سبان حمو يفتح خزائن أسراره لـ”المجلة”: روسيا سلمتني إلى تركيا فاعتقلت فيها وسوريا… وهكذا أسست “الوحدات” الكردية

(1 من 2)
تناول الحوار مع القيادي الكردي السوري مسيرته من الدراسة في دمشق وانضمامه لـ “حركات تحررية” وسجنه في سوريا وتركيا، مرورا بتأسيسه “الوحدات” التي أصبحت أساس “قسد”، وصولا إلى تعيينه معاونا لوزير الدفاع
إبراهيم حميدي
آخر تحديث 26 مارس 2026
أجرت “المجلة” حوارا شاملا مع القيادي الكردي السوري البارز سبان حمو (سمير آسو) حيث فتح فيه خزائن أسراره في المجالين العسكري والسياسي، بدءا من دراسته في دمشق، مرورا بانضمامه إلى “حركات تحررية” وسجنه في سوريا وتركيا وتسليمه من قبل موسكو إلى أنقرة، مرورا بتأسيسه “وحدات حماية الشعب” الكردية قبل أن تصبح العمود الفقري لـ”قوات سوريا الديمقرطية” (قسد) وانتهاء بتعيينه معاونا لوزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة، ضمن الاتفاق الذي أبرم بين الحكومة السورية و”قسد” في نهاية يناير/كانون الثاني الماضي.
في هذه الحلقة، نقترب من البدايات الأولى، والتحول من شاب وطالب في دمشق إلى اسم بارز في واحدة من أكثر القضايا تعقيدا في المنطقة.
وقد بدأ من مساكن برزة في العاصمة السورية، حيث يصف تلك المرحلة قائلا: “كنا نعتبر اللغات واللهجات الموجودة في المبنى هي جمال للمبنى وكأننا في أسرة واحدة”.
هكذا تبدأ قصة الشاب الكردي السوري. لكن هذه الحياة العادية لم تدم طويلا، إذ انجذب مبكرا إلى العمل السياسي، فانخرط في ما يسميه “حركات تحرّرية”، في مرحلة كانت فيها النشاطات الطلابية مدخلا رئيسا للتنظيم السياسي.
سرعان ما يتحول هذا المسار إلى سلسلة من الاعتقالات والتجارب القاسية في سوريا وروسيا وتركيا. في سوريا، يروي أولى محطات السجن قائلا: “تم توقيفي سنة 1991… وبقيت تقريبا حوالي ستة أشهر في الأمن السياسي في حلب”. لكن التجرية الأشد قسوة كانت لاحقا، حين يصف الاعتقال في فرع الأمن السياسي بمنطقة الفيحاء في دمشق عام 2005 بعدما أمضى سنوات في سجون تركيا عندما سلمته روسيا لها، إذ يقول عن زنزانات نظام الأسد: “كل يوم تعذيب، وكل يوم إهانة”، في شهادة تختصر جانبا من واقع السجون السورية في تلك المرحلة.
أما المحطة الأكثر تعقيدا، فكانت خارج الحدود. فبعد سنوات من النشاط، اعتُقل في جورجيا عام 1999، ليتم تسليمه إلى تركيا، حيث بقي في السجن حتى عام 2004، في سياق إقليمي متشابك أعقب اعتقال عبد الله أوجلان في أفريقيا بداية 1999 بعد أشهر على إخراجه من دمشق في أكتوبر/تشرين الأول 1998. تجربة يختصرها بتسلسل واضح: “اعتقلوني وسلّموني إلى تركيا… وبقيت مسجونا عندهم حتى صيف 2004”.
بين هذه الاعتقالات، تتشكل ملامح شخصية سياسية وعسكرية في آنٍ واحد. بعد تجربته التركية عاد إلى سوريا بتجارب منسوخة بالقضبان ومؤلمة بالتجربة. بعدها خرج إلى كردستان العراق ولم يعد إلا حين اندلاع الاحتجاجات السورية ضمن “الربيع العربي”، حيث أسس في شمال شرقي سوريا “وحدات حماية الشعب” الكردية التي أصبحت عماد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) التي ترأسها الجنرال مظلوم عبدي للتنسيق مع التحالف الدولي بقيادة أميركا.
بعد سقوط عفرين في بداية 2018 اختفى سبان مرة ثانية حيث ذهب لـ”الدراسة” في كردستان العراق، ولم يعد إلى شمال شرقي سوريا إلا عند سقوط نظام الأسد نهاية 2024. عاد إلى سوريا مراهنا على معرفته بالحكام الجدد الذين رتب معهم الكثير من التسويات المحلية.
ولدى اندلاع المواجهات ثم التسويات في بداية 2026 سطع نجم سبان لدى تعيينه معاونا لوزير الدفاع السوري للعمل مع دمشق على اندماج عناصر “قسد” بالجيش السوري.
عن هذه الأمور يتحدث سبان أو سمير لـ”المجلة” في مقابلة أجريت عبر الهاتف في 21 مارس/آذار 2026.. وهذه الحلقة ليست فقط سردا لسيرة فرد، بل نافذة على مرحلة كاملة، حيث كانت الخيارات تُصاغ تحت الضغط، وتُدفع أثمانها في الزنازين قبل أن تظهر على الأرض.
* حدث أمران في 21 مارس 2026: الأول أنه جرى حرق العلم، الذي يُعتبر رمزا وطنيا، ومن جهة أخرى خرج وفد بالزي الكردي في عيد النوروز إلى القصر الرئاسي السوري للقاء الرئيس أحمد الشرع، فكيف ترى هذين الحدثين؟
– دعني أولا أهنئ الأمة الإسلامية والعربية بمناسبة عيد الفطر السعيد، وعيد النوروز، وأهنئ الشعب الكردي والشعب العربي وجميع شعوب المنطقة. لقد جمعهما الله هكذا في يوم واحد، ونأمل أن يكون هذا دلالة خير أو علامة خير لسوريا أولا، وللشعب الكردي خاصة. وأعود فأقول: إن شاء الله تكون أسوأ أيام السوريين قد مرّت، وما بعد ذلك تكون أجمل أيام سوريا القادمة.
بصراحة، إذا نظر أحد إلى الوضع وشرحه بشكل مضبوط، يمكن أن نقول أكيد أن جهات ما لا تحب الصورة الموجودة. يعني زيارة محافظ الحسكة نور الدين أحمد، والقيادي في قوى الأمن الداخلي محمود خليل إلى دمشق بزيّهما الكردي ولباسهما الكردي، واللقاء مع السيد الرئيس أحمد الشرع، طبعا كانت صورة جميلة جدا. هذا يوم تاريخي بالنسبة لأكراد سوريا، وحتى ربما للأكراد عموما.
* ثم حصل حرق العلم؟
– لكننا فوجئنا بموضوع إنزال العلم في منطقة كوباني (عين العرب)، وبعدها انتشرت الأمور فورا، وصارت تُهان الرموز الكردية، وحتى ضرب شباب الكرد بطريقة فظيعة جدا. واختلفت الصورة تماما. وفي هذا الوضع، فإن الحركة التي حصلت في بعض مناطق ريف حلب امتدادا إلى بقية المناطق الأخرى، وفي الوقت نفسه دفعت الطرف الآخر أيضا، حتى صار واضحا الارتداد في المناطق الكردية، مثل القامشلي والحسكة كذلك.
بصراحة، أنا حضرت التجمّع الذي حصل في الحسكة، وحاولت أن أهدّئ الوضع. فدعني لا أخفي عليك: لم تكن الأمور مريحة، وتشعر أن هناك أشياء تُحرك من تحت الطاولة، وأن هناك جهات تحاول إفشال الأمور.
* من هذه الجهات؟
– أكيد لا. لا أريد زيادة في الوضع. وكما أقول لك، لا أريد أن أحدد جهة.. اعذرني. لكن الصورة التي أراها أن هناك أطرافا غير مرتاحة للخطوات التي نتخذها. نحن عقدنا اتفاقا بيننا وبين الحكومة في التاسع والعشرين من الشهر الماضي، نفذناه بندا تلو الآخر، وعملنا دمجا حقيقيا من القوات العسكرية إلى قوات الأمن الأسايش، وبالتالي مع بقية المؤسسات الموجودة. فهذه الخطوة طبعا ربما أزعجت بعض الجهات، وحتى البعض ضمن الشارع الكردي الذي لم يستوعب الموضوع، أو لم يستطع أن ينسجم بشكل مضبوط. لا بأس، فالأمور ربما مع مرور الزمن تُحل.
إضافة إلى ذلك، وتعقيبا على التطورات التي حصلت، فإن عودة الأهالي إلى عفرين كانت طبعا بالنسبة للشعب العفريني يوما تاريخيا. بعد أشهر طويلة، عودة الأهالي بهذا الشكل صارت صورة تاريخية. وهذا الموضوع أزعج البعض، ثم جاء بعدها النوروز والعيد، والحركات التي حصلت في الشارع، فمالت الكفة أكثر إلى الجانب الكردي. وتلاحظ أن هناك جهات مشحونة ومتضايقة من الوضع إلى حدّ زائد، ولم يحبّوا إلا أن يخربوا علينا.
* هل تقصد مثلا جهات مثل “حزب العمال الكردستاني”؟ هل أفهم من كلامك أن هناك من لا يحتمل وجود الكردي على الساحة السياسية؟
– أكيد لا، ليس هذا ما قصدت. فكما قلت لك لا يمكنني أن أحدد جهة بالضبط، ولكن إذا لاحظت تعييني معاونا لوزير الدفاع، الشارع العربي حدثت فيه ردود فعل غريبة جدا بالرغم من أن هذه المناطق لم أوجد فيها ولم يكن لي هناك أي احتكاك أو تماس مع المجتمع. لا أعتقد أنك إذا سألت أهل الرقة أو أهل دير الزور إن كان هناك من يعرفني شخصيا أو يكون بيني وبينه أي تعامل غير التعامل الحسن، غير التعامل الجيد.
لكن حصلت هذه الأمور. ما السبب؟ عدم تحمل الوجود الكردي على الساحة السياسية. عدم قبول الجهات الأخرى بأن يكون للكرد دور في سوريا. ولكن لا أعرف كيف، أحب أن أذكّر كل السوريين أننا سوريون أولا وأخيرا. ونحن نعتبر سوريا هي السقف الجامع بين كل المكوّنات. أنا- إن كنت كرديا أو عربيا أو أي مكوّن آخر- فأنا سوري أولا. وأفتخر بهويتي السورية، وفي الوقت نفسه طبعا التنوع الموجود في سوريا أعتبره شيئا جميلا جدا، مثل حديقة فيها مليون زهرة.
طبعا الأمور اختلفت؛ أربعة عشر عاما من الأزمة السورية والاقتتال والمشاكل التي حصلت في الداخل أحدثت شرخا بين المجتمعات السورية. وبالأساس، أريد أن أقول لك بصراحة: أنا ابن دمشق يعني خُلقت وكبرت وربيت، وشبابي وطفولتي كلها كانت في دمشق.
* أين تحديدا في حي الرز أم ركن الدين أم برزة؟
– لا، والله، في مساكن برزة.
* أين بالضبط؟
– مقابل البنك الزراعي تماما. منذ أيام صغري. والبناء الذي كنا نسكن فيه كان فيه عرب من إدلب وحوران ومن أماكن أخرى، ولم يسأل أحد يوما: ما أصل هذا الشخص؟ بالعكس، كنا نعتبر اللغات واللهجات الموجودة في البناء هي جمال للبناء وكأننا في أسرة واحدة.
* كلهم كانوا يعرفون اسمك الحقيقي، أي سمير آسو وليس سبان حمو؟
– صحيح.
* ماذا كنت تفعل في دمشق؟ وماذا درست فيها؟
– أنا كنت طالبا إلى أن تغيّرت الأمور، واتجهت نحو حركات سياسية طبعا.
* ماذا درست؟
– في معهد مهني.
* في ذلك الوقت انضممت إلى “حزب العمال الكردستاني”؟
– يعني، لا أريد أن أقول “حزب العمال” فذلك أفضل، فدعني أقول: حركات تحرّرية. هكذا كان شكلها في تلك الفترة.
* في التسعينات؟
– سنة 1990.
* أنت مواليد أي عام؟
– من مواليد 1973.
* وقتذاك كنت في جامعة دمشق، وكان معنا في المدينة الجامعية شابان من “حزب العمال”…
– في ذلك الوقت كان هناك شباب، وحتى في الثانويات كان هناك شباب نشطون.
* كانوا نشطين وكانوا يحاولون تجنيد الطلاب…
– بصراحة، من 1985 إلى 1990 وحتى 1995، كان تنظيم “حزب العمال” ضمن الثانويات والجامعات فقط لا غير. وبالأساس “حزب العمال” كان حركة طلابية.
* كنت بالجامعة؟
– أنا في الحقيقة لم أذهب إلى الجامعة، بل بعد البكالوريا سجلت في معهد صناعي في القابون، أتذكره؟
* طبعا، قرب كلية الشرطة.
– فقط سجلت ولم أذهب. يعني بعمر سبعة عشر عاما التحقت.
* ثم ماذا حصل؟ متى عدت إلى الجزيرة؟
– نتحدث عن التفاصيل لاحقا.
* هل سُجنت؟
– نعم.
* في تركيا؟
– لا، في سوريا. طبعا تم توقيفي مرة سنة 1991 في يوم عيد العمال، وبقيت تقريبا حوالي ستة أشهر في الأمن السياسي في حلب، وبعدها نقلوني إلى سجن السليمانية…
* سجن السليمانية في كردستان العراق؟
– لا، هذا الاسم الذي كان يعرف به ذلك السجن.
* في حلب؟
– نعم، في شمال حلب.
* ثم ماذا؟
– ثم في عام 2005 أيضا اعتُقلت، وبقيت فترة في فرع الفيحاء (الأمن السياسي) في دمشق.
* أعرف ذلك السجن فقد سجنت فيه، التابع للأمن السياسي.
– نعم في زنزانة، لا أعرف النهار من المساء من الليل.
* أي سنة هذه؟
– هذه سنة 2005.
*يعني عند العميد محمد خلوف؟
– أبشع رجل في العالم، والله العظيم. لا يوجد أوسخ من هذا الرجل في الكون.
* بعد 2005 إلى أين ذهبت؟
– بعد ما حصل في القامشلي في مارس/آذار 2004، عملنا بعض المداخلات واشتغلنا في البلد وقتها، فاعتقلت. ثم بقيت في السجن، وإذا تذكر، في بداية 2005 صدر عفو عام.
أ.ف.ب أ.ف.ب
زعيم “حزب العمال الكردستاني” المسجون، عبد الله أوجلان، جالسًا مع أعضاء آخرين من الحزب في سجن إمرالي بجزيرة إمرالي في بحر مرمرة، تركيا، في 9 يوليو 2025
* يعني في 2005 أين كنت؟ كنت في جبال قنديل؟
– لا، لا. أنا منذ سنة 1990 كنت خارج البلاد، في تركيا، وتم توقيفي في تركيا وسُجنت فيها أيضا.
* في أي فترة كان ذلك؟ كيف كان التسلسل؟
– أنا خرجت سنة 1990/1991 وذهبت إلى تركيا، وبقيت هناك حتى 2004.
* يعني مع “حزب العمال”؟
– في عام 1999، عندما حدثت المؤامرة ضد عبد الله أوجلان (زعيم “حزب العمال الكردستاني”)، تم اعتقالي رسميا. كنت في جورجيا، وكان الروس موجودين هناك، الجيش الروسي اعتقلني وسلّمني إلى تركيا.
* بعد خطف عبد الله أوجلان في فبراير/شباط 1999؟
– تماما. الروس اعتقلوني في جورجيا في 1999، ثم سلّموني إلى تركيا في مارس/آذار، وبقيت مسجونا عندهم حتى صيف 2004.
* تلك كانت الفترة التي حصل فيها تفاهم بين سوريا وتركيا، وقاموا بتسليم كل جماعة “حزب العمال”..
– عندها سلّمني الأتراك إلى السوريين بعد اتفاقات أضنة (في 1998).
* ثم قامت الاحتجاجات في القامشلي في مارس 2004 وبقيت في السجن.
– بقيت في السجن في فرع الفيحاء ضيفا معززا مكرما من نهاية 2004 إلى بداية 2005.
* كيف كانت تلك الفترة؟
– ضيفا “معزّزا ومكرّما” كما يقال. كل يوم تعذيب، وكل يوم إهانة. هذا خلوف أوسخ رجل في العالم كله. كان يشتمني بلا توقف بكلام أخجل من قوله..
* كان البرد قاسيا…
– كان البرد شديدا في منتصف الشتاء، كنا مسجونين في شهر يناير.
* ثم خرجت من السجن، ماذا حدث؟
– خرجت وذهبت إلى شمال العراق.
* إلى السليمانية أم قنديل؟ وبقيت هناك؟
– ذهبت إلى أقرباء لي.
* إلى أربيل؟
– وبقيت في المنطقة إلى سنة 2010. وفي عام 2010، بدأت شرارة “الربيع العربي” الحراك العربي في تونس، عملنا بعض الترتيبات. عرفنا أن الموضوع قادم رويدا رويدا باتجاه منطقتنا، فجئنا في 2010 وقمنا ببعض التحضيرات. وفي بداية 2011 أسسنا مجموعات “وحدات حماية الشعب”. أنا أسستها.
* ثم ماذا حصل بعد تأسيس “وحدات حماية الشعب”؟
– بدأنا من تحرير القرى الكردية، من المخافر ومن وجود الدولة ومن كل شيء، وتطورت الأمور، حتى وصلت المواجهات معنا إلى هجوم “داعش” على كوباني. وعندما صارت هجمات “داعش” على كوباني، أصبح موضوع كوباني ملحمة، وكل العالم صار يعرفها، وتغيرت المعادلة عندما دخل معنا الأميركيون والتحالف على الخط.
* لكن كان هناك اتهام بوجود تنسيق بينكم وبين النظام، وأن النظام سلّمكم كل المناطق لكي لا يسيطر عليها “الجيش الحر”. ما مدى صحة هذا الكلام؟
– ليس موضوع تسليم. نحن كنا نضعهم تحت الأمر الواقع: إما أن نُخرجكم بالقوة من المنطقة، وإما أن ترحلوا وتسلّموا كل الأغراض وتذهبوا. كنا فقط نعطيهم فرصة أن يخرجوا أحياء. وإلا كنا سنأخذها بالقوة. وقد حصلت اشتباكات بيننا وبينهم في بعض النقاط. فالموضوع لم يكن كله تسليما.
صحيح أن النظام لم يكن يريد أن يجرّنا باتجاه المعارضة، بحيث تحصل مواجهة واقتتال فنُجبَر على التحالف مع المعارضة، ومقاربته تلك كانت صحيحة. النظام لم يواجهنا كثيرا، لكننا اقتتلنا مع النظام في الرميلان، وجرت بيننا معارك وسقط قتلى، وكذلك في المالكية مع الأمن العسكري وسقط لنا مقاتلون في اقتحام الأمن العسكري، وقاتلنا النظام في مقر الأمن الجوي في كوباني، وسقط منهم ضباط في الأمن الجوي في كوباني، وقاتلنا النظام في الشيخ مقصود (في حلب).
وقتها تحالفنا مع “الجيش الحر” مع “لواء جبهة سوريا” أحمد عفش، واقتحمنا بعض نقاط الدولة (النظام) في الشيخ مقصود. إذ كانت هناك معارك وحدثت أمور بيننا وبين الدولة، لكن لا يمكنك أن تقول إن الدولة سلّمتنا كل شيء. اعتبرتنا مثل “الجيش الحر” بالعكس النظام حاول دائما أن لا يضعنا في موضع المعارضة، كانت هناك بعض التسهيلات ولكن لا أستطيع القول إن الموضوع كان يخضع للنقاش أو للتسليم، لم يكن كذلك. الأمر كان مفروضا عليهم. وفي المناطق التي لم يوافقوا فيها وقع قتال.
* بعدها تشكّل “التحالف الدولي” بقيادة أميركا، و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد). صحيح؟
– نعم، بعد “قسد” اختلفت الأمور، خرجنا من المناطق الكردية باتجاه المناطق العربية لمحاربة “داعش” مع التحالف. وكان هذا برنامج آخر، وضمنه صارت أمور وبرامج تعاون بيننا وبين قوات التحالف، وتم تطبيق وتنفيذ برامج التحالف الموجودة على الأرض أو على الطاولة بشكل متفق عليه بيننا وبين قوات التحالف.
* أنت أسست “وحدات حماية الشعب”، ثم ترأس الجنرال مظلوم (عبدي) “قسد”…
– الأمر كان مرتبطا، للتنسيق الذي كان مع الأميركيين جاءت هذه الأمور.
* لكن كانت هناك نقطة انعطاف في تاريخك، وهي قصة عفرين في بداية 2018. أنت قبل عفرين ذهبت إلى موسكو واجتمعت مع رئيس الأركان الروسي وقالوا لك: لا يوجد تدخل وسنحميكم، لكن الروس خدعوكم، صحيح؟
– في العلاقات السياسية والعلاقات الدبلوماسية لا يوجد شيء اسمه أن أحدا يخدع أحدا. كلّها مصالح. ونحن أيضا إذا عملنا علاقة مع أي طرف، أكيد يكون لنا فيها مصلحة، كما أن له مصلحة. فما بالك بالدول العظمى؟ هذه لا تعمل مع أي جهة إذا لم تكن تريد أن تستفيد منها.. لا يتقربون من أي جهة محبة بها.
* لكنك شعرت أن الروس خانوك، ثم انكفأت بعدها، صحيح؟
– في أيام عفرين كان الأمر عاطفيا وربما استخدمت تلك الكلمات في حينه، لكن أنا لا أعتبر الموضوع خيانة، بل مصالح وربما كانوا يحاولون موازنة كفيّ الميزان ومصلحتهم مع تركيا كانت أقوى.
* لكن اختفيت بعدها تقريبا؟
– تقريبا نعم. ذهبت إلى أربيل إذ أحببت أن أتابع دراستي.
* ودرست هناك؟
– دراسة مفتوحة. أحببت أن أكمل الاختصاص الذي كنت أحبه.
* وما هو الاختصاص؟
– التاريخ.
* ومتى عدت؟
– عدت السنة الماضية.
* لماذا عدت؟
– بصراحة، الجماعة الموجودون، الذين يقال إنهم يكرهونني، في البداية كانت لي معهم علاقات جيدة جدا، من الرئيس أحمد الشرع إلى أبو ماريا القحطاني إلى الجماعات الموجودة الآن (ووزير الداخلية) أنس الخطاب والجميع. أيام عفرين كانت علاقاتنا جيدة.
وفي 2013 وقّعنا اتفاقا مع “جبهة النصرة” ضمن حدود عفرين. فتوقعت أن هذه المرحلة قد نتمكن فيها من عمل اتفاقات إيجابية جدا وأردت أن أصل إلى هذه الصيغة. لكن بعد أن جئت، رأيت أن الأمور تطورت باتجاهات أخرى، وأن هناك جهات كثيرة على الخط. الكل موجود في سوريا، والبرامج أو المشاريع المطروحة اليوم كأننا تنظيمان وبيننا مصالح متطابقة ويمكن أن نتفق كما في 2013، حتى العلاقات اختلفت، هم كانوا تنظيما ونحن كنا تنظيما. الآن هم الدولة ويعتبرون الأكراد جهة محدودة أو صغيرة في سوريا. لم تعد تشبه ما كان قائما سابقا.
* عندما كنت قائد “وحدات الحماية” ومع الجنرال مظلوم، تفاوضتَ أكثر من مرة في لقاءات مع اللواء علي مملوك، صحيح؟ وكيف كانت علاقتك معه؟
– قابلت علي مملوك عدة مرات. وأول لقاء بيني وبينه كان في مطار حميميم في اللاذقية. عندما شرحت لك عن اشتباكاتنا مع النظام نسيت أن أذكر الحسكة إذ دارت معارك بيننا وبين النظام لتحرير مدينة الحسكة. وفي سياق المشاكل بيننا وبين النظام في الحسكة قابلت علي مملوك وكان أول لقاء في مطار حميميم بوساطة روسية، وكان ذلك تقريبا في 2016.
* وبعدها وقّعت اتفاقا أو مذكرة، وكان هناك تنسيق بينكما؟
– كان هناك تنسيق، باعتباره كان رئيس المخابرات، كان هناك تنسيق طبعا.
الجزء الثاني:سبان حمو: لست متشددا بل رجل سلام أدعم الدولة… والشرع نجح في تجنيب سوريا الحرائق
————————–
هناك من أخطأ في الرهان على تدخل أميركا وإسرائيل… أدعم الدولة والشرع نجح في تجنيب سوريا الحرائق (2 من 2)
في الحلقة الأولى تحدث القيادي الكردي سبان حمو (سمير آسو) عن سنوات السجن في تركيا وسوريا وتأسيس “وحدات حماية الشعب” الكردية. وفي هذه الحلقة ننتقل من السيرة الشخصية إلى لحظة سياسية مفصلية في تاريخ سوريا الجديدة: لحظة دخول الأكراد إلى قلب الدولة، ليس من بوابة الصراع، بل من بوابة التمثيل والشراكة.
مشهد الوفد الكردي بزيه التقليدي داخل القصر الرئاسي لم يكن تفصيلا عابرا، بل كما وصفه سبان حمو: “كانت صورة جميلة جدا… هذا يوم تاريخي بالنسبة لأكراد سوريا”.
صورة تحمل رمزية عميقة، تعكس تحوّلا في العلاقة بين الدولة والمكوّن الكردي، بعد سنوات من التوتر والقطيعة. ويقول إن الرئيس أحمد الشرع “يؤدي دوره بشكل ناجح، وهو حتى اللحظة إيجابي جدا. والمنطقة كما قلت على صفيح ساخن، وتجنيب سوريا هذه الحرائق ليس أمرا سهلا. لكنه حتى اللحظة ناجح، وأتمنى له التوفيق”.
لكن الأهم من الرمزية، هو ما تلاها من قرارات. تعيين سبان حمو معاونا لوزير الدفاع لم يكن متوقعا، بل جاء في لحظة إعادة تشكيل بنية السلطة العسكرية. وهو يصف هذه المرحلة بوضوح: “الآن الحقيقة هي هكذا… هم الدولة ونحن صرنا تنظيما”، في اعتراف يعكس حجم التحول الذي فرض نفسه على الجميع.
هذا التعيين يفتح أسئلة أكبر: هل نحن أمام بداية اندماج حقيقي؟ أم مجرد ترتيب مؤقت لمرحلة انتقالية؟
حمو يقدّم نفسه في هذا السياق بصورة مختلفة عن الانطباع السائد، مؤكدا: “أنا أدعم السلم والسلام… ولم أؤمن يوما بأن الطريقة العسكرية تحقق التفاهم”، واضعا مهمته في إطار بناء علاقات جديدة مع الدولة.
وفي قلب هذا التحول، يظهر بُعد أوسع يتجاوز الشخص إلى المبدأ، حين يقول: “أتمنى أن تكون مؤسسات الدولة متاحة لجميع المكونات، ومن دون إقصاء أو تهميش لأي جهة”، في إشارة إلى اختبار حقيقي لمستقبل الشراكة داخل سوريا.
هذه الحلقة تواكب لحظة إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف، بين الدولة والمكوّنات، وتطرح سؤالا جوهريا: هل تمثّل هذه الخطوات بداية استقرار سياسي، أم إنها مجرد محطة في طريق أكثر تعقيدا؟
وهنا نص الحلقة الثانية والأخيرة للمقابلة التي جرت عبر الهاتف في 21 مارس/آذار 2026:
* قلت إنك رجعت إلى سوريا من كردستان العراق بعد سقوط الأسد نهاية 2024، لأنك تعرف كثيرين من القيادة الجديدة، مثل وزير الداخلية أنس خطاب وأبي ماريا القحطاني (الراحل) ووزير الخارجية أسعد الشيباني، وكانت هناك اتفاقات بينكم وبين “هيئة تحرير الشام” بقيادة أبو محمد الجولاني، أي الرئيس أحمد الشرع…
– لا أذكر أني التقيت الشيباني سابقا.
* قيل إنك قلت إنك تعرفه…
– “أبو عائشة” الذي كنت أعرفه شخص آخر أصبح على ما أعتقد مدير منطقة في ريف حلب.
* كما ذكرتَ كنتما تنظيمان وأصبحوا الآن هم الدولة وأنتم تنظيم، صحيح؟
– نعم، الحقيقة الآن هي هكذا.
* ثم حصلت الاشتباكات في يناير/كانون الثاني. ماذا كان موقفك من تلك الاشتباكات؟
– من طرفنا كانت هناك أخطاء بصراحة. نحن أخذنا الأمور على أساس أن المجتمع الدولي معنا، وأنه إذا حصل أي خلاف فسيقف معنا. لكن هذا التقدير كان خاطئا. الوضع السوري اختلف، وسقوط النظام كان بمثابة انتهاء مشروع “سايكس بيكو” تماما. اختلفت الأمور ونحن باتجاه مرحلة جديدة. وكان يجب أن نقرأ هذا الوضع بشكل أفضل. اعتبرنا أن بعض الجهات لن تتخلى عنا باعتبار أننا حاربنا “داعش” معا وما إلى ذلك لكن المصالح أخذتهم إلى دمشق، والرأي الدولي كان مع دمشق بكل الأمور. وربما لو قرأناه جيدا لتفاوضنا بطريقة أنسب. وهذه الاشتباكات الأخيرة بصراحة لم يكن لها لزوم.
* هل تقديرك أن البعض في قيادة “قسد” أو “مجلس سوريا الديمقراطية” كانوا يراهنون على أن الأميركيين لن يتخلوا عن “قسد”، أو أن إسرائيل ستتدخل لصالح “قسد”؟ وهل ترى أن هذين الرهانين كانا خطأ؟
– برأيي كانا خطأ. كما ذكرت قبل قليل، هل هذه المرحلة مناسبة للتدخل الإسرائيلي بالوضع الحالي أم تحتاج إلى وقت؟ إذا قرأنا الوضع بشكل جيد، نجد أن إسرائيل عندها أولويات أخرى، وتريد أن تنهي التهديد الموجود في المنطقة بشكل كامل. في المستقبل ربما. إسرائيل اليوم مهتمة بجنوب سوريا، وهي تقريبا مسيطرة على جنوب سوريا بشكل كامل. لا تريد أن تتوسع البقعة بشكل أكبر بحيث تخرج عن سيطرتها. لذلك نحن لم نقرأ الموضوع جيدا. نعم، ربما كان هناك رهان على أن الإسرائيلي لن يتخلى، أو أن الأميركي لن يتخلى، بحكم أننا خضنا الحرب معهم، حتى قيل إننا كنا سببا في عودة ترمب إلى رئاسة أميركا بسبب الانتصارات ضد “داعش”. لكن الرأي الجماهيري شيء، والسياسات شيء آخر. الأوروبيون والأميركيون لديهم عاطفة تجاه الشعب الكردي أو موقف الشعب الكردي، لكن السياسة تختلف عن العاطفة الشعبية.
* هل تشعر أن الأميركيين خانوا الأكراد مرة ثانية؟
– لن أستخدم كلمة خيانة. أنا أعتبرها مصالح.
* صار الاتفاق في 29 يناير، وكان أكثر شخص غير متوقع أن يكون معاون وزير الدفاع هو أنت، لأن هناك انطباعا أنك الأكثر تشددا. هل كان هذا الانطباع ظالما لك؟
– والله أنا لا أعتبر نفسي شديد التشدد بصراحة.
* كان الاعتقاد أن سبان حمو هو ممثل جبل قنديل، هو المتشدد، هو الذي كان يريد معركة لقتال الجيش السوري. باعتقادك هل هذا الانطباع كان صحيحا أم خاطئا؟ هل ترى نفسك رجلا عسكريا أم رجل سلام؟
– أنا أدعم السلم والسلام. صحيح أنني شخص عسكري، ولكنني لم أؤمن يوما أنه بالطريقة العسكرية يمكن أن يتحقق التفاهم أو أن يصل أحد إلى الحضارات أو إلى التطور أو إلى التقدم. البلدان التي خرجت من الاقتتال الداخلي والعسكري هي التي تطورت. وأنا جئت فقط لعقد علاقات إيجابية جيدة جدا بيننا وبين الدولة الجديدة، على هذا الأساس. ولكن الصورة انتشرت هكذا، والعالم ربما أراد أن يأخذ احتياطاته، فوصلت الأمور إلى هذه الدرجة.
* في 28 يناير كم كان عدد قوات “قسد”؟
– كان العدد بحدود سبعين ألفا.
* وبعد الاتفاق، كم أصبح العدد بعد خروج العشائر؟
– الآن عددنا الموجود على الأرض معروف. نحن اندمجنا مع الجيش ضمن ألوية، وكل لواء قُدِّم بشكل رسمي، وقوام كل لواء 1300 مقاتل. ولكن أعدادنا أكبر من هذا بكثير، وإذا أردنا أن نشكّل ألوية أخرى، فبإمكاننا تقريبا أن نشكل ثمانية ألوية إضافية.
* أربعة ألوية، وكل لواء 1300 عنصر. الناس الذين لم ينضموا إلى الألوية ماذا حصل لهم؟
– نحن نحاول في المستقبل أن نناقش هذه الملفات ونحل الأمور بطريقة أخرى. هؤلاء عساكر، وندرس مع وزارة الدفاع كيف نرتب أمورهم، وكيف يكون انتسابهم إلى الجيش، والذين سنسرّحهم كيف نرتب تقاعدهم. وكذلك عندنا ملفات المعوقين وعائلات الشهداء وهذه ملفات يمكن أن نناقشها وندرسها مع وزارة الدفاع في المستقبل.
* وهؤلاء غير الأسايش (قوات الأمن). الأسايش كم عددهم؟
– ليس لدي رقم دقيق، لكن عددهم كان كبيرا أيضا. وفي الجزيرة ربما عددهم حاليا بحدود ثمانية آلاف.
* إذن هناك أربعة ألوية، ثلاثة ألوية في الحسكة ولواء في عين العرب (كوباني). سابقا في اجتماع 4 يناير كان هناك اتفاق على تشكيل ثلاث فرق منفصلة، ولواء للمرأة ولواء لمكافحة الإرهاب. ثم تغيّر الأمر. ما الاتفاق الآن؟
– الآن الاتفاق صار على تشكيل الألوية الأربعة التي ذكرتها. هذا هو الاتفاق، والعنصر النسوي مرفوض وما زلنا نحاول.
* حتى الآن العنصر النسوي مرفوض؟ اعتقدت أنه جرى تفاهم على أن يكنّ موجودات بحيث تكون داخل كل لواء كتيبة نسائية.
– العنصر النسوي مرفوض بشكل عام ولكنهم لا يتدخلون بخصوصية مناطقنا باعتبار أن العنصر النسوي موجود في منطقتنا ولكن هم لا يعتبرونهن ضمن مؤسسة الجيش.
* في الحسكة هناك فرقة اسمها فرقة الحسكة، صحيح؟
– نعم، هناك فرقة، وقائدها أحمد العايد.
* هو تابع لك؟
– لا، أحمد العايد شخص معروف وهو قائد الفرقة ستين.
* هل حدد مكان انتشار الألوية الثلاثة؟
– الحسكة، القامشلي، ديريك (المالكية).
* كان الاتفاق أن الجيش السوري لا يدخل إلى المناطق ذات الغالبية الكردية، صحيح؟
– هذا كان الاتفاق.
* ما زال هذا قيد التنفيذ؟
– طبعا، الأمور مستمرة.
* تضمن الاتفاق ترشيح شخص لمنصب معاون وزير الدفاع، ورشح أكثر من شخص لم توافق عليهم دمشق؟
– كان هناك مرشحان، أنا وشخص آخر.
* المرشح الآخر كان جيا كوباني. ثم رُشحت أنت ووافقت دمشق عليك صحيح؟
– صحيح.
* أنت كنت معتقلا في تركيا، ودمشق وافقت عليك. هل موافقة دمشق عليك تعني أن هناك استقلالية في القرار السوري عن تركيا؟
– هذا يحتاج إلى دراسة لتكون المعلومات دقيقة. وأنا أعتبر أن القرار صدر من دمشق، والقرار يخص دمشق. أي جوانب أخرى تكون قراءة وليست معلومات.
* الآن أصبحت معاون وزير الدفاع. وهناك أربعة معاونين آخرين، ثلاثة منهم من إدلب، وزير الدفاع من حماة، ونائب وزير الدفاع من إدلب، والرابع تركماني، وأنت كردي. كيف تفهم هذا؟
– عرفت بالتشكيل الموجود بعدما تم تعييني. وأتمنى أن تكون مؤسسات الدولة متاحة لجميع المكونات، ومن دون إقصاء أو تهميش لأي جهة.
* اجتمعت بعد ذلك مع وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة؟
– نعم.
* ماذا دار بينكما من حديث؟
– بمجرد أن تم تعييني بشكل رسمي تمنى لي التوفيق، وقدمت البيانات الرسمية وأخذنا صورة مع السيد الوزير، وانتهى الموضوع، ثم رجعت إلى المنطقة.
* هل لديك صلاحيات كمعاون وزير؟
– المفروض أن تكون كل صلاحيات المنطقة الشرقية مرتبطة بي، ولكن المشاكل الموجودة حاليا تحتاج إلى وقت للعمل عليها. ومن المفروض أن يكون كل الجيش الموجود في المنطقة الشرقية عن طريقي تابعا لوزارة الدفاع. لكن كيف سندير المشاكل الموجودة، وكيف سنهدئها، وكيف نجعل المجتمع يتقبل الوضع، فهذا كله يحتاج إلى بعض العمل. حاليا أنا لدي علاقات وأحاول أن أعمّق العلاقات، لكن عدا قواتنا الموجودة لا أملك علاقات أكثر من ذلك. بقية القوات كان هناك تنسيق سابق وفي الوقت الحال، وقواتنا ما زالت تحت السيطرة وموجودة معنا طبعا.
* عندما صدر قرار تعيينك، هل كانت الصلاحيات محددة؟
– نعم، الصلاحيات محددة بتكليف أو بتعيين من وزارة الدفاع أو مهمات تابعة لوزارة الدفاع في المنطقة الشرقية.
* الآن القوى العسكرية تابعة لك أم للجنرال مظلوم؟
– بالتأكيد تابعة لي، مظلوم ما زال موجودا ودوره الرئيس حاليا المتابعة باعتباره الشخص الذي وقّع على الدمج، وهو يتابع وضع الدمج. مظلوم كان لسنين طويلة جدا قائد قوات “قسد” وما زالت صفته تلك قائمة لأننا لم نعلن رسميا انتهاء “قسد”. وفي المستقبل سنعلن انتهاء “قسد” بشكل نظامي رسمي. حاليا هو موجود بصفته الموقّع على الدمج ولا يزال مستمرا في العملية. عندما تنتهي العملية سيُعلن مظلوم بشكل رسمي انتهاء الدمج، وعندها لن تكون له علاقة بالجيش.
* ماذا يحدث عند ذلك؟
– الأفضل أن توجه هذا السؤال إلى مظلوم.
* الرئيس الشرع أصدر مرسوما أعطى فيه حقوقا للأكراد واستقبل أكرادا بزيهم التقليدي في عيد النوروز. كيف ترى وضع الأكراد حاليا في سوريا؟
– حاليا وضع سوريا كلها يحتاج إلى ترتيب، والوضع العام غير مستقر، وأرى الوضع إيجابيا بشكل عام. أنا أعتبر الأكراد عنصرا أساسيا في سوريا مع كل السوريين. الوضع السوري يحتاج عملا دؤوبا من جميع السوريين وكلنا يجب أن نتحمّل حتى تهدأ الأمور وتستقر الأمور في سوريا. فالوضع الكردي ليس مختلفا عن الوضع العام في سوريا.
* أين ترى موقع سوريا من الصراع الأميركي-الإسرائيلي-الإيراني، باعتبار أن المفترض أن هناك بعض العلاقات بين “قسد” وإيران؟
– لا أظن أن هناك حاليا علاقات بين “قسد” وإيران. عندما كانت إيران موجودة في سوريا، كانت هناك بعض الجهات المتواصلة على الأرض، لكنها برأيي انتهت، منذ سقوط النظام انتهى هذا الموضوع، ولا علاقات يمكن اعتبارها “عضوية” مع إيران. سابقا كانت هناك علاقات مع كل القوى الموجودة على الأرض ومن ضمنها إيران.
* كيف ترى الصراع الأميركي–الإسرائيلي–الإيراني حاليا وموقع سوريا منه؟
– في سوريا أكيد هناك اتفاقات لم يُعلن عنها. لكن بشكل من الأشكال سوريا ستأخذ موقفا بناء على قوى التحالف أو القوات الأميركية، باعتبار أنها ساعدت سوريا وكانت سببا في فتح باب جديد في سوريا وساعدت الحكومة الجديدة على الوصول إلى السلطة. وهذا سيكون له بديل يلجؤون إليه.
على الأرض حاليا لا شيء جدي. بالنسبة إلى سوريا التدخلات التي يتداولها البعض قد لا يحصل منها شيء، من الصعب أن تتدخل في العراق أو لبنان فهذه دول عربية، إلا إذا تشكلت بعض التحالفات يمكن أن تشارك سوريا ضمن تحالف. لكن سوريا لن تتحرك منفردة باتجاه دول عربية.
* فهمت من مصدر أن الأميركيين في آخر هذا الشهر سينسحبون من سوريا تماما، لن تبقى أي قوات في سوريا.
– حتى في دمشق؟
* هل هناك قوات أميركية في دمشق؟
– ربما ليس هناك وجود لعسكريين ولكن هناك وجود لسياسيين.
* أعتقد أنه ستكون هناك قاعدة عسكرية قرب دمشق.
– أظن قاعدة لوجستية، لا أعرف.
* الأميركيون سينسحبون نهاية الشهر من كل المناطق بمن فيهم الموجودون في قاعدتين في المناطق الكردية.
– بالضبط.. أين المواقع التي ينتشرون فيها لا أعرف، وليس لدي معلومات دقيقة.
* هم سينسحبون؟
– لا أعرف، ليس لدي هذه المعلومة. هم سينسحبون من مناطقنا، ما كنا نسميها مناطق شرق الفرات أو المناطق المجاورة.
* في نهاية مارس لن يبقى أي أميركي في المناطق الشرقية..
– من المناطق الشرقية نعم لدي هذه المعلومة، وهم فعلا انسحبوا ولم يبق سوى قاعدة “قسرك”.
* سمعت أنهم سينسحبون من قاعدة “قسرك” في 29 مارس..
– ممكن، لكن هم حاليا موجودون وأبلغونا أنهم سينسحبون من “قسرك” في الوقت المناسب.
* كيف ترى مستقبل سوريا وأنت الآن أصبحت معاون وزير الدفاع؟
– أنا أتمنى أن تكون سوريا بلدا فيه توافق للجميع، وأن تكون منبر الحضارة في المنطقة، وأن تكون بلدا يتعايش فيه الناس بشكل سلمي. أما بالنسبة لي شخصيا، فيكفيني أن تكون سوريا بخير، ولا أريد أكثر من هذا. وإذا البلد بخير، يمكنني أن أجلس في زاوية ولا أتدخل بأي شيء. المهم أن يكون البلد بخير. أنا لا أفرق بين الكردي والعربي وبقية المكونات. بالنسبة لي كل سوري عزيز وغيور على بلده وسوريا تستاهل كل الخير.
فيما يخص المستقبل، سوريا في منطقة حساسة واستراتيجية جدا، ولا يمكن أن تمر كل هذه الأزمة مرور الكرام من دون أن تؤثر على سوريا. والأمر متوقف على العقل أو الذكاء الإداري بالشكل الإداري العام ولا أقصد شخصا معينا.. كيف سيتجنبون هذه الأزمة الموجودة في المنطقة؟ وكيف يمكن تجنيب سوريا آثارها أو تخفيف آثارها على سوريا ما أمك؟
* حتى الآن الرئيس الشرع نجح في تجنيب سوريا، فسوريا بين ثلاث نيران، لبنان والجنوب والعراق (وإيران). حتى الآن نجح الشرع في تجنيب سوريا أن تكون ضمن هذه الحرائق.
– بشكل عام، أرى أنه يؤدي دوره بشكل ناجح وحتى اللحظة إيجابي جدا. والمنطقة كما قلت على صفيح ساخن، وتجنيب سوريا هذه الحرائق ليس أمرا سهلا. لكنه حتى اللحظة ناجح، وأتمنى له التوفيق.
* هل ترى نفسك مستقبلا نائب رئيس، أو معاون رئيس، أو رئيس برلمان، أو رئيس حكومة؟
– أنا بصراحة كنت أتمنى أن يُفتح لي مجال في الأمور السياسية أو الداخلية، وربما يأتي وقته. ولكن هذا ما طُرح، وهذه أعتبرها مهمة أو وظيفة يجب أن أعمل فيها. وأسأل الله أن لا يُخجلنا، وأن نكون على قدر المسؤولية، ونخدم هذا البلد.
* وهل لديك رغبة مستقبلا في الدخول في العمل السياسي إذا أتيح المجال؟
– كانت لدي الرغبة من قبل، لكن الآن طُلبت مني هذه المهمة، وأنا جاهز لتنفيذها.
* هل ترى أن هناك قلقا من الوجود الكردي في سوريا؟
– بالنسبة للعرب لا يوجد أي تهديد ولا أي خطر ولا أي شيء، بالعكس. وجود الكرد في سوريا، وحتى في بناء سوريا الحديثة قبل مئة سنة، كان للكرد دور إيجابي جدا. ونحن نعتبر أنه بالتأكيد في بناء سوريا الجديدة أيضا سيكون للكرد دور إيجابي، وسيحمون أنفسهم ويدافعون عن البلد كما يدافعون عن أعزّ شيء عندهم. فلا ينبغي لأي جهة من الجهات أن يكون عندها أي شك في هذا الموضوع… أود التركيز على الجانب العربي وأخوّة الكرد مع العرب.
* كيف تربط الحاضر بالتاريخ والمستقبل؟
– لا يُذكر في التاريخ شيء عن خلاف عربي- كردي. على العكس هناك إنجازات متبادلة. الكرد أول من أسلموا بعد العرب، الكرد ساهموا في فتوحات بلاد الرافدين وبلاد فارس مع القائد الإسلامي خالد بن الوليد. وفي الوقت نفسه، حينما كانت المذاهب العربية تتقاتل فيما بينها، أخذ الكرد موقفا بعيدا عن النزاعات الداخلية وصدّوا هجمات العدو الذي كان يستهدف المنطقة وبلاد الإسلام.
بشكل عام، الكرد كانوا القدوة بذلك الانتشار الإسلامي. الهوية الإسلامية التي جمعت بين الكرد والعرب كانت بمثابة الشعلة وانتشار الأمة الإسلامية في جميع بلدان المنطقة من مشرقها إلى مغربها.
* لكن هناك صدامات وخلافات…
– حصل الخلاف عندما شعر الكرد بالاضطهاد أو بالتهميش في حينه. عدا ذلك، نحن نؤمن بهوية سورية جامعة. سوريا بمثابة الكل للجميع، وإذا نظرنا إلى الموضوع من هذه الناحية، أي كيف كان الكرد خلال التاريخ مع الإسلام؟ فإذا كانت الهوية الجامعة هي الهوية السورية التي تجمع كل المكونات، فإن الكرد سوف يلعبون الدور ذاته كما في زمن الفتوحات الإسلامية في بداية انتشار الدين الإسلامي في المنطقة.
المقصود أن تكون هناك رسالة واضحة للعرب بأن الكرد ليسوا أعداء بل إخوة في الدين وإخوة في الوطن، أشقاء في الدين وأشقاء في الوطن. هناك جهات تحاول الجر باتجاهات مختلفة، “البعثيون” حاولوا تعقيد الأمور بالقومية العربية أو بالشوفونية العربية، والأتراك يحاولون جر الأمور في منحى آخر. عندما تكون سوريا هي الهوية الجامعة فإن الكرد سيضحون ويقدمون ويكونون في مركز العطاء في البلد مثلما كانوا في التاريخ الإسلامي خلال زمن الفتوحات الإسلامية في بلاد الرافدين وبلاد فارس.
* أنت متفائل بأن تسير الأمور في الاتجاه الصحيح رغم العقبات والصعوبات؟
– أرجو أن لا يُخجلنا الله.
المجلة



