أزمات الداخل السوري الحياتية تحديث 07 أذار 2026

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
تحديث 07 أذار 2026
السوريون.. بين صوم الجوع قبل الافطار وصوم القدرة الشرائية بعده/ مازن الشاهين
معاناة يومية على موائد رمضان: السوريون بين أسعار تصاعدية وقدرة شرائية متآكلة
2026-03-07
مع دخول النصف الثاني من شهر رمضان المبارك، تتزايد معاناة المواطنين السوريين وتتصاعد الشكاوي من الارتفاع الحاد في أسعار اللحوم والمواد الغذائية، وسط غياب الرقابة لحماية المستهلك واحتدام المنافسة بين التجار، فيما يكتفي المسؤولون بدعوات أخلاقية تطلب من التجار “تحكيم الضمير ومخافة الله”، بدلاً من اتخاذ تدابير اقتصادية وتنظيمية فعلية، ودون إقرار أي تسعيرة موحدة للسلع الأساسية، ففي كل عام، يحمل شهر رمضان معه ضيوفاً اثنين لا يفارقانه في سوريا، فانوس الشهر الكريم… وموجة الغلاء المتجددة، غير أن رمضان 2025 يبدو مختلفاً في درجة وطأته؛ إذ باتت الأسواق تعكس صورة اقتصادية قاتمة يعيشها ملايين السوريين تحت سقف دخل لا يتجاوز في أحسن أحواله 120 دولاراً شهرياً، في مواجهة أسعار تجاوزت قدرة معظم الأسر على الاقتراب منها.
وبين دعوات رسمية للاعتماد على الضمير في التسعير، ومطالب شعبية بتفعيل الرقابة وتحقيق توازن أكبر في السوق، يبقى التحدي الأبرز هو إيجاد معادلة تجمع بين حرية السوق وحماية الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي للمواطنين، ولكن بين منطق السوق ومتطلبات المعيشة، يبقى المواطن الحلقة الأضعف في معادلة اقتصادية معقدة تتداخل فيها عوامل الإنتاج والتجارة والرقابة والدخل، والسؤال الجوهري: من يتحمل المسؤولية في غياب الحماية الاجتماعية للمستهلك السوري؟
المشهد الميداني.. أسواق تئنّ والمواطن يتراجع
في أزقة الأسواق المكتظة برائحة التوابل ومعروك رمضان الساخن، تتعثر خطوات الناس بين المحالّ، تتبعهم نظرات متعبة تبحث عن سعرٍ يناسب ما بقي من النقود في الجيب، والأحاديث أمام محلات الخضار تدور حول شيء واحد: “غداً أغلى من اليوم” وتمتزج أصوات الباعة بنداءات الزبائن الباحثين عن الأرخص، وعن ما يُبقي مائدة رمضان ناقصة لكن ممكنة، تتكرر عبارة “الله يعين” أكثر من أي وقت مضى، وكأنها صارت العملة المتداولة بدل الليرة، في بلدٍ لم يعد فيه السعر ثابتاً ولا الدخل كافياً، يتحول الشهر المبارك إلى اختبار يومي للصبر.
ومع مرور النصف الأول من الشهر الفضيل، تشهد الأسواق السورية موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، طالت معظم السلع الغذائية الأساسية وعلى رأسها اللحوم والمواد التموينية، وبينما يحمل المواطنون التجار مسؤولية استغلال الموسم الرمضاني، يرى هؤلاء أن ما يجري نتيجة طبيعية لتقلص العرض وتزايد الطلب في ظل اقتصاد حرّ لا يعرف التسعيرة الموحدة، وفي كل زاوية، تتلخّص الحكاية نفسها: الوجع واحد، وإن اختلفت اللهجات والأسواق.
على الرصيف قرب محل الدواجن يقف محمد الدخيل وهو موظف حكومي، متأملاً لوحة الأسعار التي تتبدل كل يوم، يراقب الميزان وكأنه يراقب مصيره، يقول لـ”963+”: بالسابق كنا نحسبها بالوزن… اليوم نحسبها بالحلم، اللحم صار بعيد، حتى الدجاج غالي، والجيبة فاضية في نص رمضان.
ويضيف أن المشكلة الأساسية ليست في ارتفاع الأسعار فقط، بل في الفجوة الكبيرة بين الدخل وتكاليف المعيشة، يبتسم بمرارة وهو يعدّ ورقات قليلة من النقود.
ويقول: رمضان زمان كان للعزائم، اليوم صرنا نحسب عدد اللقمات، ورمضان هذا العام ليس موسماً للكرم، بل اختبار للقناعة والصبر أمام موجة غلاءٍ قاسية، جعلت الموائد أخفّ، والفرحة أهدأ.
وراءه، تهمس امرأة في الخمسين تدعى “أم خالد” وهي تخرج من محل الخضار بكيس صغير: الوزير بيحكي عن الضمير… بس يا ابني الضمير ما بيشبع الأطفال، كل شيء غالي، وحتى الصيام صار وجعاً إضافياً.
هنا يتدخل البائع مصطفى يحاول أن يشرح لـ”963+” أن المشكلة أعمق من طمع بعض الباعة فيقول: نحن مجبرون لا مخيّرون لسنا ضد الناس، لكن الأسعار ترتفع من المصدر، من التجار الكبار، وكل صاحب محل يحاول ينجو بطريقته، أنا مثلاً أربح قليل، بس غيري يربح أضعاف.
ويوضح أن تكاليف النقل والطاقة صارت عبئاً إضافياً ويتابع القول: نشتري الغالي ونبيع الأغلى، وإلا نسكّر المحل ونروح عالبيت.
وعلى الرصيف المقابل في السوق يجلس “العم أبو أحمد يتجاوز السبعين من العمر” أمام محله وكأنه منهك من المساومات اليومية، هو يقول لـ”963+”: الناس تظن أننا نربح الملايين، بس الكل خسران، الكهرباء غالية، النقل أغلى، والدولار والتجار يلعبوا فينا يمين وشمال، والناس بتسأل أكتر ما تشتري… السوق مليان أنين.
يقول جمال صاحب محل حلويات: يفتقد كثير من السوريين اليوم أجواء رمضان التقليدية، الأضواء ما عادت تملأ الشوارع، وروائح الطعام قلّت في الحارات، الغلاء لا يُرهق الجيوب فقط، بل يخنق الفرح أيضاً، كنا نبيع قبل الإفطار بصف طويل من الزبائن، واليوم الناس تطبخ على القدّ، قليل من يفكر يشتري معمول أو قطايف، القدرة الشرائية للمواطن لا تكفي أسبوعاً واحداً.
وزير الاقتصاد يدعو تحكيم الضمير ومخافة الله في التسعير!!
في خضم هذه الأزمة المعيشية، جاء الرد الحكومي ليس عبر حزمة إجراءات اقتصادية أو برنامج لدعم الأسعار أو حملة رقابية، بل من خلال منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، فقد أكد وزير الاقتصاد السوري الدكتور نضال شعار في منشور عبر صفحته الرسمية على فيسبوك أن الدولة تعتمد نموذج اقتصاد السوق المفتوح الذي لا يفرض تسعيرة مركزية للسلع، وقال إن الأسعار يجب أن تحددها آليات العرض والطلب، لكنه دعا التجار إلى تحمل مسؤولياتهم الأخلاقية والاجتماعية.
وجاء في منشوره: “تحقيق الربح حق مشروع، لكن يجب تحكيم الضمير ومخافة الله في التسعير، خاصة في شهر رمضان وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة”.
وفيما يرى المؤيدون لهذا الموقف أن تدخل الدولة في التسعير قد يؤدي إلى شح في السلع وسوق سوداء، يرى المنتقدون أن “مخافة الله” لا يمكن أن تكون بديلاً عن منظومة حماية المستهلك، خاصة في غياب أي شبكة أمان اجتماعي فعلية.
هذه الدعوة، التي قوبلت بسخرية واسعة على منصات التواصل، أثارت سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للضمير وحده أن يضبط أسعار السوق في ظل غياب الرقابة وشح السلع وتزايد الطلب الموسمي؟
الدكتور عبد المنعم عزاوي، الخبير الاقتصادي، يرى في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن دعوة الوزير “الضمير بديلاً عن السياسة الاقتصادية” تعكس حالة العجز الرسمي عن ضبط السوق، وتحّمل التجار مسؤولية لا يتحملها أي تاجر في العالم بمفرده، وفشل السوق لا يُعالَج بالمناشدة، فالضمير لا يضبط سوقاً تتحكم به المصالح، حيث تتحول معاناة المواطن من صوم الجوع إلى معاناة من “صوم” القدرة الشرائية التي تآكلت أمام موجة غلاء غير مسبوقة، في وقت تترك فيه الحكومة الأسعار لآليات السوق، مكتفية بدعوة التجار إلى “تحكيم الضمير”، خاصة في ظل غياب قوانين رادعة للمحتكرين ومتلاعبي الأسعار.
ويضيف: السوق سيصبح بلا ضوابط، حين يصبح الضمير هو الحكم الوحيد، فحرية السوق لا تعني غياب الإشراف، والمفارقة التي يعيشها السوق السوري تكشف سوء فهم جوهرياً لمبدأ اقتصاد السوق الحر، فهذا النظام لا يعني غياب الدولة، بل يقتضي وجود مؤسسات تنظيمية وقانون منافسة فعّال وحماية للمستهلك، وهو ما يفتقده السوق السوري بالكامل، والمشكلة السورية تجمع بين فشلين في آنٍ واحد: فشل السوق (بسبب احتكار الوسطاء وضعف المنافسة وآثار التصدير غير المنضبط) وفشل حكومي (بسبب ضعف الرقابة وغياب السياسات الاجتماعية والاقتصادية التصحيحية)، واقتصاد السوق الحر في بلد يعاني من احتكار وضعف رقابة وانهيار قدرة شرائية هو وصفة لكارثة اجتماعية، والحكومات حتى الأكثر ليبرالية تتدخل لحماية المستهلك في الأزمات.
ويضيف العزاوي: اقتصاد السوق لا يعني الفوضى، هناك ما يسمى بالمنافسة العادلة، والجهات الرسمية مطالبة بضبطها، وترك السوق بلا مراقبة سيؤدي إلى فوضى سعرية وانهيار القدرة الشرائية للمواطنين.
ويقترح إعادة النظر في سياسة تصدير المواشي والسلع الأساسية خلال المواسم الحساسة، إلى جانب تحديد “أسعار تأشيرية” تحدد الحدود الدنيا والعليا للربح، دون الإخلال بحرية السوق.
ويختم “العزاوي” مصطلح اقتصاد السوق الحر الذي تتبناه الحكومة يعني وجود منافسة حقيقية وشفافية في المعلومات ورقابة على جودة السلع، وليس ترك المواطن فريسة لجشع بعض التجار الذين يستغلون حاجة الناس في رمضان.
غياب الرقابة: هل انتهى دور الدولة؟
بين صمت الدولة ودعوات تحكيم الضمير، المواطن يدفع الفاتورة، ومع تزايد الشكاوى، يبرز سؤال الرقابة بشكل ملح: لماذا تكتفي الدولة بدعوة التجار إلى تحكيم الضمير، بدلاً من تفعيل أدواتها الرقابية؟
مصدر في مديرية حماية المستهلك (فضل عدم الكشف عن اسمه) يقول لـ”963+”: آليات العمل تغيرت، نحن لا نستطيع تحديد السعر قسراً، لكننا نتدخل في حال وجود شكاوى تتعلق بالغش التجاري أو الاحتكار، وهناك خط ساخن لاستقبال الشكاوى، لكن العديد من المواطنين لا يتقدمون بها إما لعدم الثقة بالنتيجة أو لصعوبة الإجراءات.
لكن الدكتور عزاوي يرد على ذلك بالقول: الحل ليس في العودة إلى اقتصاد التسعيرة الجبرية الذي أثبت فشله، لكن في تفعيل آليات السوق الاجتماعي، حيث تترك حرية للتسعير مع وجود شبكة أمان اجتماعي قوية، وحماية صارمة للمستهلك، ودعم حقيقي للرقابة على الجودة والمواصفات، وخلق بيئة تنافسية حقيقية تمنع تشكل الاحتكارات، فالرقابة ليست فقط تسعيراً، بل مراقبة جودة وسلامة الغذاء، وضبط الفواتير والفوارق السعرية غير المبررة، هذه أدوات موجودة في كل دول العالم حتى الأكثر ليبرالية اقتصادية، فلماذا يبقى المواطن السوري وحيداً في مواجهة غلاء لا يعرف الضمير، ومسؤولين يكتفون بتوجيه النصائح، وأسواق تتحول إلى ساحات معارك اقتصادية، ضحيتها الوحيد هو القدرة الشرائية التي تذوب يوماً بعد يوم؟
لماذا يفشل النداء الأخلاقي وحده؟
تقول الباحثة الاجتماعية سهام مروان في تصريح لـ”٩٦٣+” الجواب ليس في المناشدات الفيسبوكية، الجواب في تنظيم صادرات المواشي خلال شهر رمضان بقيود مؤقتة وحصص، وإحياء الرقابة التموينية بصلاحيات فعلية وعقوبات رادعة، وبناء شبكة أمان اجتماعي للأسر ذات الدخل المحدود، وإرساء قانون منافسة يُجرّم الاحتكار والتلاعب بالأسعار، ومع أنه ليست المرة الأولى في التاريخ التي تواجه فيها حكومة ضغوط أسعار بدعوات أخلاقية لكن التاريخ الاقتصادي الاجتماعي يُثبت أن مثل هذه النداءات لا تجدي في ظل غياب بنية تنظيمية رادعة.
وتضيف: الحوافز الاقتصادية أقوى من الدوافع الأخلاقية في سوق تنافسية، والتاجر الذي يلتزم بضمير الأسعار يخسر حصته السوقية أمام من لا يلتزم، وغياب الرقابة يرفع تكلفة الالتزام الطوعي، حين لا يوجد تموين فعّال يعاقب المتجاوزين، يتحول الضبط الأخلاقي إلى قرار عكسي نسبياً، كما أن التحرير الاقتصادي الناقص أشد خطراً من الحماية والتنظيم، واعتماد آليات السوق دون إرساء مؤسسات تنظيمية يخلق فراغاً يستغله المحتكرون والوسطاء، والأزمة السورية مُركّبة، ولا يكفي معالجة الأسعار بمعزل عن انهيار العملة وارتفاع تكاليف الطاقة وضعف الإنتاج الزراعي والأثر التصديري.
وترى الباحثة الاجتماعية أنه من منظور علم الاجتماع الاقتصادي، لا تُعدّ الأزمة الراهنة ظاهرة موسمية مرتبطة برمضان، بل هي تجلٍّي لأزمة بنيوية عميقة، فالمواطن السوري يعيش في “اقتصاد العيش اليومي”؛ أي أنه يقتصر على تأمين الحد الأدنى من الغذاء يوماً بيوم، دون قدرة على التخطيط أو الادخار أو تحسين نوعية المعيشة، وتُنتج هذه الحالة بمرور الوقت ظواهر اجتماعية خطرة، منها تراجع معدلات الزواج، وهجرة الشباب، وانتشار الاكتئاب، وتآكل النسيج الاجتماعي الذي يحمله شهر رمضان تقليدياً من تكافل ومشاركة، وفي نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بتاجر شرير يقابله مستهلك مظلوم، فالصورة أكثر تعقيداً، من منظومة تصدير غير منضبطة، وسوق محلية بلا حماية، ووسطاء يملأون فراغ الرقابة، ومواطن يمتلك دخلاً هشاً أمام أسعار صلبة.
—————————-
هل تكفي شحنات الغاز الجديدة لإنهاء طوابير الانتظار في المدن السورية؟/ أيهم الشيخ
5 مارس 2026
وصلت ناقلة جديدة محملة بالغاز المنزلي إلى سواحل مدينة بانياس، في خطوة تأمل الجهات المعنية أن تسهم في تخفيف حدة الأزمة المتفاقمة في عدد من المدن السورية. ويأتي ذلك في ظل استمرار الطوابير الطويلة أمام مراكز التوزيع، وتزايد شكاوى المواطنين من صعوبة الحصول على أسطوانة الغاز، ما يعكس استمرار الضغوط على قطاع الطاقة، خاصة مع دخول شهر رمضان وزيادة الطلب الموسمي على الطهي والتدفئة.
يرى خبراء أن وصول الناقلة قد يوفر انفراجة مؤقتة في الإمدادات، إلا أن الأزمة ما تزال قائمة في ظل تحديات تتعلق بآليات التوزيع، والقدرة الشرائية، واستقرار التوريد. ففي الواقع، لم يكن وصول ناقلة “GAZ ZUMA” في شباط/ فبراير 2026، محملة بـ1927 طناً مترياً، سوى حلقة في سلسلة وصولات متتالية، حيث بلغ إجمالي الكميات الواصلة منذ بداية فبراير نحو 14.6 ألف طن، مع نواقل إضافية محملة بنحو 9 آلاف طن.
وباشرت الشركة السورية للبترول عمليات التفريغ فوراً، لكن الطوابير لم تختف في اللاذقية أو دمشق أو حلب أو درعا، بل استمرت في بعض المناطق، مع عودة مشاهد الازدحام في ريف دمشق.
الفجوة بين التوريد والواقع على الأرض
يبرز السؤال الأساسي: لماذا لا تنعكس هذه الإمدادات مباشرة على تخفيف المعاناة اليومية؟
يجيب مسؤول في الشركة السورية للبترول (الجهة المشرفة على عمليات التفريغ في ميناء بانياس تحت إشراف الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية)، لموقع “الترا سوريا” قائلاً: “توريدات الغاز المنزلي مستمرة واستهلاك المادة يتزايد في أشهر ديسمبر ويناير وفبراير من كل عام، ونظام العمل بالمصب قديم جداً ويتأثر بالأحوال الجوية، ويتم نقل الغاز بالصهاريج إلى المحافظات بشكل متساوٍ حسب عدد السكان”.
وأضاف أن “الحل الجذري يكمن في بناء خزانات استراتيجية في عدة محافظات لتخزين كميات تكفي لأشهر، إضافة إلى تأهيل المصب بتقنيات حديثة، حيث تقدمت شركات بعروض دراسات”.
من جانبه، محمد شاهر، وهو موظف في وزارة الطاقة، يقول: “توريدات مادة الغاز المنزلي مستمرة بشكل طبيعي، وسوريا تتلقى نحو 350 طناً يومياً عبر الأردن، بالتوازي مع استمرار عمل معامل التعبئة بكامل طاقتها الإنتاجية دون أي توقف. لا يوجد في الوقت الحالي أي نقص في المشتقات النفطية سواء البنزين أو المازوت أو الغاز المنزلي، والتزويد مستمر بشكل طبيعي في مختلف المحافظات”.
واعتبر أن “أي ضغط مؤقت على بعض مراكز التوزيع ناتج عن زيادة الطلب المفاجئ نتيجة التخزين الاحترازي من قبل المواطنين، وليس بسبب نقص فعلي في المادة، خاصة مع التطورات الإقليمية والتصعيد الذي أثر على بعض الإمدادات”.
تعكس الأزمة واقعاً مريراً للأسر السورية. في اللاذقية ودمشق وريفها، يقف المواطنون ساعات طويلة أمام مراكز التوزيع، ويصل سعر الأسطوانة في السوق السوداء إلى 150-400 ألف ليرة (مقابل سعر رسمي يقارب 120-125 ألفاً)، بل وصل في بعض المناطق إلى 300 ألف أو أكثر.
يؤدي ذلك إلى تعطيل الأعمال المنزلية، زيادة الأعباء المالية على ذوي الدخل المحدود، وانتشار المشاجرات أمام المراكز. كما يفاقم الوضع مع حلول رمضان، حيث يزداد الطلب على الطبخ اليومي، فيما يلجأ البعض إلى الخشب أو “بابور الكاز” أو الكهرباء الباهظة، مما يهدد الصحة والسلامة.
يؤكد خبراء اقتصاديون أن الفجوة ليست في التوريد فقط، بل في آليات التوزيع والاحتكار. السعات التخزينية الحالية محدودة (لا تتجاوز عشرات الآلاف من الأطنان)، ما يجعل السوق رهينة الواردات اليومية والتأخيرات الجوية.
يضاف إلى ذلك انتشار السماسرة والواسطات، حيث يحصل أصحاب النفوذ على كميات إضافية لإعادة البيع بأسعار مضاعفة، بينما يعود المواطن العادي خالي الوفاض. كما أن ضعف البنية التحتية – مصب قديم يعود عمره إلى عقود (حوالي 75 عاماً) – وغياب الإنتاج المحلي الكافي (رغم محاولات إعادة تأهيل حقول مثل كونيكو) يجعلان الحلول المستدامة بعيدة.
الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية تؤكد كفاءة الجانب اللوجستي البحري، لكن النقل البري والتوزيع المحلي يواجهان اختناقات، مع تأثير التصعيد الإقليمي على بعض الإمدادات عبر الأردن.
يوضح الخبير الاقتصادي أسامة العبد الله في حديث لموقع “الترا سوريا” أنه “لا يكفي وصول ناقلة واحدة – أو حتى عدة نواقل متتالية – لإنهاء طوابير الانتظار بشكل نهائي. الإمدادات المتواصلة توفر راحة نسبية”.
وأضاف: “تظهر بوادر انفراج تدريجي في بعض المحافظات، لكنها لا تعالج جذور الأزمة: توزيع غير فعال، سوق سوداء مزدهرة، قدرة شرائية منهارة، وبنية تحتية متآكلة. يحتاج الملف إلى خطة شاملة تشمل بناء خزانات استراتيجية، مكافحة الاحتكار بصرامة، زيادة الإنتاج المحلي، وآليات توزيع شفافة تعتمد التكنولوجيا مثل تطبيقات الحجز المسبق وجداول معلنة”.
وختم حديثه: “حتى ذلك الحين، سيظل المواطن السوري يقف في الطابور، يحسب تكلفة كل وجبة، ويأمل أن تتحول الوعود الرسمية إلى واقع يومي مستدام. الأزمة ليست مجرد نقص غاز، بل اختبار لقدرة الدولة على توفير الحد الأدنى من الكرامة المعيشية في ظل الظروف الاقتصادية والإقليمية الصعبة”.
—————————-
=================
تحديث 04 أذار 2026
—————————-
خطوات عملية لتطويق الفقر في سوريا/ يحيى السيد عمر
مارس 4, 2026
الفقر في سوريا لم يَعُد ظاهرة مُؤقَّتة مرتبطة بسنوات الحرب فقط، بل أصبح نتيجة تراكُم طويل لانكماش الإنتاج وتراجُع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة. دَخْل شريحة واسعة من السوريين لم يَعُد يُغطّي الاحتياجات الأساسية، فيما تراجَعت القوة الشرائية بفعل التضخم وتقلُّبات الأسعار.
تحسين مستوى الدخل في هذه الظروف يرتبط مباشرةً بقدرة الأسرة على تأمين متطلباتها اليومية الأساسية. المرحلة الحالية تَفرض تحديد أولويات واضحة، واعتماد خطوات عملية قابلة للتنفيذ ضمن الموارد المتاحة، بما ينسجم مع طبيعة الواقع الاقتصادي والاجتماعي في سوريا.
كما أن الحاجة ضرورية لأدوات دَعْم بسيطة وسريعة، تُركّز على تمكين الأُسَر عبر مشاريع صغيرة متناهية الصِّغر أو دَعْم محدود للسلع الأساسية. مثل هذه الخطوات تُعطي أثرًا مباشرًا على ميزانية الأسرة وتمنحها قدرة أكبر على مواجهة الضغوط اليومية، مع مراعاة استمرارية هذه التدابير ضمن الإمكانات المتاحة.
المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في انخفاض الرواتب، بل في ضَعْف القاعدة الإنتاجية التي تُولّد الدخل. قطاعات واسعة تراجعت، ومنشآت كثيرة خرجت من الخدمة، فيما تحوَّل جزء من النشاط الاقتصادي خلال سنوات النظام البائد إلى أنشطة غير شرعية كانت توفّر موارد لشبكات ضيّقة مرتبطة بالسلطة أكثر مما كانت تخلق فرص عمل مستقرة للناس. لذلك فإن إعادة بناء الدخل لا تعني فقط رفع الأجور، بل توسيع دائرة الإنتاج الحقيقي الذي يخلق فرصًا مستدامة.
في هذا السياق، تبرز المشاريع متناهية الصِّغر كخيار عملي يتناسب مع طبيعة المجتمع السوري؛ حيث تُشكّل البيئات الريفية وشبه الريفية نسبة كبيرة من السكان. كثير من الأُسَر تملك خبرة متوارثة في الزراعة وتربية المواشي والصناعات المنزلية البسيطة. دعم هذه الأنشطة لا يحتاج إلى استثمارات ضخمة، بل إلى تمويل صغير منظّم، وإلى تسهيلات إدارية واضحة، وإلى بيئة تسويقية مستقرة.
تربية عدد محدود من رؤوس الغنم أو الأبقار، إنشاء بيت بلاستيكي صغير لزراعة الخضار، مشروع دواجن منزلي، أو زراعة محاصيل موسمية بسيطة، يمكن أن يشكل مصدرًا ثابتًا للدخل في القرى والأطراف. هذه الأنشطة توفر سيولة دورية للأسرة، وتُقلّل اعتمادها على الوظيفة العامة ذات الدخل المحدود. كما أن أثرها يمتد إلى السوق المحلي من خلال زيادة المعروض من المنتجات الغذائية، وتخفيف الضغط على الأسعار.
الأمر نفسه ينطبق على الصناعات المنزلية الصغيرة. إنتاج الألبان ومشتقاتها، تجفيف الخضار والفواكه، تصنيع المربيات، الخياطة، إصلاح الأدوات، أو ورش حدادة ونجارة صغيرة في الأحياء الشعبية، كلها أنشطة قابلة للتوسُّع التدريجي. هذه المشاريع لا تحتاج إلى رأس مال كبير، لكنّها تحتاج إلى قروض صغيرة بفوائد منخفضة، وإلى تنظيم يحمي المُنتَج الصغير من الاستغلال، ويمنحه مساحة بيع واضحة بعيدًا عن الرسوم العشوائية.
تجربة التمويل متناهي الصغر التي أسَّسها البروفيسور محمد يونس، عبر بنك جرامين في بنغلاديش، تُقدّم نموذجًا قابلًا للاستفادة منه. الفكرة قامت على مَنْح قروض صغيرة جدًّا دون ضمانات تقليدية؛ لتمكين الأُسَر الفقيرة من إطلاق أنشطة بسيطة مُدِرّة للدَّخْل. التجربة لم تَلْغِ الفقر بالكامل، لكنها ساهمت في تخفيف حدّته ومنحت ملايين الأُسَر فرصة الاعتماد على الذات.
في الحالة السورية، يمكن تطوير نموذج مشابه عبر مؤسسات تمويل محلية أو جمعيات تعاونية، مع رقابة مالية واضحة تمنع تراكم الديون وتحافظ على استدامة الصناديق التمويلية.
نجاح أيّ برنامج تمويل صغير في سوريا يتطلب شروطًا واقعية. الفائدة يجب أن تكون منخفضة، وفترة السماح كافية لبدء الإنتاج، مع تقديم إرشاد فني مبسّط. المُزَارِع الذي يحصل على تمويل يحتاج إلى دَعْم بيطري وتسويقي، وصاحب الورشة يحتاج إلى تسهيل في شراء المواد الأولية. التكامل بين التمويل والخدمة هو ما يُحوّل القرض إلى فرصة حقيقية لا إلى عبء إضافي.
إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة، يبقى تخفيف الضغط عن كُلفة المعيشة أولوية مُلِحّة. الخبز والمحروقات يُمثّلان بندين أساسيين في إنفاق الأسرة السورية. الوضع المالي للحكومة لا يسمح بعودة أنماط الدعم الواسع غير المنضبط، لكن يمكن اعتماد تخفيضات نسبية مدروسة تُقلّل العبء دون تحميل الخزينة أعباء غير محتملة.
تحسين كفاءة الإنتاج والحد من الهَدْر في سلسلة التوريد يمكن أن يُوفِّرا هامشًا لتخفيض سعر الخبز بشكل محدود لكنه مؤثر. الأثر المباشر لأيّ خفض، حتى لو كان بسيطًا، ينعكس سريعًا على ميزانية الأسرة.
المحروقات كذلك تؤثر في تكلفة النقل والإنتاج. تقديم سعر مدعوم للمزارعين وأصحاب الورش الصغيرة قد ينعكس إيجابًا على أسعار السلع المحلية. دعم الإنتاج يظل أقل كلفة على المدى المتوسط من دعم الاستهلاك المباشر؛ لأنه يخلق دورة اقتصادية داخلية تُعيد جزءًا من الإنفاق إلى السوق المحلي.
في المقابل، يجب تجنُّب السياسات التي تؤدّي إلى تضخُّم جديد. أيّ توسُّع نقدي غير مدروس أو زيادات كبيرة في الإنفاق دون موارد حقيقية قد يضغط على سعر الصرف ويرفع الأسعار، فتتراجع القدرة الشرائية مجددًا. الاستقرار النقدي شرط أساسي لحماية أي تحسُّن في الدخل، حتى لو كان محدودًا. السياسة المتوازنة التي تُراعي قدرة الاقتصاد على التحمُّل تُحقّق نتائج أبطأ، لكنها أكثر ثباتًا.
تحويلات المغتربين تُشكِّل موردًا مهمًّا لكثير من الأُسَر، لكنّها بطبيعتها غير مستقرة؛ لأنها مرتبطة بأوضاع اقتصادية خارجية. توجيه جزء من هذه التحويلات نحو مشاريع صغيرة داخل البلاد يُعزّز أثرها. وجود أدوات ادخار واستثمار بسيطة وآمِنَة يُشجّع الأُسَر على تحويل جزء من الدعم الاستهلاكي إلى نشاط مُنتِج يُولِّد دخلًا مستقبليًّا.
معالجة الفقر في سوريا لا تتحقّق بقرار واحد أو بخطة قصيرة الأجل، بل عبر مسار تدريجي يُركّز على تمكين الأسرة من إنتاج دخلها بنفسها. المشاريع متناهية الصغر، التمويل المنظّم، دعم محدود ومدروس للسلع الأساسية، واستقرار نقدي يحمي القدرة الشرائية، تُمثِّل عناصر عملية تتناسب مع الواقع الحالي.
هذه المقاربة لا تُقدِّم وعودًا سريعة، لكنها تضع أساسًا حقيقيًّا لتحسين مستوى المعيشة بشكل تدريجي ومستدام، وهو ما يحتاجه المجتمع السوري في هذه المرحلة الدقيقة.
الثورة السورية
—————————-
=================
تحديث 03 أذار 2026
—————————-
ما وراء الجدل حول المحسوبية في سوريا/ بكر صدقي
أثارت تصريحات أحد الوجوه المقربة من قمة السلطة في دمشق، حسن الدغيم، عاصفة من الانتقادات بعدما دافع، على شاشة التلفزيون الرسمي، بحماسة عن الاعتماد على الأقارب والمحاسيب، وعقد مقارنات مع دول أخرى تحكم فيها العائلة، ولم يتوان عن القول إنه لو أصبح وزيراً لعيّن اثنين من أخوته كمساعدين له. كانت صراحته في التعبير عن ميوله صادمة حتى للجمهور الموالي للسلطة، في حين كشف حماسه في الدفاع عن هذه الأفكار عن قناعة حقيقية لا يشوبها أي تصنع أو ادعاء.
مع ذلك لا يستطيع المرء إلا أن يستغرب هذه الصراحة التي لم يكن مضطراً لها، فكان بوسعه مجابهة الانتقادات الموجهة للسلطة بخصوص تعيين الأقارب والمحاسيب في مناصب مهمة، بالالتفاف عليها أو انكار كونها نهجاً ثابتاً كما يجدر برجل سلطة من النوع الذي اعتاد عليه الجمهور السوري طوال عقود. فما الذي دفعه إلى هذا الكلام الذي لا بد أنه يعرف كم الاستنكار الذي سيقابل به في الرأي العام؟
في البحث عن جواب على هذا السؤال لا بد من العودة إلى بداية الحملة على المحسوبية في السلطة التي أعقبت سقوط نظام العائلة الأسدية. إحدى المنصات الإعلامية التي عرفت بتأييدها لهذه السلطة نشرت “تسريبات” تتحدث عن قرب إقالة شقيقي رئيس السلطة الانتقالية أحمد الشرع، ماهر وحازم الشرع، من منصبيهما بعد ارتفاع وتيرة النقد لتعيينهما وفقاً لـ”كفاءة” اقتصرت على صلة القربى التي تربطهما بصاحب القرار الأول في دمشق. معروف أن ماهر الشرع يشغل منصب الأمين العام لرئاسة الجمهورية، وهو بمثابة رئيس مجلس الوزراء، في حين يرأس حازم الشرع نائب رئيس المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، أي أنه يمسك بمفاتيح الاقتصاد السوري بعيداً عن أي شفافية بشأن عمل هذا المجلس.
فتح هذا التسريب الباب أمام موجة من الانتقادات شملت كل التعيينات القائمة على علاقات القرابة مع مراكز القوى في السلطة، ووصل الجدل إلى التلفزيون الرسمي الذي استضاف الدغيم للمشاركة في النقاش حول الموضوع. فدافع حتى عن احتمال إقامة نظام ملكي في سوريا “إذا أراد الشعب ذلك!” هذا كلام مفزع من رجل ترأس اللجنة التي عينت أعضاء “الهيئة الناخبة” التي انتخبت ثلثي “مجلس الشعب”. ترى هل سيقرر هذا “الشعب” تحويل النظام السياسي في سوريا من جمهوري كما ينص “الإعلان الدستوري” إلى نظام ملكي وراثي؟ ولم لا؟ بحسب منطوق الدغيم، فقد “أثبتت الديمقراطية فشلها في اثنتين وعشرين دولة عربية” قال وراح يعدد الدول العربية التي تحكم بأنظمة ملكية من غير أدنى اكتراث بتعارض هذا الكلام مع نص الإعلان الدستوري كما مع الخطاب الذي تصدره السلطة منذ استيلائها على الحكم قبل عام وثلاثة أشهر.
ثم انخرط في النقاش ذاته شخص آخر تربطه صلة قربة برأس السلطة، هو الأب حسين الشرع الذي لم يغب عن الأضواء طوال السنة الفائتة، وتنشر إحدى وسائل الإعلام العربية مقالاته بانتظام، فدافع عن وجوب إبعاد نجليه، ماهر وحازم، عن منصبيهما “نظيفي اليد” على حد تعبيره.
غير أن صحافياً سبق وأعلن عن استعداده “للموت دفاعاً عن السلطة” نشر على صفحته على منصة فيسبوك هجوماً مفاجئاً على وسائل إعلام مملوكة لجهة أجنبية، عرفت إلى وقت قريب بتأييدها للسلطة، معتبراً أنها تشكل “خطراً على الأمن القومي” على حد تعبيره! وذلك في سياق اللغط نفسه بشأن شقيقي الرئيس الانتقالي ونهج المحسوبية في التعيينات الإدارية.
الواقع أن تغييراً ملحوظاً بدأ يظهر في البيئة الموالية عموماً لسلطة دمشق، وكان لا بد أن ينعكس ذلك على وسائل الإعلام. أو ربما يمكن قراءة التغير في الاتجاه المعاكس: وسائل الإعلام التي واظبت على تأييد السلطة طوال الفترة السابقة، فكانت تتجاهل مظاهر الاستياء والتذمر الشعبي، غيرت سياستها أخيراً فباتت تمنح مساحات للتعبير عن نبض الشارع، ليبقى السؤال ما الذي دفعها إلى هذا التغيير؟
ثمة تسريبات أخرى تشير إلى خلافات داخل قمة هرم السلطة بين الشرع وحلفائه في هيئة تحرير الشام أو الفصائل الحليفة التي ساهمت في معركة ردع العدوان وبايعته رئيساً في مؤتمر النصر، لا نعرف فحوى هذه الخلافات المحتملة، فيما إذا كان لها أساس سياسي، أي حول الخيارات السياسية، أم أنها تقتصر على التنافس على المناصب. ولن يكون غريباً إذا تداخل السببان، ففي السلطات الكتيمة غالباً ما يتم تغليف المصالح الشخصية بغلاف سياسي أو أيديولوجي. ولا يمكن استبعاد عوامل خارجية أيضاً كضغوط غير معلنة من قبل دول داعمة للسلطة ذات مصالح وتوجهات مختلفة أو متعارضة في بعض الحالات.
مهما كان الأمر، فما يمكن التيقن منه أن ثمة تغييرات سنشهدها قريباً، سواء في وجوه السلطة أو السياسات المتبعة، فالمؤشرات وافرة.
كاتب سوري
القدس العربي
—————————————
التحدّي المعيشي أولوية غالبية السوريين/ عبد الباسط سيدا
03 مارس 2026
يعاني المواطنون في سائر المناطق السورية من ظروف معيشية بالغة الصعوبة، تتمثّل في شبه انعدام فرص العمل، وارتفاع مستمرّ في أسعار المواد الأساسية والخدمات الرئيسة، خصوصاً الكهرباء، ومشكلات كبرى في السكن، والتنقّل بين المحافظات وعلى مستوى النقل الداخلي في المدن الكبرى، وفي المقدّمة منها دمشق وحلب. وهذه الصعوبات هي حصيلة تراكمية لسلبيات عقود من حكم سلطة آل الأسد الاستبدادي الفاسد والمفسِد، منها سنوات عصيبة شنَّت خلالها تلك السلطة حرباً وحشيةً على السوريين الذين خرجوا مطالبين بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وذلك بعد أن انسدّت الآفاق أمامهم، وتبيّن لهم أن جميع وعود الإصلاح التي روّجتها الزمرة التي أشرفت على عملية التوريث لم تكن سوى أدوات لإضفاء مسحة من الشرعية على سلطة لم تكتسب الشرعية قط، سواء في عهد الأب أو الابن.
ورغم الوعود الوردية الارتجالية الكثيرة بشأن وجود برامج وخطط وإجراءات لمعالجة الأوضاع الاقتصادية، وهي الوعود التي أطلقها المسؤولون في الإدارة السورية التي تسلّمت مقاليد الحكم في سورية بعد انهيار سلطة الأسد وهروب الأخير، بناءً على تفاهمات إقليمية ودولية لم تعد خافية، فإنّ معاناة السوريين مستمرّةً، خصوصاً معاناة من يعيشون في المخيّمات، وهم الذين دفعوا، ويدفعون، ضريبة باهظة نتيجة رفضهم العودة إلى حظيرة حكم آل الأسد، وإصرارهم على ضرورة التخلّص منه، الأمر الذي تحقّق بفضل نضال السوريين وصبرهم؛ ولكن معاناة السوريين لم تنتهِ بعد، وهم في انتظار نهاية محنتهم التي تستعصي على أيّ توصيف. وهي معاناة ستؤدّي، ما لم تُعالج، وبالتفاعل مع اختلاطات الجروح المجتمعية في مناطق سورية عديدة، إلى القهر واليأس والانعزال والانطواء سواء على المستوى الجماعاتي أم على الصعيد الفردي. وما سيترتب على ذلك كلّه هو الإحباط والتوجّس والشكّ والخوف من المستقبل، وهذا حصيلته هشاشة المجتمع في مواجهة التحدّيات الكبرى التي تواجهها المنطقة عموماً، وسورية على وجه التحديد، خاصّةً بعد الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، وتبعاته وآفاقه المفتوحة على جميع الاحتمالات.
فمن بين الوعود التي سمعها السوريون أن بلادهم ستستلهم تجربة سنغافورة التي حقّقت معجزةً اقتصادية غير مسبوقة رغم مساحتها المجهرية (نحو 740 كيلومتراً مربّعاً)، وافتقارها إلى الموارد الطبيعية والكتلة البشرية الوازنة، إلا أنها تمكّنت من النهوض والازدهار بفضل إصرار قيادتها على إدارة البلاد بحكمة وواقعية، والتزمت بالقوانين التزاماً صارماً، وركّزت على الشفافية والنزاهة، واستثمرت في التعليم النوعي الذي مكّنها من تأمين الاختصاصات المطلوبة ضمن إطار خططها التنموية، سيّما الاقتصادية منها، ومن دون محاولات اختراع العجلة مجدّداً.
وتبقى تجربة سنغافورة بقيادة رئيس وزرائها لي كوان يو (1923 – 2015) خاصّةً يمكن الاستفادة منها بهذا الشكل أو ذاك؛ ولكن الأساس في تلك التجربة يتمثّل في الانطلاق من الخصوصية المجتمعية، ووجود رؤية وخطّة تأخذان بعين الاعتبار الإمكانات والتطلّعات، وذلك كلّه لم يكن له أن يثمر لولا قناعة الناس بأهمية وجدّية المشروع، ومصداقية العاملين فيه، هذا إلى جانب الشفافية. وما يعزّز هذه القناعة لدى المواطنين هو معرفتهم بما يجري، وشعورهم بأن لديهم دوراً ومشاركة. وهكذا تمكّنت سنغافورة خلال ستّة عقود، وبتنوّعها المجتمعي الذي يتشكّل من قوميات مختلفة (الصينيون، الملايو، الهنود، وغيرهم) وأديان متعدّدة (البوذيون، المسيحيون، الهندوس، المسلمون، وغيرهم)، من تحقيق ما حقّقته.
واليوم، وبعد مرور أكثر من 15 شهراً على سقوط سلطة آل الأسد، ما زال السوريون في انتظار بدء تحرّك العجلة الاقتصادية، ولو ضمن الحدود الدنيا وفي نطاق مشاريع اقتصادية صغيرة تركّز على الإنتاج الزراعي، والثروة الحيوانية، والمهن المختلفة، وفتح قنوات التصدير، والسعي من أجل إيجاد فرص عمل للشباب السوري في دول الجوار. فكلّ ترويج المشاريع الكبرى والاستثمارات الضخمة لم يسفر حتى الآن عن تحوّلات نوعية ملموسة على أرض الواقع، ولم تتحسّن الظروف المعيشية للناس، بل ارتفعت الأسعار، وتضاءلت القدرة الشرائية، وبات المرء يقرأ البؤس والقهر والتساؤلات في عيون غالبية السوريين بكلّ وضوح، وبكلّ أسف.
لن تأتي الاستثمارات الكبرى من دون استقرار مجتمعي، وهذا الأخير لن يتحقّق في غياب التوافقات الوطنية المتجسّدة في العقد الاجتماعي على المستوى الوطني. وهذا كلّه لن يكون من دون حوار وطني عام جادّ لا يستثني أيّ طرف مجتمعي أو سياسي شريك في الوطن والمصير؛ حوار يستمع فيه الجميع إلى الجميع، يبدّد الهواجس ويركّز على المشتركات ويعزّز الثقة المتبادلة، ويتناول شكل الدولة ونظامها، وحقوق الجماعات والأفراد، ويؤكّد أهمية فصل السلطات، واعتماد مبادئ الشفافية والمساءلة والمحاسبة. ولا يمكن في هذا المجال التهرّب من الاستحقاقات المطلوبة بذريعة ضرورات المرحلة الانتقالية الطويلة، التي من المفروض أن تكون المرحلة الأهم لتأسيس الدولة السورية الجديدة على أسس سليمة، لتكون قادرةً على التحرّر من إرث الاستبداد والفساد الذي خلّفته السلطات البعثية والحكم الأسدي أكثر من ستّة عقود.
وحتى نوفّر الوقت والجهد، ونخفّف من المعاناة، ونُبعد احتمالات التصادم والتفجير، لا بدّ من القطع مع النهج التجريبي الارتجالي الرغبوي، وتجاوز خطاب الذين لم يتحرّروا بعد من المفاهيم التي رسّختها سلطات الاستبداد في ذهنية كثير من السوريين، ولم يتمكّنوا من استيعاب حقيقة أنّ سورية لا يناسبها التعصّب القومي أو الديني أو المذهبي أو الأيديولوجي.
وإذا اعتمدنا النموذج السنغافوري مثالاً ملهماً لنا، فعلينا أن نقتدي بما فعله أصحاب هذا النموذج حتى تمكّنوا من إنجاز ما يحظى بتقدير العالم أجمع. وهذا فحواه احترام التنوّع السوري المجتمعي والسياسي والفكري، والركون إلى المؤسّسات، والالتزام بمبادئ فصل السلطات، والنزاهة والشفافية في كل شيء، وفي المقدّمة منها الأمور الاقتصادية لأنّها تمسّ بصورة مباشرة لقمة المواطنين. فالتعتيم وعدم الوضوح وغياب المساءلة والمحاسبة عوامل تمهّد الطريق أمام الفساد، والفساد، كما نعلم، هو أساس كلّ الشرور، وفي رأسها الاستبداد.
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى الاهتمام الذي حظي به مقال مدير الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية، محمّد طه الأحمد، في صحيفة الثورة السورية (22/2/2026)، وتضمّن نقاطاً كثيرة مهمة سبق أن كتب حولها، وتحدّث فيها، كثير من السوريين. ولكن أنْ يتحدّث مسؤول من داخل السلطة بشأنها ويركّز عليها، فهذا يستوجب التوقّف عنده والتمعّن فيه، لأنّه يقول ما يقوله من موقع المطّلع على ما جرى ويجري، والمتابع له، والقادر على استشراف ما قد يحصل، بناءً على ما هو مطّلع عليه، في حال عدم اتخاذ الخطوات المطلوبة في الوقت المناسب. فأنْ يقول الأحمد من موقعه الرسمي: “التحدي الداخلي الأكثر إلحاحاً يتمثّل في إدارة التنوع السياسي والاجتماعي والعرقي ضمن إطار وطني جامع”، ويدعو إلى “دمج القوى السياسية والاجتماعية في عملية صنع القرار ضمن إطار وطني جامع يرتكز على مصلحة الوطن العليا، وتفكيك أسباب التوتّر بدل الاكتفاء بمعالجة أعراضه”، ويقترح “تحويل مراكز القوة المحلّية من عوامل تهديد إلى روافع استقرار، من خلال تعبئة القوى الفاعلة وتوظيفها في صناعة القرار وتبنّيه في كلّ الأحوال”، فهذا فحواه أنّ الشعور بضرورة إجراء مراجعة نقدية شاملة واعتماد المطلوب إنجازه خلال المرحلة الانتقالية لم يعد يقتصر على السوريين الحريصين على وطنهم وشعبهم من خارج دائرة السلطة، بل امتدّ ليشمل من يعملون ضمن السلطة. وتفسير ذلك هو الإحساس المشترك بالمخاطر في أجواء مؤشّرات الزلازل والعواصف السياسية الكبرى على المستويَين الإقليمي والدولي.
امتلك السوريون خلال أعوام الثورة الطويلة، ونتيجة معاناتهم ومشاهداتهم، خبرةً كافيةً وحسّاً سياسياً متقدّماً، كما تعلّم الشباب السوري المهاجر في أرقى الجامعات، واطلعوا على أحدث المعارف، وأتقنوا اللغات والتقنيات، وبنوا العلاقات مع المؤسّسات الدولية في مختلف الاختصاصات، وذلك كلّه لا بدّ أن يُؤخذ بعين الاعتبار. لأن الوطن ليس حكراً على هذه المجموعة أو تلك، بل هو ملك للجميع، ومن حقّ الجميع أن يكون لهم رأي في شكل الإدارة ووظيفتها وصلاحياتها. ومن الطبيعي أن تكون لديهم القدرة على مساءلتها ومحاسبتها ضمن الأطر المؤسّساتية، وبناءً على القوانين التي قد يوافق عليها المواطنون الأحرار، حتى لا تتراكم السلبيات ونتحاشى الانسدادات.
العربي الجديد
—————————-
تغير السيطرة يحرم المئات من وظائفهم في الحسكة
أدى تغيّر خريطة السيطرة في محافظة الحسكة، منتصف كانون الثاني الماضي، إلى تحولات عميقة في الواقع المعيشي والاقتصادي لسكان الأرياف الشرقية والجنوبية، بعد سيطرة الجيش السوري على تلك المناطق، وانحسار وجود “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ضمن المدن الرئيسية، ولا سيما الحسكة والقامشلي وأريافهما القريبة.
ومع هذا التحول، وجد مئات العاملين في القطاعات العسكرية والأمنية والخدمية التابعة لـ“قسد” أنفسهم خارج وظائفهم، في ظل غموض يلف آليات الدمج أو التسوية الوظيفية في المناطق التي باتت تحت سيطرة الحكومة السورية، ما أطلق موجة بطالة واسعة طالت شبانًا وأرباب أسر ونساء، كانوا يعتمدون على تلك الرواتب كمصدر دخل أساسي.
وظائف مفقودة بين ليلة وضحاها
في بلدة الهول شرقي الحسكة، يقول أحمد ع (32 عامًا)، وهو عنصر سابق في إحدى المؤسسات الأمنية التابعة لـ“قسد”، إن قرار انسحاب القوات من الريف الشرقي “جاء مفاجئًا”، مضيفًا لعنب بلدي، “استيقظنا على واقع جديد. لم يعد لنا عمل، ولا نعرف إن كنا سنُستدعى للتسوية أو سنُعامل كمدنيين عاديين”.
ويضيف أحمد، وهو أب لثلاثة أطفال، أنه كان يتقاضى راتبًا شهريًا يعيل به أسرته، “اليوم أعيش على الدَّين. حاولت البحث عن عمل في البناء داخل مدينة الحسكة، لكنني لا أستطيع الدخول بسبب الحواجز والإجراءات الأمنية”.
وتشهد مدينة الحسكة، التي لا تزال تحت سيطرة “قسد”، إجراءات أمنية مشددة، تشمل تكثيف الحواجز والتدقيق على الهويات، ما يدفع كثيرين من أبناء الأرياف الخاضعة للحكومة إلى تجنب دخولها، خوفًا من المساءلة أو التوقيف.
نساء بلا مورد
لم تقتصر آثار البطالة على الرجال، إذ فقدت نساء كثيرات وظائفهن في مؤسسات خدمية وإدارية كانت تديرها “الإدارة الذاتية”.
في بلدة الشدادي جنوب الحسكة، تقول سعاد الخلف (41 عامًا)، وهي موظفة سابقة في إحدى الدوائر الخدمية، إنها كانت تعمل منذ خمس سنوات في قسم إداري، “كنا نتقاضى رواتبنا بانتظام نسبيًا، ومع أن المبلغ لم يكن كبيرًا، لكنه كان يكفينا لتأمين الأساسيات”.
وتتابع سعاد، وهي أم لأربعة أبناء، “منذ سيطرة الجيش السوري على البلدة، لم نتلقَّ أي توضيح بشأن مستقبلنا الوظيفي. راجعنا الجهات المعنية أكثر من مرة، لكن لا يوجد جواب حاسم”.
وتوضح أن زوجها يعمل في الزراعة، لكن المواسم الأخيرة لم تكن جيدة، ما جعل دخل الأسرة غير مستقر، “كنت أساعد في تغطية مصاريف المدرسة والطبابة. الآن عدنا إلى نقطة الصفر”.
حواجز وإغلاق.. عزل اقتصادي
يشير سكان من ريفي الحسكة الشرقي والجنوبي إلى أن سيطرة “قسد” على المدن الرئيسية، مع الإغلاق المتكرر لبعض الطرقات، خلق نوعًا من “العزل الاقتصادي” بين الريف والمدينة.
يقول محمود الناصر (27 عامًا) من ريف تل براك الشرقي، إنه حاول العمل في ورشات البناء بمدينة القامشلي، لكنه تراجع بعد تعرضه لتدقيق أمني مطول على أحد الحواجز، “سُئلت عن مكان إقامتي وسبب دخولي، وشعرت بأن الأمر قد يتطور إلى احتجاز، فقررت عدم المجازفة”.
ويضيف، “حتى إن لم أكن مطلوبًا لجهة ما، فالمخاوف موجودة. كثيرون من أبناء قريتنا يفضلون البقاء في الريف، رغم قلة فرص العمل، على المخاطرة بالدخول إلى المدينة”.
ويؤكد محمود أن هذه المخاوف، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل، جعلت العمل اليومي في المدن “شبه مستحيل” لكثير من أبناء الأرياف التي تبدلت السيطرة عليها.
غموض في إجراءات الدمج
عقب سيطرة الجيش السوري على تلك الأرياف، تحدثت مصادر محلية عن نية لبحث ملفات العاملين السابقين في مؤسسات “قسد”، إلا أن خطوات عملية واضحة لم تُعلن حتى الآن.
يقول خالد المطر (38 عامًا) من ريف الشدادي الجنوبي، وهو عامل سابق في جهاز خدمي: “لا نعرف هل سيتم استيعابنا في مؤسسات الدولة، أم سيُطلب منا الانتظار، أم سنُترك دون عمل. هذا الغموض يزيد من معاناتنا”.
ويشير إلى أن كثيرين ممن فقدوا وظائفهم هم أرباب أسر كبيرة، “بعضهم كان يعيل خمسة أو ستة أشخاص، واليوم يعتمدون على مساعدات الأقارب أو بيع ما يملكونه من أثاث”.
تراجع قطاع الزراعة
ورغم أن الريفين الشرقي والجنوبي للحسكة يعتمدان تاريخيًا على الزراعة، فإن الظروف المناخية وارتفاع تكاليف الإنتاج حدّت من قدرة هذا القطاع على استيعاب اليد العاملة العاطلة.
يقول عبد الله الحميدي (45 عامًا) من ريف الهول، إنه عاد إلى أرضه بعد فقدان عمله في قطاع خدمي، “لكن الزراعة تحتاج إلى رأس مال، وأسعار الأسمدة والبذار مرتفعة. لا يمكن للجميع العودة إلى الأرض”.
ويضيف أن المساحات الزراعية تضررت خلال السنوات الماضية نتيجة نقص المياه وارتفاع تكاليف المحروقات، “لا توجد مشاريع ري كافية، ولا دعم حقيقي للفلاحين”.
قراءة اقتصادية
يرى المراقب الاقتصادي فادي العبد الله، وهو من أبناء ريف الحسكة الجنوبي، أن ما يحدث في المحافظة هو “نتيجة طبيعية لانتقال السيطرة دون وجود خطة اقتصادية انتقالية واضحة”.
ويقول لعنب بلدي، إن “فقدان الوظائف المرتبطة بهيكل إداري وعسكري معين، دون توفير بدائل مباشرة، يخلق فجوة في سوق العمل، خصوصًا في مناطق تعتمد على القطاع العام أو شبه العام كمصدر رئيسي للدخل”.
ويضيف أن الريفين الشرقي والجنوبي “لا يملكان قطاعًا خاصًا نشطًا قادرًا على امتصاص هذا العدد من العاطلين”، ما يعني أن البطالة قد تتحول إلى مشكلة طويلة الأمد، إذا لم تُعالج بسياسات تشغيل عاجلة.
ويقترح العبد الله إطلاق برامج تشغيل مؤقتة في مجالات إعادة تأهيل البنية التحتية، ودعم المشاريع الزراعية الصغيرة، إضافة إلى “وضع آلية شفافة وواضحة لدمج من تنطبق عليهم الشروط في مؤسسات الدولة”.
ويرى أن معالجة هذا الملف تتطلب تنسيقًا إداريًا وأمنيًا واقتصاديًا يراعي خصوصية المحافظة، ويأخذ في الحسبان هشاشة الوضع المعيشي، لتفادي تفاقم الأزمات الاجتماعية في منطقة أنهكتها سنوات الصراع وتبدل السلطات.
تداعيات اجتماعية مقلقة
لا تقتصر آثار البطالة على الجانب الاقتصادي فحسب، إذ يحذر ناشطون محليون من انعكاساتها الاجتماعية.
تقول هناء السليمان (29 عامًا) من ريف الشدادي، إنها لاحظت زيادة في حالات التوتر الأسري نتيجة الضغوط المالية، “حين يفقد المعيل عمله، تتأثر الأسرة بأكملها. هناك قلق دائم من المستقبل”.
وتضيف أن بعض الشبان يفكرون بالهجرة إلى خارج البلاد أو الانتقال إلى محافظات أخرى بحثًا عن عمل، “لكن هذا الخيار مكلف ومحفوف بالمخاطر”.
بين واقعين
يعيش أبناء الأرياف الشرقية والجنوبية للحسكة اليوم بين واقعين: واقع فقدان العمل في مؤسسات كانت تؤمن دخلًا ثابتًا، وواقع جديد لم تتضح فيه بعد ملامح البدائل.
وفي ظل استمرار سيطرة “قسد” على مدن رئيسية مثل الحسكة والقامشلي، تبقى حركة السكان بين الريف والمدينة مقيدة بعوامل أمنية وإجرائية، ما يحدّ من فرص البحث عن مصادر رزق بديلة.
ومع غياب إعلان رسمي واضح حول آليات الدمج أو التعويض أو إعادة التأهيل الوظيفي، تتسع دائرة القلق بين مئات الأسر التي وجدت نفسها فجأة خارج سوق العمل.
عنب بلدي
—————————-
الرقة ودير الزور.. عراقيل كبيرة أمام إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية/ محمد كساح
3 مارس 2026
تواجه خطة إعادة هيكلة المؤسسات العامة ضمن الحكومة السورية في محافظتي الرقة ودير الزور تحديات وعوائق كبيرة، بدءًا من نقص الكوادر، مرورًا بضياع وتلف الكثير من الوثائق والمستندات، وانتهاء بتعرض عدد كبير من المؤسسات للنهب والتخريب قبيل سيطرة الجيش السوري على المحافظتين، عقب المعارك التي دارت ضد قوات سوريا الديمقراطية “قسد”.
جمود في تفعيل المؤسسات
تبدأ التحديات من أعلى الهرم الحكومي المتمثل بالمحافظة، ولا تنتهي عند أصغر مؤسسة حكومية في المحافظتين، بحسب حديث مصدر مطلع لـ”ألترا سوريا”. وأضاف المصدر أن معظم القطاعات الحكومية لا تزال قيد التأسيس وإعادة الهيكلة. الأمر الذي يتسبب بعراقيل كبيرة تواكب تفعيل المؤسسات الحكومية في ظل ضعف التمويل من الخزانة العامة لهذه المؤسسات.
ولفت المصدر إلى أن أهم العوائق التي تجعل من إعادة الهيكلة مسألة عسيرة وشاقة وتحتاج إلى وقت كبير يتمثل بتأخر التفعيل الكلي لنسبة كبيرة من المؤسسات، عازيًا ذلك إلى تسبب حجم الدمار في بعض القطاعات بتأخير عودة العمل الرسمي فيها إلى سابق عهده.
وتيرة متسارعة في الرقة.. رغم العوائق
من جانبه، يوضح مدير العلاقات العامة بمحافظة الرقة محمد إقبال لـ”الترا سوريا” أن عملية إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية في محافظة الرقة تسير بوتيرة متسارعة فقد تم تثبيت المعلمين ضمن المجمعات التربوية، بالتوازي مع تثبيت موظفين في دائرة المجلس البلدي، مع متابعة حثيثة للمهام الحكومية الملقاة على عواتقهم.
وأضاف أن موظفي المؤسسات الزراعية الحكومية السابقين لا يزالون على رأس عملهم، لكن دون صدور قرار بتثبيتهم ضمن وظائفهم الحالية ودون تسليهم رواتبهم الشهرية حتى الآن.
ويشير إلى أن التأخر في تثبيت هؤلاء الموظفين يتعلق بالإجراءات التي تتخذها المحافظة لجرد الموظفين والدوائر الحكومية وتقييمها من خلال مكاتب الشؤون الإدارية في الوزارات وعلى أساسها سيتم اتخاذ قرارات التثبيت.
مديرية الزراعة بدير الزور كنموذج لإعادة الهيكلة
كنموذج للتحركات الحكومية في عمليات إعادة الهيكلة، يسلط “ألترا سوريا” الضوء على الاداء الحكومي في مديرية زراعة محافظة دير الزور.
مدير المكتب الإعلامي لمديرية الزراعة بدير الزور محمد المصطفى أوضح لـ”ألترا سوريا” أن مديرية الزراعة أجرت جولات ميدانية شاملة فور التحرير لتقييم الواقع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، وضمان استمرارية العمل المؤسساتي للحفاظ على حقوق المزارعين وتأمين احتياجاتهم.
ولفت إلى أن الآليات المتبعة في عملية إعادة الهيكلة شملت مسارات عديدة مثل الجولات الميدانية التفقّدية عبر مسح كامل لريف دير الزور المحرر للاطلاع على حالة المباني الإدارية، والدوائر الزراعية، والوحدات الإرشادية.
إضافة إلى الإحصاء والتوثيق من خلال توفير إحصائيات دقيقة لعدد الموظفين في كل قرية، وإجراء جرد شامل للأصول من آليات ومعدات وتجهيزات.
ومن جانب آخر، شُكلت لجان فنية متخصصة لتدقيق المساحات المزروعة فعليًا وإحصاء أعداد الثروة الحيوانية لضمان وصول الدعم لمستحقيه.
وبيّن المصطفى أن المديرية لجأت إلى التنسيق المؤسساتي عبر عقد اجتماعات مكثفة بين كوادر المديرية، والمحافظة، والجهات المعنية لتوحيد البيانات وتحديد الأولويات الطارئة.
وصل العمل في مسار إعادة الهيكلة وتفعيل القطاع إلى مراحل متقدمة، وفقًا لما يضيفه المصطفى، وأهمها تثبيت الموظفين المتواجدين على رأس عملهم لضمان عدم انقطاع الخدمة بانتظار القرارات الوزارية الرسمية، وتفعيل الوحدات الإرشادية حيث باشرت الوحدات الإرشادية عملها الفعلي في المناطق التي تسمح حالتها الفنية بذلك، لتقديم الدعم المباشر للفلاحين.
إلى ذلك، تم البدء بإرسال الدعم الفوري للقطاعين النباتي والحيواني، بما في ذلك اللقاحات البيطرية والمستلزمات الزراعية الأساسية بناءً على الإحصاءات المحققة.
وبالموازاة مع هذه الخطوات، عملت المديرية على ضبط الرخص الزراعية من خلال التدقيق في الرخص والبيانات السابقة لحفظ حقوق المزارعين وضمان عدالة التوزيع.
التحديات كبيرة ومعرقِلة
تواجه مديرية الزراعة مجموعة من العقبات التي تعيق سرعة الإنجاز الكامل، وفقًا للمصطفى، ومن أبرزها تعرض العديد من المباني والدوائر الزراعية والوحدات الإرشادية لأعمال السرقة والتخريب الممنهج.
ومن التحديات أيضًا نقص التجهيزات وفقدان وتضرر الآليات والمعدات الضرورية للعمل الميداني نتيجة الظروف السابقة.
ويلفت المصطفى إلى الفجوة المعلوماتية الناتجة عن ضياع وتلف الكثير من المستندات، الوثائق، والبيانات الإحصائية التاريخية، ما يتطلب جهدًا مضاعفًا لإعادة بنائها.
——————–
=================
تحديث 01 أذار 2026
—————————-
راتب يُصرف قبل أن يُقبض.. كيف تنظّم الأسرة السورية إنفاقها؟/ ثائر المحمد
مارس 2, 2026
ما إن يصل الراتب الشهري عبر تطبيق «شام كاش» بالنسبة للموظفين في مؤسسات الدولة، حتى تبدأ معه سلسلة شبه مكررة تستنزف ذلك الراتب خلال أول ثلاثة أيام أو أسبوع من استلامه، سواء عبر دفع التزامات شهرية، أو شراء حاجيات لا غنى عنها تكون في الغالب مرتبة ضمن هرم الأولويات.
المشهد يبدأ عادة بتسوية الالتزامات المتراكمة وتسديد الديون الصغيرة وتأمين المتطلبات اليومية الأساسية التي لا يمكن تأجيلها، في اليوم التالي يتجه الإنفاق نحو تأمين الاحتياجات الغذائية الضرورية، مع ملاحظة شراء كميات محدودة ومتكررة بدلاً من التموين الطويل، هذا التحول يعكس محاولة إدارة المصروف بحذر وموازنة ما تبقى من الدخل مع متطلبات بقية الشهر.
خلال أقل من 72 ساعة ربما يتحول الراتب إلى أكياس أرز وسكر وعلب زيت ورب البندورة، ومع نهاية الأسبوع تختفي مظاهر السيولة من الأسواق، تقل المشتريات، وتتحول بعض الدكاكين إلى البيع بالدَّين، وتعود عبارة «سجّلها علينا» لتصبح جزءاً من المشهد اليومي.
راتب يُصرف قبل أن يُقبض
لا تعكس الرواتب الواقع المعيشي الفعلي للأسر بقدر ما يكشفه سلوك الإنفاق اليومي؛ فالأجر لم يعد مؤشراً على مستوى المعيشة أو الرفاه، إنما تحوّل إلى أداة لضمان الاستمرار فقط، ضمن هذا السياق نشأ ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الأسرة» أو الاقتصاد المعيشي المباشر، حيث تتحدد الأولويات وفق الضرورات الحيوية لا وفق التخطيط المالي.
ويُلاحظ نمط شبه موحد بين معظم الموظفين، قوامه إعادة توزيع الراتب فور قبضه على احتياجات البقاء الأساسية، فأول تصرف مالي تقوم به الأسرة هو تحويل الراتب إلى سلع، ويجري ذلك سريعاً نتيجة الخوف من فقدان العملة لقيمتها الشرائية، ما يجعل الاحتفاظ بالنقد خياراً خاسراً، تتمثل المشتريات الأولية في المواد الغذائية الأساسية: الأرز، البرغل، السكر، الشاي، الزيت النباتي، رب البندورة، البيض، والبطاطا والبصل وغير ذلك.
بعد الغذاء يأتي الغاز على سبيل المثال، خصوصاً في الشتاء، الخطوة الثالثة غالباً هي تسديد الديون الصغيرة، ويعتمد جزء كبير من الموظفين على الشراء بالدَّين من الدكان أو الصيدلية، إضافة إلى الاقتراض من الأقارب.
الأمر الآخر هو الدواء والرعاية الصحية، والذي أصبح أحد أكثر عناصر الضغط المالي؛ فمرض بسيط قد يؤدي إلى اضطراب كامل في ميزانية الأسرة، سواء بسبب المضادات الحيوية أو أدوية الأمراض المزمنة كالسكري وارتفاع ضغط الدم أو علاج الأطفال.
يُضاف إلى ذلك الالتزامات الشهرية شبه الإجبارية؛ فإلى جانب الإنفاق اليومي، تواجه الأسر مجموعة من المدفوعات التي لا يمكن تجنبها، في مقدمتها الكهرباء والاتصالات والإنترنت، كما يذهب جزء كبير من دخل الأسرة المستأجرة إلى السكن، وقد يصل إلى نصف الراتب أو أكثر، بينما يمنح امتلاك المسكن قدرة أعلى على الاستقرار، لذلك أصبح السكن المحدد الأهم لمستوى المعيشة، متقدماً على قيمة الأجر ذاته.
كما تتحمل الأسر تكاليف التعليم حتى في المدارس الحكومية، بما في ذلك القرطاسية واللباس، أما الملابس والمطاعم والأجهزة والترفيه والسفر فأصبحت إنفاقاً استثنائياً وليس جزءاً من الحياة اليومية، وعملياً لا تعتمد الأسر على الراتب وحده، بل على مزيج من الدخل المحدود والديون الصغيرة والمساعدات العائلية والتحويلات الخارجية، إضافة إلى تقشف شديد.
أخطاء مالية شائعة
من أكثر الأخطاء شيوعاً إنفاق جزء كبير من الراتب فور قبضه، لأن الميل المتوسط للاستهلاك يكون مرتفعاً جداً لدى الأسر محدودة الدخل؛ أي إن معظم الدخل يذهب مباشرة للحاجات الأساسية، ووفق الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل، فإن المشكلة ليست فقط في ضعف الراتب إنما في غياب التقسيم المسبق بين الضروري والمؤجل والطوارئ، عملياً، الأفضل توزيع الراتب منذ اليوم الأول إلى حصص ثابتة وهي: أساسيات، نقل، دواء، طوارئ، ومصروف يومي، لأن إدارة السيولة أهم من الرقم الاسمي نفسه.
وقال المغربل في حديث مع صحيفة «الثورة السورية» إنّ «هذا السلوك يكشف أن الميل للاستهلاك الفوري أصبح أعلى من الميل للادخار أو التأجيل، ليس فقط بسبب ارتفاع الأسعار، إنما بسبب ضعف الثقة بزمن بقاء القوة الشرائية، ونحن هنا لا نرى تضخماً تقليدياً فقط، بل تآكلاً في القدرة على التخطيط المالي عبر الزمن؛ فالأسرة تنفق سريعاً لأنها تخشى أن تصبح السلعة أغلى أو أن تصبح النقود نفسها أقل نفعاً بعد أيام قليلة».
ويرى أن «وظيفة الأجر التقليدية كانت توزيع الاستهلاك على مدار شهر، لكن مع ارتفاع الميل المتوسط للاستهلاك لدى الأسر الفقيرة، بات الراتب يستنزف بسرعة في بداية الدورة، وهذا يعني أن الراتب لم يعد يعمل كدخل معيشي شهري مستقر، بل كدفعة نقدية قصيرة العمر تستخدم لتغطية الأساسيات فوراً، وعملياً، الأجر فقد جزءاً من وظيفته الزمنية لا فقط من قيمته الشرائية».
من جهتها ترى الباحثة الاقتصادية نجاح عبد الحليم أن من الأخطاء الشائعة هو «تحول يوم الراتب إلى لحظة صرف اندفاعي لتعويض الحرمان أو سداد كل شيء دفعة واحدة، ما يؤدي إلى نفاد الجزء الأكبر من الدخل خلال أيام قليلة، كذلك تميل بعض الأسر إلى الشراء بكميات تفوق حاجتها خوفاً من ارتفاع الأسعار، أو إلى تأجيل النفقات الأساسية ثم العودة للاستدانة، الإدارة الأفضل تبدأ بتقسيم الراتب فور قبضه إلى أجزاء واضحة: مبلغ ثابت للفواتير والالتزامات، مبلغ للغذاء مقسّم أسبوعياً، جزء صغير للطوارئ مهما كان محدوداً، ومبلغ مخصص للديون، وضوح الترتيب منذ اليوم الأول يقلل من القرارات الانفعالية ويمنح الأسرة قدرة أكبر على الصمود حتى نهاية الشهر».
وتضيف في حديث مع صحيفة «الثورة السورية» أن «تركز الإنفاق في بداية الشهر يشير غالباً إلى فقدان الثقة باستقرار الأسعار أكثر مما يشير إلى ارتفاعها فقط، في التضخم التقليدي يمكن للأسرة أن تضع ميزانية شهرية تقريباً، أما حين تتغير الأسعار بسرعة أو يُتوقع تغيرها، تصبح الأولوية للشراء الفوري قبل أي زيادة محتملة، هنا لا يكون الخلل في الرقم وحده، إنما في القدرة على التخطيط، لأن الأفق الزمني للأسرة يتقلص من شهر كامل إلى أيام معدودة».
وفي هذا السياق يفقد الراتب معناه التقليدي كدخل يغطي احتياجات شهر كامل، ويتحول إلى دفعة سيولة قصيرة تُستخدم لتسديد التزامات متراكمة أو لتحويل النقد إلى سلع بسرعة قبل أن تتراجع قيمته، يصبح الهدف الأساسي من الراتب تقليل المخاطر وتأمين الأساسيات، لا التخطيط ولا الادخار، بهذه الطريقة يتحول الأجر من أداة استقرار إلى أداة دفاع مؤقت.
اقتصاد سيولة لحظية
في إجابته على سؤال «هل يمكن توصيف ما يحدث بأنه انتقال من اقتصاد نقدي دوري إلى اقتصاد سيولة لحظية؟»، أجاب المغربل بالقول: «نعم، لأن الأسرة لم تعد تبني قراراتها على راتب شهري موزع، بل على تدفقات نقدية متقطعة وسريعة الاستهلاك، مع ميل مرتفع للاستهلاك اللحظي، وهذا يقرّبنا من اقتصاد السيولة اليومية حيث القرار الاقتصادي مرتبط بما هو متاح الآن، لا بما هو مخطط له حتى نهاية الشهر، وفي هذا النمط يصبح البقاء المالي أهم من الموازنة المالية».
وعندما يشعر المستهلك أن الأسعار وسعر الصرف غير مستقرين يرتفع الميل الحدي للاستهلاك؛ أي إن أي مبلغ يدخل الأسرة يُصرف بسرعة أكبر بدل الاحتفاظ به، نفسياً ينشأ خوف من التأجيل لأن الانتظار قد يعني خسارة في القدرة الشرائية، لذلك تتجه الأسر إلى شراء دفاعي حتى قبل حدوث الارتفاع الفعلي، لأن التوقعات نفسها أصبحت محركاً للإنفاق.
وعلى المدى الطويل، يؤدي تقديم الإنفاق على التعليم أو الغذاء أو الصحة وفق القدرة اللحظية إلى خسارة تراكمية في رأس المال البشري، إذ فسر المغربل ذلك بالقول: «لأن ارتفاع الميل للاستهلاك الضروري الفوري يدفع الأسرة إلى تركيز الإنفاق على البقاء اليومي ولو على حساب التعليم أو العلاج أو الغذاء النوعي، وهذا يخلق خسارة تراكمية في رأس المال البشري مثل صحة أضعف وتحصيل أقل وإنتاجية مستقبلية أدنى، بمعنى آخر، ضيق الحاضر يعيد إنتاج الفقر في المستقبل».
أما الباحثة نجاح عبد الحليم فقد أوضحت أنه «يمكن بالفعل توصيف المشهد كتحول من إدارة شهرية منتظمة إلى إدارة تقوم على توفر النقد في اللحظة نفسها، لم تعد القرارات مبنية على خطة شهرية واضحة، بل على ما يدخل اليوم من راتب أو حوالة أو عمل يومي، هذا النمط يجعل الاستهلاك مرتبطاً بالتدفق النقدي المباشر، ويزيد الاعتماد على الاستدانة القصيرة أو الشراء عند توفر المال، لا عند الحاجة فقط».
ويخلق عدم استقرار الأسعار وسعر الصرف حالة قلق دائم حتى في غياب ارتفاع فوري؛ فمجرد توقع الزيادة يدفع الأسر إلى الشراء المبكر خوفاً من خسارة القدرة الشرائية لاحقاً، هذا السلوك دفاعي بطبيعته، إذ تحاول الأسرة حماية نفسها من مفاجآت محتملة، ومع الوقت يتحول الخوف من الغلاء إلى عامل يوجه القرارات أكثر من الحاجة الفعلية.
وتابعت عبد الحليم: «عندما تُدار نفقات التعليم والصحة والغذاء وفق ما يتوفر من سيولة في اللحظة، تميل الأسر إلى تأجيل أو تخفيض هذه المصاريف، ما يؤدي إلى آثار تراكمية غير مرئية فوراً، ضعف التغذية أو الانقطاع عن التعليم أو إهمال العلاج ينعكس لاحقاً في إنتاجية أقل ودخل أضعف، بذلك تتحول الضغوط الحالية إلى خسائر طويلة الأمد تؤثر في قدرة المجتمع على التعافي والنمو».
دليل عملي لإدارة الراتب
لا تكمن المشكلة الأساسية لدى معظم الأسر في قيمة الراتب فقط، بل في طريقة دخوله وخروجه، فالراتب يصل دفعة واحدة، بينما المصاريف تحدث يومياً، هذا الخلل في التوقيت يجعل الأسبوع الأول من الشهر أثقل مالياً من بقية الأسابيع، إذ تُدفع خلاله معظم الالتزامات ويُشترى الجزء الأكبر من الحاجيات، فيبقى ما تبقى من الشهر بلا سيولة تقريباً.
إدارة الراتب تبدأ بفكرة مفادها أنه لا ينبغي التعامل معه كوحدة شهرية، بل كوحدات أسبوعية، فالشهر عملياً أربعة أسابيع مع بضعة أيام إضافية، وإذا صُرف المال في أسبوع واحد فلن يبقى ما يكفي للأسابيع الثلاثة التالية.
الخطوة العملية الأولى هي تقسيم الراتب مباشرة بعد قبضه إلى أربعة أجزاء متساوية تقريباً، بحيث يُستخدم كل جزء لأسبوع محدد، لا يشترط وجود مغلفات ورقية، بل يكفي تسجيل المبالغ في دفتر صغير أو ملاحظة على الهاتف، الهدف ليس الادخار، بل منع الإنفاق المبكر، بعد ذلك تُرتب الأولويات: أولها الغذاء لأنه الاستهلاك اليومي الثابت، وأخيراً الطوارئ، فمبلغ صغير مخصص للطوارئ يمنع انهيار الميزانية عند أول مرض أو عطل.
ويقول المغربل: «عندما يصبح الراتب المحلي غير كافٍ بسبب ارتفاع الميل للاستهلاك الأساسي تزداد أهمية الحوالات والمساعدات كمصدر يحدد الأولويات، وعندها قد ينتقل ثقل القرار داخل الأسرة نحو مصدر الدخل الأكثر قدرة على تمويل الاستهلاك الضروري، لا نحو الراتب المحلي بحد ذاته، وهذا يعني أن الدخل الخارجي لا يسد فجوة فقط بل يعيد تشكيل منطق الإنفاق داخل البيت».
وترى الباحثة نجاح عبد الحليم أن مدة كفاية الراتب تعكس الواقع اليومي للأسرة بشكل أدق من متوسط الدخل الاسمي، لأنها تقيس القدرة الفعلية على الصمود قبل اللجوء إلى الدين، قد يرتفع الدخل الاسمي بينما تتراجع القدرة الشرائية، لكن عدد الأيام التي يغطيها الراتب يكشف مباشرة حجم الضغط المعيشي، لذلك يمكن اعتباره مؤشراً عملياً لقياس الاستقرار المالي للأسر.
وتؤكد أنه «مع تزايد الاعتماد على الحوالات والمساعدات، يزداد تأثير مصدر الدخل الخارجي في تحديد أولويات الإنفاق داخل الأسرة، قد يصبح الشخص الذي يرسل المال شريكاً ضمنياً في القرار، سواء بشكل مباشر أو عبر توقعات مرتبطة بكيفية استخدام المبلغ، كما تميل الأسر إلى تخصيص الحوالات للنفقات الكبرى أو الطارئة، بينما يُستخدم الراتب المحلي لتغطية اليوميات، ما يعيد توزيع الأدوار الاقتصادية داخل البيت ويغير توازن القرار المالي».
—————————-
=================
تحديث 01 أذار 2026
—————————-
المواطن السوري الطرف الأضعف/ عبسي سميسم
01 مارس 2026
بالتوازي مع الوعود التي تطلقها الحكومة السورية بين الحين والآخر، حول تحويل سورية إلى بلد مزدهر اقتصادياً، لا يزال الوضع المعيشي للمواطن السوري يسير نحو الأسوأ، رغم الزيادات التي حصلت على رواتب الموظفين، التي لا تزال غير متناسبة مع الارتفاعات الكبيرة في أسعار السلع والخدمات، بما فيها الخدمات الحكومية.
هذا عدا عن ارتفاع عدد العاطلين عن العمل ضمن القطاع الخاص بسبب عدم دخول استثمارات حقيقية إلى البلاد من شأنها أن تؤمن فرص عمل دائمة وفق شروط مقبولة، فيما ساهم التسريح التعسفي لعدد كبير من الموظفين الحكوميين الذين شكلوا جيشاً من العاطلين عن العمل في زيادة نسبة البطالة. يأتي ذلك من دون تمكّن الحكومة حتى اللحظة من إيجاد حلول منطقية لهذه المشكلة التي بدأت تظهر على شكل حالة تململ بين السكان ينذر بتفجر احتجاجات في مختلف المناطق السورية، التي يرى سكانها أن الحكومة تنظر إليهم كطرف أضعف، وتتعاطى مع واقعهم المعيشي كبند ثانوي على أجندة برامجها.
وبدأ المواطن السوري يشعر بأن الحكومة تستهلك الوقت الذي أعطته لنفسها من أجل تحسين وضعه المعيشي، من دون أي خطة أو إجراء ملموس يساهم في انتشاله من حالة العوز التي يعيشها، بل على العكس فقد أثقلت كاهله بمضاعفة أسعار الخدمات التي تقدمها، من كهرباء واتصالات وغيرها، تصل لأكثر من عشرة أضعاف في بعضها.
يضاف كل ذلك إلى فرض ضرائب على أصحاب المهن والعقارات تعتمد نظاماً يقوم على تحصيل ضرائب عدة سنوات سابقة. وبهذا يرى المواطن نفسه على الرغم من دخله المتدني أو البطالة التي يعاني منها، منسياً من قبل الحكومة إلا في موضوع الدفع، وأن الحكومة بدلاً من القيام بعمل جدي لتحسين وضعه المعيشي تبذل كل جهودها لإيصال رسائل إيجابية للخارج على حساب الاهتمام بشؤون معيشته. فحجة الحكومة التي ما زالت تسوقها للداخل بأنها تسلمت بلداً مدمراً لم تعد مجدية، خصوصاً بعد سيطرتها على معظم منابع الثروات في البلاد، فقد استنفدت الحكومة الوقت اللازم للقيام بخطوات عملية لتحسين وضع المواطن، الذي من غير المرجح أن يسكت على استمرار تهميشه.
العربي الجديد
—————————–
عدالة تسعيرية غائبة.. فجوة الدخل تعيق استفادة الأسر من تحسّن الكهرباء/ دينا عبد
1 مارس 2026
في ظلّ اتساع فجوة الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، يصبح تقييم قدرة المواطن على تحمّل أي زيادة، حتى لو كانت مرتبطة بتحسّن خدمة أساسية مثل الكهرباء، مسألة أكثر تعقيدًا من مجرد مقارنة رقمية بين الدخل والفاتورة. فالمعادلة لا تُقاس بالأرقام المجردة فحسب، بل بمدى قدرة الأسرة على إعادة ترتيب أولوياتها من دون أن تمسّ احتياجاتها الأساسية.
ويرى خبراء تحدّثوا إلى موقع “الترا سوريا” أن هذا التباين بين تحسّن الخدمة وتراجع القدرة الشرائية يطرح سؤالًا جوهريًا حول جدوى أي إصلاح لا يراعي العدالة التسعيرية؛ إذ لم تعد الأزمة محصورة بعدد ساعات التغذية، بل بمدى موازنة كلفة الخدمة مع مستوى الدخل الحقيقي للأسر، في ظل بيئة اقتصادية تتسم بضعف النمو وارتفاع الأعباء المعيشية.
بين تحسّن الخدمة والعدالة التسعيرية
يقدّم الخبير الاقتصادي وائل الحسن تحليلًا يضع الصورة في إطارها الاقتصادي والاجتماعي، موضحًا أن تحسّن الخدمة لا يعني تلقائيًا القدرة على الدفع؛ فحتى لو زادت ساعات التغذية الكهربائية، فإن ذلك لا يغيّر حقيقة أن دخل المواطن لم يرتفع بالوتيرة نفسها. وأضاف أن معظم الأسر تعيش اليوم على دخول ثابتة أو شبه ثابتة، فيما تتحرّك أسعار السلع والخدمات، بما فيها الكهرباء، صعودًا بشكل مستمر.
ويرى الحسن، في حديثه لموقع “الترا سوريا”، أن أي تحسّن في الخدمة يصبح بلا قيمة إذا كان المواطن غير قادر على تحمّل كلفته، لافتًا إلى أن فجوة الدخل أصبحت العامل الحاسم، وأن متوسط الدخل الحقيقي تآكل بفعل التضخم، فيما ارتفعت تكاليف المعيشة بوتيرة تفوق قدرة معظم الأسر على التكيّف.
لم تعد المشكلة في عدد ساعات الكهرباء، بل في قدرة المواطن على دفع ثمن أي خدمة أساسًا
وأضاف أن أي زيادة في الفواتير، ولو كانت مقابل خدمة أفضل، تصطدم بواقع مالي خانق. وبمعنى آخر، لم تعد المشكلة في عدد ساعات الكهرباء، بل في قدرة المواطن على دفع ثمن أي خدمة أساسًا. وبالتالي، وفقًا للحسن، فإن تحسين الخدمة يجب أن يترافق مع عدالة تسعيرية؛ فتحسين الكهرباء خطوة مهمة، لكن نجاحها يعتمد على معادلة قابلة للتطبيق.
ويلخص الخبير الاقتصادي هذه المعادلة بـ”وجود تسعيرة تراعي مستويات الدخل المختلفة، وحماية الشرائح الأكثر ضعفًا، وربط الأسعار بمؤشرات اقتصادية واقعية وليس بعجز مالي فقط”، مؤكدًا أنه “من دون هذه المعادلة يصبح تحسين الخدمة عبئًا إضافيًا بدلًا من أن يكون حلًا”.
ويرى الحسن أن المواطن اليوم بات مضطرًا إلى الموازنة بين الضروريات؛ فعندما يُجبر الفرد على الاختيار بين الغذاء والدواء والنقل والتعليم وفاتورة كهرباء مرتفعة، فمن الطبيعي أن تتراجع قدرته على الدفع، حتى لو كانت الخدمة أفضل من قبل.
وختم الحسن حديثه مؤكدًا أن تحسّن ساعات الكهرباء يُعد خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لكنه لا يواكب قدرة المواطن على الدفع في ظل فجوة الدخل الحالية. فـ”التحسين الحقيقي”، كما يرى، لا يكتمل إلا عندما يصبح المواطن قادرًا على تحمّل كلفة الخدمة من دون أن يضطر إلى التضحية باحتياجات أساسية أخرى.
سلعة غير خاضعة لمنطق العرض والطلب
من جانبه، بيّن خبير التنمية البشرية، المهندس محمد خير لبابيدي، أن المشكلة الأساسية لا تنحصر في ارتفاع الأسعار، بل في وجود فجوة بين الأجور الحقيقية وتكاليف المعيشة، إذ إن الدخل الشهري يغطي أقل من 30٪ من احتياجات الحياة الأساسية، وفق تحليلات معيشية. وأضاف أن السكن والخدمات الأخرى يشكّلان عبئًا ثقيلًا مقارنة بمستوى الدخل المنخفض.
وأضاف خبير التنمية البشرية لبابيدي، في حديثه لـ”الترا سوريا”، أنه بات من الواضح أن دمشق والعديد من المحافظات سجلت تحسّنًا في ساعات وصل التيار الكهربائي خلال شباط/فبراير، وبدأت العاصمة تتخلّص من العتمة التي رافقت لياليها لفترة طويلة.
وأكد لبابيدي أن الكهرباء والمياه ورغيف الخبز تشكّل اليوم أساس الحياة، ولا يمكن التعامل معها كسلع خاضعة لمنطق العرض والطلب، معتبرًا أن الكهرباء باتت العمود الفقري للزراعة والصناعة والصحة والتعليم، وأن أي خلل في توفيرها ينعكس مباشرة على مختلف مناحي الحياة.
ومن هذا المنطلق، رأى لبابيدي أن مسؤولية تأمين هذه المتطلبات الأساسية تقع على عاتق الدولة، بما يتناسب مع احتياجات المواطنين وقدرتهم الفعلية على الدفع، لا وفق سياسات تقشفية أو تجارية، لافتًا إلى أن موارد الدولة هي ملك لجميع المواطنين، وأن التعامل معها يجب أن يكون باعتبارها أمانة وطنية ومسؤولية اجتماعية، لا مشروعًا ربحيًا.
وفي قراءته لأزمة الكهرباء التي تشهدها سوريا، أشار لبابيدي إلى أن معظم السوريين عبّروا عن عدم قدرتهم على تحمّل فواتير الكهرباء بعد الزيادات الكبيرة في الأسعار، والتي لا تتناسب مع مستوى الدخل الذي يلامس خط الفقر.
وختم خبير التنمية البشرية لبابيدي حديثه لـ”الترا سوريا” بالإشارة إلى أن المفارقة تكمن في أن فاتورة الكهرباء قد تفوق، في كثير من الأحيان، الدخل الشهري للمواطن، ما يستدعي حلولًا إسعافية عاجلة لا تحتمل التأجيل.
تسعيرة لا تراعي الواقع الاقتصادي
تعليقًا على أزمة الكهرباء، أوضح مهندس الكهرباء، نادر أحمد، أن منزلًا يضم خمسة أفراد يحتاج إلى ما بين 1500 و2000 كيلوواط ساعي في الدورة الواحدة، من دون احتساب استهلاك التدفئة أو التبريد، مشيرًا إلى أن متطلبات الحياة العصرية باتت تفرض حدًا أدنى من الاستهلاك الكهربائي.
ويرى المهندس أحمد أن أي سياسة تسعير لا تراعي هذا الواقع ستضع المواطن حتمًا أمام خيارات قاسية تمس حقه في العيش الكريم، مؤكدًا في ختام حديثه لـ”الترا سوريا” أن معالجة هذه الإشكاليات لا يمكن أن تتم من دون مراجعة شاملة للسياسات الاقتصادية المعتمدة.
في النهاية، تحسّن الكهرباء خطوة مهمة، لكنها لا تعني الكثير إذا كان المواطن غير قادر على تحمّل كلفتها. فالمسألة لا تتعلق بعدد ساعات التغذية فقط، بل بمدى قدرة الأسرة على دفع الفاتورة من دون أن تتخلى عن احتياجاتها الأساسية. لذلك، يبقى ربط أي تحسين بالقدرة الفعلية على الدفع هو الأساس.
الترا سوريا
—————————-
هل تستعيد نقابة المحامين دورها في سوريا؟/ ميشال شماس
2026.03.01
تقاس العدالة بقدر ما يستطيع المحامي أن يقول “لا” للسلطة عندما تنحرف. فالمحاماة، في جوهرها تشكل خطّ الدفاع الأخير عن الإنسان. وقد عرفت سوريا هذا المعنى يوم تجرأت نقابة المحامين، مع بقية النقابات المهنية في ثمانينيات القرن الماضي، على إصدار بيانها الشهير الذي طالب برفع حالة الطوارئ ووقف الاعتقال التعسفي واحترام استقلال القضاء والنقابات، فدفعَت ثمنه غالياً، حيث تم حلها ومجالس فروعها واعتقال عدد من قياداتها.
منذ ذلك اليوم، بدأ مسارٌ معاكس حوّل النقابة من صوتٍ في وجه الاستبداد إلى أداةٍ في يده، لتتراجع مهنة المحاماة من موقع “الملاذ للمقهورين” إلى مهنة محاصَرة بنقابة مصادَرة. من هنا ينبع سؤال هذا المقال: كيف تحولت نقابة المحامين من حارس للحق إلى واجهة للسلطة، وهل يمكن أن تستعيد دورها بعد الخلاص من نظام الأسد؟
النقابة في عهد الأسد.. تحولت إلى تابع
مع سيطرة البعث والأسد على الدولة والمجتمع، تحولت النقابات المهنية، وعلى رأسها نقابة المحامين، من فضاءاتٍ مستقلة، إلى مجرد كيانات تابعة للسلطة، وصارت تُدار بالتوجيهات السياسية والأمنية، وتُستعمَل لضبط المنتسبين لها بدل حماية استقلالهم، وتحولت مجالسها إلى واجهات شكلية تنفذ ما يأتيها من السلطة.
في هذا المناخ الاستبدادي، تراجعت النقابة عن دورها كدرع للمحامين، وأسهم صمتها وأحياناً بمشاركتها في تركهم مكشوفين أمام القمع. عشرات المحامين اعتُقلوا بسبب آرائهم أو مواقفهم، وآخرون قضَوا تحت التعذيب، من دون أن يصدر موقف منها يرقى إلى مستوى الكارثة، ولم تطالب بتحقيق، ولم تدافع عن كرامة أعضائها. هذا الصمت جعلها شريكاً في القمع لا ضحية له، وأرسل إشارة واضحة لكل من يفكّر في الاعتراض: أنت وحدك.
هذه السيطرة الطويلة لم تكمّم صوت النقابة فحسب، بل ضربت قلب المهنة من الداخل. فمع نقابة لا تملك قرارها غابت المحاسبة، وتآكلت معايير المهنة، وصار المسيء أقوى من القانون، بينما يدفع الشريف ثمن موقفه. وتراجع التدريب والتأهيل، واتّسعت بوابة القبول بلا ضوابط، فدخل المهنة كثيرون بلا إعداد ولا ثقافة قانونية راسخة، فتراجعت جودة المرافعات واهتزّت ثقة الناس بالمحاماة، حتى أصبحت النقابة نفسها بحاجة إلى من يدافع عنها.
ولم يكن مفاجئاً، في ظل هذا الواقع المختل، أن يظهر نمط من المحامين تخلّى عن قسمه واستغلّ مآسي الناس — وخاصة مأساة المعتقلين — طلباً للمال، مستفيداً من نقابة لا تحاسب وسلطة لا تحترم المهنة. ومع ذلك، بقيت قلّة من المحامين القابضين على الجمر أثبتوا بسلوكهم أن العطب في البنية لا في شرف المحاماة.
بعد سقوط نظام الأسد.. أمل كبير وخيبة أكبر
بعد سقوط نظام الأسد ومجيء سلطة جديدة، راود المحامين أملٌ بأن تعود النقابة إلى أصحابها الطبيعيين، وأن تستعيد دورها كمنبر حرّ لا كذراع للسلطة. كان التصوّر أن سقوط القبضة الأمنية عن النقابات سيعني تلقائياً ولادة نقابات مستقلة، منتخَبة، تعبّر عن هموم المهنة لا عن تعليمات وتوجيهات الحكومة الجديدة.
لكن ما جرى عملياً بعد مرور عام وثلاثة أشهر مضت على الحكم الجديد لم يختلف كثيراً عمّا كان سائداً في عهد الأسد المخلوع . حيث تم حلّ مجلس النقابة وفروعها كما في بقية النقابات وتعيين مجالس بديلة بقرارات من الأمانة العامة للشؤون السياسية التي شكلها وزير الخارجية، وكأننا أمام مشهد مكرر لما كانت تفعله القيادة القطرية لحب البعث المنحل، في خطوة أعادت إلى الذاكرة المثل الشعبي: «تيتي تيتي… مطرح ما رحتي جيتي». تغيّر الاسم، وبقي النهج ذاته لتجد النقابة نفسها، مرة أخرى، أقرب إلى دائرة حكومية منها إلى بيت مستقل لأهل المهنة، وعاد المحامون إلى النقطة التي ظنّوا أنهم تجاوزوها.
إنقاذ مهنة المحاماة يبدأ من استعادة استقلال النقابة
أي حديث عن إصلاح المهنة يبقى وهماً ما لم يُستعاد أولاً استقلال النقابة. فالنقابة ليست دائرة حكومية، بل هي بيتٌ مهني يجب أن يُدار بإرادة المحامين أنفسهم، عبر انتخابات حرة، وقرارات تصنعها مجالس الفروع لا المكاتب الأمنية أو القرارات السياسية. من دون هذا الاستقلال المؤسسي، ستظل كل محاولة لرفع مستوى المهنة أو محاسبة الفاسدين تصطدم بسقف سياسي منخفض، يمنع النقابة من أن تقوم بدورها الطبيعي: حماية أعضائها، وصون كرامة المهنة، والدفاع عن سيادة القانون.
ولكي لا يبقى الحديث عن الاستقلال مجرد شعار، لا بد أن يتحول إلى مسار إصلاحي واضح يقوم على جملة شروط عملية: أوّلها تحصين النقابة دستورياً وقانونياً يضمن بوضوح عدم حل مجالسها ولا أن تُعيَّن من فوق، بل تُنتَخب انتخاباً حراً من المحامين أنفسهم، وثانيها إصلاح داخلي يعيد الهيبة لمؤسساتها التأديبية فيُحاسَب المسيء مهما كان نفوذه، وتُغلَق أبواب الوساطة والمحسوبيات في الانتساب والترفيع. وثالثها رفع مستوى المهنة بتشديد شروط القبول وفرض تدريب جديّ وتحديث علمي مستمر، ورابعها تفعيل الدور الحقوقي للنقابة في الدفاع عن المحامين المضطهدين ورفض انتهاك حقوق الإنسان وحماية الحريات العامة، وخامسها تنظيم كتل مهنية مستقلة تخوض انتخابات النقابة بأجندة إصلاحية واضحة، حتى لا تبقى القاعدة صامتة والقرار حكراً على من يملكون مفاتيح السلطة.
بين الألم والأمل
إذا كانت مهنة المحاماة تعيش اليوم أعمق أزماتها، فذلك لأن النقابة تخلّت عن دورها، ولأن السلطة — قديمة كانت أم جديدة — صادرت استقلالها، ولأن فئة من المحامين ارتضت أن تتحوّل من حماة للحق إلى سماسرة للظلم، فاهتزّت ثقة الناس بالمهنة وبأهلها. ومع ذلك، يبقى موقف النقابة حين رفعت صوتها في ذروة الاستبداد الأسدي شاهداً على أن ما صودر يمكن أن يُستعاد.
العدالة لا تقوم بلا محاماة، والمحاماة لا تنهض بلا نقابة مستقلة، ولا نقابة بلا ضمير حيّ. وهذا الضمير لا تصنعه النصوص، بل يصنعه المحامون في تفاصيل ممارستهم اليومية، حين يقرّرون أن زمن الصمت والتكيّف قد انتهى، وأن عليهم أن يعيدوا إلى نقابتهم روحها ومعناها، كي تستعيد المهنة شرفها ودورها في حماية حرية الإنسان والقانون معًا.
تلفزيون سوريا
—————————-
=================



