدرِّس علوم الموشحات والمقامات والإيقاعات ورقص السماح، ومن أبرز طلابه، الذين أصبحوا من كبار مُنشدي الموشحات ومُدرّبي رقص السماح: عمر العقاد، عدنان منيني، سعيد فرحات، وعبد القادر حجَّار وغيرهم.

في نهاية الأربعينيات، انضم البطش إلى إذاعة حلب مع افتتاحها، ليقوم بتدريب فرقتها الغنائية على تقديم مختلف القوالب الغنائية، وقد ضَمَّت الفرقة، التي سجلت عديداً من أعماله، كبار المُنشدين والمطربين، مثل: صبري مدلل، محمد خيري، صباح فخري، مصطفى ماهر، حسن بصّال. 

تأثَّر عديدون من الوشّاحين العرب بمدرسة البطش، وتعلموا منها طرقاً وأساليب مختلفة في تلحين الموشّحات، من أبرزهم سيد درويش، الذي ساهم البطش في تطوير عددٍ من موشحاته وتنويعها، بإضافة خاناتٍ لحنية إليها، وفق قالب الموشح الحلبي الحديث، فأضاف، مثلاً، إلى موشح يا شادي الألحان خانة “هات يا فَتَّان أسمِعنا.. نغمة الكردان”، كما أضاف خانة “من ثغورٍ لاعسات..ذاق طَعم العسل” إلى موشح العذارى المائسات، وخانة: “هات كاس الراح واسقيني الأقداح” إلى موشح يا بهجة الروح.

وإلى جانب بصمته في التلحين، يعود إليه الفضل في تطوير رقص السماح، الذي تعود أصوله إلى الشيخ عقيل المنبجي، الذي عاش في منبج خلال القرن السابع الميلادي، حيث عَمِل البطش على إظهار نبض الإيقاع الموسيقي بأفضل تناغمٍ وتعبيرٍ جسدي مُمكن، عَبر تطبيق حركات الأيدي والأرجل على إيقاعات الموشّحات، وتنفيذ حركاتٍ خاصة لكل إيقاعٍ على حدة. كما عَمِل على تطوير آلية تلحين الموشحات، التي تُرافق الرقص، بإدخال تنويعاتٍ إيقاعيةٍ ولحنيةٍ عليها، ومنح المُغني مساحاتٍ للتفريد والارتجال، بهدف إغناء الرقص وتوشيحه وتوسيع فضاءاته التعبيرية والجمالية. 

وبتطويره لرقص السماح، الذي كان أصله صوفياً، قام البطش بإخراجه من قالب “السماح الديني” إلى “السماح المسرحي” لتُقدّمه الفرق الفنية على المسارح، كما عَمِل على تحديث الفضاء العام للعرض الراقص، وتحديث أزياء الراقصين، بإدخال الألوان والتطاريز والزخارف، لجعلها أكثر مواكبة للعصر. وقد استمرّت الفرق الراقصة السورية والعربية، بتقديم عروض رقص السماح، وفق أسلوب البطش، حتى يومنا هذا، ومن أبرزها فرقة أمية، التي بقيت لسنواتٍ تحت إشراف عمر العقاد وبهجت حسّان، أبرز طلاب البطش.

وبعد أن كان رقص السماح محصوراً بحلب، قام البطش بنقله إلى دمشق، منتصف الأربعينيات، لينتقل بعدها إلى خارج سورية، ثم أدخله إلى مناهج التدريس في معهد الموسيقى الشرقية، بعد تطويره بشكلٍ منهجي، يقوم على إشراك النساء في الرقص، الذي كان حكراً على الرجال، كما قام بتعليمه لطالبات مدرسة دوحة الأدب للبنات، ليقدّمنه أول مرّة على مسرح مُدرَّج جامعة دمشق، خلال الحفل السنوي للمدرسة، لتصبح عروضه جزءاً أساسياً من احتفالاتها على مدى سنوات.

توفي البطش عام 1950عن 65 عاماً، بعد أن سخَّر حياته خدمةً للفن والإبداع، تاركاً لنا إرثاً لا يَنضب من عيون الموشحات، التي ما زال كبار المطربين والمُنشدين يتقاطرون على غنائها جيلاً بعد جيل.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى